• ذهب عامَّةُ أهل العلم إلى الأخذ بما اقتضاه حديث أبي هريرة، وهو أنَّ ماء البحر طهور، قاله: ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٤٩)، ثم ابن قدامة في «المغني» (١/ ١٥ - ١٦).
• إلا أنه حُكِيَ عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو خلاف ذلك، فَصَحَّ عن ابن عمر عند أبي عبيد في «الطهور» (٢٤٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٤٩)، أنه قال: التيمم أحبُّ إليَّ من الوضوء من ماء البحر.
وصحَّ عن ابن عمرو عند أبي عبيد في «الطهور» (٢٤٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٥٠)، أنه قال: ماء البحر لا يجزئ من وضوء، ولا من جنابة، إنَّ تحت البحر نارًا، ثم ماءً، ثم نارًا، حتى عَدَّ سبعة أبحر، وسبعة أنيار.
والراجح ما تقدم، وأما قول هذين الصحابيين، فمحمول على أنهم ما بلغهم الحديث.
وقد جاء عن عمر بن الخطاب -﵁- عند أبي عبيد (٢٤١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٠)، وغيرهما أنه قال: وأيُّ ماءٍ أطْهر من ماء البحر. وهو من طريق عكرمة، عنه، وعكرمة لم يدرك عمر -﵁-؛ فهو منقطع.
وقال ابن قدامة -﵀-: وقوله: (هو نار)، إنْ أُرِيْدَ به أنه نارٌ في الحال؛ فهو خلاف الحس، وإنْ أريد أنه يصير نارًا، لم يمنع ذلك الوضوء به في حال كونه ماءً. اهـ
[ ١ / ٣٣ ]
٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». (^١)
أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ.
٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٢)، وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ (^٣).
_________________
(١) صحيح بشواهده. أخرجه أبوداود (٦٦)، والنسائي (١/ ١٧٤)، والترمذي (٦٦)، وأحمد (٣/ ٣١). وقد وجد في إسناده اختلاف، لكن رجح الدارقطني الطريق التي أخرجها المذكورون، وفي إسناده عبيدالله بن عبدالله بن رافع، وقيل عبيدالله بن عبدالرحمن بن رافع، وهو مجهول الحال، لكن للحديث شاهد من حديث سهل بن سعد، أخرجه القاسم بن أصبغ في «مصنفه» كما في «التلخيص» (١/ ١٤) وفي إسناده عبدالصمد بن أبي سكينة الحلبي وهو مجهول. وله شاهد آخر من حديث ابن عباس عند أحمد (١/ ٢٣٥)، والنسائي (١/ ١٧٣)، وابن خزيمة (١٠٩)، وهو من طريق سماك عن عكرمة وهي رواية فيها ضعف، لكن قال يعقوب بن شيبة كما في «التهذيب»: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم. اهـ وهذا الحديث من رواية سفيان عنه، فحديث ابن عباس صحيح. وله شاهد عن عائشة -﵂- عند أبي يعلى (٤٧٦٥)، والبزار (٢٤٩) وفي إسناده شريك القاضي، ورجح ابن رجب وقفه كما في «الفتح» (١/ ٢٨٥). فحديث أبي سعيد صحيح بشواهده. وقد صحح الحديث: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابن حزم، كما ذكر ذلك الحافظ في «التلخيص» (١/ ١٣)، وصحح الحديث الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١٤).
(٢) ضعيف. أخرجه ابن ماجه (٥٢١) وفي إسناده رشدين بن سعد وهو شديد الضعف، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك. وقد وهم رشدين في وصل الحديث والصحيح أنه من رواية راشد بن سعد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلًا كما سيأتي من كلام أبي حاتم والبيهقي.
(٣) قال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٤٤): قال أبي: يوصله رشدين بن سعد يقول عن أبي أمامة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ورشدين ليس بالقوي، والصحيح مرسل. اهـ وأشار الدارقطني إلى ترجيح إرساله، وضعف الحديث كما في التلخيص (١/ ١٧). وقال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه.
[ ١ / ٣٤ ]
وَلِلْبَيْهَقِيِّ: «المَاءُ طَاهِرٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ، بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ». (^١)
٤ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ»، وَفِي لَفْظٍ: «لَمْ يَنْجُسْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. (^٢)
_________________
(١) أخرجه البيهقي (١/ ٢٥٩) وفي إسناده عطية بن بقية بن الوليد يرويه عن أبيه، وعطية ضعيف، وأبوه مدلس ولم يصرح بالتحديث، وقد خولف في إسناده. قال البيهقي: ورواه عيسى بن يونس عن الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مرسلا. قال: ورواه أبوأسامة عن الأحوص عن ابن عون وراشد بن سعد من قولهما. قال الدارقطني في «السنن» (١/ ٢٩): والصواب في قول راشد.
(٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٦٣)، والنسائي (٥٢)، والترمذي (٦٧)، وابن ماجه (٥١٧)، وابن خزيمة (٩٢)، وابن حبان (١٢٤٩)، والحاكم (١/ ١٣٢) وهو حديث صحيح. وقد أعل بالاضطراب لاختلاف أسانيده، لكن رجح الحافظ في التلخيص (١/ ١٩) عدم الاضطراب، فقال -﵀-: وعند التحقيق، الصواب أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبدالله بن عبدالله بن عمر (المكبر)، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر (المصغر) ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم، وقد رواه جماعة عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين. اهـ وقد نفى عنه الاضطراب الدارقطني، ثم الحاكم، ثم البيهقي، ورجحوا أنه محفوظٌ على الوجهين. وقد صحح الحديث أكثر الحفاظ، منهم: أحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي كما في «البدر المنير» (١/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، وصححه الإمام الألباني -﵀- في «الإرواء» (١/ ٦٠). وانظر أسانيد الحديث وطرقه في «سنن الدارقطني» (١/ ١٣ -)، وللعلائي -﵀- رسالة في جمع طرق هذا الحديث، وخلص -﵀- بتصحيحه.
[ ١ / ٣٥ ]
تَحْدِيْدُ القُلَّتَيْنِ:
لم يَصِح حديثٌ مرفوعٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في تحديد القلتين، وقد جاء عند ابن عدي (٦/ ٣٥٩)، من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا بلغ الماء قلتين من قِلال هجر، لم يُنَجِّسْهُ شيءٌ»، وفي إسناده: المغيرة بن سِقْلاب، وهو ضعيفٌ جدًّا. وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمته، ونصَّ على أنه منكرُ الحديث، وأنه لا يتابع على أحاديثه.
• وقد اخْتُلِفَ في تحديد القُلَّتين اختِلافًا كثيرًا، أوصلها ابن المنذر إلى تسعة أقوال، كما في «الأوسط» (١/ ٢٦١ - ٢٦٣).
وأقربها -والله أعلم- قولان:
الأول: أنَّ المراد بها قِلال هَجر، هذا الذي عليه جمهور الحنابلة، والشافعية، واستدلوا بالحديث المتقدم، وقد تقدَّمَ أنه ضعيفٌ، واستدلوا بمرسل من مراسيل يحيى بن يعمر، وهو مع كونه مرسلًا؛ فلا يصح؛ لأن في إسناده: محمد بن يحيى، شيخ ابن جريج، وهو مجهول.
قال الحافظ -﵀- في «التلخيص» (١/ ٢٢): لكن أصحاب الشافعي قَوَّوا أنَّ المراد قِلال هجر بكثرة استعمال العرب لها في أشعارهم، كما قال أبو عبيد في كتاب «الطهور»، وكذلك ورد التقييد بها في الحديث الصحيح.
قال البيهقي -﵀-: قلال هجر كانت مشهورة عندهم، ولهذا شبَّه بها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما رأى ليلة المعراج من نبق سدرة المنتهى: «فإذا ورقها مثل آذان الفيلة، وإذا نبقها
[ ١ / ٣٦ ]
مثل قلال هجر».اهـ (^١)
قال الحافظ -﵀-: فالتقييد بها في حديث المعراج دالٌّ على أنها كانت معلومة عندهم، بحيث يُضرَبُ بها المثل في الكِبَرِ، كما أنَّ التقييد إذا أُطْلِقَ إنما ينصرف إلى التقييد المعهود.
الثاني: أخرج الدارقطني بسند صحيح في «سننه» (١/ ٢٤)، عن عاصم بن المنذر، أحد رواة هذا الحديث، أنه قال: القِلال هي: الخوابي العظام.
قال إسحاق بن راهويه: الخابية تَسَعُ ثلاث قِرَب.
قال الحافظ -﵀-: ومال أبو عبيد في كتاب «الطهور» إلى تفسير عاصم بن المنذر، وهو أولى. انتهى مُلخَّصًا من «تلخيص الحبير» (١/ ٢٢ - ٢٣).
وأما عن قدر قلال هجر، فقد جاء عن ابن جريج أنه قال: رأيت قلال هجر، فالقُلَّة تَسَعُ قربتين، أو قربتين وشيئًا.
قال الشافعي -﵀-: فالاحتياط أن تكون القُلَّة قربتين ونصفًا (^٢).
قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٣٦): والمراد بها ههنا قُلَّتان من قلال هجر، وهما خمس قِرب، كل قِربة مائة رطل بالعراقي (^٣)، فتكون القُلَّتانِ خمسمائة
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري برقم (٣٢٠٧) من حديث مالك بن صعصعة -﵁-، وأخرجه مسلم (١٦٢) من حديث أنس بن مالك -﵁-.
(٢) القربة تساوي أربعين صاعًا، والصاع أربعة أمداد، والصاع يساوي باللتر (٢،٧٨٤) وبالجرام (٢،١٧٢).
(٣) الرطل بالعراقي: يساوي مائة وثمانية وعشرين درهما، وأربعة أسباع درهم، ويساوي بالجرام (٤٠٧،٥).
[ ١ / ٣٧ ]
رطل بالعراقي.
وقال أيضًا (١/ ٣٧): واتفق القائلون بتحديد الماء بالقِرَبِ على تقدير كل قربة بمائة رطل بالعراقي، لا أعلم بينهم في ذلك خلافًا، ولعلهم أخذوا ذلك ممن اختبر قِرب الحجاز، وعرف أنَّ ذلك مقدارها.
والخمسمائة رطل بالعراقي يساوي بالصاع (٧٥، ٩٣) صاعًا، كما في «توضيح الأحكام» (١/ ١٢٢).
قلتُ: وهذا من باب التقريب لا التحديد. (^١)
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث المتقدمة