وهو لغة السلامة، وشرعًا بيع موصوف في الذمة بلفظ السلم، والإِقراض وهو تمليك الشيء ليرد بدله والرهن وهو لغة الثبوت، ومنه الحالة الراهنة أي الثابتة وشرعًا: جعل عين ماله وثيقة بدين يستوفي منها عند تعذر وفائه.
والأصل في الثلاثة قبل الإِجماع من السنة ما يأتي، ويزيد الأول والثالث من الكتاب بقوله تعالى في الأول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ﴾ الآية وبقوله في الثالث ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فسر ابن عباس الأول بالسلم، والقاضي الثاني بارهنوا أو اقبضوا.
١/ ٣٦٥ - (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قَدِمَ النَّبيُّ - ﷺ -
[ ٤٥٠ ]
المدينَةَ وَهُمْ يُسْلِفونَ) أي يسلمون (في الثِّمَارِ السّنَتَينِ والثَّلاث فقال: مَنْ أَسْلَفَ فِي شيءٍ) مكيل أو موزون (فَليُسْلِفْ فيه في كَيلٍ) أي مكيل (مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ) أي أو وزن كما في رواية معلوم إلى أجل معلوم (رواه الشيخان واللفظ للبخاري).
وفيه جواز السلم، وهو إجماع، وجوازه إلى السنتين والثلاث بل وأكثر لإِطلاق الحديث وجوازه حالًا بمفهوم الأولى، لأنه إذا جاز مؤجلًا وفيه غرر بين قمع الحال أولى.
وفيه صحة السلم في المكيل وزنًا وعكسه لأن المقصود معرفة المقدار بخلاف الربوي لأن المقصود ثم المماثلة وحمل إمام الحرمين إطلاق الأصحاب جواز كيل موزون على ما بعد الكيل في مثله ضابطًا حتى لو أسلم في فتات المسك والعنبر ونحوهما كيلًا لم يصح، فلو أطلق السلم صح على الأصح عندنا وحمل على الحلول وخرج بالمعلوم المجهول فلا يصح السلم معه كأن أجل بالحصاد أو الجذاذ أو قدوم الحاج والكلام على ذلك كله مبسوط في كتاب الفقه.
[ ٤٥١ ]
٢/ ٣٦٦ - (وعَنْ أَبِي هُرَيرَة ﵁ قال: قَال النَّبي - ﷺ -: مَنْ أَخَذَ أمْوَال النَّاسِ) سلمًا أو غيره (يُرِيدُ أدَاءَهَا) لهم (أدَّى الله عَنْه) ما أخذه منهم أي أعانه على ذلك (وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلافَهَا) أي ضياعها عليهم (أَتْلَفهُ الله) أي ضيعه من الخير (رواه البخاري).
وفيه أن الله تعالى يعامل عبده بما يقصده من خير أو شر وأن الثواب يكون من جنس الحسنة والعقوبة من جنس السيئة لمقابلة الأداء بالأداء والإِتلاف بالإِتلاف.
٣/ ٣٦٧ - (وعَنْ أَبِي رَافعٍ مَولَى رسول الله - ﷺ - قال: استَلَفَ) أي اقترض النبي - ﷺ - (مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا) بفتح الباء الذكر الصغير من الإِبل (فَقَدمَتْ عَلَيه إبِلٌ مِن الصَّدَقَة، فأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضيَ) أي يؤدي فيه الفتات من التكلم إلى الغيبة، والأصل فأمرني أن أقضي (الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقَال: لَا أَجِدُ إلَّا خِيَارًا رَبَاعيًّا بفتح الراء وتخفيف الياء وهو الذكر من الإِبل إذا دخلِ في السابعة وألقى رباعيته بتخفيف الباء (قَال: أعْطِهِ إِياهُ فإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أحْسَنهُمْ قَضَاءً) أي أداء (رواه مسلم).
[ ٤٥٢ ]
وفيه جواز اقتراض الحيوان فيجوز اقتراض كل حيوان مملوك، وهو جائز عندنا في كل حيوان إلا الأمة لمن يملك وطئها فلا يجوز إقراضها لمن لا يملك وطئها كمحرمها والمرأة والخنثى، قال النووي في شرح مسلم، قال السبكي: وفي جواز إقراضها للخنثى نظر، لأنه قد يصير واضحًا فيطؤها ويردها، وقال الأذرعي: الأشبه المنع.
وفي الحديث أيضًا أنه يسن لمن عليه دين من قرض وغيره أن يرد أجودهما عليه، وأما النهي عن قرض يجر منفعة فمحله إذا شرط في العقد.
٤/ ٣٦٨ - (وعن عَائِشَةَ ﵂ قالت: اشَتَرى رسول الله - ﷺ - مِنْ يَهُودِيٍّ) واسمه أبو الشحم (طَعَامًا) ثلاثين صاعًا على المشهور، من شعير نسيئة -أي مؤجلًا (وَرَهنة دِرعًا) بكسر المهملة- أي زردية له (مِنْ حَدِيدٍ، رواه الشيخان) وفيه جواز معاملة الكفار، وجواز الرهن، وذلك
[ ٤٥٣ ]
متفق عليه وفيه جواز رهن السلاح من الذمي، واختلفوا هل فك النبي - ﷺ - درعه قبل موته أولًا، فقيل نعم لخبر ابن حبان في صحيحه (نَفسُ المُؤمِنِ مُعلَّقَةٌ بِدينه حَتَّى يقْضَى عنه) والأصح كما قال الماوردي لا، ففي البخاري عن عائشة توفي رسول الله - ﵁ - ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا.
والخبر الأول محمول على غير الأنبياء تنزيهًا لهم، وقيل على من لم يخلف وفاء.
٥/ ٣٦٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - الظَّهْرُ) للحيوان المركوب (يُرْكَبُ) للمالك (بِنَفقَتِهِ) أي مع إِنفاقه عليه (إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ) ذي (الدَّرَ) بالدال المهملة، أي اللبن (يُشْربُ) للمالك (بنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلى الّذِي يَرْكَبُ وَيَشْربُ) وهو المالك (النَّفَقَةُ رواه البخاري).
وفيه بما قررته أن الانتفاع بالمرهون الذي لا ينقصه والإِنفاق عليه مختصان بالمالك لا بالمرتهن، خلافًا لبعضهم لصريح الخبر.
"الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه" رواه الدارقطني وحسنه
[ ٤٥٤ ]
والحاكم وصححه، ولأنه المالك للرقبة، وأما خبر الدارقطني وغيره "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها".
فضعيف كما قاله السبكي آخذًا من كلام البيهقي أو مؤل بأن للمرتهن ذلك بإذن المالك.
[ ٤٥٥ ]