• اختلف الجمهور القائلون بتحريم استعمال الآنية في الوضوء، هل يصح وضوؤه إذا توضأ بها، أم لا؟
• فذهب جمهورهم إلى صحة الوضوء مع الإثم.
• وذهب أهل الظاهر، ورواية عن أحمد إلى أنه لا يصح.
والراجح القول الأول؛ لأنَّ التحريم ليس عائدًا إلى نفس الوضوء، وهذا بناءً على القول بتحريم استعمال الآنية بالوضوء، ولا نقول به. (^١)
_________________
(١) انظر: «شرح المهذب» (١/ ٢٥٢)، و«المغني» (١/ ١٠٣).
[ ١ / ١١٣ ]
علة التحريم في الحديثين المتقدمين:
قال ابن القيم -﵀- في «زاد المعاد» (٤/ ٣٥١): فَقِيلَ: عِلّةُ التّحْرِيمِ تَضْيِيقُ النّقُودِ. وَقِيلَ: الْعِلّةُ الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ. وَقِيلَ: الْعِلّةُ كَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إذَا رَأَوْهَا وَعَايَنُوهَا. وَهَذِهِ الْعِلَلُ فِيهَا مَا فِيهَا؛ فَإِنّ التّعْلِيلَ بِتَضْيِيقِ النّقُودِ يَمْنَعُ مِنْ التّحَلّي بِهَا وَجَعْلِهَا سَبَائِكَ، وَنَحْوَهَا مِمّا لَيْسَ بِآنِيَةٍ، وَلَا نَقْدٍ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ حَرَامٌ بِأَيّ شَيْءٍ كَانَ، وَكَسْرُ قُلُوبِ الْمَسَاكِينِ لَا ضَابِطَ لَهُ؛ فَإِنّ قُلُوبَهُمْ تَنْكَسِرُ بِالدّورِ الْوَاسِعَةِ، وَالْحَدَائِقِ الْمُعْجِبَةِ، وَالْمَرَاكِبِ الْفَارِهَةِ، وَالْمَلَابِسِ الْفَاخِرَةِ، وَالْأَطْعِمَةِ اللّذِيذَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ، وَكُلّ هَذِهِ عِلَلٌ مُنْتَقِضَةٌ؛ إذْ تُوجَدُ الْعِلّةُ وَيَتَخَلّفُ مَعْلُولُهَا.
ثُمَّ قَالَ: فَالصّوَابُ أَنّ الْعِلّةَ -وَاللهُ أَعْلَمُ- مَا يُكْسِبُ اسْتِعْمَالُهَا الْقَلْبَ مِنْ الْهَيْئَةِ، وَالْحَالَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلْعُبُودِيّةِ مُنَافَاةً ظَاهِرَةً؛ وَلِهَذَا عَلّلَ النّبِيّ - ﷺ - بِأَنّهَا لِلْكُفّارِ فِي الدّنْيَا؛ إذْ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْعُبُودِيّةِ الّتِي يَنَالُونَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ نَعِيمَهَا، فَلَا يَصْلُحُ اسْتِعْمَالُهَا لِعَبِيدِ اللهِ فِي الدّنْيَا، وَإِنّمَا يَسْتَعْمِلُهَا مَنْ خَرَجَ عَنْ عُبُودِيّتِهِ، وَرَضِيَ بِالدّنْيَا، وَعَاجِلِهَا مِنْ الْآخِرَةِ. انتهى.
[ ١ / ١١٤ ]
١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ (^١) فَقَدْ طَهُرَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٢)
وَعِنْدَ الأَرْبَعَةِ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ». (^٣)
١٧ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبِّقِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «دِبَاغُ جُلُودِ المَيْتَةِ طُهُورُهَا». صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (^٤)
١٨ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ -﵂- قَالَتْ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا فَقَالَ: «لَوْ أَخْذْتُمْ إِهَابَهَا؟»، فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «يُطَهِّرُهَا المَاءُ وَالقَرَظُ (^٥)». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. (^٦)
_________________
(١) قال في «النهاية»: هو الجلد، وقيل: إنما يقال للجلد إهاب قبل الدبغ، فأما بعده فلا.
(٢) أخرجه مسلم برقم (٣٦٦).
(٣) أخرجه أبوداود (٤١٢٣)، والنسائي (٧/ ١٧٣)، والترمذي (١٧٢٨)، وابن ماجه (٣٦٠٩) وإسناده صحيح، ولفظ أبي داود كلفظ مسلم.
(٤) صحيح بشواهده. أخرجه ابن حبان (٤٥٢٢) بلفظ «ذكاة الأديم دباغه». وقد أخرجه أيضًا أحمد (٣/ ٤٧٦)، وأبوداود (٤١٢٥)، والنسائي (٧/ ١٧٣) بألفاظ متقاربة، وفي إسناده: جون بن قتادة وهو مجهول. ولكن يشهد له حديث ابن عباس الذي قبله، وحديث عائشة عند النسائي (٧/ ١٧٤) بلفظ: «ذكاة الميتة دباغها» وإسناده صحيح. وهو عند ابن حبان (١٢٩٠) باللفظ الذي ذكره الحافظ، وفي إسناده: شريك القاضي وهو ضعيف.
(٥) القرظ: هو ورقُ السَّلَم وحبُّه يدبغ به الأديم. انظر: «لسان العرب»، و«النهاية» لابن الأثير.
(٦) ضعيف. أخرجه أبوداود (٤١٢٦)، والنسائي (٧/ ١٧٤) من طريق عبدالله بن مالك بن حذافة عن أمه العالية بنت سبيع عن ميمونة به. وإسناده ضعيف؛ لجهالة عبدالله بن مالك وأمه.
[ ١ / ١١٥ ]
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث