هو بالفتح مصدر غسل الشيء وبمعنى الاغتسال، المراد هنا كقولك غسل الجمعة سنة. وبالضم اسم للماء الذي يغتسل به. ومشترك بين الثلاثة، ففيه على الأولين لغتان: الفتح وهو أفصح وأشهر لغة، والضم وهو ما يستعمله الفقهاء وأكثرهم -وإما بالكسر- فاسم لما يغتسل به من سدر ونحوه، وهو بالمعنيين الأولين.
لغة: سيلان الماء على الشيء.
وشرعًا: سيلانه على جميع البدن.
١/ ٤٢ - (عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قَال النَّبيّ - ﷺ -: إِنَّما المَاءُ مِن المَاءِ) أي يجب الغسل بالماء من إنزال الماء الدافق وهو المني (رواه مسلم وأصله في البخاري).
[ ١١٩ ]
وفيه أن خروج المني يوجب الغسل سواء أخرج بشهوة أو دونها من رجل أو امرأة عاقل أو مجنون بوطء أو دونه.
ولا ينافي الحصر في الحديث وجوب الغسل بالوطء أيضًا لأنَّ الحصر منسوخ بأخبار صحيحة كخبر أبي هريرة الآتي. ولأنه حصر إضافي بالإضافة إلى من قصر الوجوب على الوطء، ولأن معنى الحديث عند ابن عباس أنَّه لا يجب الغسل بالرؤية في النوم إلا أن ينزل.
ومحل إيجابه الغسل عندنا إذا خرج من محله المعتاد أو من تحت صلب الرجل أو ترابيب المرأة وانسد المعتاد، ولذلك بسط يطلب في كتب الفقه.
٢/ ٤٣ - (وعن أبي سعيد قال قال النَّبيّ - ﷺ -: إذا أَتَى) أي جامع أَحَدُكُمْ أَهْلَه، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ) إلى الجماع (فَلْيَتَوَضَّأَ بَينَهُمَا) أي بين الجماعين وضوءًا (فإِنَّه أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ رواه مسلم إلا فإنَّه أنشط للعود فالبيهقي والحاكم) وفيه طلب الوضوء بين الجماعين، وهو سنة عند جمهور العلماء لما ذكر في الحديث، وخروجًا من خلاف من أوجبه، ولأنه يخفف الحدث لأنه يرفعه عن أعضاء الوضوء وليست على إحدى الطهارتين خشية أنَّه يموت في نومه.
[ ١٢٠ ]
وقال في شرح مسلم: وقد نص أصحابنا على أنَّه يكره الجماع أي الثاني قبل الوضوء.
٣/ ٤٤ - (وعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال النَّبي - ﷺ - إِذَا جَلَسَ) أي الرجل المفهوم من السياق (بَينَ شُعَبِهَا) أي المرأة المفهومة من ذلك (الأَرْبَعِ ثمَّ جَهَدَهَا) بفتح الجيم والهاء أي بلغ جهده فيها بحركته والجهد الطاقة (فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، رواه الشيخان إلا وإن لم ينزل فمسلم).
والشعب، بضم الشين وفتح العين جمع شعبة كقرب وقرب، وهي الطابق من الشيء، والمراد بالشعب الأربع يداها ورجلاها، وقيل رجلاها وفخذاها، وقيل فخذها وحرفا شق فرجها - وقيل نواحي الفرج الأربع وقيل غير ذلك.
قال ابن دقيق العيد: والأقرب عندي الأولان لأنهما أقرب إلى الحقيقة إذ هما حقيقة في الجلوس بين الأربع بخلاف ما عداها وقال غيره الأولى الرابع، لأنه قابله حافظ على المقصود وهو تغيب الحشفة لا الجلوس بين
[ ١٢١ ]
المذكورات لأنه بمجرده لا يوجب الغسل، وابن دقيق العيد حافظ على حقيقة الجلوس وهو وسيلة، والمحافظة على المقاصد أولى منها على الوسائل، والجلوس والجهد غير معتبرين لخروجهما مخرج الغالب.
وفي الحديث وجوب الغسل بالوطء، وهو متفق عليه، ويحصل بدخول الحشفة أو قدرها من مقطوعها في فرج قبل أو دبر من حي أو ميت صغير أو كبير آدمي أو بهيمة أنزل أو لم ينزل سواء لف على ذكره خرقة ولو غليظة أم لا.
٤/ ٤٥ - (وعن أنس - ﵁ - قال قال النَّبيّ - ﷺ - فِي المَرْأةِ تَرَى في مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ) أي في منامه من أنَّه جامع فأنزل (تَغْتَسِلُ، رواه الشيخان) ولفظهما قالت: أم سلمة جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة
[ ١٢٢ ]
من غسل إذا هي احتلمت قال: "نعم إذا رأت الماء". ففيه دليل على وجوب الغسل بخروج المني وهو مجمع عليه، ولا فرق عندنا بين خروجه بجماع أو احتلام وغيرهما ولو بلا سبب أو بلا شهوة أو تلذذ من رجل أو امرأة كما مر ذلك.
٥/ ٤٦ - (وَعَنْ أبي سعيد سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ) بضم الدال وفتحها ابن هلال (- ﵁ - قَال: قَال النَّبيّ - ﷺ - مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِيَها) أي فبالسنة أخذ أي بما جوزته من الاقتصار على الوضوء (وَنعْمَتْ) أي الخصلة (وَمَنْ اغَتَسَلَ) معها (فَالْغُسْلُ) معها (أَفْضَلُ رواه الترمذي وحسنه).
وفيه سن الغسل لمريد الجمعة وهو سنة مؤكدة يكره تركها. وأما خبر "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" أي بالغ، فأجيب عنه بحمله على الندب المؤكد في حق مريد الجمعة، كما تقول لصاحبك حقك واجب عليّ أي متأكد.
[ ١٢٣ ]
٦/ ٤٧ - (وعن أم المؤمنين ميمونة) بنت الحارث بن حزن الهلالية - ﵂ - قالت: وَضَعَ النَّبيّ - ﷺ - وضُوءَ الْجَنَابَةِ) بفتح الواو على الأشهر أي الماء المعد لاستعماله في أعضاء الوضوء، والمراد هنا المعد لذلك وللغسل من الجنابة (فَأَكْفَأَ) أي قلب النَّبيّ - ﷺ - بيمينه على يساره كما أكفأ بيمينه عليها نفسها (مَرَّتَينِ أَوْ ثَلاثًا) بالنصب على الظرف أو على المصدر المبين للعدد فأقيم العدد مقامه كقوله "فاجلدوهم ثمانين جلدة" أي أكفأ على يساره إكفاء مرتين أو ثلاثًا (ثمَّ تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ) وتقدم بيانهما (وَغَسَلَ وَجْهَهُ وذَراعَيهِ ثمَّ أَفَاضَ) أي أفرغ (عَلَى رَأْسِه الماءَ، ثمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثمَّ تَنَحَّى) أي فارق موضعه (فَغَسَلَ رجلَيه، فَأَتَيتُهِ بِخرْقَةٍ فَلَمْ يرِدْهَا) من الإِرادة لا من الرد، وفي رواية "فأتيته بمنديل -بكسر الميم- فرده" (وَجَعَلَ يَنْفُضُ الماءَ بِيَدِه، رواه الشيخان).
وفيه سن ترك التنشيف، وهو الصحيح عندنا، وفيه أنَّه لا بأس بنفض
[ ١٢٤ ]
اليد بعد الغسل، والراجح في الروضة والمجموع أنَّه مباح يستوي في تركه وفعله.
وفيه سن التنحي من المغتسل لغسل القدمين سواء أكمل وضوءه قبل الغسل أم لا، وسكت فيه عن مسح الرأس لأنه مذكور في خبر آخر، أو لأنه اكتفى عنه بالإِفاضة على الرأس، وفي قوله ﴿ثم تنحى﴾ إشعار بتأخير خبر غسل القدمين، وهو محصل للغرض من سن الوضوء لغسل الجنابة لكن تقديمه على الإِفاضة أولى، كما هو ظاهر قول عائشة في خبر "إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة ثمَّ اغتسل".
٧/ ٤٧ - (وعن عائشة - ﵂ - قَالتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنبي - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ) أي تتعاقب (أَيدِينَا فيه)، زاد ابن حبَّان "وتلتقي من الجنابة"، متعلق باغتسل (رواه الشيخان وابن حبَّان).
وفيه جواز اغتسال الرجل والمرأة جميعًا من إناء واحد، واغتسال المرأة
[ ١٢٥ ]
بفضل طهور الرجل وعكسه، وهو مجمع عليه في الأولين، وعليه جمهور العلماء في الثالث ولا كراهة فيه عندنا.
[ ١٢٦ ]