١٦٤ - عَن جَابر - ﵁ -: أَنَّ النَّبِي - ﷺ - كَانَ يجمع بَين الرجلَيْن من قَتْلَى أحد يَعْنِي فِي الْقَبْر ثمَّ يَقُول أَيهمَا أَكثر أخذا لِلْقُرْآنِ فَإِذا أُشير إِلَى أَحدهمَا قدمه فِي اللَّحْد رَوَاهُ البُخَارِيّ (^١).
قوله: عن جابر، حيث أطلق جابرًا فالمراد: جابر بن عبد اللّه، وحيث أرادوا جابر بن سمرة، قيدوه بسمرة.
قوله: "أن النبي - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، يعني في القبر" الحديث رواه البخاري في صحيحه، ورواه الترمذي بنحوه، وصححه، ولفظ النسائي: عن هشام بن عامر الأنصاري قال: شكونا إلى رسول اللّه - ﷺ - يوم أحد، فقلنا: يا رسول اللّه الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال: "احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد"، قالوا: فمن تقدم يا رسول اللّه؟ قال: "قدموا أكثركم قرآنًا" وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخارى (١٣٤٣) و(١٣٤٧) و(١٣٥٣) و(٤٠٧٩)، وابن ماجة (١٥١٤)، وأبو داود (٣١٣٨)، والترمذى (١٠٣٦)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٠٠ (١٩٧١).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢١٥ و٣٢١٦ و٣٢١٧)، والترمذى (١٧١٣)، والنسائي في المجتبى ٤/ ١٣٤ (٢٠٢٨) و٤/ ١٤٥ (٢٠٢٩) و٤/ ١٤٧ (٢٣٣٠) و(٢٠٣٤) و٤/ ١٤٨ (٢٠٣٥) و(٢٠٣٦) والكبرى (٢١٤٨ و٢١٤٩) و(٢١٥٣ - ٢١٥٦)، والطبراني في الكبير =
[ ٢ / ١٢ ]
وهشام هذا: هو هشام بن عامر بن أمية بن النجار بن مالك بن عامر بن غنم بن مالك بن النجار النجاري والد سعد بن هشام، له ولأبيه صحبة، قيل: كان اسمه في الجاهلية شهابًا فسماه النبي - ﷺ - هشاما، واستشهد يوم أحد، وسكن البصرة، ومات بها، له في الكتب الستة هذا الحديث (^١).
وأما الأربعة أمر النبي - ﷺ - يوم أحد أن يجمع الاثنان والثلاثة في قبر واحد، وفي رواية "في ثوب واحد" وكلاهما صحيح، لأنه ضاقت عليهم الثياب ففعلوا ذلك فيها، وفي القبر كما جاء مصرحا به، وذلك جائز للضرورة ككثرة القتلى والموتى بطاعون أو هدم أو غرق أو القحط أو الوباء، وبالناس ضعف بسبب القحط أو شغل الحرب وعز إفراد كلّ ميت بقبر أو لم يوجد إلا كفن واحد فلا يحرم على الأصح (^٢)، وأما عند عدم الضرورة فقال الرافعي: إنه لا يستحب (^٣)، وقال غيره: إنه ممنوع، وصرح في شرح المهذب: بتحريمه ولو بعد حين ما بقي من الأول شيء (^٤)، نعم إن نبش فرأى العظام
_________________
(١) = (٢٢/ ١٧٢ رقم ٤٤٧). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في المشكاة (١٧٠٣)، الإرواء (٧٤٣).
(٢) أسد الغابة (٥/ ٣٧٧ ترجمة ٥٣٧٩)، وتهذيب الكمال (٣٠/ ٢١٢ - ٢١٤ الترجمة ٦٥٨٠).
(٣) انظر العزيز شرح الوجيز (٢/ ٤٥٤)، وروضة الطالبين (٢/ ١٣٨)، وكفاية النبيه (٥/ ١٥٣)، وتحفة المحتاج (٣/ ١٧٤).
(٤) العزيز شرح الوجيز (٢/ ٤٥٤).
(٥) المجموع (٥/ ٢٨٤).
[ ٢ / ١٣ ]
جعلها ناحية، ويدفن معها، نص عليه الشافعي ﵀ (^١)، ولا فرق بين الرجلين والمرأتين والرجل والمرأة للضرورة، وقال ابن الصباغ: إذا كان بينهما زوجية أو محرمية فلا منع، ويجعل بين الرجال والنساء حاجز من تراب، وكذا بين الرجلين والمرأتين على الصحيح (^٢).
قال النووي ﵀ (^٣): الذي تحرر أنها ثلاث مسائل، إحداها: ابتداء دفن الاثنين من نوع كرجلين أو امرأتين فيكره بلا ضرورة، الثانية: ابتداء دفن رجل وامرأة والذي يظهر فيها التحريم في غير المحارم، والسيد والزوج، الثالثة: نبش ميت ليدفن معه آخر، فهذا حرام ما لم يَبْل جميع الأول بقول أهل الخبرة، فإن حفره فوجد فيه العظام طمه ولم يتم حفره، فإن رآها بعد إتمام الحفر جعلها في جنب القبر ودفن الميت معها، انتهى.
فرع: لو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة قدم إلى القبلة الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة كما في الصلاة (^٤).
فرع آخر: قال النووي (^٥): وأما الفساقى في التي تعمل هذا الزمان لجمع الموتى، ففيه: إدخال ميت على ميت وهو حرام لما فيه من الهتك الول وظهور
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) النجم الوهاج (٣/ ٨٢).
(٣) النجم الوهاج (٣/ ٨١ - ٨٢).
(٤) المجموع شرح المهذب (٥/ ٢٨٤).
(٥) النجم الوهاج (٣/ ٨٢).
[ ٢ / ١٤ ]
رائحته، فيجب إنكار ذلك في الاكتفاء به في الدفن نظرٌ من وجهين، أحدهما: على هيئة الدفن المفهوم شرعًا، والثاني: أنها ليست معدة لكتم الرائحة، انتهى.
قوله: "من قتلى أحد" غزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة، روى أنه - ﷺ - غزا ستة وثلاثين غزوة، ثمانية عشر منها خرج بنفسه، وثمانية عشر بعص سرية ولم يخرج بنفسه، وروى في بعض الأخبار أنه غزى أربعين غزوة، وروى أكثر من ذلك، فمنها: غزوة أحد، وذلك أن قريشًا لما رجعوا من بدر جمعوا جمعًا كبيرًا في السنة الثانية وخرجوا إلى المدينة وكان القتال عند أحد وكانت الهزيمة على الكفار، وقتل من المسلمين يومئذ سبعون رجلًا وجرح كثير منهم وانهزم الباقون ثم صرف اللّه عنهم الكفار فرجعوا فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ وهو إلى قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ (^١) أي: رجع الأمر عليكم، انتهى، قاله السمرقندي في كتابه بستان العارفين (^٢). قال في شرح السنة (^٣): السنة في الشهيد أن تنزع عنه الفراء والجلود والخفاف والأسلحة، ويدفن بما عليه من ثياب الحرب، وقال أبو حنيفة ومالك: لا ينزع شيء من الثياب التي قتل فيها فإن لم يكن له ثوب سابغ وجب تتميمه لقصة مصعب بن عمير، وسيأتي ذلك في الزهد في الدنيا، وإذا استشهد الجنب فالأصح أنه لا يغسل عن الجنابة، وكذلك منقطعة
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٢.
(٢) بستان العارفين (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣).
(٣) شرح السنة (٥/ ٣٦٦).
[ ٢ / ١٥ ]
الحيض قبل الاغتسال لا تغسل أيضًا على الصحيح، وهذا الحديث صريح في الشهيد أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور، والأصح أنه حرام، وفرق أبو حنيفة بين الغسل والصلاة فأثبت الصلاة وأسقط الغسل، واستدل الجمهور بأن الشهيد حي بنص القرآن.
وقال الشافعي: جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أن النبي ﷺ لم يصل عليهم، ولم يصح حديث يخالف ذلك، وقال المزني: يصلى على الشهيد ولا يغسل كما قال أبو حنيفة لأنه روي أنه - ﷺ - صلى على حمزة وهو قول الثوري وأصحابه في الرأي وإسحاق، وقال الحسن وابن المسيب يغسل ويصلى عليه لأن كلّ ميت يجنب، وإنما لم يغسل شهداء أحد لكثرتهم والشغل عن ذلك، وقال الأولون: صلاته على حمزة دعاؤه لأن الصلاة في اللغة الدعاء.
تنبيه: الشهيد الذي تثبت له هذه الأحكام هو المقتول في قتال الكفار بسبب من أسبابه، والشهداء على ثلاثة أقسام: من قتل في معركة الكفار فهذا لا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن في ثيابه التي قتل فيها، كما تقدم، الثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا وهو المبطون والمطعون وصاحب الهدم ومن قتل دون ماله وغيرهم، فهذا يغسل ويصلى وله في الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول، والثالث: من غل في الغنيمة وشبهه بمن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا، فهذا أيضًا لا يغسل ولا يصلى
[ ٢ / ١٦ ]
عليه وليس له في الآخرة ثواب الشهداء (^١)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في الجهاد.
قوله في الحديث: "ثم يقول: أيهما أكثر أخذا للقرآن فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد"، أما تقديم الأكثر قرآنا فلفضيلته، والتقديم في شيئين في اللحد قبل غيره وإلى جهة القبلة، قال العُلماء: يقدم الأسن الأقرأ إلى القبلة لهذا الحديث، وهذا إذا لم يكن أحدهما أب الآخر، كان كان الابن أفضل فإن كان قدم مطلقا، وكذا تقدم الأم على البنت والابن يقدم على الأم المذكورة، ويظهر أن الخنثى كذكر مع أنثى (^٢).
فرع: لو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة، قدم إلى القبلة الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة كما في الصلاة (^٣).
وفي هذا الحديث فضيلة قراءة القرآن وعظيم ما أوتوه إذا كانوا عاملين به، وفيه: استخبار الحاكم عن الفضلاء ورفعهم إلى مراتبهم وقبول من يثق به في تعريف أحوالهم وإن من كان أقرأ كان أفضل لفضل علمه وعمله، وفيه: الحث على تعليمه وأن لا يغفلوه لإكرام اللّه أهله في الحياة والممات (^٤).
_________________
(١) انظر شرح السنة (٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، وروضة الطالبين (٢/ ١١٨ - ١٢٠)، والمجموع (٥/ ٢٦٧ - ٢٦٠)، والنجم الوهاج (٣/ ٦٨ - ٧٥).
(٢) كفاية النبيه (٥/ ١٥٣).
(٣) المجموع (٥/ ٢٨٤)، وكفاية النبيه (٥/ ١٥٣).
(٤) انظر شرح صحيح البخارى لابن بطال (٣/ ٣٣٤).
[ ٢ / ١٧ ]
قوله: فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، أراد بالإشارة هنا العبارة فلا يجوز أن يخاطب النبي - ﷺ - قوما فيجيبونه بالإشارة دون العبارة، انتهى.
قوله - ﷺ - في آخر الحديث: "أنا شهيد على هؤلاء" أي: بقتلهم في سبيل اللّه، أي: شهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم للّه تعالى ففيه رفعة شأنهم يأن يكون شاهدهم سيد الأولين والآخرين (^١)، انتهى.
١٦٥ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ إِن من إجلال اللّه إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنهُ وإكرام ذِي السُّلْطَان المقسط. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).
قوله: عن أبي موسى الأشعري، تقدم.
قوله - ﷺ -: "إِن من إجلال اللّه إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنهُ" الحديث، إكرام ذي الشيبة هو: الشيخ المسلم وحامل القرآن.
قال ابن عبد البر (^٣): حملة القرآن هم العالمون بأحكامه وحلاله وحرامه والعاملون بما فيه. قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي: ما أحسن هذا، وهذا هو الكمال (^٤).
_________________
(١) المفاتيح (٢/ ٤٣٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٨٤٣). وحسنه الألباني في المشكاة (٤٩٧٢) وصحيح الترغيب (٩٨).
(٣) التمهيد (١٧/ ٤٣٠).
(٤) التذكار (ص ١٤٨).
[ ٢ / ١٨ ]
قال الغزالي في الإحياء في أواخر الباب الأول من كتاب تلاوة القرآن (^١): عن الفضيل بن عياض: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو أو لا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن، انتهى.
قال أبو عمر: روى أنس أن النبي - ﷺ - قال: "القرآن أفضل من كلّ شيء، فمن وقر القرآن فقد وقر اللّه، ومن استخف بالقرآن فقد استخف بحق اللّه تعالى، حملة القرآن هم المحفوفون برحمة اللّه تعالى المعظمون كلام اللّه الملبسون نور اللّه فمن والاهم فقد والى اللّه ومن عاداهم فقد استخف بحق اللّه ﷿" (^٢)، وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي قال: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول: "أكرموا حملة القرآن فمن أكرمهم فقد أكرمني ومن أكرمني فقد أكرم اللّه ﷿ إن اللّه لينصت للقرآن ويستمع من أهله ألا ولا تنقصوا حملة القرآن حقوقهم فإنهم من اللّه بمكان، كاد حملة القرآن أن يكونوا أنبياء إلا أنه لا يوحى إليهم التالي والمستمع آية من كتاب اللّه ﷿ خير مما دون العرش إلى السماء السابعة السفلى التالي والسامع من كتاب اللّه خير من صبير ذهبا، قيل: يا رسول اللّه وما صبير؟ قال: يعني مثل أحد في الميزان" (^٣)،
_________________
(١) إحياء علوم الدين (١/ ٢٧٤).
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٧/ ١٨٩). وفيه علي بن الحسن السامى: واهٍ جدًّا جدًّا متهم. وذكره السيوطى في الزيادات على الموضوعات (ص ١٠٣ - ١٠٤).
(٣) أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (١٠٠). وقال: إنه غريب جدًّا من رواية الأكابر عن الأصاغر وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ١٤٣): وفيه من لا يعرف وأحسبه غير صحيح. وقال الألباني في الضعيفة (٢٦٧٩): منكر.
[ ٢ / ١٩ ]
خرجه الوائلي في كتاب الإبانة (^١)، وقال: حديث غريب، قاله القرطبي في تذكاره (^٢).
قوله - ﷺ -: "غير الغالي فيه" الغالي فيه: المتجاوز فيه عن الحد، وقيل: هو الذي يقول في القرآن برأى من عند نفسه، قال اللّه تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (^٣) أي: لا تتجاوزوا الحد في الدين الذي أنتم مطلوبون به (^٤)، فالغلو: التجاوز عن الحد والقرب، والغالي: المتجاوز في أمر الدين عامله وبين، ومنه الحديث، وحامل القرآن غير الغالي فيه إنما قال ذلك لأن من أخلاقه وآدابه التي أمر اللّه بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وأصل الغلو: الارتفاع ومجاوزة القدر في كلّ شيء (^٥)، انتهى.
وقال ابن قيم الجوزية: الغلو مجاوزة الحد والغلو والتقصير كلّ واحد مذموم في الدين، فالغلو مجاوزته وتعديه وما أمر اللّه تعالى بأمر إلا وللشيطان
_________________
(١) هو الإمام العالم الحافظ المجود شيخ السنة، أبو نصر؛ عبيد اللّه بن سعيد بن حاتم بن أحمد، الوائلي البكري السجستاني، شيخ الحرم، ومصنف الإبانة الكبرى في أن القرآن غير مخلوق، وهو مجلد كبير دال على سعة علم الرجل بفن الأثر. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥٤).
(٢) التذكار (ص ١٤٨ - ١٤٩).
(٣) سورة النساء، الآية: ١٧١.
(٤) تفسير الثعالبى (٢/ ٣٣١).
(٥) النهاية (٣/ ٣٨٢).
[ ٢ / ٢٠ ]
فيه نزعتان، فأما إلى غلو ومجاوزة، وأما إلى تفريط وتقصير وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد، والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول اللّه - ﷺ - وترك أقوال الناس وآراءهم بما جاء به، وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم (^١)، انتهى.
قوله: "ولا الجافي عنه" الجافي: المتجانب عن العمل بأحكام القرآن والجفاء البعد عن الشيء يقال: جفاه إذا بعد عنه وأجفاه إذا أبعده، ومنه الحديث: "اقرءوا القرآن ولا تجفوا عنه" أي: تعاهده ولا تبتعدوا عن تلاوته، والجفاء أيضًا ترك الصلة والبر، قاله في النهاية (^٢).
قوله - ﷺ -: "وإكرام ذي السلطان المقسط" أي: العادل.
لطيفة: قال ابن العماد في بعفر مؤلفاته: وإنما خصت هذه الثلاث المذكورة في الحديث لأنها راجعة إلى أوصاف الرب ﷿، فذو الشيبة حصل له كبر السن، والباري ﷾ له الكبرياء، وحامل القرآن كذلك لأن القرآن كلام اللّه وكلامه صفته فكأنه اتصف بشيء من صفات الرب ﷿ ولبس جها حلة الكرامة، فوجب أن يعامل بالإجلال والمهابة، وكذلك الإمام المقسط يعني السلطان العادل لما اتصف بالعدل الذي ضد الجور، والعدل من صفاته ﷿ وجب أن يعامل بالإجلال وبالسمع والطاعة والمبادرة إلى امتثال أمره ونهيه لأنه أمر بأمر اللّه تعالى.
_________________
(١) الروح (ص ٢٥٧).
(٢) النهاية (١/ ٢٨١).
[ ٢ / ٢١ ]
قال اللّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^١)، قال العُلماء: المراد بأولي الأمر: من أوجب اللّه تعالى طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العُلماء، وقيل: الأمراء والعلماء، وأما قول من قال: الصحابة خاصة فقد أخطأ (^٢).
وهذه الآية فيها الحث على السمع والطاعة إذ بذلك تجتمع كلمة المسلمين، فإن الخلاف يسبب فساد أحوالهم في دينهم ودنياهم (^٣)، انتهى، واللّه أعلم.
١٦٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ الْبركَة مَعَ أكابركم. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٤).
قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله - ﷺ -: "البركة مع أكابركم" وسيأتي أحاديث في الزهد، وفيها: "خيركم من طال عمره وحسن عمله".
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٥).
(٤) أخرجه البزار (١٩٥٧/ كشف الأستار)، وابن حبان (٥٥٩)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٣ رقم ٨٩٩١)، والحاكم (١/ ٦٢). وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٥: رواه البزار والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: "البركة مع أكابركم". وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٧٧٨)، وصحيح الترغيب (٩٩).
[ ٢ / ٢٢ ]
١٦٧ - وَعنهُ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَيْسَ منا من لم يوقر الْكَبِير وَيرْحَم الصَّغِير وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وينه عَن الْمُنكر. رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صحِيحه (^١).
قوله: وعنه أيضًا، تقدم.
قوله - ﷺ -: "ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير" الحديث، وفي حديث آخر رواه الترمذي في أبواب البر قال أنس بن مالك: جاء شيخ يريد النبي - ﷺ -، فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي - ﷺ -: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" وفي الترمذي أيضًا عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: "ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض اللّه له من يكرمه عند سنه" وفي رواية "عند كبره" وهو حديث غريب (^٢)، قوله: "قيض اللّه له" معناه: سبب وقدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ (^٣) أي: سببنا، يقال: هذا قيضٌ لهذا وقياس له، أي: مساوٍ له، قاله في النهاية (^٤)؛ وقوله: "ما أكرم شاب شيخًا" أطلق ولم يقيد بالإسلام ليكون عاما، وقوله "صغيرنا" لسوء أدبه.
قوله: "ويوقر كبيرنا" لشيبه وعجزه.
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٧ (٢٣٢٩)، والترمذى (١٩٢١)، وابن حبان (٤٥٨) و(٤٦٤)، والطبراني (١١/ ٧٢ رقم ١١٠٨٣). قال الترمذى: هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٠) و(١٣٦٧) والضعيفة (٥٠٣٣).
(٢) أخرجه الترمذى (٢٠٢٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٠٤)، المشكاة (٤٩٧١).
(٣) سورة فصلت، الآية: ٣٥.
(٤) النهاية (٤/ ١٣٢).
[ ٢ / ٢٣ ]
وقوله: "فليس منا" الحديث، معناه عند أهل العلم: أنه ليس ممن اهتدى بهدينا واهتدى بعلمنا وعملنا وحسن طريقتنا أي لا أنه أخرجه بين المؤمنين كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله: لست مني، وهكذا القول في كلّ الأحاديث الواردة بنحو هذا القول، واللّه أعلم، انتهى، قاله النووي في شرح مسلم وغيره (^١).
١٦٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ يبلغ بِهِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا وَيعرف حق كَبِيرنَا. رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٢).
١٦٩ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ لَيْسَ من أمتِي من لم يجل كَبِيرنَا وَيرْحَم صَغِيرنَا وَيعرف لعالمنا. رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ: "لَيْسَ منا" (^٣).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٠٩).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٢٢ (٧٠٧٣)، والبخارى في الأدب المفرد (٣٥٤)، وأبو داود (٤٩٤٣)، والحاكم (١/ ٦٢). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٠).
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٣٢٣ (٢٢٧٥٥)، وابن أبي الدنيا في العيال (١٨٥)، والبزار (٢٧١٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٣٢٨)، والطبراني في مكارم الأخلاق (١٤٧)، والحاكم ١/ ١٢٢. قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٧ و٨/ ١٤: رواه أحمد والطبراني، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٠١).
[ ٢ / ٢٤ ]
١٧٠ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: "لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا ويجل كَبِيرنَا". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة ابْن شهَاب عَن وَاثِلَة وَلم يسمع مِنْهُ (^١).
١٧١ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن جدّه أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا وَيعرف شرف كَبِيرنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ وَيعرف حق كَبِيرنَا (^٢).
١٧٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - تعلمُوا الْعلم وتعلموا للْعلم السكينَة وَالْوَقار وتواضعوا لمن تعلمُونَ مِنْهُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (^٣).
قوله: وروي عن أبي هريرة، تقدم.
قوله - ﷺ -: "تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والوقار" الحديث تقدم الكلام على فضل العلم وتعلمه.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٩٥ رقم ٢٢٩). قال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٤: رواه الطبراني، والزهري لم يسمع من واثلة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٢).
(٢) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (٣٥٨) و(٣٦٣)، وأبو داود (٤٩٤٣)، والترمذى (١٩٢٠)، والطوسى في مختصر الأحكام (١٥٢٠). وقال الطوسي: وهذا حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٠).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٠٠ رقم ٦١٨٤)، وابن عدى في الكامل (٥/ ٥٤٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٩ - ١٣٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير، وهو متروك الحديث. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٥١٦٠)، وضعيف الترغيب (٨١).
[ ٢ / ٢٥ ]
قوله: "وتعلموا للعلم السكينة والوقار" السكينة هي الوقار كما فسره أئمة اللغة لكن في بعض طرق الحديث في صحيح البخاري: "وعليكم بالسكينة والوقار" قال القاضي عياض في المشارق (^١): كرر فيه الوقار للتأكيد، وقال في الصحاح (^٢): الوقار الحلم والرزانة، وقال النووي قدس اللّه روحه (^٣): الظاهر أن بينهما فرقًا وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك، والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت. والإقبال على طريقه من غير التفات ونحو ذلك، واللّه أعلم.
قوله - ﷺ -: "وتواضعوا لمن تعلمون منه" التواضع مطلوب من الطالب لشيخه، قال أبو الليث السمرقندي (^٤): ينبغي للمتعلم أن يعظم أستاذه فإن بتعظيمه تظهر فيه بركة العلم، وإذا استخف يذهب عنه بركة العلم، ويقال: إنما ينتفع المتعلم بكلام العالم إذا كان في المتعلم ثلاث خصال: التواضع في نفسه والحرص على التعلم والتعظيم للعالم، فإن بتواضعه ينجع فيه العلم وبحرصه يستخرج العلم وبتعظيمه يستعطف العالم، فأول ما يحتاج إليه المتعلم أن يصحح نيته لينتفع بما يتعلم وينتفع به من يأخذ عنه، فإذا أراد به أن يصحح نيته يحتاج أن ينوي ثلاثة أشياء: أحدها: أن ينوي بتعلمه الخروج
_________________
(١) مشارق الأنوار (٢/ ٢١٦).
(٢) الصحاح (٢/ ٨٤٩).
(٣) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٠٠).
(٤) بستان العارفين (ص ٣١٣ - ٣١٥).
[ ٢ / ٢٦ ]
من الجهل، والثاني: أن ينوي به منفعة الخلق لأن النبي - ﷺ - قال: "خير الناس من ينفع الناس"، والثالث: أن ينوي إحياء العلم لأن الناس لو تركوا العلم لذهب العلم كما روي عن النبي - ﷺ - قال: "تعلموا العلم قبل أن يرفع ورفعه ذهاب العُلماء" وينبغي للمتعلم أن ينوي به وجه اللّه تعالى والدار الآخرة ولا ينوي به طلب الدنيا لأنه إذا طلب به وجه اللّه تعالى ينال الأمرين جميعا، وإذا لم يقدر على تصحيح النية فالمتعلم أفضل من تركه فإنه إذا تعلم العلم فإنه يرجى له أن يصحح النية، قال مجاهد: طلبنا العلم وما لنا فيه كبير نية تم رزقنا اللّه فيه النية، ولا ينبغي للمتعلم أن يدع شيئًا من الفرائض أو يؤخرها عن وقتها فتذهب بركة علمه، ولا ينبغي أن يؤذي أحدًا لأجل تعلمه فتذهب بركة علمه أيضًا، ولا ينبغي أن يكون بخيلا بعلمه إذا استعار منه إنسان كتابا أو استعان به لتفهيم مسألة أو نحوه ولا ينبغي أن يبخل به، فإنه يقصد بتعلمه منفعة الخلق وينبغي للمتعلم أن يوقر العلم أولا، ولا ينبغي أن يضع الكتاب على التراب، وينبغي للمتعلم أن يرضى بالدون من العيش من غير أن يترك حظ نفسه من الكل والشرب والنوم، وينبغي للمتعلم أن يقل معاشرة الناس والنساء ومخالطتهم ولا يشتغل بما لا يعنيه، ويقال بها المثل: من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه، وينبغي للمتعلم إذا وقع بينه وبين شخص منازعة أو خصومة أن يستعمل الرفق والإنصاف ليكون فرقا بينه وبني الجاهل لأن النبي - ﷺ - قال: "ما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا شانه" أي: عابه، انتهى، قاله بها بستان العارفين.
[ ٢ / ٢٧ ]
١٧٣ - وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ: اللَّهُمَّ لا يدركني زمَان أَو قَالَ لا تدركوا زَمَانا لا يتبع فِيهِ الْعَلِيم وَلَا يستحى فِيهِ من الْحَلِيم قُلُوبهم قُلُوب الأعَاجِم وألسنتهم أَلْسِنَة الْعَرَب. رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة (^١).
قوله: "عن سهل بن سعد الساعدي" [هو هو أبو العبَّاس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني، كان اسمه حزنًا، فسماه النبي - ﷺ - سهلا. شهد سهل قضاء رسول اللّه - ﷺ - في المتلاعنين.
قال الزهري: سمع من النبي - ﷺ -، وكان له يوم وفاة النبي - ﷺ - خمس عشرة سنة. وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي - ﷺ - بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روي له عن رسول اللّه - ﷺ - مائة حديث وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهري، وأبو حاتم، وغيرهما (^٢)].
قوله - ﷺ -: "لا يدركني زمان" أو قال: "لا تدركوا زمانًا لا يتبع فيه العليم" الحديث، المراد باتباع العليم: العالم بالأحكام الشرعية المبتغي فيها وجه اللّه.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٣٤٠ (٢٢٨٧٩)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٧٥ - ٢٧٦. قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٣: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٣٧١)، وضعيف الترغيب (٨٢).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٣٨ ترجمة ٢٣٧).
[ ٢ / ٢٨ ]
قوله: رواه أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة، اسمه: عبد اللّه بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء، قال الأزهري في تهذيب اللغة: قال ابن الأعرابي: يقال: في فلان لهيعة: إذا كان فيه فترة وكسل، وقال بعضهم أيضًا: رجل فيه لهيعة ولهاعة: أي غفلة، وقيل: هي التواني في البيع والشراء حتى يغبن فيه، وقال صاحب المحكم: اللهع التفهق في الكلام، ولهيعة اسم منه، وقيل: مشتقة من الهلع مقلوبة منه، وعبد اللّه بن لهيعة هذا هو الإمام البارع أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بضم الفاء وإسكاء الراء وبالعين المهملة الحضرمي، ويقال الغافقي المصري، قاضي مصر، وقال روح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًا، روى عن عطاء وابن أبي مليكة والأعرج وعمرو بن شعيب، وروى عنه: يحيى بن بكير وقتيبة والمقبري، قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه، وقال النووي: هو الإمام البارع، قال سفيان الثوري: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع، وقال: حججت لألقى ابن لهيعة، وقال ابن مهدي: حدّثني واللّه الصادق البار عبد اللّه بن لهيعة، وقال الفلاس: احترقت كتبه، فمن روى عنه قبل ذلك كابن المبارك والمنقري فهو أصح ممن كتب عنه بعد ذلك وكان احترق كتبه سنة سبعين ومائة، قال البيهقي: أجمع أصحاب الحديث على ضعفه وترك الاحتجاج بما انفرد به، وفصل ابن سعد بين أول أمره وآخره فحديث ابن المبارك وابن وهب والمقرئ عنه أحسن وأجود، وبعض الأئمة صحح رواية هؤلاء عنه، واحتج
[ ٢ / ٢٩ ]
بها، توفي ابن لهيعة بمصر سنة أربع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة سبع وتسعين (^١)، واللّه أعلم.
١٧٤ - وَعَن أبي أمَامَة عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ ثَلَاثَةٌ لا يَسْتَخِفُّ بحَقِّهِمْ إِلَّا مُنَافِقٌ: ذُو الشَّيْبَةِ فِي الإِسْلَامِ، وَذُو الْعِلْمِ، وَإِمَامٌ مُقْسِطٌ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من طَرِيق عبيد اللّه بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ لغير هَذَا الْمَتْن (^٢).
قوله: عن أبي أمامة، تقدم.
قوله - ﷺ -: "ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق، ذو الشيبة في الإسلام أي: المسلم، وذو العلم وإممام مقسط" الحديث، وذو العلم هو العالم بالأحكام الشرعية المبتغى بذلك وجه اللّه تعالي، والإمام المقسط هو السلطان العادل في أحكامه وأقواله وأفعاله بما يسوغ شرعا، وتقدم الكلام على الثلاثة في أحاديث الباب مبسوطًا في ذلك وحامل القرآن وفي هذا الحديث وذو العلم.
١٧٥ - وَعَن عبد اللّه بن بسر - ﵁ -: قَالَ لقد سَمِعت حَدِيثا مُنْذُ زمَان إِذا كنت فِي قوم عشْرين رجلًا أَو أقل أَو أَكثر فتصفحت وُجُوههم فَلم ترَ فيهم
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤ الترجمة ٣٢٨).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٠٢ رقم ٧٦١٩)، والبيهقي في المدخل (٦٦٧). قال البيهقى: خالد بن يزيد هذا هو ابن عبد الرحمن بن مالك الشامي ليس بالقوي. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٧: رواه الطبراني في الكبير من رواية عبيد اللّه بن زحر عن علي بن يزيد، وكلاهما ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٣).
[ ٢ / ٣٠ ]
رجلًا يهاب فِي اللّه ﷿ فَاعْلَم أَن الأمر قد رق. رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَإِسْنَاده حسن (^١).
١٧٦ - وَرُوِيَ عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ أَنه سمع النَّبِيّ - ﷺ - يَقُول لا أَخَاف على أمتِي إِلَّا ثَلَاث خلال أَن يكثر لَهُم من الدُّنْيَا فيتحاسدوا [فيقتتلوا] وَأَن يفتح لَهُم الْكتاب يَأْخُذهُ الْمُؤمن يَبْتَغِي تَأْوِيله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] وَأَن يرَوا ذَا علم فيضيعوه وَلا يبالوا عَلَيْهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^٢).
قوله: عن أبي مالك الأشعري، أبو مالك الأشعري، اسمه: (كعب بن عاصم الأشعري كنيته أبو مالك، وقيل: اسم أبي مالك عمرو) (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٨ (١٧٦٧٩)، والطبراني في الشاميين (١٠٠٨ و١٠٠٩)، وابن بشران (٦٠٢)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٣٥٥ - ٣٥٦ رقم ٨٦٥٧). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٣: رواه أحمد، والطبراني في الكبير بنحوه، وإسناده حسن، ورجاله موثقون، وأزهر بن عبد اللّه قال فيه البخاري: إنه أزهر بن سعيد. قال فيه الذهبي: تابعي حسن الحديث. وقال في ٧/ ٢٧٦: رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد جيد. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٩٣ رقم ٢٩٣٦) والشاميين (١٦٦٥). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٨: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن إسماعيل بن عيَّاش عن أبيه، ولم يسمع من أبيه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٦٥٧)، وضعيف الترغيب (٨٤) و(١٧٢٥).
(٣) الاستيعاب (٣/ الترجمة ٢١٩٦)، وأسد الغابة (٦/ الترجمة ٦٢١٨).
[ ٢ / ٣١ ]
قوله - ﷺ -: "لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال" أي: خصال.
قوله: "أن يكثر لهم من الدنيا فيتحاسدوا" الحسد معروف، وتقدم الكلام عليه، وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا في بابه.
قوله: "وأن يفتح لهم الكتاب يأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون" الآية، المراد بالكتاب القرآن، وسيأتي الكلام على ذلك، ومذاهب العُلماء واختلافهم في باب الطيرة، أو قبله.
قوله: "وإن يروا ذا علم فيضيعونه ولا يبالون عليه" ذا علم بمعنى: صاحب علم، المراد بتضييعه عدم الاهتمام به وبعلومه، وكذلك عدم الاهتمام بالدين، وذلك من علامات الساعة، واللّه أعلم.
[ ٢ / ٣٢ ]