• قال النووي -﵀- في «شرح المهَذَّب» (١/ ١١٢): حكى ابن المنذر، وغيره فيها سبعة مذاهب للعلماء ، ثم ذكرها.
قلتُ: وأقوى هذه الأقوال قولان، فلنرجح بينهما.
[ ١ / ٣٩ ]
القول الأول: إن كان الماء قُلَّتين فأكثر لم ينجس، وإن كان دون القلتين نجس، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبي عبيد.
واستدلوا بأدلة كثيرة، منها:
١) حديث ابن عمر في القلتين، الذي في هذا الباب.
٢) حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين»، (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده».
قالوا: فنَهاهُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن غمسِ يده، وعَلَّلَهُ بخشية النجاسة، ويُعْلَمُ بالضرورة أنَّ النجاسة التي قد تكون على يده، وتخفى على غيره، لا تغير الماء، فلولا تنجيسه بحلول نجاسة لم تغيره، لم ينهه.
٣) حديث أبي هريرة -﵁- في «الصحيحين» (^٢): «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليغسله سبعًا»، وفي لفظ لمسلم: «فلْيُرقْهُ». فالأمر بالإراقة والغسل دليلُ النجاسة.
٤) «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، رواه الترمذي (٢٥١٨)، عن الحسن بن علي -﵄- مرفوعًا بإسناد صحيح. (^٣)
القول الثاني: أن الماء كثِيْرُهُ، وقليلهُ لا ينجس؛ إلا بالتَّغّيُّر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨)، واللفظ لمسلم.
(٢) سيأتي تخريجه في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
(٣) انظر «شرح المهذب» (١/ ١١٧ - ١١٨).
[ ١ / ٤٠ ]
قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ١١٣): حَكَوْهُ عن ابن عباس، (^١) وابن المسيب، والحسن البصري، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وجابر بن زيد، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعبدالرحمن ابن مهدي، قال أصحابنا: وهو مذهب مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وداود. قال ابن المنذر -﵀-: وبهذا المذهب أقول. واختاره بعض الشافعية. انتهى بتصرف يسير.
قلتُ: وهذا القول هو رواية عن أحمد، وقول للشافعي، كما في «المغني» (١/ ٣٩).
واستدلوا بأدلة منها:
١) حديث أبي سعيد -﵁- الذي في الباب: «إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».
٢) حديث أنس بن مالك -﵁- في «الصحيحين»، (^٢) وأبي هريرة -﵁- في «البخاري» (٢٢٠)، أن أعرابيًّا بال في المسجد، فأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِذَنُوبٍ من ماء، فأُهْرِيْقَ عليه.
قالوا: في هذا الحديث دلالةٌ على أنَّ الماء إذا غلب على النجاسة، ولم يظهر شيء منها، فقد طهرها، وأنها لا تضره ممازجتها له، إذا غلب عليها، وسواء كان قليلًا، أو كثيرًا.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٠٨)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٦٧)، وهو صحيح.
(٢) سيأتي تخريجه إن شاء الله في هذا الباب.
[ ١ / ٤١ ]
وهذا القول هو الراجح، وقد رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشوكاني، والصنعاني، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.
وقال ابن القيم -﵀- في «إعلام الموقعين» (١/ ٣٩١ - ٣٩٢): الذي تقتضيه العقول، أنَّ الماء إذا لم تغيره النجاسة لا ينجس؛ فإنه باقٍ على أصل خلقته، وهو طيبٌ؛ فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون، ولا طعم، ولا ريح. اهـ. (^١)
وأما الرد على أدلة القول الأول، فهو كما يلي:
١) أما استدلالهم بمفهوم حديث القُلَّتين؛ فقد قال الشوكاني -﵀- في «السيل الجرار» (١/ ٥٥): وأما ما كان دون القلتين، فلم يقل الشارع إنه يحمل الخبث قطعًا، وبتًّا، بل مفهوم حديث القلتين يدل على أن ما دونهما قد يحمل الخبث، وقد لا يحمله، فإذا حمله فلا يكون ذلك إلا بتغير بعض أوصافه، فيقيد مفهوم حديث القلتين بحديث التغير المجمع على قبوله، والعمل به كما قيد منطوقه بذلك. اهـ
٢) ٣) وأما دليلهم الثاني والثالث، فقد قال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٤١): وأحاديث الاستيقاظ، والماء الدائم، والولوغ، ليست ورادة لبيان
_________________
(١) وانظر «توضيح الأحكام» (١/ ١٢٤).
[ ١ / ٤٢ ]
حكم نجاسة الماء، بل الأمر باجتنابها تعبدي، لا لأجل النجاسة، وإنما هو لمعنى لا نعرفه، كعدم معرفتنا لحكمة أعداد الصلوات، ونحوها. اهـ
قلتُ: والنهي عن البول في الماء الدائم، وعما ولغ فيه الكلب يحتمل أن يكون ذلك لتقذره، أو لتنجسه حالًا، أو مآلًا، ولكن ذلك مقيد بالتغير، وأما حديث الاستيقاظ فقد علل بعلة أخرى قوية كما سيأتي بيانه حيث ذكره الحافظ إن شاء الله تعالى.
٤) حديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك »، وما أشبهه، قال الشوكاني في «السيل» (١/ ٥٦): وليس فيها إلا الإرشاد إلى الورع، والتوقف عند الاشتباه، وتوقي المشتبهات، وليس ما نحن بصدده من ذلك القبيل؛ لورود الشريعة الواضحة الطاهرة في شأنه، وليس في مخالفتها بمجرد الشكوك، والوسوسة؛ إلا الإثم على فاعل ذلك.