هذا يسمى: الماء (الآجن).
قال ابن المنذر -﵀- في «الأوسط» (١/ ٢٥٩): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ الوضوء بالماء الآجن الذي قد طال مكثه في الموضع، من غير نجاسةٍ حَلَّت فيه، جائزٌ؛ إلا شيئًا روي عن ابن سيرين.
واحتج إسحاق بن راهويه بما أسنده عن الزبير بن العوام -﵁-، قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مصعدين في أحد، قال: ثم أمر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علي بن أبي طالب، فأتى المهراس، فَأَتَى بماء في درقته، فأراد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يشرب منه،
[ ١ / ٢٩ ]
فوجد له ريحًا، فعافه، فغسل به الدماء الذي في وجهه.
قال إسحاق: ففي هذا بيانٌ أنه طاهرٌ؛ لولا ذلك لم يغسل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الدم به.
قلتُ: ذكر ابن المنذر إسناده في «الأوسط» (١/ ٢٦٠)، وإسناده حسنٌ، رجاله ثقاتٌ، إلا ابن إسحاق؛ فإنه مُدَلِّسٌ، ولكنه قد صرَّح بالتحديث، وهو حسن الحديث إذا صرَّحَ. (^١)
_________________
(١) وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٤٢).
[ ١ / ٣٠ ]
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ». (^١) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ».
الطَّهُور هو: بفتح الطَّاء وهو اسم لما يُتَطَهَّرُ به، وأما بالضم، فهو: اسم للفعل هذه اللغة المشهورة، التي عليها الأكثرون من أهل اللغة، واللغة الثانية: بالفتح فيهما، واقْتَصَرَ عليها جماعاتٌ من كبار أهل اللغة. اهـ «شرح المهذب» (١/ ٧٩).
وفي قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هُوَ الطَّهُورُ»: دلالةٌ على أنَّ الطَّهور هو المطهر؛ لأنهم سألوا عن تطهير ماء البحر، لا عن طهارته، ولولا أنهم يفهمون من الطهور: المطهر، لم يحصل الجواب.
ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]، وقال: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١].
_________________
(١) صحيح. أخرجه أبو داود (٨٣)، والنسائي (١/ ٥٠)، والترمذي (٦٩)، وابن ماجه (٣٨٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، وابن خزيمة (١١١)، ومالك (١/ ٢٢)، وأحمد (٢/ ٢٣٧)، والشافعي (١/ ٢٣) من طريق: صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة -﵁-، به، وإسناده صحيح، وقد وجد في إسناد هذا الحديث اختلاف كما في «علل الدارقطني» (٣/ورقة ٤٩ - ٥٠) كما في «تحقيق المسند» (١٢/ ١٧١) ولكن رجح الدارقطني الطريق التي أخرجها المذكورون فصح الحديث والحمد لله. قال الحافظ في ترجمة المغيرة بن أبي بردة: وقد صححه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، والطحاوي، وابن منده، والحاكم، وابن حزم، والبيهقي، وعبدالحق، وآخرون. اهـ وانظر: «نصب الراية» (١/ ٩٦ - ٩٨)، «الإرواء» (١/ ٤٢ - ٤٣)، «تحقيق المسند» (١٢/ ١٧١).
[ ١ / ٣١ ]
وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا»، أخرجه مسلم عن أبي هريرة، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «جُعِلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا».
وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وجمهور اللغويين.
وخالف بعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أهل اللغة، فقالوا: الطهور من الأسماء الَّلازمة. يعني أنه بمعنى: طاهر.
واحتج لهم بقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١].
ومعلومٌ أَنَّ أهل الجنة لا يحتاجون إلى التطهير من حدث، ولا نجس.
والراجح هو قول الجمهور.
وأما ما استدل به للمخالف، فليس فيه دلالة على ما ذُكِرَ؛ لأنه لا يلزم من كونهم لا يحتاجون إلى التطهير أن لا يكون شرابهم مطَهِّرًا. (^١)
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث