ويدخل في عموم قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الماء طهور»: ماء زمزم؛ فإنه طهور، ويستعمل في الوضوء، والاغتسال بلا كراهة عند الجمهور.
قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٩١): ودليلنا النصوص الصريحة، الصحيحة، المطلقة في المياه بلا فرق، ولم يزل المسلمون على الوضوء منه بلا إنكار. اهـ
_________________
(١) أثر عمر، وابن عمر، وابن عباس -﵃- أخرجها عبدالرزاق (١/ ١٧٥ - ١٧٦)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٥١) بأسانيد صحيحة، وأما أثر أنس -﵁- فأخرجه ابن المنذر (١/ ٢٥١ - ٢٥٢)، وفي إسناده: راشد بن معبد، وهو شديد الضعف، واتُّهِمَ بالوضع.
(٢) انظر «المغني» (١/ ٢٧ - ٢٨)، و«شرح المهذب» (١/ ٨٨).
(٣) انظر «المغني» (١/ ٢٩)، و«غاية المرام» (١/ ٨٨ - ٨٩)، «المجموع» (١/ ٩١).
[ ١ / ٤٦ ]
وقد كره بعض أهل العلم استعماله في إزالة النجاسة؛ لحديث أبي ذر في «صحيح مسلم» أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إنها مباركة، إنها طعامُ طُعم». (^١)
تنبيه: ثبت في «الصحيحين» (^٢) عن ابن عمر -﵄-، أنَّ الناس نزلوا مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على الحِجْر، أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقة.
وفي رواية للبخاري (٣٣٧٨): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من آبارها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجَنَّا منها، واستقينا، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء.
قال النووي -﵀- في «شرح المهذب» (١/ ٩٢): فاستعمال ماء هذه الآبار المذكورة في طهارة، وغيرها، مكروه، أو حرام؛ إلا لضرورة؛ لأنَّ هذه سنة صحيحة لا معارض لها، فيمنع استعمال آبار الحجر إلا بئر الناقة، ولا يحكم بنجاستها؛ لأنَّ الحديث لم يتعرض للنجاسة، والماء طهور بالأصالة. اهـ
قلتُ: لا حاجة إلى التردد بين التحريم، والكراهة؛ فالحديث نَصٌّ في تحريمه.
وقد جزم ابن القيم في «زاد المعاد» (٣/ ٥٦٠) بعدم الجواز، والنهي يقتضي الفساد؛ فعلى هذا فلا تصح الطهارة به. (^٣)
_________________
(١) وانظر: «غاية المرام» للعبيكان (١/ ٩٢).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٧٩)، ومسلم (٢٩٨١).
(٣) انظر «كشاف القناع» (١/ ٣٠)، و«غاية المرام» (١/ ٩٧).
[ ١ / ٤٧ ]
٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (^١)
وَلِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». (^٢)
وَلِمُسْلِمٍ: «مِنْهُ» (^٣).
وَلِأَبِي دَاوُد: «وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ». (^٤)
قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».
الرواية المشهورة هي برفع اللام، قال القرطبي -﵀- في «المفهم» (١/ ٥٤٢): وإنما جاء: «ثم يغتسلُ» على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله؛ لما وقع فيه من البول، وهذا مثل قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة، ثم يضاجعُها»، (^٥) فنهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجعتها في ثاني حال؛ فتمتنع عليه لما أساء من عشرتها، فيتعذر عليه المقصود لأجل الضرب، وتقدير اللفظ: (ثم هو يضاجعها)، و(ثم هو يغتسل). انتهى بتصرف يسير.
قد ضبطه بعضهم بالجزم: «ثم يغتسلْ»، وأنكره القرطبي في «المفهم»
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٨٣).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٢٣٩).
(٣) أخرجه مسلم برقم (٢٨٢).
(٤) أخرجه أبوداود برقم (٧٠) وإسناده حسن.
(٥) أخرجه البخاري (٤٩٤٢)، ومسلم (٢٨٥٥) من حديث عبدالله بن زمعة -﵁- بمعناه.
[ ١ / ٤٨ ]
(١/ ٥٤١)، وبعضهم بالنصب: «ثم يغتسلَ»، وأنكره النووي في «شرح مسلم» (٣/ ١٩١)، والقرطبي في «المفهم» (١/ ٥٤١) ودافع عليهما بعضهم، وعلى كل حال؛ فالمشهور الثابت في «الصحيحين» هي رواية الرَّفع، وتقدم بيان معناها.
المسائل والأحكام المستفادة من الحديث