بسم الله الرحمن الرحيم
الْمُقَدِّمَة
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، نحمده ﷾ على ما هدانا وعلمنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وأصلي وأسلم على رسوله المصطفى ونبيه المجتبى، إمام الأتقياء، وخاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، وخليل رب العالمين، محمد بن عبدالله الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» متفق عليه من حديث معاوية -﵁-، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عباس -﵄-.
وإن الفقه في الدين يتحقق بحفظ القرآن والسنة ومعرفة معانيهما، وما أحسنَ قول القائل -وهو منسوب إلى الإمام الشافعي-:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
[ ١ / ٥ ]
وما أحسن قول الآخر:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلمُ نصبُك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذرًا من التمثيل والتشبيه
وقد اعتنى علماؤنا ﵏ في تسهيل الفقه الشرعي، فمنهم من يشرح كتابًا، ومنهم من يجمع المسائل الفقهية المشهورة في كتاب ويذكرها نثرًا، ومنهم من يذكرها نظمًا، ومنهم من يجمع الأحاديث المتعلقة بالأحكام، ويبوب على ما فيها من الفقه الشرعي.
وعلى رأس هؤلاء الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في «صحيحه»، وكذلك الإمام أبوداود والترمذي والنسائي وابن خزيمة والبيهقي وآخرون من أئمة الفقه والحديث، وقد ذكر هؤلاء ﵏ الأحاديث بالأسانيد، واسترسلوا في كتبهم ولم يقتصروا على الأحاديث المتعلقة بالأحكام، بل ذكروا أحاديث تتعلق بالفضائل والسير والزهد والرقائق والآداب وغير ذلك. وكل ذلك من الفقه في الدين بمفهومه الأوسع.
ثم أقبلت طائفة من العلماء فجمعوا الأحاديث المتعلقة بالأحكام بدون أسانيد؛ لتسهيل حفظها ودراستها، ورتبوها على الأبواب الفقهية ترتيبًا متناسبًا.
ومن هؤلاء العلماء: الإمام الحافظ أبومحمد عبدالحق بن عبدالرحمن الأشبيلي في كتابيه «الأحكام الوسطى» و«الأحكام الكبرى»، وكذلك الإمام الحافظ
[ ١ / ٦ ]
عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي في كتابيه «عمدة الأحكام» الكبرى والصغرى، وكذلك الإمام الحافظ مجد الدين أبوالبركات عبدالسلام ابن تيمية الحراني في كتابه «المنتقى في الأحكام الشرعية من كلام خير البرية»، وكذلك الإمام محب الدين الطبري أحمد بن عبدالله في كتابه «غاية الإحكام في أحاديث الأحكام»، وكذلك الإمام أبوالفتح محمد بن علي بن وهب المشهور بابن دقيق العيد في كتابه «الإلمام في أحاديث الأحكام»، وكذلك الحافظ أبوعبدالله محمد بن أحمد بن عبدالهادي الحنبلي في كتابه «المحرر في الحديث»، وكذلك الحافظ أبوالفضل عبدالرحيم بن الحسين العراقي في كتابه «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد».
ومن هؤلاء الأئمة والعلماء الإمام الحافظ شهاب الدين أبوالفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني -﵀- في كتابه القيم الذي بين أيدينا «بلوغ المرام من أدلة الأحكام» فذكر في كتابه هذا أشهر الأحاديث المتعلقة بالأحكام مبينًا صحتها وضعفها، وذكر بعض كلام أئمة العلل على الأحاديث المعلة، واستفاد ممن قبله لاسيما فيما يظهر لي من «المحرر» لابن عبدالهادي، وزاد عليهم.
وكتاب الحافظ -﵀- «بلوغ المرام» من أجود ما أُلِّفَ في هذا الباب، وقد قال عنه صاحبه: (فهذا مُختصَرٌ يشتملُ على أُصولِ الأَدلَّةِ الحديثيةِ للأَحْكَامِ الشَّرعيَّةِ، حَرَّرْتُهُ تحريرًا بالِغًا؛ ليصيرَ مَنْ يحفظُهُ بَيْنِ أَقْرَانِهِ نابغًا، ويستعينَ به الطالبُ المبتدِي، وَلَا يستغنِي عنه الرَّاغِبُ المنتهِي).
ولجودة هذا الكتاب فقد اعتنى العلماء بشرحه وتحقيقه، ومن أشهر
[ ١ / ٧ ]
شروحه: «البدر التمام في شرح بلوغ المرام» للقاضي حسين بن محمد المغربي، و«سبل السلام في شرح أحاديث بلوغ المرام» للعلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني، وكتابه يعتبر تهذيبًا لكتاب المغربي، فقد اختصر بعضه وزاد عليه بعضًا.
ومن توفيق الله لي -وله الحمد والمنة- أن قمت بدراسة أحاديث «بلوغ المرام» حديثيًّا وفقهيًّا أبحث عن الحديث وأحكم عليه بما يسر الله لنا من علم، مستفيدًا من كتب التخاريج والعلل وغيرها، ثم أدرس المسائل الفقهية المتعلقة بالحديث، وربما قدمت أو أخرت بعض المسائل الفقهية المشابهة أو المتعلقة بالموضوع لتتميم الفائدة، وسميت هذا الكتاب «فتح العلام بدراسة أحاديث بلوغ المرام».
وكان المقصود من ذلك هو التفقه في دين الله ﷿، ومعرفة الأحكام الشرعية؛ لنعبد الله ﷿ على بصيرة.
ومن فضل الله ﷿ عليَّ -وله الحمد لا أُحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه- أني جعلت هذه الدراسة لأحاديث «بلوغ المرام» مصحوبة بتدريس هذا الكتاب إخواني طلبة العلم في دار الحديث بدماج حرسها الله من كل سوء ومكروه، ورحم الله مؤسسها، وحفظ الله وسدد القائم عليها من بعده، ومن تعاون معه.
ومن فضل الله عزوجل عليَّ أيضًا أني كنت مع تدريسي لهذا الكتاب أقيِّدُ المسائل العلمية في أوراقي حتى أخرجها في كتابٍ ينفع الله ﷿ به؛ فكان ذلك بحمد الله وتوفيقه أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
[ ١ / ٨ ]