١٦ - عن أنس بن مالكٍ - ﵁ -، أنّه قال: كان رسولُ الله - ﷺ - يدخل الخلاءَ، فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إداوةً من ماءٍ وعنزةً، فيستنجي بالماء. (١)
قال المصنف: العنزة: الحربة الصغيرة. والأداوة: إناء صغير من الجلد.
قوله: (يدخل الخلاء) المراد به هنا الفضاء. لقوله في الرّواية الأخرى " كان إذا خرج لحاجته " ولقرينة حمل العنزة مع الماء، فإنّ الصّلاة إليها إنّما تكون حيث لا سترة غيرها. وأيضًا فإنّ الأخلية التي في البيوت كان خدمته فيها متعلقة بأهله.
وفهم بعضهم من تبويب (٢) البخاريّ، أنّها كانت تحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة.
وفيه نظرٌ، لأنّ ضابط السّترة في هذا ما يستر الأسافل، والعنزة ليست كذلك.
نعم يحتمل: أن يركزها أمامه ويضع عليها الثّوب السّاتر.
أو يركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٩، ١٥٠، ١٥١، ٢١٤، ٤٧٨) ومسلم (١٧٠، ٢٧١) من طرق عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس.
(٢) حيث قال (باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء)
[ ١ / ١٤١ ]
أو تُحمل لنبش الأرض الصّلبة.
أو لمنع ما يعرض من هوامّ الأرض، لكونه - ﷺ - كان يبعد عند قضاء الحاجة.
أو تُحمل لأنّه كان إذا استنجى توضّأ، وإذا توضّأ صلَّى.
وهذا أظهر الأوجه، وقد بوّب عليه البخاري (باب الصلاة إلى العنزة).
وفيه جواز استخدام الأحرار خصوصًا إذا أرصدوا لذلك ليحصل لهم التّمرّن على التّواضع. وفيه أنّ في خدمة العالم شرفًا للمتعلم.
وفيه حجّة على ابن حبيب حيث منع الاستنجاء بالماء لأنّه مطعوم، لأنّ ماء المدينة كان عذْبا.
واستدل به بعضهم على استحباب التّوضّؤ من الأواني دون الأنهار والبرك، ولا يستقيم. إلاَّ لو كان النّبيّ - ﷺ - وجد الأنهار والبرك فعدل عنها إلى الأواني.
قوله: (أنا وغلام) زاد البخاري عقبها " منّا " أي: من الأنصار، وصرّح به الإسماعيليّ في روايته، ولمسلمٍ " نحوي " أي: مقارب لي في السّنّ.
والغلام هو المترعرع، قاله أبو عبيد، وقال في المحكم: من لدن الفطام إلى سبع سنين.
وحكى الزّمخشريّ في أساس البلاغة: أنّ الغلام هو الصّغير إلى حدّ الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء غلام، فهو مجاز.
[ ١ / ١٤٢ ]
وإيراد البخاري لحديث أنس مع قول أبي الدّرداء معلَّقًا: أليس فيكم صاحب النّعلين والطّهور والوساد (١) يعني ابن مسعود، يشعر إشعارًا قويًّا بأنّ الغلام المذكور من حديث أنس هو ابن مسعود.
وقد قدّمنا أنّ لفظ الغلام يطلق على غير الصّغير مجازًا، وقد قال النّبيّ - ﷺ - لابن مسعود بمكّة وهو يرعى الغنم: إنّك لغلام معلّم. وعلى هذا فقول أنس " وغلام منّا " أي: من الصّحابة، أو من خدم النّبيّ - ﷺ -.
وأمّا رواية الإسماعيليّ التي فيها " من الأنصار " فلعلَّها من تصرّف الرّاوي حيث رأى في الرّواية " منّا " فحملها على القبليّة فرواها بالمعنى، فقال من الأنصار، أو إطلاق الأنصار على جميع الصّحابة سائغ، وإن كان العرف خصّه بالأوس والخزرج.
وروى أبو داود من حديث أبي هريرة قال: كان النّبيّ - ﷺ - إذا أتى الخلاء أتيته بماءٍ في ركوة فاستنجى. فيحتمل أن يفسّر به الغلام المذكور في حديث أنس.
ويؤيّده ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة، أنّه كان يحمل مع النّبيّ - ﷺ - الإداوة لوضوئه وحاجته.
وأيضًا فإنّ في رواية أخرى لمسلمٍ، أنّ أنسًا وصفه بالصّغر في ذلك
_________________
(١) أورده في كتاب الوضوء. باب من حمل معه الماء لطهوره. وقد وصله البخاري في كتاب المناقب (٣٥٣٢) وفي مواضع أخرى.
[ ١ / ١٤٣ ]
الحديث، فيبعد لذلك أن يكون هو ابن مسعود. والله أعلم.
ويكون المراد بقوله أصغرنا. أي: في الحال لقرب عهده بالإسلام. وعند مسلم في حديث جابر الطّويل الذي في آخر الكتاب " أنّ النّبيّ - ﷺ - انطلق لحاجته فاتّبعه جابر بإداوةٍ " فيحتمل أن يفسّر به المبهم، لا سيّما وهو أنصاريّ.
ووقع في رواية الإسماعيليّ من طريق عاصم بن عليّ عن شعبة " فأتبعه وأنا غلام " بتقديم الواو فتكون حاليّة.
لكن تعقّبه الإسماعيليّ، بأنّ الصّحيح " أنا وغلام " أي: بواو العطف.
قوله: (إداوة) بكسر الهمزة إناء صغير من جلد.
قوله: (من ماء) أي: مملوءة من ماء.
قوله: (وعنزة) العنزة بفتح النّون عصًا أقصر من الرّمح لها سنان، وقيل: هي الحربة القصيرة. ووقع في رواية كريمة في آخر الحديث في " باب الصلاة إلى العنزة " العنزة. عصًا عليها زجّ بزايٍ مضمومة ثمّ جيم مشدّدة. أي: سنان.
وفي " الطّبقات " لابن سعد: أنّ النّجاشيّ كان أهداها للنّبيّ - ﷺ -. وهذا يؤيّد كونها كانت على صفة الحربة، لأنّها من آلات الحبشة.
وعند البخاري في الصّلاة ولفظه " ومعنا عكّازة أو عصًا أو عنزة " والظّاهر أنّ " أو " شكّ من الرّاوي لتوافق الرّوايات على ذكر العنزة. والله أعلم
[ ١ / ١٤٤ ]
قوله: (فيستنجي بالماء) وللبخاري عن هشام بن عبد الملك عن شعبة " يعني يستنجي بالماء " وقائل يعني. هو هشام. وقد رواه البخاري عن سليمان بن حرب فلم يذكرها، لكنّه رواه عقِبَه من طريق محمّد بن جعفر عن شعبة فقال: يستنجي بالماء. والإسماعيليّ من طريق ابن مرزوق عن شعبة " فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها النّبيّ - ﷺ - ".
وللبخاري من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة " إذا تبرّز (١) لحاجته أتيته بماءٍ فيغسل به "، ولمسلمٍ من طريق خالد الحذّاء عن عطاء عن أنس " فخرج علينا وقد استنجى بالماء ".
وقد بان بهذه الرّوايات أنّ حكاية الاستنجاء من قول أنس راوي الحديث، ففيه الرّدّ على الأصيليّ حيث تعقّب على البخاريّ استدلاله بهذا الحديث على الاستنجاء بالماء.
قال: لأنّ قوله " يستنجي به " ليس هو من قول أنس، إنّما هو من قول أبي الوليد أي: أحد الرّواة عن شعبة، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، قال: فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه. انتهى.
وقد انتفى هذا الاحتمال بالرّوايات التي ذكرناها.
_________________
(١) قال ابن حجر في " الفتح " (١/ ٤٢٣): بوزن تفعَّل من البَراز بفتح الموحدة. وهو الفضاء الواسع. كنَّوا به عن الخارج من الدبر كما في الغائط.
[ ١ / ١٤٥ ]
وكذا فيه الرّدّ على من زعم أنّ قوله " يستنجي بالماء " مُدرج من قول عطاءٍ الرّاوي عن أنس فيكون مرسلًا. فلا حجّة فيه كما حكاه ابن التّين عن أبي عبد الملك البونيّ (١) فإنّ رواية خالد التي ذكرناها تدلّ على أنّه قول أنس حيث قال: فخرج علينا.
وفي الحديث الرّدّ على من كره الاستنجاء بالماء، وعلى من نفى وقوعه من النّبيّ - ﷺ -.
وقد روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان - ﵁ -، أنّه سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: إذًا لا يزال في يدي نتن.
وعن نافع، أنّ ابن عمر كان لا يستنجي بالماء. وعن ابن الزّبير قال: ما كنّا نفعله.
ونقل ابن التّين عن مالك، أنّه أنكر أن يكون النّبيّ - ﷺ - استنجى بالماء. وعن ابن حبيب من المالكيّة، أنّه منع الاستنجاء بالماء، لأنّه مطعوم.
_________________
(١) مروان بن محمد الاسدي، الاندلسي، البوني، المالكي. فقيه، محدث، حافظ، من اهل قرطبة.، ورحل إلى القيروان، وطلب العلم بها، ثم استقر ببونة من بلاد إفريقية، وأخذ عن أبي الحسن القابسي وأحمد بن نصر الداوودي، وروى عنه حاتم بن محمد، وتوفي ببونة قبل سنة ٤٤٠ هـ من آثاره: كتاب كبير شرح فيه الموطأ. معجم المؤلفين (١٢/ ٢٢٠) لكحالة.
[ ١ / ١٤٦ ]