الحمد لله الكبير المتعال ذي الفضل والجلال. تكرّم على عباده بمزيد الفضل والإنعام. والصلاة والسلام على خير الأنام. وعلى آله وصحبه الطيّبين الكرام.
وبعد. فإنَّ كتاب " عمدة الأحكام من كلام خير الأنام " للحافظ عبد الغني المقدسي ﵀ (١). مما عمَّ خيرُه. وكثر بين أهل العلم نفعه. لِمَا تَميّز به الكتاب بِأمرين هامّين.
الأمر الأول: صحة الأحاديث الواردة فيه. حيث اشترط مصنّفه الاقتصار على ما اتفق عليه الشيخان رحمهما الله. (٢)
الأمر الثاني: اختصاره (٣) وشموله لجميع كتب الفقه.
_________________
(١) تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي الجمَّاعيلي المقدسي الحنبلي ﵀. ولد سنة ٥٤١ هـ بجمَّاعيل. قال ابن النجار: حدَّث بالكثير وصنَّف في الحديث تصانيف حسنة، وكان غزير الحفظ من أهل الإتقان والتجويد، قيّمًا بجميع فنون الحديث. وقال ابن كثير: رحم الله الحافظ عبد الغني فقد كان نادرًا في زمانه في الحديث وأسماء الرجال. توفي ﵀ يوم الاثنين سنة ٦٠٠ هـ دفن في مقبرة القرافة بمصر.
(٢) سوى أحاديث قليلة. أوردها الشارح. وهي مما انفرد بها أحدُ الشيخين. كما سُننبّه عليها إن شاء الله في التعليق على الكتاب. ونبّه عليها الشارح أيضًا وغيره ممن شرح الكتاب.
(٣) بلغتْ أحاديث الكتاب ٤٢٦ حديثًا. واختلاف المحقِّقين في عدِّه سببه روايات الحديث التي يُوردها المصنف، فبعضهم يضمُّها لأصل الحديث، وبعضهم يجعلُ لها رقمًا خاصًا والأمر واسع.
[ ١ / ٢ ]
ولذا اهتمّ به أهل العلم، واعتنوا به. وتناولوه حفظًا وشرحًا وتعليقًا على مرِّ السنين التي تلتْ تأليفَ الكتاب إلى عصرنا هذا.
ولذا بلغتْ شروحُه العشرات ما بين مختصَر ومتوسط وموسَّع. منها المطبوع. ومنها المخطوط. ومنها المفقود.
وأفضل هذه الشروح المطبوعة.
كتاب (إحكام الأحكام) لابن دقيق العيد. المتوفى سنة ٧٠٢ هـ. مع حاشيته للصنعاني. والجوانب الأُصولية واضحة جلية في هذا الشرح.
وكتاب (رياض الأفهام) لعمر بن علي الفاكهاني. المتوفى سنة ٧٣٤ هـ
وكتاب (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام) لابن الملقن، المتوفى سنة ٨٠٤ هـ وهو من أفضلها وأوسعها. وأكثرها فوائد.
قال حاجي خليفة في كشف الظنون: وهو مِن أحسن مصنفاته.
وكتاب (كشف اللثام) للسفاريني. المتوفى سنة ١١٨٨ هـ.
وكتاب (تيسير العلام) لعبد الله البسام. المتوفى سنة ١٤٢٤ هـ. وهو من الشروح المعاصرة الشهيرة، ويمتاز بحسن ترتيبه.
وغيرُها كثير. رحمة الله عليهم جميعًا.
وقد تميّز كلُّ شرحٍ بميزةٍ لا توجد في غيره، واتفقت هذه الشروح على الاهتمام بالجانب الفقهي للحديث أكثر من غيره، وذلك أنَّ كتاب " عمدة الأحكام " أُلّف من أجل بيان الأحكام الفقهية من
[ ١ / ٣ ]
صحيح السنة النبوية.
وعندما أَنظر في هذه الشروح أثناء شرحي للكتاب، لابدَّ وأنْ أرجع إلى شرح الحديث في كتاب " فتح الباري " للحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ (١) فأجد فيه ما لا أجده في شروح العمدة. مما يشفي العليل ويروي الغليل. سواء التي تقدّمت الفتحَ أو تأخرتْ عنه. لِمَا تميَّز به " فتح الباري " من جمعٍ للروايات، ونقدٍ للأسانيد، ورفع للإشكالات، وبيانٍ للمبهمات، ونقدٍ وتحريرٍ للإجماعات، وتحرير لأقوال المذاهب المشهورة، والروايات المنثورة.
وهذا ظاهرٌ جليٌ في شرح ابن حجر ﵀. ولذا لا تكاد تجدُ عالِمًا شرحَ العمدة أو غيرهَ من كتب السنة - ممن جاء بعده - إلاَّ كان عالةً عليه في النقل بلفظه أو معناه.
لكنْ أكثر ما يُشكل أنَّ الإمام البخاري ﵀ فرّق الأحاديث في صحيحه حسب استنباطه لِفقه الحديث، فرُبَّما أورد الحديث في أكثر
_________________
(١) أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين ابن حجر: من أئمة العلم والتاريخ. أصله من عسقلان (بفلسطين) ومولده ووفاته بالقاهرة. (٧٧٣ - ٨٥٢) ولَعَ بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ، وعلتْ له شهرة فقصده الناس للأخذ عنه، وأصبح حافظَ الإسلام في عصره. قال السخاوي: انتشرت مصنفاتُه في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر، وكان فصيح اللسان، راويةً للشعر، عارفًا بأيام المتقدمين وأخبار المتأخرين، صبيح الوجه. وولي قضاء مصر مرَّات ثم اعتزل. الأعلام للزركلي (١/ ١٧٨).
[ ١ / ٤ ]
من خمسة عشر موضعًا أو تزيد. فيضطر الحافظ ابنُ حجر أنْ يذكرَ مناسبةَ الحديث وفقهه في كل موضع.
ولذا عسُر الاطلاع على كلام ابن حجر في الفتح لتفرّقه وشتاته حسب إيراد البخاري للحديث. ولذلك كثُرتْ إحالات الشارح في كتابه. (١)
وللحافظ اطّلاعٌ واسعٌ على شروح العُمدة لأهل العلم الذين تقدّموه كابن العطَّار والفاكهاني وابن دقيق وابن الملقن، وينقل عنهم كثيرًا. خصوصًا ابن دقيق العيد. فتارةً ينقدهم. وتارةً يُقرُّ لهم. وتارةً يزيدُ عليهم.
ومما يدلُّ على اطِّلاعه ما قاله ابن حجر عن كتاب " تيسير المرام في شرح عمدة الأحكام " لأبي عبد الله محمد بن أحمد التلمساني. المتوفى سنة ٧٨١ هـ. قال: جمعَ فيه بين كلام ابن دقيق العيد وابن العطار والفاكهاني وغيرهم. (٢)
بل إنَّ ابن حجر ينقُد المقدسيَّ مُصنِّفَ العمدة. فيذكر أوهامَه التي حصلتْ له. سواء في عزو الحديث، أو ذِكْر ألفاظٍ ليست في الصحيحين أصلًا، فيبيّن الوهم. ويذكر الصواب.
_________________
(١) وقد تتَّبع أبو صهيب أحمد العدوي جزاه الله خيرًا هذه الإحالات فجمعَهَا في كتابٍ أسماه " غبطة القاري في بيان إحالات فتح الباري " في مجلّد كبير.
(٢) نقله حاجي خليفة في " كشف الظنون "
[ ١ / ٥ ]