• استدل بحديث الصحابي المبهم، من ذهبَ إلى أنَّ الماء المستعمل مسلوب الطهورية، وإن كان طاهرًا في نفسه، وهذا القول هو مذهب أحمد في المشهور عنه، ورواية عن مالك، والأوزاعي، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة في المشهور عنهما أيضًا.
ومما استدلوا به أيضًا:
١) حديث أبي هريرة في «صحيح مسلم»، (^١) أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب»، قالوا: ولولا أنه يفيد معنى فيه، لم ينه عنه.
٢) وقال بعضهم: إنَّ الماء المستعمل لابد أن يصحبه من عَرَقِ الجسم؛ فهو ماء مضاف.
٣) وقال بعضهم: إنَّ الخطايا تخرج مع غسل الأعضاء في الوضوء.
• وذهب جمع من أهل العلم إلى أنَّ المستعمل ما زال مطهرًا، وهو قول الزهري، ومالك، والأزواعي في أشهر الروايتين عنهما، وأبي ثور، وداود.
قال ابن المنذر -﵀-: وروي عن (علي، وابن عمر، وأبي أمامة)، (^٢) وعطاء، والحسن، ومكحول، والنخعي، أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه، فوجد في لحيته بللًا: يكفيه مسحه بذلك البلل.
_________________
(١) تقدم تخريجه في الكتاب برقم (٥).
(٢) هذه الآثار في أسانيدها ضعفٌ كما في «الأوسط» لابن المنذر (١/ ٢٨٦).
[ ١ / ٥٩ ]
قال ابن المنذر -﵀-: وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرًا. قال: وبه أقول.
وهذا القول هو رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل، وأبو البقاء، والشيخ تقي الدين ابن تيمية -﵀-.
قال -﵀- في «الإنصاف»: وهو أقوى في النظر.
واستدل هؤلاء بما يلي:
١) دخوله في عموم الماء في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء طهور لا ينجسه شيء». «الأوسط» (١/ ٢٨٧).
٢) حديث ابن عباس -﵄- في هذا الباب: «إن الماء لا يجنب».
وهذا القول هو الراجح، وهوترجيح الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي رحمة الله عليهم أجمعين.
وأما الرد على أدلة المذهب الأول:
١) فأما استدلالهم بحديث النهي عن الاغتسال بفضل المرأة، فقد قال الشوكاني -﵀- في «الدراري المضيئة» (ص ٢٠): ولو كانت العلة الاستعمال، لم يختص النهي بمنع الرجل من الوضوء بفضل المرأة، وبالعكس، بل كان النهي سيقع من الشارع لكل أحدٍ عن كل فضل. اهـ
وأجاب عن هذا الاستدلال في «النيل» (١/ ٥٢)، فقال: وأجيب عن حديث
[ ١ / ٦٠ ]
النهي عنِ التَّوَضُّؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملًا، ولو سُلِّم؛ فالدليل أخصُّ من الدعوى؛ لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه ، ثم ذكر حديث ابن عباس -﵄- الذي في الباب بلفظيه.
٢) استدلالهم بحديث النهي عن الاغتسال في الماء الدائم تقدم الجواب عليه في المسألة رقم [٢] تحت حديث رقم (٥).
٣) وأما استدلالهم بمخالطة العرق، فقد أجاب عنه ابن حزم في «المحلى» (١٤١)، فقال: وهذا غثٌّ جدًّا، وحتى لو كان كما قالوا، فكان ماذا؟ ومتى حرم الوضوء، والغسل بماء فيه شيء طاهر لا يظهر له في الماء رسم.
٤) وأما استدلالهم بخروج الخطايا مع الماء المتوضأ به، فقد قال ابن حزم: وما علمنا للخطايا أَجْرَامًا تحل في الماء. (^١)
_________________
(١) وانظر: «الأوسط» (١/ ٢٨٥)، و«المحلى» (١٤١)، و«نيل الأوطار» (١/ ٥٢)، و«غاية المرام» (١/ ١١٦ - ١١٨).
[ ١ / ٦١ ]
٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ (^١) فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)
وَفِي لَفْظٍ لَهُ: «فَلْيُرِقْهُ» (^٣)،
وَلِلتِّرْمِذِيِّ: «أُخْرَاهُنَّ، أَوْ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». (^٤)
_________________
(١) قال النووي -﵀- في «تحرير ألفاظ التنبيه» (ص ٤٧): هو أن يدخل الكلب لسانه في المائع، فيحركه. قال: والولوغ للكلب وسائر السباع، ولا يكون لشيء من الطير إلا الذباب.
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٧٩) (٩١).
(٣) شاذة. أخرجه مسلم برقم (٢٧٩) (٩٨) من طريق علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة -﵁-، به. قال الحافظ -﵀- في «الفتح» (١٧٢): قال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع عليَّ بن مسهر على زيادة «فليرقه». وقال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة. وقال ابن عبدالبر: لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة. وقال ابن مندة: لا تعرف عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بوجه من الوجوه إلا عن علي بن مسهر بهذا الإسناد. اهـ قال الحافظ: قلت: قد ورد الأمر بالإراقة أيضًا من طريق: عطاء، عن أبي هريرة مرفوعًا. أخرجه ابن عدي، لكن في رفع نظر، والصحيح أنه موقوف، وكذا ذكر الإراقة حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موقوفًا، وإسناده صحيح. أخرجه الدارقطني، وغيره. انتهى. فهذه الزيادة شاذة غير محفوظة.
(٤) رواية شاذة: أخرجه الترمذي (٩١) عن سوار بن عبدالله العنبري حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت أيوب يحدث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا، فذكره. وظاهر إسناده الصحة، ولكن أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢١) عن المقدمي، عن معتمر بن سليمان بإسناده، فقال: «أولاهن بالتراب» بدون تردد. وهذه الرواية أرجح -والله أعلم- فقد رواه جمع عن أيوب بإسناده بهذا اللفظ -أعني قوله: «أولاهن بالتراب»، بدون تردد، منهم معمر بن راشد عند عبد الرزاق (١/ ٩٦)، وسعيد بن أبي عروبة عند أحمد (٢/ ٤٨٩)، وقد تابع أيوب على هذا اللفظ جمعٌ، فرووه عن محمد بن سيرين بلفظ: «أولاهن بالتراب»، وهم: ١) هشام بن حسان، عند مسلم (٢٧٩) (٩١). ٢) الأوزاعي عند الدارقطني (١/ ٦٤). ٣) قرَّة بن خالد، عند الدارقطني (١/ ٦٤)، والطحاوي (١/ ٢١). ٤) عبد الله بن عون، عند الخطيب في «تاريخه» (١١/ ١٠٩). ٥) حبيب بن الشهيد، عند أبي داود (٧١). فالظاهر -والله أعلم- أنَّ الشك من الراوي، وأن المحفوظ بلفظ: «أولاهنَّ».
[ ١ / ٦٢ ]
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث