الوقف: هو لغة الحبس، وشرعًا حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح. والأصل فيه الأخبار الآتية.
١/ ٣٩٩ - (عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا مَاتَ الإِنسان انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيةٍ أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ، رواه مسلم).
وفيه أنه يسن الوقف فقد حمل عليه العلماء الصدقة الجارية وفيه الحث على تعلم العلم وتأليفه، وعلى النكاح رجاء أن يولد له ولد صالح يدعو له.
[ ٤٨٦ ]
٢/ ٤٠٠ - (وعن ابنِ عُمَرَ ﵄ قال: أصَابَ عُمَر أَرْضًا بِخَيبَر فَأَتَي النّبيَّ - ﷺ - يَسْتَأْمِرُه) أي يطلب أن يأمره (فِيهَا) بشيء من أنواع البر والتقرب إلى الله ﷿ وهو معنى قوله في الرواية الأخرى "فما تأمرني به فقال يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالا قط" تأكيد أي في الزمن الماضي هو أنفس -أي أجود عندي منه (قَال لهُ النَّبيُّ - ﷺ - إِنْ شِئْتَ حبَّسْتَ) بتشديد الموحدة- أي وقفت (أَصلهَا) أي رقبتها (وَتَصَدَّقْتَ بِهَا) -أي بالأرض- أي بأصلها صدقة محرمة أو مؤيدة أو موقوفة فعطف تصدقت بها بهذا المعنى على حبست أصلها عطف تفسير غير (أَنه لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُورثُ وَلَا يُوهَبُ). قال ابن عمر: (فَتَصدَّق بِهَا) أي وقفها عمر (فِي الفُقَرَاءِ) الشاملين للمساكين (وفِي ذَوي القُرْبَى) لعمر، (وَفي الرِّقَاب) أي عتقها بأن يشترى من ريع الأرض الموقوفة أرقاء فيعتقون، (وفي سَبِيلِ الله) أي الجهاد بأن يشترى من الغلة آلات الحرب (وفي ابن السَّبِيلِ) وهو المسافر أو قاصد السفر، أطلق عليه ابن السبيل لملازمته السبيل أي الطريق ولو بالقصد، (وَفِي الضَّيفِ) -وهو نزل بغيره- (لا جُنَاحَ) أي إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهَا) أي وقف الأرض (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا) أي من بنائها (بِالمَعْرُوف) بين الناس، وأن (يُطْعِمَ
[ ٤٨٧ ]
صَدِيقًا) له حالة كونه (غَيَرَ مُتَمَولٍ) -بكسر الواو- (مَالًا، رواه الشيخان).
وفيه صحة الوقف وسنة التقرب إلى الله تعالى بأنفس الأموال، واستشارة الأكابر والائتمار بأمرهم، وأن التحبيس صريح في الوقف كالوقف وكذا الصدقة لكن بشرط أن يكون معها قرينة دالة على الوقف كما أسرت إليه آنفًا، وأن الوقف ينتقل إلى الله تعالى بحيث يمتنع انتقاله ونقله ببيع أو نحوه وكذا رهنه، وفيه أيضًا أفضلية الوقف على من ذكر من الأصناف، وجواز الوقف على الأغنياء لإِطلاق بعض الأصناف عن التقييد بالفقر وهو الأصح عندنا، وجواز وقف المشاع لأن هذه الأرض كانت مشاعة كما رواه الشافعي.
وفيه أن للواقف أن ينتفع بوقفه إذا أطلقه ومحله عندنا إذا صار بصفة الموقوف عليه وإلا فلا ينتفع به كغيره من غير أرباب الوقف وأما إذا شرط انتفاعه فلا يصح الوقف لأنه في معنى الوقف على نفسه وهو باطل عندنا وفي الصورة السابقة لم يرد نفسه وإنما ذكر صفة عامة فإذا اتصف بها دخل.
٣/ ٤٠١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قال: بَعَثَ رسولُ الله - ﷺ -،
[ ٤٨٨ ]
عُمَرَ بن الخطَّاب عَلَى الصَّدَقَةِ الوَاجِبَةِ) وهي الزكاة الحديث -بالنصب أي اذكر الحديث، وبالجر أي أذكر بقية الحديث، وبالرفع أي الحديث معروف.
(وفيه) بعد ما ذكر للنبي - ﷺ - أن خالدًا منع الزكاة فيما يأتي (وأمَّا خَالِدٌ فقَد احْتَبَسَ) أي حبس بمعنى وقف (أَدْرَاعَهُ) جمع درع بكسر المهملة أي الزردية كما مر (وأعْتَادَهُ) بالفوقية جمع عتاد بفتح أوله وهو ما يعد للحرب من السلاح، وروي "واعتده" بضم الفوقية وكسرها جمع عتد بفتحها وكسرها، وروي "واعيده" بالموحدة وروي ورقيقه ودوابه والكل صحيح وإن زعم بعضهم أن بعضها وهم.
(فِي سَبِيلِ الله) أي الجهاد كما مر (رواه الشيخان) ومعناه أنهم لما طلبوا من خالد زكاة الأشياء المذكورة لكونها كانت للتجارة وامتنع منها قال لهم النبي - ﷺ - معتذرًا عنه أنه احتبسها أي وقفها قبل الحول في سبيل الله فلا زكاة عليه فيها ففيه صحة الوقف وصحة وقف المنقول وأنه لا زكاة في الوقف.
[ ٤٨٩ ]