قال الإمام النووي -﵀- في «شرح مسلم» (٢٨٢): فَإِنْ كَانَ الْمَاء كَثِيرًا جَارِيًا لَمْ يَحْرُم الْبَوْل فِيهِ؛ لِمَفْهُومِ الْحَدِيث، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى اِجْتِنَابه، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا جَارِيًا فَقَدْ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا: يُكْرَه. وَالْمُخْتَار: أَنَّهُ يَحْرُم؛ لِأَنَّهُ يُقَذِّرهُ، وَيُنَجِّسهُ
_________________
(١) انظر «إحكام الأحكام» (١/ ٢٢)، «نيل الأوطار» (١/ ٦٧)، «المفهم» (١/ ٥٤٣)، «توضيح الأحكام» (١/ ١٢٨).
(٢) وانظر: «نيل الأوطار» (١/ ٦٧)، «المفهم» (١/ ٥٤٢)، «سبل السلام» (١/ ٤٨).
[ ١ / ٥٢ ]
عَلَى الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَغَيْره، وَيَغُرّ غَيْره فَيَسْتَعْمِلهُ مَعَ أَنَّهُ نَجِسٌ.
قلتُ: وما اختاره النووي من تحريم البول في الماء القليل الجاري، مفهوم حديث الباب يرُدُّه؛ ولذلك قال الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٤٨): قلت: بل الأولى خلافه -يعني أنه ليس بمحرم- إذ الحديث في النهي عن البول فيما لا يجري، فلا يشمل الجاري، قليلًا كان، أم كثيرًا، نعم، لو قيل بالكراهة؛ لكان قريبًا. انتهى. (^١)
فائدة: استدل بعض الحنابلة بهذا الحديث أعني: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يبولن أحدكم » الحديث على أنَّ الماء إذا بلغ قلتين، وأكثر ينجس إذا خالطه بول الآدمي، وعذرته، وإن لم يغيره، وخصصوا منطوق حديث القلتين بحديث الباب، وهذا القول رواية عن أحمد.
قال ابن قدامة -﵀- في «المغني» (١/ ٥٦): والرواية الثانية أنه لا ينجس ما لم يتغير كسائر النجاسات، اختارها أبو الخطاب، وابن عقيل، وهذا مذهب الشافعي، وأكثر أهل العلم، لا يفرقون بين البول، وغيره من النجاسات؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». (^٢)
قال: وحديث أبي هريرة لابد من تخصيصه، بدليل ما لا يمكن نزحه، فيقاس عليه ما بلغ القلتين، أو يُخَصُّ بخبر القلتين؛ فإنَّ تخصيصه بخبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أولى من تخصيصه بالرأي، والتحكم من غير دليل، ولأنه لو تساوى الحديثان لوجب
_________________
(١) وانظر «نيل الأوطار» (١/ ٦٧)، و«شرح العمدة» لابن الملقن (١/ ٢٧٧).
(٢) تقدم تخريجه في أحاديث الكتاب برقم (٤).
[ ١ / ٥٣ ]
العدول إلى القياس على سائر النجاسات. اهـ
قلتُ: الصحيح قول الجمهور، وهذا الذي قرره ابن قدامة مبنيٌّ على أنَّ الحديث المذكور فيه النهي عن البول في الماء الدائم؛ لأنه يتنجس، وليس في الحديث هذا التعليل.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب -﵀- كما في «الدرر السَّنِيَّة» (٣/ ٧٠): قولهم: إن الماء الكثير ينجسه البول، والعذرة؛ لنهيه ﵇ عن البول فيه. فيقال لهم: الذي ذُكِرَ النهي عن البول إذا كان راكِدًا، وأما نجاسة الماء، وطهارته، فلم يتعرض لها، وتلك مسألة أخرى يستدل عليها بدليل آخر. انتهى المراد.
وقال المعلمي -﵀- في «التنكيل» (٢/ ١٨): والصواب أنَّ هناك عدة علل إذا خُشِيَت واحدة منها تحقق النهي:
الأولى: التنجيس حالًا، بأن يكون الماء قليلًا جدًّا، تغيره البولة الواحدة.
الثانية: التنجيس مآلًا: وذلك أنه لو لم يُنهَ عن البول في الماء الراكد؛ لأوشك أن يبول هذا، ثم يعود فيبول، ويتكرر ذلك، وكذلك يصنع غيره، فقد يكثر البول حتى يغير الماء؛ فينجسه.
الثالثة: التقذير حالًا.
الرابعة: التقذير مآلًا.
الخامسة: فشو الأمراض. انتهى بتصرف.
[ ١ / ٥٤ ]
٦ - وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تَغْتَسِلَ المَرْأَةُ بِفَضْلِ (^١) الرَّجُلِ أَوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ المَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. (^٢)
٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ -﵂-. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^٣)
وَلِأَصْحَابِ «السُّنَنِ»: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ ليَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إنِّي كُنْت جُنُبًا، فَقَالَ: «إنَّ المَاءَ لَا يَجْنُبُ». وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (^٤)
_________________
(١) الفضل المقصود به هنا: فضل الماء، أي: الماء المتبقي بعد غسله.
(٢) صحيح. أخرجه أبوداود (٨١)، والنسائي (١/ ١٣٠)، من طريق داود بن عبد الله، عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلا صحب النبي - ﷺ - أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة، قال فذكره. وإسناده صحيح، رجاله ثقات، وداود بن عبد الله هو الأودي. وقد صححه الإمام الألباني -﵀- في «سنن أبي داود» (٧٥)، والإمام الوادعي -﵀- في «الصحيح المسند» (١٤٧٠).
(٣) أخرجه مسلم (٣٢٣) من طريق ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار قال: أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني أن ابن عباس أخبره فذكره. قال الحافظ ابن حجر -﵀- في «الفتح» (١٩٣): لكن أعله قوم لتردد وقع في رواية عمرو بن دينار، وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد، لكن راويها غير ضابط، وقد خولف. والمحفوظ ما أخرجه الشيخان بلفظ: «إن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد». اهـ والرواية المذكورة هي عند البخاري (٢٥٣)، ومسلم (٣٢٢) من طريق عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، عن ميمونة. ووهم من رواه بإسقاط ميمونة كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب في شرح الحديث من «الفتح» (٢٥٣).
(٤) حسن. أخرجه أبوداود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧٠)، والدارمي (٧٤٠) (٧٤١)، والبيهقي (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، وابن خزيمة (٩١) من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس. وفي رواية سماك عن عكرمة ضعف. لكن قال الحافظ في «الفتح» (١٩٣): وقد أعله قوم بسماك ابن حرب راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يقبل التلقين. ولكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم. اهـ وقال يعقوب بن شيبة كما في «التهذيب»: وروايته عن عكرمة خاصّة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم. اهـ قلتُ: وقد رواه عنه سفيان بلفظ «إن الماء لا ينجس» وقد ذكرنا روايته في تخريج حديث أبي سعيد ثاني أحاديث الباب.
[ ١ / ٥٥ ]
المسائل والأحكام المستفادة من الأحاديث