بالفتح جمع جنازة بالكسر والفتح.
الفتح اسم للميت في النعش، وقيل بالفتح اسم لذلك وبالكسر اسم للنعش وعليه الميت وقيل عكسه، وقيل غير ذلك من جنزه أي سيره.
١/ ٢٠٢ - (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: أكثِروا) من (ذِكْر هَاذِمِ) بالمعجمة أي قاطع (اللذّاتِ) يعني (الموت رواه الترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم وصححاه) زاد النسائي فإنه ما يذكر في كثير إلا قلله ولا قليل إلا كثره - أي كثير من الأمل والدنيا وقليل من العمل، وفي ذلك سن الإِكثار من ذكر الموت، وحكمته ما رواه النسائي.
٢/ ٢٠٣ - (وعن أنس ﵁ قال: قال النبي - ﷺ - لَا يَتَمَنَّيَنَّ
[ ٢٩٧ ]
أحَدُكُمُ الموْتَ لِضُرٍ نَزِلَ بِهِ، فَإِن كانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُل اللهُمَّ أحْيِني ما كَانتِ الحَيَاةُ خَيرًا لِي، وتَوَفَّني إذا كانتِ الوَفَاةُ خَيرًا لِي، رواه الشيخان) لكن لفظ البخاري أصابه بدل نزل به، وفاعلًا بدل متمنيًا، والمعنى واحد. وفيه كراهة تمني الموت لضر نزل به -أي في بدنه أو دنياه- أما تمنيه لفتنة دين فمستحب.
٣/ ٢٠٤ - (وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا: قال النبي - ﷺ - لَقنوا أمواتكم) أي من حضره الموت (لا إله إلا الله، رواه مسلم).
وفيه سن تلقين المحتضر، ولا يلح عليه به لئلا يضجر، ولا يقال له قل: لا إله إلا الله، بل يقولها عنده، وليكن غير متهم كحاسد وعدو ووارث،
[ ٢٩٨ ]
فإن لم يحضر غيرهم لقنه من حضر منهم كما بحثه الأذرعي وإذا قالها مرة لا تعاد عليه إلا أن يتكلم بعدها.
٤/ ٢٠٥ - (وعن أبي عبد الله معقل بن يسار) بياء تحتية ثم مهملة (البصري ﵁ قال: قال النبي - ﷺ - اقرأوا عَلَى موتَاكُم يس، رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن حبان) وقال: المراد به من حضر الموت لأن الميت لا يقرأ عليه، فدل الحديث على أنه يسن قراءة سورة يس عند المحتضر.
٥/ ٢٠٦ - (وعن عائشة ﵂ قالت: إِنَّ النبي - ﷺ - حين تُوفيَ سجِّيَ) أي غُطي (ببُرِد حبَرِهِ) بكسر الحاء وفتح الموحدة وبإضافة برد إلى حبرة، وهو الأكثر أو بوصفه بها، وهو نوع من برود اليمن أشرف الثياب (والحديث رواه الشيخان).
[ ٢٩٩ ]
وفيه سن تغطية الميت بثوب خفيف بعد نزع ثيابه عنه لئلا يسرع إليه الفساد.
٦/ ٢٠٧ - (وعنها أي عن عائشة ﵂ قالت: إِن أبا بكر الصديق قبل النبي - ﷺ - بعدَ مَوْتِهِ، رواه البخاري، وقبل النبي - ﷺ - عثمان بن مظعون بعد موته، رواه الترمذي وغيره وصححوه.
احتج أئمتنا بذلك على أن لأهل الميت ونحوهم تقبيل وجهه بل هو سنة لهم كما قاله الروياني وبحثه السبكي فقال: ينبغي أن يكون ذلك لهم مستحبًا ولغيرهم جائزًا.
٨/ ٢٠٨ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَال النبي - ﷺ - نَفْس الْمُؤمِنِ مُعَلَّقَة) أي محبوسة (بِدَيْنِهِ، حَتى يُقضى عَنْهُ، رواه الترمذي) وصححه.
[ ٣٠٠ ]
وفيه حث الشخص على وفاء دينه قبل موته ليسلم من هذا الوعيد.
٨/ ٢٠٩ - (وعن ابن عباس ﵄ أن النَّبِيّ - ﷺ - قَال: في الذي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ، اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وسِدرٍ، وَكَفنُوهُ في ثَوْبَيهِ، رواه الشيخان).
وفيه الأمر بغسله بماء وسدر، وبتكفينه بثوبين، أما غسله بالماء فواجب، وأما به من السدر فمستحب، وأما تكفينه فواجب وأما كسوته بثوبين فمستحب، بل يستحب للرجل ثلاثة كما سيأتي، وللمرأة خمسة، والواجب في التكفين ثوب يستر العورة على الأصح.
٩/ ٢١٠ (وعن أم عطية ﵂ قَالتْ: دَخَلَ عَلَينَا النَّبِيّ - ﷺ - وَنَحْنُ نُغسل ابْنَتَهُ) زينب، وقيل أم كلثوم (فَقَال اغْسِلْنَها ثَلَاثًا أو خَمْسًا أوْ أكْثَرَ مِنْ ذلك إن رَأيتُنَّ ذلِك) بكسر الكاف في الموضعين لأنه خطاب لمؤنث، والأنسب بما قبلهما وما بعدهما -ولكن بماء وسدر- متعلق باغسلنها - (وَاجْعَلْنَ في) الغسلة (الأخِيرَةِ كَافُورًا أو قَال: شَيئًا مِنْ كافُور وابْدَأن بَمَيامِنَها) -أي بالأيمن، فالأيمن من أعضائها على الأصل في سن البداءة به في الطهارة وغيرها من العبادات (وَمَوَاضِعِ الْوُضوءِ مِنْهَا) إكرامًا لها لشرفها على بقية البدن، (فإذا فَرَغْتن مِنْ غسلها فآذنني) -أي فأعلمنني بفراغكن- (فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ) -أي أعلمناه - (فَألقَى إلَينَا حَقْوهُ) بفتح المهملة أشهر من كسرها وسكون القاف
[ ٣٠١ ]
يعني إزاره -فقال (أشْعِرْنَهَا) - أي اجعلنه شعارًا لها، أي يلي جسدها تبركًا به (فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ) أي ثلاث ضفائر ناصيتها وجانبي رأسها (وَألْقَينَاهَا خَلْفَهَا، رواه الشيخان).
وفيه الأمر بغسل الميت وترًا ثلاثًا أو أكثر بماء وسدر، وذلك مستحب وإنما يستحب الأكثر عند الحاجة إليه في الإِتقاء، ولهذا قال: ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك -أي رأي اجتهاد في القدر الكافي للإنقاء لا رأي تشهٍ، وأما غسله الواجب فإنما يكون بالماء القراح، وكيفية غسله، أي يغسل أولًا بماء وسدر مختلطين ثم يزيله بغسله ثانية بماء قراح، ثم يغسله بماء قراح فيه قليل كافور، والمحسوب منها الثالثة لعدم تغير ما بها بخلاف الأوليين لتغير ما بهما بالسدر، وهذه الثلاثة غسلة واحدة، وتسن ثانية وثالثة كذلك وقد بسطت الكلام على ذلك في شرح المنهج وغيره. ولو أتي بعد الثالثة بثانية وثالثة بماء قراح حصل أصل سنة التثليث، وإنما جعل الكافور في الأخيرة لأنه يشد بدن الميت ويحفظه عن سرعة التغي رويطيب رائحته للمصلين ومن يحضره
[ ٣٠٢ ]
من الملائكة، ونص أئمتنا على أنَّه يجعل في كل غسلة قليل كافور في الأخيرة آكد.
وفيه أيضًا التبرك بلباس الصالحين، وتضفير شعر الميتة، وهو يستدعي تسريحه، وهو سنة أَيضًا.
ومن فوائد الحديث أن العالم يجب عليه الابتداء بتعليم العلم إذا علم أن العامل يجهل ذلك العلم، أو يقصد في العمل به. ومنها تفويض الحاجة إلى العامل بحسب المصلحة الشرعية.
١٠/ ٢١١ - (وعن عائشة ﵂ قالت: كُفِّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - في ثَلاثَةِ أثْوَاب بِيضٍ) جمع أبيض ووزنه فُعلى بضم الفاء كاحمر وحمر، لكن أبدلت الضمة كسرة ليسلم الياء من قبلها واو لوقوعها بعد ضمة (سَحُولِيةٍ) بفتح السين أشهر من ضمها ثياب بيض منسوبة إلى سحول قرية باليمن يحمل منها الثياب (مِنْ كُرْسُفٍ) أي قطن (ليسَ فِيهَا قَمِيصٌ ولا عِمَامَةٌ، رواه الشيخان).
وفيه أنَّه يسن تكفين الرَّجل في ثلاثة أثواب بيض من قطن، ويجوز في
[ ٣٠٣ ]
خمسة منها قميص وعمامة، ومحل سن الثلاثة في التمكن منها فلا ينافي ذلك خبر الذي سقط عن راحلته من الآمر بتكفينه في ثوبين لأنه لم يكن له غيرهما، قاله القاضي أبو الطِّيب وغيره. وقولها: ليس فيها قميص ولا عمامة يحتمل أنَّه لم يزد على الثلاثة قميص ولا عمامة وهو ما عليه الشَّافعيّ وجمهور العلماء كما قال النووي وصوبه، ويحتمل أنهما زيدًا، والثلاثة خارجة عنها، فيكون قد كفّن في خمسة أثواب وعليه مالك، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ يحتمل بلا عمد أصلًا أو بعمد لا ترونها.
١١/ ٢١٢ - (وعن ابن عباس ﵄ مرفوعًا إلى النَّبِيّ - ﷺ - ألبَسُوا) بفتح الموحدة (مِنْ ثِيَابِكُ البَيَاض) أي ثيابكم البيض، (فإِنَّهَا من خَيرِ) وفي رواية فإنَّها خير (ثيابِكُمْ، وكَفِّنُوا فِيهَا مَوتاكُمْ، رواه أبو داود وغيره، وصححه التِّرْمِذِيّ.
وفيه سن لبس الثياب البيض وتكفين الميت فيها.
١٢/ ٢١٣ - (وعن جابر ﵁ قال: كان النَّبِيّ - ﷺ - يَجْمَعَ بَينَ الرجُلَينِ منْ قَتْلَى أُحُدٍ في ثَوْب وَاحِدٍ) لضيق الحال (ثُمَّ يَقُولُ: أيهُمْ أكثَرُ أخْذ من القُرآنِ)، فإذا أشير له إلى أحدهما (فَيُقَدِّمُهُ في اللحْدِ) إكرامًا له ببركة ما أخذ من القرآن (ولَمْ يُغسِّلُوا ولَمْ يُصَلَّ عَلَيهِمْ، رواه البُخَارِيّ).
[ ٣٠٤ ]
وفيه أنَّه يجوز عند الضرورة تكفين الرجلين في ثوب واحد.
وأن من اتصف بفضيلة قدم في اللحد إلى القبلة وأنه لا يغسل شهيد المعركة ولا يصلي عليه -أي لا يجوز ذلك بل يحرم إزالة الدم عنه إبقاء لأثر الشهادة عليهم، وأما خبر أنَّه - ﷺ - خرج فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت، فالمراد جمع بين الأدلة دعا لهم كدعائه للميت كقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِمْ﴾ والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه.
١٣/ ٢١٤ - (وعن علي ﵁ قال: قال النَّبِيّ - ﷺ - لا تغَالُوا في الكَفَنِ فَإِنّهُ يُسْلَبُ) أي يبلى أو يختلس باختلاس السارق له (سَرِيعًا) أي عاجلًا، فلا فائدة في المغالاة فيه (رواه أبو داود بإسناد حسن). وفيه كراهة التغالي في الكفن لما ذكره في الحديث.
[ ٣٠٥ ]
قال الأذرعي: والظاهر أنَّه لو كان الوارث محجورًا عليه أو غائبًا أو كان الميت مفلسًا، حرمت المغالاة من التركة.
١٤/ ٢١٥ - (وعن حذيفة ﵁ قال: كانَ النبي - ﷺ - يَنْهَى عَنِ النَّعْي، رواه التِّرْمِذِيّ وحسنه).
وفيه كراهة النعي، أي نعي الجاهلية وهو نداء بموت الشخص وذكر مآثره ومفاخره.
١٥/ ٢١٦ - (وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبِيّ - ﷺ - نَعَى النَّجاشي) أي أخبر بموته (في اليومِ الذِي مَاتَ فِيه وَخَرَجَ بهم) أي بالقوم (إلى المُصَلَّى فَصَفَّهم) وأحرم بهم (وَكَبَّرَ عَلَيهِ أرْبَعًا) منها تكبيرة الإِحرام (رواه الشيخان).
وفيه جواز الصلاة على الميت الغائب عن البلد، سواء كان بمسافة القصر أم دونها، وإنما تجوز ممن كان من أهل فرضها وقت موته كما هو معلوم من كتب الفقه.
[ ٣٠٦ ]
وفيه أَيضًا أنَّه يكبر في صلاة الجنازة أربع تكبيرات، وهي أركان يقرأ بعد الأولى الفاتحة، وبعد الثَّانية يصلي على النَّبِيّ - ﷺ - وبعد الثالثة يدعو للميت وجوبًا في الثلاثة.
١٦/ ٢١٧ - (وعن زيد بن أرقم ﵁ قَال: كان النَّبِيّ - ﷺ - يُكَبِّرُ عَلَى الجَنَائزِ أرْبَعًا ويكبر خَمْسًا، رواه مسلم).
وفيه أن التكبير الزائد على الأربع لا يضر وإن لم يجب ولم يسن لأنه ذكر يتقيد ذلك بالخامسة.
[ ٣٠٧ ]
١٧/ ٢١٨ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النَّبِيّ - ﷺ - مَا مِن رَجلٍ مسلمٍ يَمُوتُ فَيَقُوم) -أي فيصلي على جنازته (أرْبَعونَ رَجُلًا لا يُشْرِكُون باللهِ شَيئًا إِلا شَفَّعَهُم الله فيه، رواه مسلم) وفيه أنَّه تقبل شفاعة أربعين في ميت صلوا عليه، وفي رواية مائة، وفي أخرى ثلاثة صفوف، قيل هذه الثلاثة خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله.
قال النووي بعد نقله هذا: ويحتمل أن يكون - ﷺ - أعلم بقبول شفاعة مائة فأخبر به، ثم بقبول شفاعة أربعين فأخبر به ثم بقبول شفاعة ثلاثة صفوف، وإن قل عددهم فأخبر به، ويحتمل أَيضًا أن يقال هذا مفهوم عدد ولا يحتج به جماهير الأصوليين. انتهى.
١٨/ ٢١٩ - (وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: صَلَّيتُ وَرَاءَ النَّبِيّ - ﷺ -) أي خلفه (على امرأةٍ) هي أم كعب مَاتَتْ في نفَاسِهَا) -أي بسببه- أو في وقت خروجه، (رواه الشيخان). والنفاس: [الدم الخارج بعد
[ ٣٠٨ ]
فراغ الرَّحم من العمل كما تقدم].
١٩/ ٢٢٠ - (وعن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: كَسرُ عظمِ الميتِ ككَسْرِه حَيًّا. رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم). وزاد ابن ماجه في رواية في الإِثم.
[ ٣٠٩ ]
وفيه أن الميت يحترم كما يحترم حيًّا.
٢٠/ ٢٢١ - (وعن أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص) مالك بن وهيب بن عبد مناف القُرشيّ المدنِيُّ (﵁ قال: ألحدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا في اللبِنَ نَصْبًا، كما صنع برسول الله - ﷺ -، رواه مسلم).
وفيه سن اللحد في القبر ونصب اللبِن بأن يحفر في أسفل جانب القبر القبلي قدر ما يسع الميت وينصب عليه باللبن بكسر الباء وهو الطوب الذي يبني به، ويقوم مقامه البلاط ونحوه.
[ ٣١٠ ]
واللحد أفضل من الشق -بفتح الشين- وهو أن يحفر وسط أرض القبر كالنهر أو تبنى حافتاه باللبن أو غيره، ويوضع الميت بينهما ويسقف عليه باللبن أو غيره، ومحل أفضلية اللحد على الشق في الأرض الصلبة، وإلا فالشق أفضل.
٢١/ ٢٢٢ - (وعنه) أي عن سعد بن أبي وقَّاص (قال: نهى النَّبِيّ - ﷺ - عَنْ أنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ) أي يبيض بالجصِ وهو الجبس، وقيل الجير، والمراد هنا هما أو أحدهما (وأنْ يقْعَد عَلَيهِ وأنْ يبْنى عَلَيهِ قبةً أو نحوها، رواه مسلم).
وفيه النهي عن تجصيص القبر والقبور والبناء عليه، وهي كراهة تنزيه، نعم يحرم البناء في المسبلة والموقوفة، والقول بكراهة التنزيه في الجلوس على القبر هو ما عليه الشيخان حتَّى قال في المجموع: إن الشَّافعيّ وجمهور
[ ٣١١ ]
الأصحاب أرادوا بالكراهة كراهة التنزيه، وصرح به كثيرون منهم، لكنه خالف في شرح مسلم فقال إنها كراهة تحريم وعزاه للأصحاب، واحتج له بهذا الحديث وبحديث مسلم أيضًا "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر".
والقول بذلك أقوى دليلًا، لكن الفتوى على الأول. والأفعال الثلاثة مبنية للمفعول.
٢٢/ ٢٢٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن النَّبِيّ - ﷺ - حَثَى مِنْ قبل رَأسِ الميتِ ثَلاثًا، رواه ابن ماجه وغيره بإسناد صحيح جيد).
وفيه أنَّه يسن لمن حضر الدفن، أي ودنا من القبر أن يحثو فيه ثلاث حثيات تراب، ويسن أن يقول مع الأولى ﴿منها خلقناكم﴾ ومع الثَّانية ﴿وفيها
[ ٣١٢ ]
نعيدكم﴾ ومع الثالثة ﴿ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾.
٢٣/ ٢٢٤ - (وعن بريدة بن الخصيب ﵁ قال: قال النَّبِيّ - ﷺ -: كُنْتُ نَهَيتكُم عَنْ زِيَارةِ القُبُورِ، فَزُوروهَا فَإنها تُذَكر الآخرَةَ وتزهد في الدُّنْيَا، رواه مسلم إلَّا فإنَّها تذكر الآخرة فالترمذي، وإلا وتزهد في الدنيا فابن ماجه).
وفيه سن زيارة القبور للرجال بعد نهيهم عنها، ففيه الجمع بين الناسخ والمنسوخ.
٢٤/ ٢٢٥ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن النَّبِيّ - ﷺ - لَعَنَ زَائِرَاتِ القُبُورِ، رواه التِّرْمِذِيّ وابن حبان وصححه).
وفيه كراهة زيارة القبور للنساء، وهي كراهة تحريم إن اشتملت زيارتهن على التعديد والبكاء والنوح على عادتهن، وإلا فكراهة تنزيه وإنما لم تحرم عليهن أَيضًا لقول عائشة: قلت كيف أقول يَا رسول الله -يعني إذا زارت
[ ٣١٣ ]
القبور- قال قولي السلام على أهل الديار من المُؤْمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستآخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.
ويستثنى من الكراهة قبر النَّبِيّ - ﷺ - فيسن لهن زيارته كما يعلم من باب الحج، وينبغي كما قال جماعة أن تكون قبور سائر الأنبياء والأولياء كذلك.
٢٥/ ٢٢٦ - (وعن أبي سعيد الخُدرِيّ ﵁ قال: قال النَّبِيّ - ﷺ -: "إِذَا رَأيتُم الجِنَازة فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَها فلا يَجْلِسْ حَتَّى توضع" رواه الشيخان)، وفي رواية أنَّه - ﷺ - وأصحابه قاموا لجنازة، فقالوا يَا رسول الله إنها يهودية؛ فقال: إن الموت فزع، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا،
[ ٣١٤ ]
وفي رواية قيل أنَّه يهودي قال: أليست نفسًا.
قال النووي في شرح مسلم: والمشهور من مذهبنا أن القيام ليس مستحبًا، قالوا: هو منسوخ بحديث علي أنَّه - ﷺ - قام ثم قعد، واختار المتولي أنَّه مستحب وهذا هو المختار، فالأمر به للندب والقعود بيانًا للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع ولم يتعذر. انتهى.
٢٦/ ٢٢٧ - (وعنه) أي عن أبي سعيد (﵁ قال: لَعَنَ النَّبِيّ - ﷺ - النائحةَ) -وهي من ترفع صوتها بالندب- وهو تعديد محاسن الميت (والمسْتَمِعةَ) لها. (رواه أبو داود).
وفيه تحريم النياحة والاستماع لها إذ اللعن هو إبعاد الملعون من رحمة الله واستحقاقه العقوبة.
٢٧/ ٢٢٨ - (وعن أبي موسى الأَشْعريّ ﵁ أن النَّبِيّ - ﷺ - بَرِئَ من الصَّالقة) وهي التي ترفع صوتها بالنياحة عند المصيبة (والحَالقَةِ) وهي التي تحلق شعرها عندها (والشَّاقةِ) وهي التي تشق ثيابها عندها. (رواه الشيخان).
[ ٣١٥ ]
وفيه تحريم الأفعال المذكورة لما فيه من عدم الرضى بالقدر.
٢٨/ ٢٢٩ - (وعن عمر بن الخَطَّاب ﵁ أن النَّبِيّ - ﷺ - قال: الميتُ يُعَذَّبُ في قبرِهِ بما ينح عَلَيهِ، رواه الشيخان).
وفيه التحذير من النائحة، وأن الميت يعذب بما ينح عليه. والثاني محمول على من أوصى بالنائحة عليه، وقيل على من أوصى بها أو ترك الوصية بتركها وإلا فلا يعذب بها لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فتعذيبه في الحقيقة إنما هو بسبب منه وإنما أطلق في الحديث ذلك حملًا على عادة العرب من الوصية بذلك، ومنه قول طرفة بن العبد.
إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي على الجيب يَا ابنة معبد
٢٩/ ٢٣٠ - (وعن أنس ﵁ قال: شهدت بنْتًا للنبي - ﷺ -
[ ٣١٦ ]
تُدْفَن وَهُوَ جَالِسٌ عندَ الْقَبْرِ، فَرَأيت عَينَيهِ تدمَعَانِ. رواه البُخَارِيّ).
وفيه جواز البكاء من غير ندب ونياحة، وهو جائز قبل الموت وبعده، لكن قبله أولى.
٣٠/ ٢٣١ - (وعن جابر ﵁ قال: قال النَّبِيّ - ﷺ - "لا تَدْفِنُوا مَوْتاكمْ بالليلِ إِلا أنْ تُضْطَرَوا" رواه ابن ماجه وأصله في مسلم).
وفيه كراهة دفن الميت ليلًا بلا ضرورة، وهي كراهة تنزيه.
قال الشَّافعيّ وأصحابه: لا يكره ذلك إلَّا إن تعمد ذلك بغير سبب.
٣١/ ٢٣٢ - (وعن عبد الله بن جعفر هو ابن أبي طالب ﵄ قال: لمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرَ) أي خبره (حِينَ قتِلَ) في غزْوة مؤتة، وهي موضع بالشَّام عند الكرك (قال النَّبِيّ - ﷺ -: اصْنَعُوا لآل جَعْفَر طَعَامًا فَقَدْ أتَاهُم مَا
[ ٣١٧ ]
يَشْغَلُهُم) بفتح الياء، وحكي ضمها وهو شاذ (رواه أبو داود وغيره، وحسنه التِّرْمِذِيّ).
وفيه أنَّه يستحب أن يصنع لأهل الميت طعام، وهو مستحب لأقارب الميت البعيد أو جيران أهله فيصنعون لهم طعامًا يشبعهم يومهم وليلتهم ويلح عليهم في الأكل، وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع النَّاس عليه، فهو بدعة غير مستحب.
٣٢/ ٢٣٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال النَّبِيّ - ﷺ - لا تسبُّوا الأمْوَات، فَإنَّهن قَدْ أفْضُوا إلى مَا قدَمُوا) أي خلوا به (رواه الشيخان) وروى التِّرْمِذِيّ عن المغيرة نحوه، لكنه قال: فتؤذوا الأحياء.
وفيه كراهة سب الأموات، وهي كراهة تحريم كما في سب الأحياء.
[ ٣١٨ ]