قال الشيخ جئت من البلد وأنا شاب فلم أعكف على الاشتغال بشيء من أمور الدنيا ولم أعلق قلبي بأحد من الخلق وكنت أجوع في الجامع كثيرًا فأخرج في الليل إلى الميضاة وغيرها فأغسل ما أجده من قشيرات البطيخ حوالى الميضاة وآكلها وأقنع بها عن الخبز فأقمت على ذلك الحال سنين ثم إن الله تعالى قيّض لي شخصًا من أوليائه تعالى كان يعمل في الطواحين في غربلة القمع فكان يتفقدني ويشتري لي ما أحتاج إليه من الأكل والشرب والكسوة والكتب ويقول لي يا زكريا لا تخف عني من أحوالك شيئًا فلم يزل معي كذلك عدة سنين فلما كان ليلة من الليالي أخذ بيدي والناس نائمون وقال لي قم معي فقمت معه فأوقفني على سلم الوقادة الطويل بالجامع وقال اصعد هذا الكرسي فلم يزل يقول لي اصعد إلى آخر درجة ثم قال أنزل
[ ٢٨ ]
فنزلت فقال لي يا زكريا إنك تعيش حتى يموت أقرانك ويرتفع شأنك وتتولى مشيخة الإِسلام وترتفع على أقرانك وتصير طلبتك مشايخ الإِسلام في حياتك حتى يكف بصرك فقال الشيخ له ولا بد لي من العمل فقال لا بد ثم انقطع عني فلم أره من ذلك الوقت -قلت- ولما ظهر فضله تتابعت إليه الهدايا والعطايا بحيث كان له قبل دخوله في منصب القضاء كل يوم نحو ثلاثة آلاف درهم فجمع نفائس الكتب وأفاد القارئين عليه علمًا ومالًا وولاه السلطان قايتباي الجركسي قضاء القضاة فلم يقبله إلا بعد مراجعة وإلحاح ولما ولي رأى من السلطان عدولًا عن الحق في بعض أعماله فكتب إليه وزجره عن الظلم فعزله ففرح الشيخ فرحًا شديدًا.