٤٢ - عن جابر بن عبد الله - ﵁ -: أنّ النّبيّ - ﷺ -، قال: أُعطِيتُ خمسًا، لَم يُعطَهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصرتُ بالرّعب مسيرةَ شهرٍ، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيّما رجلٍ من أمّتي أدركته الصّلاة. فلْيصلِّ، وأُحلِّتْ لي المغانم، ولَم تحلِّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيتُ الشّفاعة، وكان النّبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً، وبُعثت إلى النّاس عامّةً. (١)
تمهيد: مدار حديث جابر هذا على هشيم، أخبرنا سيّار أبو الحكم العنزي عن يزيد الفقير عن جابر.
وله شواهد من حديث ابن عبّاس وأبي موسى وأبي ذرٍّ، من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، رواها كلّها أحمد بأسانيد حسان.
قوله: (أعطيت خمسًا) بيّن في رواية عمرو بن شعيب، أنّ ذلك كان في غزوة تبوك، وهي آخر غزوات رسول الله - ﷺ -.
قوله: (لَم يُعطَهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي) وفي حديث ابن عبّاس " لا أقولهنّ فخرًا " ومفهومه أنّه لَم يختصّ بغير الخمس المذكورة، لكن روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: فضّلت على الأنبياء
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٨، ٤٢٧، ٢٩٥٤) ومسلم (٥٢١) من طريق سيّار أبي الحكم عن يزيد الفقير عن جابر - ﵁ -. وتقدّمت ترجمة جابر - ﵁ - قريبًا برقم (٣٩).
[ ١ / ٣٥١ ]
بستٍّ. فذكر أربعًا من هذه الخمس، وزاد ثنتين. كما سيأتي بعد.
وطريق الجمع أن يقال: لعله اطّلع أوّلًا على بعض ما اختصّ به، ثمّ اطّلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حجّةً يدفع هذا الإشكال من أصله.
وظاهر الحديث يقتضي أنّ كلّ واحدة من الخمس المذكورات لَم تكن لأحدٍ قبله، وهو كذلك، ولا يعترض بأنّ نوحًا ﵇ كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطّوفان؛ لأنّه لَم يبق إلاَّ من كان مؤمنًا معه. وقد كان مرسلًا إليهم؛ لأنّ هذا العموم لَم يكن في أصل بعثته، وإنّما اتّفق بالحادث الذي وقع - وهو انحصار الخلق في الموجودين - بعد هلاك سائر النّاس، وأمّا نبيّنا - ﷺ - فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك.
وأمّا قول أهل الموقف لِنُوحِ ﵇ كما صحّ في حديث الشّفاعة " أنت أوّل رسول إلى أهل الأرض " (١) فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أوّليّة إرساله، وعلى تقدير أن يكون مرادًا فهو مخصوص بتنصيصه ﷾ في عدّة آياتٍ على أنّ إرسال نوح كان إلى قومه، ولَم يذكر أنّه أرسل إلى غيرهم.
واستدلَّ بعضهم لعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق إلاَّ أهل السّفينة، ولو لَم يكن مبعوثًا إليهم لَمَا أهلكوا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٦٢) ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.
[ ١ / ٣٥٢ ]
لقوله تعالى (وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولًا). وقد ثبت أنّه أوّل الرّسل.
وأجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدّة نوح، وعلم نوحٌ بأنّهم لَم يؤمنوا فدعا على من لَم يؤمن من قومه ومن غيرهم فأجيب.
وهذا جوابٌ حسنٌ، لكن لَم ينقل أنّه نُبِّئ في زمن نوحٍ غيره.
ويحتمل: أن يكون معنى الخصوصيّة لنبيّنا - ﷺ - في ذلك بقاء شريعته إلى يوم القيامة، ونوحٌ وغيره بصدد أن يُبعث نبيٌّ في زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته.
ويحتمل: أن يكون دعاؤه قومه إلى التّوحيد بلغ بقيّة النّاس فتمادوا على الشّرك فاستحقّوا العقاب، وإلى هذا نحا ابن عطيّة في تفسير سورة هود، قال: وغير ممكن أن تكون نبوّته لَم تبلغ القريب والبعيد لطول مدّته.
ووجّهه ابن دقيق العيد. بأنّ توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامًّا في حقّ بعض الأنبياء، وإن كان التزام فروع شريعته ليس عامًّا؛ لأنّ منهم من قاتل غير قومه على الشّرك، ولو لَم يكن التّوحيد لازمًا لهم لَم يقاتلهم.
ويحتمل: أنّه لَم يكن في الأرض عند إرسال نوحٍ إلاَّ قوم نوحٍ (١)
_________________
(١) قال الشيخ ابن باز ﵀ (١/ ٥٦٦): هذا الاحتمال أظهر مما قبله، لقوله تعالى (وأوحي إلى نوحٍ أنه لنْ يؤمن مِن قومِك إلاَّ منْ قد آمنَ) وقوله (وقال نوحٌ ربِّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارًا)
[ ١ / ٣٥٣ ]
فبعثته خاصّةٌ لكونها إلى قومه فقط، وهي عامّةٌ في الصّورة لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتّفق وجود غيرهم لَم يكن مبعوثًا إليهم.
وغفل الدّاوديّ الشّارح (١) غفلة عظيمة فقال: قوله " لَم يعطهنّ أحدٌ " يعني لَم تجمع لأحدٍ قبله؛ لأنّ نوحًا بعث إلى كافّة النّاس، وأمّا الأربع فلم يعط أحدٌ واحدةً منهنّ.
وكأنّه نظر في أوّل الحديث، وغفل عن آخره؛ لأنّه نصّ - ﷺ - على خصوصيّته بهذه أيضًا لقوله " وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة " وفي رواية مسلم " وكان كلّ نبيّ إلخ ".
قوله: (نُصرتُ بالرُّعب) زاد أبو أمامة " يقذف في قلوب أعدائي " أخرجه أحمد.
قوله: (مسيرة شهر) مفهومه أنّه لَم يوجد لغيره النّصر بالرّعب في هذه المدّة ولا في أكثر منها، أمّا ما دونها فلا، لكنّ لفظ رواية عمرو بن شعيب " ونصرت على العدوّ بالرّعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر " فالظّاهر اختصاصه به مطلقًا.
وإنّما جعل الغاية شهرًا؛ لأنّه لَم يكن بين بلده وبين أحدٍ من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصيّة حاصلةٌ له على الإطلاق حتّى لو كان
_________________
(١) أي: كتابه النصيحة في شرح صحيح البخاري. وهو أحمد بن نصر. تقدَّمت ترجمته.
[ ١ / ٣٥٤ ]
وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمّته من بعده؟. فيه احتمالٌ.
قوله: (وجُعِلتْ لي الأرض مسجدًا) أي: موضع سجود، لا يختصّ السّجود منها بموضعٍ دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبنيّ للصّلاة، وهو من مجاز التّشبيه؛ لأنّه لَمّا جازت الصّلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك.
قال ابن التّين: قيل المراد جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وجعلت لغيري مسجدًا ولَم تجعل له طهورًا؛ لأنّ عيسى كان يسيح في الأرض، ويُصلِّي حيث أدركته الصّلاة.
كذا قال. وسبقه إلى ذلك الدّاوديّ.
وقيل: إنّما أبيحت لهم في موضع يتيقّنون طهارته، بخلاف هذه الأمّة فأبيح لها في جميع الأرض إلاَّ فيما تيقّنوا نجاسته.
والأظهر ما قاله الخطّابيّ، وهو أنّ من قبله إنّما أبيحت لهم الصّلوات في أماكن مخصوصة كالبيع والصّوامع.
ويؤيّده رواية عمرو بن شعيب بلفظ " وكان من قبلي إنّما كانوا يصلّون في كنائسهم " وهذا نصٌّ في موضع النّزاع فثبتت الخصوصيّة.
ويؤيّده ما أخرجه البزّار من حديث ابن عبّاس نحو حديث الباب. وفيه " ولَم يكن من الأنبياء أحدٌ يُصلِّي حتّى يبلغ محرابه ".
قوله: (وطهورًا) استدل به على أنّ الطّهور هو المطهّر لغيره؛ لأنّ الطّهور لو كان المراد به الطّاهر لَم تثبت الخصوصيّة، والحديث إنّما سيق لإثباتها.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وقد روى ابن المنذر وابن الجارود بإسنادٍ صحيح عن أنس مرفوعًا: جعلت لي كلّ أرضٍ طيِّبةٍ مسجدًا وطهورًا.
ومعنى طيّبة طاهرة، فلو كان معنى طهورًا طاهرًا للزم تحصيل الحاصل.
واستدل به على أنّ التّيمّم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في هذا الوصف. وفيه نظرٌ (١).
وعلى أنّ التّيمّم جائز بجميع أجزاء الأرض، وقد أكّد في رواية أبي أمامة بقوله " وجعلت لي الأرض كلّها ولأمّتي مسجدًا وطهورًا ".
وسيأتي البحث في ذلك.
قوله: (فأيّما رجلٍ) أي: مبتدأ فيه معنى الشّرط، و" ما " زائدة للتّأكيد، وهذه صيغة عموم يدخل تحتها من لَم يجد ماءً ولا ترابًا ووجد شيئًا من أجزاء الأرض فإنّه يتيمّم به، ولا يقال هو خاصّ بالصّلاة؛ لأنّا نقول: لفظ حديث جابر مختصر.
وفي رواية أبي أمامة عند البيهقيّ " فأيّما رجل من أمّتي أتى الصّلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طهورًا ومسجدًا "، وعند أحمد " فعنده طهوره ومسجده "، وفي رواية عمرو بن شعيب " فأينما أدركتني
_________________
(١) قال الشيخ ابن باز ﵀ (٥٦٧): ليس للنظر المذكور وجهٌ. والصواب أنَّ التيمم للحدث كالماء. عملًا بظاهر الحديث المذكور وما جاء في معناه، وهو قولُ جمٍّ غفيرٍ من أهل العلم. والله أعلم. انتهى كلام الشيخ. قلت: تقدَّم نقل الخلاف في هذه المسألة في حديث عمران بن حصين - ﵁ - المتقدِّم.
[ ١ / ٣٥٦ ]
الصّلاة. تمسّحت وصليت ".
واحتجّ من خصّ التّيمّم بالتّراب بحديث حذيفة عند مسلم بلفظ " وجعلت لنا الأرض كلّها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لَم نجد الماء ".
وهذا خاصّ فينبغي أن يُحمل العامّ عليه فتختصّ الطّهوريّة بالتّراب، ودلَّ الافتراق في اللفظ حيث حصل التّأكيد في جعلها مسجدًا دون الآخر، على افتراق الحكم، وإلاَّ لعطف أحدهما على الآخر نسقًا كما في حديث الباب.
ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ " التّربة " على خصوصيّة التّيمّم بالتّراب، بأن قال: تربة كلّ مكان ما فيه من تراب أو غيره.
وأجيب: بأنّه ورد في الحديث المذكور بلفظ " التّراب " أخرجه ابن خزيمة وغيره. وفي حديث عليٍّ " وجعل التّراب لي طهورًا " أخرجه أحمد والبيهقيّ بإسنادٍ حسن.
ويقوّي القول بأنّه خاصّ بالتّراب: أنّ الحديث سيق لإظهار التّشريف والتّخصيص، فلو كان جائزًا بغير التّراب لَمَا اقتصر عليه.
ويدلُّ عليه قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) فإنَّ الظاهر أنها للتبعيض.
قال ابن بطال: فإن قيل لا يقال مسح منه إلا إذا أخذ منه جزءًا، وهذه صفة التراب لا صفة الصخر مثلًا الذي لا يعلق باليد منه شيء، قال: فالجواب أنه يجوز أن يكون قوله " منه " صلة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وتعقب: بأنه تعسف.
قال صاحب الكشاف: فإن قلتَ لا يفهم أحدٌ من العرب من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن أو غيره إلا معنى التبعيض.
قلت: هو كما تقول، والإذعان للحق خير من المراء. انتهى.
واحتج ابن خزيمة لجواز التيمم بالسبِخَة (١) بحديث عائشة في شأن الهجرة أنه قال - ﷺ -: أريت دار هجرتكم سبخة ذات نخل. يعني: المدينة. (٢) قال: وقد سمَّى النبي - ﷺ - المدينة طيبة. (٣) فدلَّ على أنَّ السبِخة داخلة في الطيب.
ولَم يخالف في ذلك إلا إسحاق بن راهويه.
قوله: (فليصلِّ) عرف ممّا تقدّم، أنّ المراد فليصل بعد أن يتيمّم.
قوله: (وأُحلّت لي الغنائم) وللكشميهنيّ " المغانم " وهي رواية مسلم.
قال الخطّابيّ: كان مَن تقدّم على ضربين.
منهم: من لَم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم مغانم، ومنهم: من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لَم يحلّ لهم أن يأكلوه وجاءت
_________________
(١) قال الحافظ في " الفتح ": السبخة بمهملة وموحدة ثم معجمة مفتوحات. هي الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت، وإذا وصفت الأرض. قلت: هي أرض سبِخة بكسر الموحدة. انتهى
(٢) أخرجه البخاري (٢١٥٧) من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٨٩) ومسلم (١٣٨٤) من حديث زيد بن ثابت - ﵁ -.
[ ١ / ٣٥٨ ]
نار فأحرقته (١).
وقيل: المراد أنّه خصّ بالتّصرّف في الغنيمة يصرفها كيف يشاء.
والأوّل أصوب، وهو أنّ من مضى لَم تحلّ لهم الغنائم أصلًا.
قوله: (وأُعطيت الشّفاعة) قال ابن دقيق العيد: الأقرب أنّ اللام فيها للعهد، والمراد الشّفاعة العظمى في إراحة النّاس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها. وكذا جزم النّوويّ وغيره.
وقيل: الشّفاعة التي اختصّ بها أنّه لا يردّ فيما يسأل.
وقيل: الشّفاعة لخروج من في قلبه مثقال ذرّة من إيمان؛ لأنّ شفاعة غيره تقع فيمن في قلبه أكثر من ذلك، قاله عياض.
والذي يظهر لي أنّ هذه مرادة مع الأولى؛ لأنّه يتبعها بها.
_________________
(١) أخرج البخاري (٣١٢٤) ومسلم (١٧٤٧) عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: غزا نبي من الأنبياء. وفيه: فجَمَعَ الغنائم، فجاءت - يعني النار لتأكلها - فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولًا، فليبايعني من كل قبيلة رجلٌ، فلزقتْ يدُ رجلٍ بيده، فقال: فيكم الغلول، فليبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعوها، فجاءت النار، فأكلتها، ثم أحل الله لنا الغنائم رأى ضعفنا، وعجزنا فأحلها لنا ". قال الحافظ في " الفتح " (٦/ ٢٦٨): في رواية النسائي. فقال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: إنَّ الله أطعمنا الغنائم رحمة رحمناها وتخفيفًا خفَّفه عنا ". قوله (رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها) فيه اختصاص هذه الأمة بحل الغنيمة، وكان ابتداء ذلك من غزوة بدر. وفيها نزل قوله تعالى (فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا) فأحلَّ الله لهم الغنيمة، وقد ثبت ذلك في الصحيح من حديث ابن عباس، أنَّ أول غنيمة خمست غنيمة السرية التي خرج فيها عبد الله بن جحش، وذلك قبل بدر بشهرين، ويمكن الجمع بما ذكر ابن سعد، أنه - ﷺ - أخَّر غنيمة تلك السرية حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم بدر. انتهى
[ ١ / ٣٥٩ ]
وقال البيهقيّ في " البعث ": يحتمل أنّ الشّفاعة التي يختصّ بها أنّه يشفع لأهل الصّغائر والكبائر، وغيره إنّما يشفع لأهل الصّغائر دون الكبائر.
ونقل عياض: أنّ الشّفاعة المختصّة به شفاعة لا تردّ. وقد وقع في حديث ابن عبّاس " وأعطيت الشّفاعة فأخّرتها لأمّتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا "، وفي حديث عمرو بن شعيب " فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلاَّ الله ".
فالظّاهر أنّ المراد بالشّفاعة المختصّة في هذا الحديث إخراج من ليس له عملٌ صالحٌ إلاَّ التّوحيد، وهو مختصّ أيضًا بالشّفاعة الأولى، لكن جاء التّنويه بذكر هذه؛ لأنّها غاية المطلوب من تلك لاقتضائها الرّاحة المستمرّة، والله أعلم.
وقد ثبتت هذه الشّفاعة في رواية الحسن عن أنس كما في البخاري " ثمّ أرجع إلى ربّي في الرّابعة فأقول: يا ربّ ائذن لي فيمَن قال لا إله إلاَّ الله، فيقول: وعزّتي وجلالي لأخرجنّ منها مَن قال لا إله إلاَّ الله ".
ولا يعكّر على ذلك. ما وقع عند مسلم قبل قوله وعزّتي " فيقول ليس ذلك لك، وعزّتي .. إلخ؛ لأنّ المراد أنّه لا يباشر الإخراج كما في المرّات الماضية، بل كانت شفاعته سببًا في ذلك في الجملة. والله أعلم.
وقد تقدّم الكلام على قوله " وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة ".
وأمّا قوله " وبعثت إلى النّاس عامّة " فوقع في رواية مسلم " وبعثت إلى كلّ أحمر وأسود "، فقيل: المراد بالأحمر العجم وبالأسود
[ ١ / ٣٦٠ ]
العرب، وقيل: الأحمر الإنس والأسود الجنّ.
وعلى الأوّل التّنصيص على الإنس من باب التّنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنّه مرسل إلى الجميع، وأصرح الرّوايات في ذلك وأشملها رواية أبي هريرة عند مسلم " وأرسلت إلى الخلق كافّة ".
تكميلٌ: أوّلُ حديث أبي هريرة هذا " فضّلت على الأنبياء بستٍّ " فذكر الخمس المذكورة في حديث جابر إلاَّ الشّفاعة، وزاد خصلتين وهما " وأعطيت جوامع الكلم، وختم بي النّبيّون " فتحصّل منه. ومن حديث جابر سبع خصال.
ولمسلمٍ أيضًا من حديث حذيفة: فضّلنا على النّاس بثلاث خصال: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة. وذكر خصلة الأرض كما تقدّم. قال: وذكر خصلة أخرى.
وهذه الخصلة المبهمة بيّنها ابن خزيمة والنّسائيّ. وهي: وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش.
يشير إلى ما حطّه الله عن أمّته من الإصر وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنّسيان، فصارت الخصال تسعًا.
ولأحمد من حديث عليٍّ: أعطيت أربعًا لَم يعطهنّ أحدٌ من أنبياء الله: أعطيت مفاتيح الأرض، وسمّيت أحمد، وجعلت أمّتي خير الأمم. وذكر خصلة التّراب فصارت الخصال اثنتي عشرة خصلة.
وعند البزّار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: فضّلت على الأنبياء بستٍّ: غفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، وجعلت أمّتي خير الأمم
[ ١ / ٣٦١ ]
، وأعطيت الكوثر، وإنّ صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه. وذكَرَ ثنتين ممّا تقدّم.
وله من حديث ابن عبّاس رفعه: فضّلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه فأسلم. قال: ونسيت الأخرى.
قلت: فينتظم بهذا سبع عشرة خصلة. ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التّتبّع.
وقد تقدّم طريق الجمع بين هذه الرّوايات، وأنّه لا تعارض فيها.
وقد ذكر أبو سعيد النّيسابوريّ في كتاب " شرف المصطفى "، أنّ عدد الذي اختصّ به نبيّنا - ﷺ - عن الأنبياء ستّون خصلة.
وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدّم.
مشروعيّة تعديد نعم الله، وإلقاء العلم قبل السّؤال، وأنّ الأصل في الأرض الطّهارة.
وأنّ صحّة الصّلاة لا تختصّ بالمسجد المبنيّ لذلك. وأمّا حديث " لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد " فضعيفٌ (١) أخرجه الدّارقطنيّ
_________________
(١) قال الشيخ ابن باز ﵀: لكن يُغني عنه ما رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم بإسناد حسن عن ابن عباس مرفوعًا " من سمع النداء فلم يأت. فلا صلاة له إلاَّ من عذر ". وما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، أنَّ رجلًا أعمى سأل النبي - ﷺ - أن يُصلِّي في بيته، فقال له النبي - ﷺ -: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب. وهذا في الفرائض كما هو معلوم. أمَّا النافلة فلا تختص بالمسجد، بل هي في البيت أفضل. إلاَّ ما دلَّ الشرع على استثنائه. والله أعلم. انتهى
[ ١ / ٣٦٢ ]
من حديث جابر.
واستدل به صاحب المبسوط من الحنفيّة على إظهار كرامة الآدميّ، وقال: لأنّ الآدميّ خلق من ماء وتراب، وقد ثبت أنّ كلًا منهما طهور، ففي ذلك بيان كرامته، والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١ / ٣٦٣ ]