باب المساقاة مأخوذة من السقي المحتاج إليه فيها غالبًا وهي معاملة الشخص غيره على نخيل أو عنب ليتعهد بسقي وغيره، والثمرة لهما.
والإِجارة بكسر الهمزة أشهر من ضمها وفتحها، وهي لغة اسم للأجرة، وشرعًا تمليك منفعة بعوض بشروط معلومة في الفقه والأصل في البابين الإِجماع والحاجة إليها، وفي الأول حديث ابن عمر الآتي، وفي الثاني قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ والأخيار الآتية بعد الخبر الأول.
١/ ٣٩٢ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - عَامَلَ أهْلَ خَيبَرَ) وهي بلدة على نحو أربع مراحل من المدينة أي عاملهم على نخيلها وأرضها المتخللة بينهما (بِشطْر) أي نصف (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، رواه الشيخان).
[ ٤٨١ ]
وفيه جواز المساقاة والمزارعة التابعة لها بأن يتخذا عقدًا وعاملًا ويتخلل أرض الزراعة بالنخيل، وجوزت المزارعة تبعًا للمساقاة للجاجة إليها في اتحاد ما ذكر بخلاف ما إذا انفردت لا يجوز للنهي عنه في حديث ثابت بن الضحاك الآتي مع تعريفها في الكلام عليه، ففي ما قررناه جمع بين الحديثين، والمساقاة خاصة عندنا بالنخل والعنب كما علم مما مر ويشترط فيها بيان الجزاء المشروط للعامل، من نصف أو غيره كما يؤخذ من الحديث.
٢/ ٣٩٣ - (وعن ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاك بن سُفَّيان ﵄ قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المُزَارَعَةِ) وهي المعاملة على أرض ببعض ما يخرج منها والبذر من المالك، (وَأمَرَ بِالمُؤَاجَرَةِ) أمر إرشاد (رواه مسلم).
وفيه النهي عن المزارعة، وتقدم تقييده بالمنفردة عن المساقاة، وفيه الأمر بإجارة الأرض، وهي جائزة، كإجارة غيرها، وأما خبر النهي عنها في مسلم فمحمول كما في شرحه على نهي التنزيه كما نهى عن بيع الهرِّ نهي تنزيه، أو على ما إذا أجر الأرض بجزء مما يخرج منها أو من قطعة معينة منها كالثلث والربع وهي المخابرة المفسرة بالمعاملة على أرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل.
٣/ ٣٩٤ - (وَعَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -
[ ٤٨٢ ]
قال الله ﷿ ثَلاثة أَنَا خصمهُمْ) الخصم في الأصل مصدر وهو هنا بمعنى الصفة المشبهة باسم الفاعل أي مخاصم لهم بشدة يوم القيامة.
(رَجُلٌ أَعْطى العهد) أي اليمين بي -أي باسمي (ثُمَّ غَدَرَ) أي نقض العهد ولم يف به (وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) يعني تصرف فيه، وخص الأكل بالذكر لأنه أعظم مقصود الانتفاعات بالمال (وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فاسْتَوفَى مِنْهُ) منفعته (وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ، رواه البخاري). ووقع في بلوغ المرام مسلم وهو سبق قلم وفيه جواز الإِجارة، وتحريم نقض العهد وبيع الحر وأكل ثمنه ومنع إعطاء الأجير أجرته.
٤/ ٣٩٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ) أي تعليمه (رواه البخاري).
وفيه جواز الإِجارة، وجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وأن أحق الأجر أجرة تعليمه، ومنع بعضهم جواز أخذها على تعليمه لأنه عبادة كالصلاة، وادعى بعضهم نسخ الحديث بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذها على تعليمه.
ويرد الأول بأن النص مقدم على القياس، وبأن أثر النفع في المقيس مع كونه مستثنى يظهر على غير الأجير بخلافه في المقيس عليه، ورد الثاني بأنه إثبات الفسخ بالاحتمال وهو مردود بأن الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع مطلقًا بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل.
[ ٤٨٣ ]