الماء المضاف على عدة أَضْرُب:
أحدها: ما اعْتُصِرَ من الطاهرات.
كماء الورد، وماء القرنفل، وما ينزل من عروق الشجر إذا قُطِعت رَطْبَة.
فهذا القسم قال فيه ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٥٣): وقد أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الوضوء غير جائز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر (^١)، ولا يجوز الطهارة؛ إلا بماءٍ مطلق، يقع عليه اسم الماء.
والواقع أنه قد وُجِد خلافٌ: فقد أجاز الطهارة بذلك ابن أبي ليلى، والأوزاعي، واختاره شيخ الإسلام. انظر: «الاختيارات الفقهية» (ص ٣)، وقد نبَّه على ذلك ابن قدامة -﵀- كما سيأتي.
الثاني: ما خالطه طاهرٌ؛ فغير اسمه، وغلب على أجزائه حتى صار صبغًا، أو حبرًا، أو خَلًّا، أو مرقًا، ونحو ذلك.
الثالث: ما طبخ فيه طاهر؛ فتغير به، كماء الباقِلا المغلي.
قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٠) بعد أن ذكر هذه الثلاثة الأنواع: فجميع هذه الأنواع لا يجوز الوضوء بها، ولا الغسل، لا نعلم فيه خلافًا؛ إلا ما حُكِيَ عن ابن أبي ليلى، والأصم في المياه المعتصرة، أنها طهور، يرتفع بها الحدث، ويزال بها النجس، ولأصحاب الشافعي وجهٌ في ماء الباقلا المغلي،
_________________
(١) العُصْفُر: نبات يُصْبَغ به الثياب وغيرها، وهو أصفر يميل إلى الحُمْرَة.
[ ١ / ٢٥ ]
وسائر من بلغنا قوله من أهل العلم على خلافهم. اهـ
الرابع: إذا أُضيف إلى الماء ما لا يمكن التحرز منه، كالطحلب، وما يجري عليه الماء من الملح، وما هو في قرار الماء، كالكبريت، والقار، وغيرهما، وكذا سائر ما ينبت في الماء، وهذا النوع يجوز به الطهارة بالإجماع.
قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ١٠٢): وهذا مُجْمَعٌ عليه.
وقال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٣): ولا نعلم في هذا خلافًا.
الخامس: إذا أضيف إلى الماء ما يوافقه في صفتيه: الطهارة، والطهورية، كالتراب إذا غَيَّر الماء؛ فإنه لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهرٌ مُطَهِّرٌ كالماء؛ فإن ثخن، بحيث لا يجري على الأعضاء؛ لم تجز الطهارة به؛ لأنه طين، وليس بماء.
قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٢٣): ولا نعلم في هذا خلافًا. اهـ
قلتُ: لعله أراد نفي الخلاف في المذهب الحنبلي، وإلا فقد خالف بعض الشافعية كما في «شرح المهذب» (١/ ١٠٢)، والصحيح عندهم ما تقدم.
السادس: إذا أضيف إلى الماء ما تغير به، بسبب مجاورته، لا باختلاطه، كالدهن على اختلاف أنواعه، والطاهرات الصلبة، كالعود، والكافور، والعنبر إذا لم يهلك في الماء، وما أشبه ذلك.
فهذا النوع قال فيه ابن قدامة أيضًا (١/ ٢٣): ولا نعلم في هذا خلافًا.
قلتُ: قد خالف بعض الشافعية في هذه المسألة، كما في «شرح المهذب»
[ ١ / ٢٦ ]
(١/ ١٠٥)، والصحيح هو الجواز؛ لأنَّ الماء لم يخرج عن إطلاقه، والله أعلم.
السابع: إذا خالط الماء شيء طاهر يمكن التحرز منه، فغَيَّرَ إحدى صفاته: طعمه، أو لونه، أو ريحه، كماء الباقلا الغير مغلي، وماء الحِمَّص، وماء الزعفران.
وقد اختلف أهل العلم في الوضوء به:
• فذهب مالك، والشافعي، وإسحاق، وهو قول أحمد في رواية إلى أنه قد سلب الطهورية، ولا تحصل الطهارة به.
• وذهب أحمد في الرواية الأخرى وهو قول أبي حنيفة وأصحابه إلى جواز الوضوء به.
وهذا القول هو الراجح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، والنكرة في سياق النفي تعم، فلا يجوز التيمم مع وجود الماء، وقد مال إلى ترجيح هذا القول ابن قدامة -﵀- كما في «المغني» (١/ ٢١ - ٢٢).
تنبيه: يستثنى من الإجماع في الضرب الثاني مسألة (النبيذ).