• ذهب الجمهور إلى تحريم استعمالهما في غير الأكل والشرب، قال القرطبي -﵀- كما في «الفتح» (٥٦٣٥): في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب، والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما، مثل التطيب، والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور، وأغربت طائفةٌ شَذَّت، فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب، ومنهم من قصره على الشرب؛ لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل. انتهى.
وقد تقدم نقل النووي للإجماع على تحريم الاستعمال، وكذا نقله ابن عبد البر، ولا يصح نقل الإجماع.
• قال الصنعاني -﵀- في «سبل السلام» (١/ ٦٣): والحق ما ذهب إليه القائل بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيهما؛ إذ هو ثابت بالنص، ودعوى الإجماع غير صحيحة، وهذا من شؤم تبديل اللفظ النبوي بغيره؛ فإنه ورد بتحريم الأكل والشرب فقط، فعدلوا عن عبارته إلى الاستعمال، وهجروا العبارة النبوية، وجاءوا بلفظ عام من تلقاء أنفسهم. اهـ
[ ١ / ١١٠ ]
• وقال الشوكاني -﵀- في «النيل» (١/ ١١٦): ولا شك أنَّ أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب، وأما سائر الاستعمالات فلا، والقياس على الأكل والشرب قياس مع الفارق، وأما حكاية النووي للإجماع على تحريم الاستعمال فلا تتم مع مخالفة داود، والشافعي، وبعض أصحابه، والحاصل أنَّ الأصل الحِل، فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلمه الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة، فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف الذي لم يخبط بسوط هيبة الجمهور، ولاسيما وقد أيد هذا الأصل حديث: «ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها لعبًا»، أخرجه أحمد، وأبو داود، وشهد له ما سلف أنَّ أم سلمة جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. والحديث في البخاري. انتهى بتصرف.
قلتُ: والحديث: «ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها لعبًا»، أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٤)، وأبو داود (٤٢٣٦)، وغيرهما، من حديث أبي هريرة، وفيه: أسيد بن أبي أسيد البراد، وفيه ضعفٌ، قال الدارقطني: يعتبر به. كما في «التهذيب».
• وقال الإمام ابن عثيمين -﵀- في «الشرح الممتع» (١/ ٦٢): والصحيح أنَّ الاتخاذ، والاستعمال في غير الأكل، والشرب ليس بحرام؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن شيء مخصوص، وهو الأكل، والشرب، ولو كان المحرم غيرهما؛ لكان النبي - ﷺ - أبلغ الناس، وأبينهم في الكلام- لا يخص شيئًا دون شيء، بل إن تخصيصه الأكل والشرب دليل على أن ما عداهما جائز؛ لأن الناس ينتفعون بها في غير ذلك.
[ ١ / ١١١ ]
قال: ولو كانت حرامًا مطلقًا؛ لأمر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بتكسيرها؛ لأنها إذا كانت محرمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة، ويدل على ذلك أنَّ أم سلمة، وهي راوية الحديث كان عندها جلجل من فضة، جعلت فيه شعيرات من شعر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فكان الناس يستشفون بها، فيشفون بإذن الله، وهذا في «صحيح البخاري»، وهذا استعمال في غير الأكل والشرب. انتهى.