٧٣ - عن أنس بن سيرين، قال: استقبَلْنا أنسًا حين قدم من الشّام، فلقيناه بعين التّمر، فرأيته يُصلِّي على حمارٍ، ووجهه من ذا الجانب - يعني عن يسار القبلة - فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة؟ فقال: لولا أنّي رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله لم أفعله (٢).
قوله: (استقبلْنا أنسَ بنَ مالك) بسكون اللام.
قوله: (حين قدم من الشّام) كان أنس قد توجّه إلى الشّام في إمارة الحجّاج على العراق، قدمها شاكيًا من الحجّاج للخليفة، وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك (٣).
ووقع في رواية مسلم " حين قدم الشّام "، وغلَّطوه، لأنّ أنس بن سيرين إنّما تلقّاه لَمّا رجع من الشّام فخرج ابن سيرين من البصرة ليتلقّاه.
ويمكن توجيهه بأن يكون المراد بقوله " حين قدم الشّام "، مجرّد ذكر الوقت الذي وقع له فيه ذلك، كما تقول: فعلت كذا لَمّا حججت.
_________________
(١) تنبيه: حديث أنس هذا. ذكره المصنف بعد حديث ابن عمر الآتي بعده في قصة قباء، وإنما قدَّمته لارتباطه بالحديث الذي قبله.
(٢) أخرجه البخاري (١٠٤٩) ومسلم (٧٠٢) من طريق همام عن أنس بن سيرين به.
(٣) انظر صحيح البخاري مع الفتح (٢/ ١٣) كتاب مواقيت الصلاة " باب تضييع الصلاة عن وقتها ".
[ ٢ / ١٩٧ ]
قال النّوويّ: رواية مسلم صحيحة، ومعناه تلقّيناه في رجوعه حين قدم الشّام
قوله: (فلقيناه بعين التّمر) هو موضع بطريق العراق ممّا يلي الشّام، وكانت به وقعة شهيرة في آخر خلافة أبي بكر، بين خالد بن الوليد والأعاجم، ووجد بها غلمانًا من العرب كانوا رهنًا تحت يد كسرى. منهم جدّ الكلبيّ المفسّر، وحمران مولى عثمان، وسيرين مولى أنس. (١)
قوله: (رأيتك تصلي لغير القبلة) فيه إشعار بأنّه لَم ينكر الصّلاة على الحمار ولا غير ذلك من هيئة أنس في ذلك، وإنّما أنكر عدم استقبال القبلة فقط.
وفي قول أنس: لولا أنّي رأيت النّبيّ - ﷺ - يفعله. يعني ترك استقبال القبلة للمتنفّل على الدّابّة.
وهل يؤخذ منه أنّ النّبيّ - ﷺ - صلَّى على حمار؟ فيه احتمال.
_________________
(١) روى البخاري معلقًا في كتاب " المكاتب " باب المكاتب ونجومه في كل سنة " ووصله إسماعيل القاضي عن موسى بن أنس أخبره، أن سيرين سأل أنسًا المكاتبة - وكان كثير المال - فأبى، فانطلق إلى عمر ﵁، فقال: كاتبه فأبى، فضربه بالدرة، " ويتلو عمر: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣] فكاتبه " قال ابن حجر في الفتح: وسيرين المذكور يكنى أبا عمرة وهو والد محمد بن سيرين الفقيه المشهور وإخوته، وكان من سبي عين التمر. اشتراه أنس في خلافة أبي بكر، وروى هو عن عمر وغيره، وذكره بن حبان في ثقات التابعين. انتهى
[ ٢ / ١٩٨ ]
وقد نازع في ذلك الإسماعيليّ. فقال: خبر أنس إنّما هو في صلاة النّبيّ - ﷺ - راكبًا تطوّعًا لغير القبلة، فإفراد البخاري التّرجمة (١) في الحمار من جهة السّنّة لا وجه له عندي. انتهى.
وقد روى السّرّاج من طريق يحيى بن سعيد عن أنس، أنّه رأى النّبيّ - ﷺ - يُصلِّي على حمار، وهو ذاهب إلى خيبر. إسناده حسن.
وله شاهد عند مسلم من طريق عمرو بن يحيى المازنيّ عن سعيد بن يسار عن ابن عمر: رأيت النّبيّ - ﷺ - يُصلِّي على حمار، وهو متوجّه إلى خيبر.
فهذا يرجّح الاحتمال الذي أشار إليه البخاريّ.
فائدةٌ: لَم يبيّن في هذه الرّواية كيفيّة صلاة أنس، وذكره في الموطّأ عن يحيى بن سعيد قال: رأيت أنسًا وهو يُصلِّي على حمار، وهو متوجّه إلى غير القبلة، يركع ويسجد إيماء من غير أن يضع جبهته على شيء ".
تكميلٌ: وقع عند السّرّاج من طريق عمرو بن عامر عن الحجّاج بن الحجّاج عن أنس بن سيرين بلفظ: أنّ رسول الله - ﷺ - كان يُصلِّي على ناقته حيث توجّهت به.
فعلى هذا كأنّ أنسًا قاس الصّلاة على الرّاحلة بالصّلاة على الحمار.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما مضى.
_________________
(١) ترجم عليه البخاري (باب صلاة التطوع على الحمار)
[ ٢ / ١٩٩ ]
أنّ من صلَّى على موضع فيه نجاسة لا يباشرها بشيءٍ منه أنّ صلاته صحيحة، لأنّ الدّابّة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها.
وفيه الرّجوع إلى أفعاله كالرّجوع إلى أقواله من غير عرضة للاعتراض عليه. وفيه تلقّي المسافر، وسؤال التّلميذ شيخه عن مستند فعله والجواب بالدّليل.
وفيه التّلطّف في السّؤال، والعمل بالإشارة لقوله " من ذا الجانب ".
قال ابن دقيق العيد: يؤخذ من هذا الحديث طهارة عرق الحمار، لأنّ ملابسته مع التّحرّز منه متعذّر لا سيّما إذا طال الزّمان في ركوبه واحتمل العرق.
وقال ابن رشيد: مقصود البخاري بالترجمة أنّه لا يشترط في التّطوّع على الدّابّة أن تكون الدّابّة طاهرة الفضلات، بل الباب في المركوبات واحد بشرط أن لا يماسّ النّجاسة.
[ ٢ / ٢٠٠ ]