اختلف أهل العلم في الطهارة بـ: النبيذ.
• فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز الوضوء إلا بالماء، وإن لم يجد الماء تيمم، وهو قول: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣].
[ ١ / ٢٧ ]
وهذا نَصٌّ في الانتقال إلى التراب عند عدم وجود الماء، وجاء في الحديث الصحيح: «الصعيد وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين»، الحديث. (^١)
قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ١٨): وروي عن علي -﵁- -وليس بثابت عنه- أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بالنبيذ، وبه قال الحسن، والأوزاعي. وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء. وقال إسحاق: النبيذ أحب إليَّ من التيمم، وجمعهما أحب إليَّ. وعن أبي حنيفة كقول عكرمة، وقيل عنه: يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا طبخ، واشتد عند عدم الماء في السفر. اهـ
وهذا الخلاف نقله ابن قدامة من «الأوسط» لابن المنذر. (^٢)
واستدل لهؤلاء بحديث ابن مسعود -﵁-، أنه كان مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليلة الجن، فأراد أن يصلي صلاة الفجر، فقال: «أمعك وضوء؟»، فقال: لا، معي إداوة فيها نبيذٌ. فقال: «تمرة طيبة، وماء طهور».
قلتُ: والراجح هو قول الجمهور، وأما أثر علي بن أبي طالب، فأخرجه ابن المنذر (١/ ٢٥٥)، وهو عند ابن أبي شيبة (١/ ٢٦)، وأبي عبيد في «الطهور» (٢٢٦)، وهو عندهم كلهم من طريق: الحارث الأعور، وهو كذاب، وذكر البيهقي في «الكبرى» (١/ ١٢) أنَّ له طريقًا أخرى من طريق: عبد الله بن ميسرة، وهو متروك.
_________________
(١) سيأتي تخريجه إن شاء الله في [باب التيمم].
(٢) انظر: (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
[ ١ / ٢٨ ]
وأما حديث ابن مسعود؛ فأخرجه أحمد (١/ ٤٠٢)، وأبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وابن ماجه (٣٨٤)، وغيرهم، كلهم من طريق: أبي فزارة، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن ابن مسعود به، وإسناده ضعيفٌ؛ لجهالة أبي زيد.
وللحديث طرق أخرى واهية، أو غير محفوظة. راجعها في الخلافيات للبيهقي (١/ ١٥٧ -).
قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (٢٤٢): وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه.
قلتُ: وهو يخالف ما ثبت في «صحيح مسلم» (٤٥٠) عن ابن مسعود -﵁-، أنه قال: لم أكن مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليلة الجن، ووددتُ أني كنت معه.