٢٦ - عن عبّاد بن تميمٍ عن عبد الله بن زيدٍ بن عاصمٍ المازنيّ - ﵁ - (١)، قال: شُكي إلى النّبيّ - ﷺ - الرّجل يُخيَّل إليه أنّه يجد الشّيء في الصّلاة، فقال: لا ينصرفْ حتّى يسمعَ صوتًا، أو يجدَ ريْحًا. (٢)
قوله: (عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد) وللبخاري. عن عباد عن عمه، هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري. سَمَّاه مسلمٌ وغيره في روايتهم لهذا الحديث. واختلف. هل هو عمُّ عبادٍ لأبيه أو لأمه؟.
قوله: (شُكي) وللبخاري " أنّه شكا " كذا في روايتنا " شكا " بألفٍ، ومقتضاه أنّ الرّاوي هو الشّاكي، وصرّح بذلك ابن خزيمة
_________________
(١) تقدمت ترجمته - ﵁ - رقم (٩)
(٢) أخرجه البخاري (١٣٧، ١٧٥، ١٩٥١) ومسلم (٣٦١) من طريق ابن عيينة عن الزهري عن ابن المسيب وعبَّاد عن عمه. ثم قال البخاري: وقال ابن أبي حفصة، عن الزهري: لا وضوء إلا فيما وجدتَ الريح أو سمعتَ الصوت. قال الحافظ في " الفتح " (٤/ ٢٩٦): وصله أحمد والسراج. وقد اختصر ابن أبي حفصة هذا المتن اختصارًا مجحفًا. فإنَّ لفظه يعمُّ ما إذا وقع الشك داخل الصلاة وخارجها. وروايةُ غيرِه من أَثبات أصحاب الزهري تقتضي تخصيص ذلك بمن كان داخل الصلاة. ووجهه أن خروج الريح من المصلِّي هو الذي يقع له غالبًا بخلاف غيره من النواقض فإنه لا يهجم عليه إلا نادرًا. وليس المراد حصر نقض الوضوء بوجود الريح. انتهى وسيأتي خلاف العلماء في مسألة التفريق بين داخل الصلاة وخارجها.
[ ١ / ٢١٨ ]
عن عبد الجبّار بن العلاء عن سفيان. ولفظه عن عمّه عبد الله بن زيد قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الرّجل.
ووقع في بعض الرّوايات " شُكي " بضمّ أوّله على البناء للمفعول، وعلى هذا فالهاء في أنّه ضمير الشّأن. ووقع في مسلم " شُكي " بالضّمّ أيضًا كما ضبطه النّوويّ.
وقال: لَم يسمّ الشّاكي، قال: وجاء في رواية البخاريّ أنّه الرّاوي. قال: ولا ينبغي أن يتوهّم من هذا أنّ " شكا " بالفتح أي: في رواية مسلم، وإنّما نبّهت على هذا، لأنّ بعض النّاس قال: إنّه لَم يظهر له كلام النّوويّ.
قوله: (الرّجل) بالضّمّ على الحكاية. وهو وما بعده في موضع النّصب.
قوله: (يُخيّل) بضمّ أوّله وفتح المعجمة وتشديد الياء الأخيرة المفتوحة، وأصله من الخيال، والمعنى يظنّ، والظّنّ هنا أعمّ من تساوي الاحتمالين أو ترجيح أحدهما على ما هو أصل اللّغة من أنّ الظّنّ خلاف اليقين.
قوله: (يَجدُ الشّيءَ) أي: الحدث خارجًا منه، وصرّح به الإسماعيليّ ولفظه " يخيّل إليه في صلاته أنّه يخرج منه شيء " وفيه العدول عن ذكر الشّيء المستقذر بخاصّ اسمه إلاَّ للضّرورة.
قوله: (في الصّلاة) تمسّك بعض المالكيّة بظاهره. فخصّوا الحكم بمن كان داخل الصّلاة، وأوجبوا الوضوء على من كان خارجها،
[ ١ / ٢١٩ ]
وفرّقوا بالنّهي عن إبطال العبادة، والنّهي عن إبطال العبادة متوقّف على صحّتها، فلا معنى للتّفريق بذلك؛ لأنّ هذا التّخيّل إن كان ناقضًا خارج الصّلاة فينبغي أن يكون كذلك فيها كبقيّة النّواقض.
قوله: (لا ينصرف) بالجزم على النّهي، ويجوز الرّفع على أنّ " لا " نافية. وللبخاري " لاينفتل أو لا ينصرف " هو شكّ من الرّاوي، وكأنّه من عليّ؛ لأنّ الرّواة غيره رووه عن سفيان بلفظ " لا ينصرف " من غير شكّ.
قوله: (صوتًا) أي: من مخرجه.
قوله: (أو يجد) أو للتّنويع، وعبّر بالوجدان دون الشّمّ ليشمل ما لو لمس المحلّ ثمّ شمّ يده.
ولا حجّة فيه لمن استدل على أنّ لمس الدّبر لا ينقض، لأنّ الصّورة تحمل على لَمْس ما قاربه لا عينه.
ودلَّ حديث الباب على صحّة الصّلاة ما لَم يتيقّن الحدث، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين؛ لأنّ المعنى إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى، قاله الخطّابيّ.
وقال النّوويّ: هذا الحديث أصل في حكم بقاء الأشياء على أصولها حتّى يتيقّن خلاف ذلك، ولا يضرّ الشّكّ الطّارئ عليها. وأخذ بهذا الحديث جمهور العلماء.
وروي عن مالك النّقض مطلقًا، وروي عنه النّقض خارج الصّلاة دون داخلها، وروي هذا التّفصيل عن الحسن البصريّ.
[ ١ / ٢٢٠ ]
والأوّل مشهور مذهب مالك قاله القرطبيّ، وهو رواية ابن القاسم عنه. وروى ابن نافع عنه. لا وضوء عليه مطلقًا كقول الجمهور، وروى ابن وهب عنه: أحبّ إليّ أن يتوضّأ.
ورواية التّفصيل لَم تثبت عنه، وإنّما هي لأصحابه.
وحمل بعضهم الحديث على من كان به وسواس. وتمسّك بأنّ الشّكوى لا تكون إلاَّ عن عِلَّة.
وأجيب: بما دلَّ على التّعميم، وهو حديث أبي هريرة عند مسلم. ولفظه: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا. فلا يخرجنّ من المسجد حتّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.
وقوله: فلا يخرجنّ من المسجد. أي: من الصّلاة، وصرّح بذلك أبو داود في روايته.
وقال العراقيّ: ما ذهب إليه مالك راجح؛ لأنّه احتاط للصّلاة وهي مقصد، وألغى الشّكّ في السّبب المبرئ، وغيره احتاط للطّهارة وهي وسيلة، وألغى الشّكّ في الحدث النّاقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل.
وجوابه: أنّ ذلك من حيث النّظر قويّ؛ لكنّه مغاير لمدلول الحديث، لأنّه أمر بعدم الانصراف إلى أن يتحقّق.
وقال الخطّابيّ: يستدلّ به لمن أوجب الحدّ على من وجد منه ريح الخمر لأنّه اعتبر وجدان الرّيح ورتّب عليه الحكم، ويمكن الفرق بأنّ الحدود تدرأ بالشّبهة والشّبهة هنا قائمة، بخلاف الأوّل فإنّه متحقّق.
[ ١ / ٢٢١ ]