٣٥ - عن عبد الله بن عمر، أنّ عمر بن الخطّاب - ﵁ -، قال: يا رسولَ الله، أيرقدُ أحدنا وهو جنبٌ؟ قال: نعم، إذا توضّأ أحدكم فليَرقُد. (١)
قوله: (عن عبد الله بن عمر، أنَّ عمر) ظاهره أنّ ابن عمر حضر هذا السّؤال، فيكون الحديث من مسنده، وهو المشهور من رواية نافع.
وروي عن أيّوب عن نافعٍ عن ابن عمر عن عمر أنّه قال: يا رسولَ الله. أخرجه النّسائيّ. وعلى هذا فهو من مسند عمر.
وكذا رواه مسلم من طريق يحيى القطّان عن عبيد الله بن عمر عن نافعٍ عن ابن عمر عن عمر، لكن ليس في هذا الاختلاف ما يقدح في صحّة الحديث. (٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٣، ٢٨٥) ومسلم (٣٠٦) من طرق عن نافع عن ابن عمر به.
(٢) وفي رواية للبخاري (٢٩٠) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم (٣٠٦) عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، قال: ذَكَرَ عمر بن الخطاب، لرسول الله - ﷺ - أنه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله - ﷺ -: توضأ واغسل ذكرك، ثم نَم. قال ابن حجر: مقتضاه أيضًا أنه من مسند ابن عمر كما هو عند أكثر الرواة، ورواه أبو نوح عن مالك فزاد فيه عن عمر، وقد بيَّن النسائيُّ سببَ ذلك في روايته من طريق ابن عون عن نافع، قال: أصاب ابنَ عمر جنابةٌ فأتى عمرَ فذكر ذلك له، فأتى عمرُ النبيَّ - ﷺ - فاستأمره فقال: ليتوضأ ويرقد. وعلى هذا فالضمير في قوله (أنه تصيبه) يعود على ابن عمر لا على عمر، وقوله في الجواب (توضأ) يحتمل أن يكون ابن عمر كان حاضرًا. فوجه الخطاب إليه. انتهى
[ ١ / ٣٠٨ ]
قوله: (إذا توضأ) ولهما. وللفظ لمسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا كان جنبًا، فأراد أن يأكل أو ينام، توضّأ وضوءه للصّلاة " أي: توضّأ وضوءًا كما للصّلاة، وليس المعنى أنّه توضّأ لأداء الصّلاة، وإنّما المراد توضّأ وضوءًا شرعيًّا لا لغويًّا.
قوله: (إذا توضّأ أحدكم فليرقد) ولهما " توضأ واغسل ذكرك، ثم نَم " وفي رواية أبي نوح عن مالك عند النسائي " اغسل ذكرك، ثمّ توضّأ، ثمّ نَم " وهو يردّ على من حمله على ظاهره، فقال: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذّكر؛ لأنّه ليس بوضوءٍ يرفع الحدث، وإنّما هو للتّعبّد، إذ الجنابة أشدّ من مسّ الذّكر.
فتبيّن من رواية أبي نوح، أنّ غسله مقدّم على الوضوء، ويمكن أن يؤخذ عنه بشرط أن لا يمسّه على القول بأنّ مسّه ينقض.
وقال ابن دقيق العيد: جاء الحديث بصيغة الأمر وجاء بصيغة الشّرط، وهو مُتمسّكٌ لِمَن قال بوجوبه.
وقال ابن عبد البرّ: ذهب الجمهور إلى أنّه للاستحباب، وذهب أهل الظّاهر إلى إيجابه. وهو شذوذ.
وقال ابن العربيّ: قال مالك والشّافعيّ: لا يجوز للجنب أن ينام
[ ١ / ٣٠٩ ]
قبل أن يتوضّأ.
واستنكر بعض المتأخّرين هذا النّقل، وقال: لَم يقل الشّافعيّ بوجوبه، ولا يعرف ذلك أصحابه.
وهو كما قال، لكنّ كلام ابن العربيّ محمولٌ على أنّه أراد نفي الإباحة المستوية الطّرفين لا إثبات الوجوب.
أو أراد بأنّه واجب وجوب سنّة، أي متأكّد الاستحباب، ويدلّ عليه أنّه قابله بقول ابن حبيب: هو واجبٌ وجوب الفرائض، وهذا موجود في عبارة المالكيّة كثيرًا.
وأشار ابن العربيّ إلى تقوية قول ابن حبيب، وبوّب عليه أبو عوانة في صحيحه " إيجاب الوضوء عن الجنب إذا أراد النّوم " ثمّ استدل بعد ذلك هو وابن خزيمة على عدم الوجوب بحديث ابن عبّاس مرفوعًا: إنّما أُمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصّلاة.
وقد قدح في هذا الاستدلال ابنُ رُشد المالكيّ، وهو واضح.
ونقل الطّحاويّ عن أبي يوسف، أنّه ذهب إلى عدم الاستحباب.
وتمسّك بما رواه أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة ﵂، أنّه - ﷺ - كان يجنب، ثمّ ينام، ولا يمسّ ماءً. رواه أبو داود وغيره.
وتعقّب: بأنّ الحفّاظ قالوا: إنّ أبا إسحاق غلط فيه. (١) وبأنّه لو
_________________
(١) قال الشارح في " التلخيص " (١/ ٣٧٨): قال: أحمد إنه ليس بصحيح. وقال أبو داود: هو وهم. وقال يزيد بن هارون: هو خطأ. وأخرج مسلم الحديث دون قوله: ولم يمس ماء، وكأنه حذفها عمدًا لأنه علَّلها في كتاب التمييز. وقال مهنا عن أحمد بن صالح: لا يَحلُّ أن يروى هذا الحديث، وفي علل الأثرم: لو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلاَّ إبراهيم وحده لكفى. فكيف وقد وافقه عبد الرحمن بن الأسود؟ وكذلك روى عروة وأبو سلمة عن عائشة. وقال ابن مفوز (الحافظ أبو الحسن طاهر بن مفوز): أجمع المحدثون على أنه خطأ من أبي إسحاق. كذا قال! وتساهل في نقل الإجماع فقد صحَّحه البيهقي. وقال: إنَّ أبا إسحاق قد بيَّن سماعه من الأسود في رواية زهير عنه، وجمع بينهما ابن سُريج على ما حكاه الحاكم عن أبي الوليد الفقيه عنه. وقال الدارقطني في العلل: يشبه أن يكون الخبران صحيحين. قاله بعض أهل العلم وقال الترمذي: يرون أن هذا غلطٌ من أبي إسحاق. وعلى تقدير صحته فيُحمل: على أن المراد لا يمس ماء للغسل. ويؤيده رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عند أحمد بلفظ: كان يجنب من الليل ثم يتوضأ وضوءه للصلاة حتى يصبح، ولا يمس ماء. أو كان يفعل الأمرين لبيان الجواز. وبهذا جمع ابن قتيبة في اختلاف الحديث. ويؤيده ما رواه هشيم عن عبد الملك عن عطاء عن عائشة مثل رواية أبي إسحاق عن الأسود، وما رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن ابن عمر، أنه سأل النبي - ﷺ - أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم. ويتوضأ إن شاء. وأصله في الصحيحين دون قوله: إن شاء. انتهى
[ ١ / ٣١٠ ]
صحّ حمل على أنّه ترك الوضوء لبيان الجواز، لئلا يعتقد وجوبه.
أو أنّ معنى قوله " لا يمسّ ماءً " أي: للغسل.
وأورد الطّحاويّ من الطّريق المذكورة عن أبي إسحاق ما يدلّ على ذلك، ثمّ جنح الطّحاويّ إلى أنّ المراد بالوضوء التّنظيف.
واحتجّ بأنّ ابن عمر راوي الحديث وهو صاحب القصّة " كان يتوضّأ وهو جنبٌ، ولا يغسل رجليه " كما رواه مالك في " الموطّأ "
[ ١ / ٣١١ ]
عن نافع.
وأجيب: بأنّه ثبت تقييد الوضوء بالصّلاة من روايته، ومن رواية عائشة كما تقدّم فيعتمد، ويُحمل ترك ابن عمر لغسل رجليه على أنّ ذلك كان لعذر.
وقال جمهور العلماء: المراد بالوضوء هنا الشّرعيّ.
والحكمة فيه. أنّه يخفّف الحدث، ولا سيّما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصّحيح.
ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة بسندٍ رجاله ثقات عن شدّاد بن أوس الصّحابيّ قال: إذا أجنب أحدكم من الليل، ثمّ أراد أن ينام فليتوضّأ، فإنّه نصف غسل الجنابة.
وقيل: الحكمة فيه. أنّه إحدى الطّهارتين، فعلى هذا يقوم التيمّم مقامه. وقد روى البيهقيّ بإسنادٍ حسنٍ عن عائشة، أنّه - ﷺ - كان إذا أجنب، فأراد أن ينام توضّأ أو تيمّم.
ويُحتمل: أن يكون التّيمّم هنا عند عسر وجود الماء.
وقيل: الحكمة فيه. أنّه ينشط إلى العود (١) أو إلى الغُسل فيبيت على
_________________
(١) روى مسلم (٣٠٨) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ بينهما وضوءًا. زاد الحاكم (٥٤٢) وابن حبان (١٢١١) والبيهقي (٩٨٥). فإنه أنشط للعود.
[ ١ / ٣١٢ ]
طهارة كاملة.
وقال ابن دقيق العيد: نصّ الشّافعيّ ﵀ على أنّ ذلك ليس على الحائض؛ لأنّها لو اغتسلت لَم يرتفع حدثها بخلاف الجنب، لكن إذا انقطع دمها استحبّ لها ذلك.
وفي الحديث أنّ غسل الجنابة ليس على الفور، وإنّما يتضيّق عند القيام إلى الصّلاة واستحباب التّنظيف عند النّوم.
قال ابن الجوزيّ: والحكمة فيه. أنّ الملائكة تبعد عن الوسخ والرّيح الكريهة بخلاف الشّياطين، فإنّها تقرب من ذلك. والله أعلم.
ومطابقة الحديث لترجمة البخاري (باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل) من جهة أنّ جواز رقاد الجنب في البيت يقتضي جواز استقراره فيه يقظان لعدم الفرق، أو لأنّ نومه يستلزم الجواز لحصول اليقظة بين وضوئه ونومه، ولا فرق في ذلك بين القليل والكثير.
قيل: أشار البخاري بهذه التّرجمة إلى تضعيف ما ورد عن عليٍّ مرفوعًا: إنّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ ولا جنبٌ. رواه أبو داود وغيره.
وفيه نُجي - بضمّ النّون وفتح الجيم - الحضرميّ. ما روى عنه غير ابنه عبد الله فهو مجهول، لكن وثّقه العجليّ. وصحّح حديثَه ابنُ حبّان والحاكم.
[ ١ / ٣١٣ ]
فيحتمل كما قال الخطّابيّ. أنّ المراد بالجنب من يتهاون بالاغتسال، ويتّخذ تركه عادةً لا من يؤخّره ليفعله
قال: ويقوّيه، أنّ المراد بالكلب غير ما أذن في اتّخاذه، وبالصّورة ما فيه روح وما لا يمتهن.
قال النّوويّ: وفي الكلب نظرٌ. انتهى.
ويحتمل: أن يكون المراد بالجنب في حديث عليٍّ من لَم يرتفع حدثه كلّه ولا بعضه، وعلى هذا فلا يكون بينه وبين حديث الباب منافاة؛ لأنّه إذا توضّأ ارتفع بعضُ حدثِه على الصّحيح كما تقدَّم تصويره.
[ ١ / ٣١٤ ]