الأذان لغةً الإعلام، قال الله تعالى (وأذانٌ من الله ورسوله). واشتقاقه من الأَذَن بفتحتين وهو الاستماع.
وشرعًا الإعلام بوقت الصّلاة بألفاظٍ مخصوصة.
قال القرطبيّ وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة لأنّه بدأ بالأكبريّة. وهي تتضمّن وجود الله وكماله، ثمّ ثنّى بالتّوحيد ونفي الشّريك، ثمّ بإثبات الرّسالة لمحمّدٍ - ﷺ -، ثمّ دعا إلى الطّاعة المخصوصة عَقِب الشّهادة بالرّسالة لأنّها لا تعرف إلاَّ من جهة الرّسول، ثمّ دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدّائم وفيه الإشارة إلى المعاد، ثمّ أعاد ما أعاد توكيدًا.
ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدّعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام. والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسّره لكل أحدٍ في كل زمان ومكان.
واختلف أيّهما أفضل الأذان أو الإمامة؟.
ثالثها، إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان، وفي كلام الشّافعيّ ما يومئ إليه.
واختلف أيضًا في الجمع بينهما.
فقيل: يكره، وفي البيهقيّ من حديث جابر مرفوعًا النّهي عن ذلك. لكنّ سنده ضعيف، وصحّ عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذّنت. رواه سعيد بن منصور وغيره.
[ ٢ / ١٤٥ ]
وقيل: هو خلاف الأولى، وقيل: يستحبّ. وصحَّحه النّوويّ.
فوائد:
الفائدة الأولى: أخرج البخاري في " صحيحه " عن ابن عمر قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيَّنون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلَّموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة، فقال رسول الله - ﷺ -: يا بلال قم فناد بالصلاة.
وهو ظاهر في أنّ الأذان إنّما شرع بعد الهجرة، فإنّه نفى النّداء بالصّلاة قبل ذلك مطلقًا. وقوله في آخره " يا بلال: قم فناد بالصّلاة " كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد، وسياق حديثه يدلّ على ذلك. كما أخرجه ابن خزيمة وابن حبّان من طريق محمّد بن إسحاق قال: حدّثني محمّد بن إبراهيم التّيميّ عن محمّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه قال: حدّثني عبد الله بن زيد، فذكر نحو حديث ابن عمر، وفي آخره " فبينما هم على ذلك، أُري عبد الله النّداء. فذكر الرّؤيا. وفيها صفة الأذان لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع التّكبير وإفراد الإقامة وتثنية قد قامت الصّلاة، وفي آخره قوله - ﷺ -: إنّها لرؤيا حقّ إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال فألقها عليه فإنّه أندى صوتًا منك، وفيه مجيء عمر، وقوله: إنّه رأى مثل ذلك.
الفائدة الثانية: وردتْ أحاديث تدلّ على أنّ الأذان شرع بمكّة قبل
[ ٢ / ١٤٦ ]
الهجرة، منها للطّبرانيّ من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: لَمّا أسري بالنّبيّ - ﷺ -، أوحى الله إليه الأذان، فنزل به فعلَّمه بلالًا.
وفي إسناده طلحة بن زيد. وهو متروك.
وللدّارقطنيّ في " الأطراف " من حديث أنس، أنّ جبريل أمر النّبيّ - ﷺ - بالأذان حين فرضت الصّلاة. وإسناده ضعيف أيضًا.
ولابن مردويه من حديث عائشة مرفوعًا: لَمّا أُسري بي أذّن جبريل فظنّت الملائكة أنّه يُصلِّي بهم فقدّمني فصليت. وفيه من لا يُعرف.
وللبزّار وغيره من حديث عليّ، قال: لَمّا أراد الله أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل بدابّةٍ يقال لها البراق فركبها. فذكر الحديث. وفيه: إذ خرج ملكٌ من وراء الحجاب فقال: الله أكبر، الله أكبر، وفي آخره: ثمّ أخذ الملك بيده فأمّ بأهل السّماء. وفي إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود. وهو متروكٌ أيضًا.
ويمكن على تقدير الصّحّة. أن يحمل على تعدّد الإسراء فيكون ذلك وقع بالمدينة.
وأمّا قول القرطبيّ: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعًا في حقّه، ففيه نظرٌ، لقوله في أوّله: لَمّا أراد الله أن يعلم رسوله الأذان.
وكذا قول المحبّ الطّبريّ: يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللّغويّ وهو الإعلام. ففيه نظرٌ أيضًا لتصريحه بكيفيّته المشروعة فيه.
والحقّ أنّه لا يصحُّ شيءٌ من هذه الأحاديث.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وقد جزم ابن المنذر بأنّه - ﷺ - كان يُصلِّي بغير أذان منذ فرضت الصّلاة بمكّة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التّشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر ثمّ حديث عبد الله بن زيد. انتهى.
وقد حاول السّهيليّ الجمع بينهما فتكلف وتعسّف، والأخذ بما صحّ أولى، فقال بانيًا على صحّة الحكمة في مجيء الأذان على لسان الصّحابيّ: إنّ النّبيّ - ﷺ - سمعه فوق سبع سموات وهو أقوى من الوحي، فلمّا تأخّر الأمر بالأذان عن فرض الصّلاة وأراد إعلامهم بالوقت، فرأى الصّحابيّ المنام فقصّها، فوافقت ما كان النّبيّ - ﷺ - سمعه فقال: إنّها لرؤيا حقّ "، وعلم حينئذٍ أنّ مراد الله بما أراه في السّماء أن يكون سنّةً في الأرض، وتقوّى ذلك بموافقة عمر، لأنّ السّكينة تنطق على لسانه.
الفائدة الثانية: ممّا كثر السّؤال عنه. هل باشر النّبيّ - ﷺ - الأذان بنفسه؟.
وقد وقع عند السّهيليّ، أنّ النّبيّ - ﷺ - أذّن في سفر، وصلَّى بأصحابه وهم على رواحلهم السّماء من فوقهم والبلة من أسفلهم. أخرجه التّرمذيّ من طريق تدور على عمر بن الرّمّاح يرفعه إلى أبي هريرة. انتهى
وليس هو من حديث أبي هريرة، وإنّما هو من حديث يعلى بن مرّة، وكذا جزم النّوويّ. بأنّ النّبيّ - ﷺ - أذّن مرّةً في السّفر، وعزاه للتّرمذيّ وقوّاه.
[ ٢ / ١٤٨ ]
ولكن وجدناه في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه التّرمذيّ، ولفظه " فأمر بلالًا فأذّن " فعُرف أنّ في رواية التّرمذيّ اختصارًا، وأنّ معنى قوله " أذّن " أمر بلالًا به، كما يقال أعطى الخليفة العالم الفلانيّ ألفًا، وإنّما باشر العطاءَ غيرُه، ونسب للخليفة لكونه آمرًا به.
ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان، ما رواه أبو الشّيخ بسندٍ فيه مجهول عن عبد الله بن الزّبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم (وأذّن في النّاس بالحجّ) الآية. قال: فأذّن رسول الله - ﷺ -.
وما رواه أبو نعيمٍ في " الحلية " بسندٍ فيه مجاهيل، أنّ جبريل نادى بالأذان لآدم حين أهبط من الجنّة.
[ ٢ / ١٤٩ ]