٤ - عن أبي هريرة - ﵁ -: أنّ رسول الله - ﷺ -، قال: إذا توضّأ أحدكم فليجعلْ في أنفه ماءً، ثمّ لينتثر، ومن استجْمرَ فليوتر، وإذا استيقظَ أحدُكم من نومِه فليغسل يديه قبل أنْ يُدخلَهما في الإناء ثلاثًا، فإنّ أحدَكم لا يدْري أين باتتْ يدُه. (١)
وفي لفظٍ لمسلمٍ: فليستنشِقْ بِمنْخرَيه منَ الماء. (٢)
وفي لفظٍ: من توضّأ فليستَنْثر. (٣)
قوله: (إذا توضّأ) أي: إذا شرع في الوضوء.
قوله: (ثمّ لينتثر) قال الفرّاء: يقال: نثر الرّجل وانتثر واستنثر إذا حرّك النّثرة وهي طرف الأنف في الطّهارة.
والاستنثار استفعال من النّثر بالنّون والمثلثة، وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضّئ. أي: يجذبه بريح أنفه، لتنظيف ما في داخله
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦٠) ومسلم (٢٣٧) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وروياه من طرق أخرى عن أبي هريرة. نحوه. كما سيذكره الشارح.
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٨) من طريق معمر عن همام عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه: إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر. وأورده البخاري معلّقًا في كتاب الصيام كما سيأني.
(٣) أخرجه البخاري (١٥٩) ومسلم (٢٣٧) من طريق الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة - ﵁ -: مَن توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر. تنبيه: وقع في النسخ والشروح المطبوعة " فلستنشق " ولم أر هذه اللفظة في الصحيحين ولا في غيرها من حديث أبي هريرة، والظاهر أنه تصحيف. والله أعلم.
[ ١ / ٥٢ ]
فيخرج بريح أنفه سواء كان بإعانة يده أم لا.
وحكي عن مالك كراهية فعله بغير اليد لكونه يشبه فعل الدّابّة، والمشهور عدم الكراهة.
وإذا استنثر بيده، فالمستحبّ أن يكون اليسرى، بوّب عليه النّسائيّ، وأخرجه مقيّدًا بها من حديث عليّ.
وروى أحمد وأبو داود والحاكم من حديثه مرفوعًا: استنثروا مرّتين بالغتين أو ثلاثًا، ولأبي داود الطّيالسيّ: إذا توضّأ أحدكم واستنثر فليفعل ذلك مرّتين أو ثلاثًا. وإسناده حسن
وقوله " فليستنثر " ظاهر الأمر أنّه للوجوب، فيلزم مَن قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به كأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وابن المنذر أن يقول به في الاستنثار.
وظاهر كلام صاحب المغني يقتضي أنّهم يقولون بذلك، وأنّ مشروعيّة الاستنشاق لا تحصل إلاَّ بالاستنثار.
وصرّح ابن بطّال. بأنّ بعض العلماء قال بوجوب الاستنثار، وفيه تعقّب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه.
واستدل الجمهور على أنّ الأمر فيه للنّدب، بما حسّنه التّرمذيّ وصحَّحه الحاكم من قوله - ﷺ - للأعرابيّ: توضّأ كما أمرك الله.
فأحاله على الآية. وليس فيها ذكر الاستنشاق.
وأجيب: بأنّه يحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعمّ من آية الوضوء، فقد أمر الله سبحانه باتّباع نبيّه - ﷺ - وهو المبيّن عن الله أمره.
[ ١ / ٥٣ ]
ولَم يحك أحدٌ ممّن وصف وضوءه عليه - ﷺ - على الاستقصاء أنّه ترك الاستنشاق بل ولا المضمضة، وهو يردّ على من لَم يوجب المضمضة أيضًا، وقد ثبت الأمر بها أيضًا في سنن أبي داود بإسنادٍ صحيح. (١)
وذكر ابن المنذر، أنّ الشّافعيّ لَم يحتجّ على عدم وجوب الاستنشاق مع صحّة الأمر به، إلاَّ لكونه لا يعلم خلافًا في أنّ تاركه لا يعيد.
وهذا دليل قويّ، فإنّه لا يُحفظ ذلك عن أحدٍ من الصّحابة ولا التّابعين إلاَّ عن عطاء، وثبت عنه أنّه رجع عن إيجاب الإعادة، ذكره كلّه ابن المنذر، ولَم يذكر في هذه الرّواية عددًا.
وقد ورد في رواية سفيان عن أبي الزّناد ولفظه " وإذا استنثر فليستنثر وترًا " أخرجه الحميديّ في " مسنده " عنه، وأصله لمسلمٍ. وفي رواية عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عند البخاري: إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضّأ فليستنثر ثلاثًا، فإنّ الشّيطان يبيت على خيشومه.
وعلى هذا فالمراد بالاستنثار في الوضوء التّنظيف لِمَا فيه من المعونة على القراءة؛ لأنّ بتنقية مجرى النّفس تصحّ مخارج الحروف، ويزاد للمستيقظ بأنّ ذلك لطرد الشّيطان.
قوله: (ومن استجمر) أي: استعمل الجمار - وهي الحجارة
_________________
(١) سنن أبي داود (١٤٢، ١٤٣، ١٤٤) ومن طريقه البيهقي في " الكبرى " (١/ ٦٨) من حديث لقيط بن صبرة. ضمن حديث. وفيه: إذا توضأتَ فمضمض.
[ ١ / ٥٤ ]
الصّغار - في الاستنجاء. وحمله بعضهم على استعمال البخور. فإنّه يقال فيه: تجمّر واستجمر، حكاه ابنُ حبيب عن ابن عمر. ولا يصحّ عنه، وابنُ عبد البرّ عن مالك، وروى ابن خزيمة في " صحيحه " عنه خلافه، وقال عبد الرّزّاق: عن معمر أيضًا بموافقة الجمهور.
قوله: (فليوتر) في حديث ابن مسعود عند البخاري في " صحيحه " قال: أتى النّبيّ - ﷺ - الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجارٍ.
ففيه العمل بما دلَّ عليه النّهي في حديث سلمان عن النّبيّ - ﷺ - قال: ولا يستنج أحدكم بأقلّ من ثلاثة أحجار. رواه مسلم.
وأخذ بهذا الشّافعيّ وأحمد وأصحاب الحديث، فاشترطوا أن لا ينقص من الثّلاث مع مراعاة الإنقاء إذا لَم يحصل بها فيزاد حتّى ينقّى، ويستحبّ حينئذٍ الإيتار لقوله " ومن استجمر فليوتر " وليس بواجبٍ لزيادةٍ في أبي داود حسنة الإسناد. قال: ومن لا فلا حرج. (١).
وبهذا يحصل الجمع بين الرّوايات في هذا الباب.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٢/ ٣٧١) والدارِمِي (٦٦٢ و٢٠٨٧) وأبو داود (٣٥) وابن ماجه (٣٣٧) وابن حِبان (١٤١٠) وغيرهم من طرق عن ثور بن يزيد عن حصين الحميري عن أبي سعد الخير عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا. وفيه .. ومن استجمر فليوتر. مَن فعل فقد أحسن. ومن لا فلا حرج الحديث " قال الحافظ في " التلخيص " (١/ ١٢٠): مداره على أبي سعد الحبراني الحمصي، وفيه اختلاف وقيل: إنه صحابي. ولا يصحُّ، والراوي عنه حصين الحبراني. هو مجهول، وقال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل. انتهى
[ ١ / ٥٥ ]
قال الخطّابيّ (١): لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلمّا اشترط العدد لفظًا وعلم الإنقاء فيه معنىً دلَّ على إيجاب الأمرين، ونظيره العدّة بالأقراء فإنّ العدد مشترط ولو تحقّقت براءة الرّحم بقُرءٍ واحد.
واستدل بعض من نفى وجوب الاستنجاء بهذا الحديث للإتيان فيه بحرف الشّرط، ولا دلالة فيه، وإنّما مقتضاه التّخيير بين الاستنجاء بالماء أو بالأحجار. والله أعلم
قوله: (وإذا استيقظ أحدكم من نومه) أخذ بعمومه الشّافعيّ والجمهور فاستحبّوه عقب كلّ نوم.
وخصّه أحمد بنوم الليل لقوله في آخر الحديث " باتت يده " لأنّ حقيقة المبيت أن يكون في الليل.
وفي رواية لأبي داود ساق مسلمٌ إسنادَها " إذا قام أحدكم من الليل " وكذا للتّرمذيّ من وجه آخر صحيح.
ولأبي عوانة في روايةٍ ساق مسلم إسنادها أيضًا " إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح ". لكنّ التّعليل يقتضي إلحاق نوم النّهار بنوم الليل، وإنّما خصّ نوم الليل بالذّكر للغلبة.
_________________
(١) حمد (ويقال أحمد) بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستيّ، أبو سليمان: فقيه محدّث من أهل بُست (من بلاد كابل) ولد سنة ٣١٩ هـ من نسل زيد بن الخطاب - أخي عمر بن الخطاب - صاحب التصانيف المشهورة. توفي سنة ٣٨٨ هـ الأعلام للزركلي. (٢/ ٢٧٣).
[ ١ / ٥٦ ]
قال الرّافعيّ في " شرح المسند ": يمكن أن يقال الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشدّ منها لمن نام نهارًا؛ لأنّ الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة، ثمّ الأمر عند الجمهور على النّدب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون النّهار، وعنه في رواية استحبابه في نوم النّهار.
واتّفقوا على أنّه لو غمس يده لَم يضرّ الماء.
وقال إسحاق وداود والطّبريّ: ينجس. واستدل لهم بما ورد من الأمر بإراقته؛ لكنّه حديث ضعيف. أخرجه ابن عديّ (١).
والقرينة الصّارفة للأمر عن الوجوب عند الجمهور التّعليل بأمرٍ يقتضي الشّكّ؛ لأنّ الشّكّ لا يقتضي وجوبًا في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطّهارة.
واستدل أبو عوانة على عدم الوجوب بوضوئه - ﷺ - من الشّنّ المعلق بعد قيامه من النّوم كما في حديث ابن عبّاس (٢).
_________________
(١) الكامل لابن عدي (٦/ ٣٧٤) من طريق أبي الحسن المعلى بن الفضل ثنا الربيع بن صبيح عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثم ليتوضأ. فإن غمس يده في الإناء من قبل أن يغسلها، فليهريق ذلك الماء " وهو ضعيف من أجل المعلّى، والانقطاع بين الحسن وأبي هريرة. قال ابن عدي: وقوله في هذا المتن " فليهريق ذلك الماء " منكر لا يُحفظ. وقال الذهبي في الميزان (٤/ ١٥٠): حديث منكر.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٨) وفي مواضع أخرى. ومسلم (١٨٢٠) مطوَّلًا. في قصة قيامه لصلاة الليل.
[ ١ / ٥٧ ]
وتعقّب: بأنّ قوله " أحدكم " يقتضي اختصاصه بغيره - ﷺ -.
وأجيب: بأنّه صحّ عنه غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء حال اليقظة، فاستحبابه بعد النّوم أولى، ويكون تركه لبيان الجواز.
وأيضًا فقد قال في هذا الحديث في روايات لمسلمٍ وأبي داود وغيرهما " فليغسلهما ثلاثًا " وفي رواية " ثلاث مرّات "، والتّقييد بالعدد في غير النّجاسة العينيّة يدلّ على النّدبيّة.
ووقع في رواية همّام عن أبي هريرة عند أحمد " فلا يضع يده في الوضوء حتّى يغسلها " والنّهي فيه للتّنزيه كما ذكرنا، إن فعل استحبّ، وإن ترك كره، ولا تزول الكراهة بدون الثّلاث، نصّ عليه الشّافعيّ.
والمراد باليد هنا الكفّ دون ما زاد عليها اتّفاقًا.
وهذا كلّه في حقّ من قام من النّوم لِمَا دلَّ عليه مفهوم الشّرط. وهو حجّة عند الأكثر.
أمّا المستيقظ فيستحبّ له الفعل لحديث عثمان وعبد الله بن زيد، ولا يكره التّرك لعدم ورود النّهي فيه، وقد روى سعيد بن منصور بسندٍ صحيح عن أبي هريرة أنّه كان يفعله، ولا يرى بتركه بأسًا.
وجاء عن ابن عمر والبراء. نحو ذلك.
قوله: (قبل أن يُدخلها) ولمسلمٍ وابن خزيمة وغيرهما من طرق
[ ١ / ٥٨ ]
" فلا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها " وهي أبين في المراد من رواية الإدخال؛ لأنّ مطلق الإدخال لا يترتّب عليه كراهة، كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناءٍ صغير من غير أن يلامس يده الماء.
قوله: (في الإناء) وللبخاري في " وضوءه " بفتح الواو. أي: الإناء الذي أعدّ للوضوء، ولابن خزيمة " في إنائه أو وضوئه " على الشّكّ.
والظّاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء، ويلحق به إناء الغسل لأنّه وضوء وزيادة، وكذا باقي الآنية قياسًا، لكن في الاستحباب من غير كراهة لعدم ورود النّهي فيها عن ذلك.
وخرج بذكر الإناء البرك والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها، على تقدير نجاستها فلا يتناولها النّهي. والله أعلم.
قوله: (فإنّ أحدكم) قال البيضاويّ: فيه إيماء إلى أنّ الباعث على الأمر بذلك احتمال النّجاسة؛ لأنّ الشّارع إذا ذكر حكمًا وعقّبه بعلةٍ دلَّ على أنّ ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله - ﷺ - في حديث المحرم الذي سقط فمات " فإنّه يبعث ملبّيًا " بعد نهيهم عن تطييبه، فنبّه على عِلَّة النّهي. وهي كونه محرمًا.
قوله: (لا يدري) فيه أنّ عِلَّة النّهي احتمال هل لاقت يده ما يؤثّر في الماء أو لا، ومقتضاه إلحاق من شكّ في ذلك ولو كان مستيقظًا.
ومفهومه أنّ من درى أين باتت يده كمن لفّ عليها خرقة مثلًا فاستيقظ وهي على حالها أن لا كراهة، وإن كان غسلها مستحبًّا على
[ ١ / ٥٩ ]
المختار كما في المستيقظ.
ومَن قال بأنّ الأمر في ذلك للتّعبّد - كمالك - لا يفرّق بين شاكّ ومتيقّن.
واستدل بهذا الحديث على التّفرقة بين ورود الماء على النّجاسة وبين ورود النّجاسة على الماء، وهو ظاهر.
وعلى أنّ النّجاسة تؤثّر في الماء، وهو صحيح؛ لكنّ كونها تؤثّر التّنجيس وإن لَم يتغيّر. فيه نظر؛ لأنّ مطلق التّأثير لا يدلّ على خصوص التّأثير بالتّنجيس، فيحتمل أن تكون الكراهة بالمتيقّن أشدّ من الكراهة بالمظنون. قاله ابن دقيق العيد.
ومراده أنّه ليست فيه دلالة قطعيّة على من يقول: إنّ الماء لا ينجس إلاَّ بالتّغيّر
قوله: (أين باتت يده) أي: من جسده.
قال الشّافعيّ ﵀: كانوا يستجمرون وبلادهم حارّة، فربّما عرق أحدهم إذا نام، فيحتمل أن تطوف يده على المحلّ، أو على بثرة، أو دم حيوان، أو قذر غير ذلك.
وتعقّبه أبو الوليد الباجيّ: بأنّ ذلك يستلزم الأمر بغسل ثوب النّائم لجواز ذلك عليه.
وأجيب: بأنّه محمول على ما إذا كان العرق في اليد دون المحلّ، أو أنّ المستيقظ لا يريد غمس ثوبه في الماء حتّى يؤمر بغسله، بخلاف اليد فإنّه محتاج إلى غمسها، وهذا أقوى الجوابين.
[ ١ / ٦٠ ]
والدّليل على أنّه لا اختصاص لذلك بمحل الاستجمار، ما رواه ابن خزيمة وغيره من طريق محمّد بن الوليد عن محمّد بن جعفر عن شعبة عن خالد الحذّاء عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة في هذا الحديث. قال في آخره " أين باتت يده منه " وأصله في مسلم دون قوله " منه ".
قال الدّارقطنيّ: تفرّد بها شعبة.
وقال البيهقيّ: تفرّد بها محمّد بن الوليد.
قلت: إن أراد عن محمّد بن جعفر فمسلَّم، وإن أراد مطلقًا فلا، فقد قال الدّارقطنيّ: تابعه عبد الصّمد عن شعبة، وأخرجه ابن منده من طريقه.
وفي الحديث الأخذ بالوثيقة، والعمل بالاحتياط في العبادة، والكناية عمّا يستحيا منه إذا حصل الإفهام بها، واستحباب غسل النّجاسة ثلاثًا لأنّه أمرنا بالتّثليث عند توهّمها فعند تيقّنها أولى.
واستنبط منه قوم فوائد أخرى فيها بُعد، منها أنّ موضع الاستنجاء مخصوص بالرّخصة في جواز الصّلاة مع بقاء أثر النّجاسة عليه، قاله الخطّابيّ.
ومنها. إيجاب الوضوء من النّوم، قاله ابن عبد البرّ، ومنها تقوية من يقول بالوضوء من مسّ الذّكر. حكاه أبو عوانة في " صحيحه " عن ابن عُيينة.
ومنها أنّ القليل من الماء لا يصير مستعملًا بإدخال اليد فيه لمن أراد
[ ١ / ٦١ ]
الوضوء، قاله الخطّابيّ صاحب الخصال من الشّافعيّة.
قوله: (فليستنشِقْ بِمنْخرَيه (١) منَ الماء) الاستنشاق من سنن الوضوء اتفاقًا لكل من استيقظ أو كان مستيقظًا.
وقالت طائفة بوجوبه في الغسل. وطائفة بوجوبه في الوضوء أيضًا.
وهل تتأدى السنة بمجرده بغير استنثار أم لا؟. خلاف. وهو محلُّ بحثٍ وتأمُّل، والذي يظهر أنها لا تتم الاَّ به لِما تقدم. والله أعلم
تكميل: هذا الحديث بهذا اللفظ من الأصول التي لم يوصلها البخاري. وقد أخرجه مسلم من طريق همام عن أبي هريرة.
ورويناه في مصنف عبد الرزاق، وفي " نسخة همام " من طريق الطبراني عن إسحاق عنه عن معمر عن همام. ولفظه: إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره الماء ثم ليستنثر.
وورد تمييز الصائم من غيره في المبالغة في ذلك كما رواه أصحاب السنن وصحَّحه ابن خزيمة وغيره من طريق عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه، أنَّ النبي - ﷺ - قال له: بالغ في الاستنشاق إلاَّ أن تكون صائمًا.
وروى ابن أبي شيبة عن الحسن قال: لا بأس بالسعوط (٢) للصائم
_________________
(١) قال النووي في " شرح مسلم " (٣/ ١٢٦): بفتح الميم وكسر الخاء وبكسرهما جميعًا لغتان معروفتان. انتهى
(٢) السعوط بفتح السين. وهو أن يستلقي على ظهره ويجعل بين كتفيه ما يرفعهما لينحدر رأسه ويقطر في أنفه ماء أو دهن فيه دواء مفرد أو مركب ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس. قاله ابن حجر في " الفتح ".
[ ١ / ٦٢ ]
إن لم يصلِ الماء إلى حلقه.
وقال الكوفيون والأوزاعي وإسحاق: يجب القضاء على من استعط.
وقال مالك والشافعي: لا يجب إلا إن وصل الماء إلى حلقه.
قوله: (من توضّأ فليستَنْثر) قوله فليستنثر أكثر فائدة من قوله فليستنشق، لأنَّ الاستنثار يقع على الاستنشاق بغير عكس فقد يستنشق ولا يستنثر.
والاستنثار من تمام فائدة الاستنشاق، لأنَّ حقيقة الاستنشاق جذب الماء بريح الأنف إلى أقصاه، والاستنثار إخراج ذلك الماء.
والمقصود من الاستنشاق تنظيف داخل الأنف والاستنثار يخرج ذلك الوسخ مع الماء فهو من تمام الاستنشاق.
وقيل: إن الاستنثار مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف.
وقيل: الأنف نفسه فعلى هذا فمن استنشق فقد استنثر، لأنه يصدق أنه تناول الماء بأنفه أو بطرف أنفه. وفيه نظر.
[ ١ / ٦٣ ]