٦١ - عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة - ﵁ - قَالَ: وعظنا رَسُول الله - ﷺ - موعظة وجلت مِنْهَا الْقُلُوب وذرفت مِنْهَا الْعُيُون فَقُلْنَا يَا رَسُول الله كَأَنَّهَا موعظة مُودع فأوصنا قَالَ أوصيكم بتقوى الله والسمع وَالطَّاعَة وَإِن تَأمر عَلَيْكُم عبد وَإنَّهُ من يَعش مِنْكُم فسيرى اخْتِلَافا كثيرا فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكم ومحدثات الأُمُور فَإِن كل بِدعَة ضَلَالَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح. (^١)
قَوْله: عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ أَي اجتهدوا على السّنة والزموها واحرصوا عَلَيْهَا كَمَا يلْزم العاض على الشَّيء بنواجذه خوفًا من ذَهَابه وتفلته والنواجذ: بالنُّون وَالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة هِيَ الأنياب وَقيل الأضراس.
قوله: وعن العرباض بن سارية - ﵁ -، كنيته: أبو نجيح السلمي الصحابي، كان من أهل الصفة وهو من البكّائين نزل بالشام وسكن حمص روى عن رسول الله - ﷺ -، روى عنه: أبو أمامة الباهلي وغيره من الصحابة وخلق من
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٦ (١٧١٤٢) و(١٧١٤٤) و(١٧١٤٥) و٤/ ١٢٧ (١٧١٤٦ و١٧١٤٧)، والدارمى (٩٦)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذى (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢ و٤٣ و٤٤)، وابن حبان (٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٩٣٧ و٣٠٠٧)، ظلال الجنة (٢٦ - ٣٤) وصحيح الترغيب (٣٧).
[ ١ / ٤٦٢ ]
التابعين، توفى سنة خمس وسبعين، وقيل: توفي في زمن ابن الزبير (^١).
قوله: (وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة) الحديث، الموعظة: الموعظة ما يوعظ به والوعظ والموعظة معناهما التخويف (^٢)، وفي رواية الإمام أحمد وأبي داود والترمذي موعظة بليغة وفي روايتهم: أن ذلك كان بعد صلاة الصبح، وفيه: إشارة إلى أنه يستحسن تحري ذلك الوقت للوعظ لحدة الذهن وصفاء الخاطر حينئذ ففيه استحباب عظة الرجل أصحابه لينفعهم في دينهم ودنياهم، وفيه أيضا استحباب الإبلاغ في الموعظة لترقيق القلوب فيكون أسرع إلى الإجابة (^٣) انتهى.
وكان النبي - ﷺ - كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الدائمة كخطب الجمع والأعياد وقد أمر الله بذلك في كتابه العزيز، فقال: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (^٤) وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (^٥) ولكنه لا يديم وعظهم بل يتخولهم به أحيانا قاله ابن رجب الحنبلي (^٦).
قوله: (وجلت منها القلوب) أي خافت والوجل الخوف والفزع وهو من
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٣٠ الترجمة ٤٠٢).
(٢) قاله النووي في شرح الأربعين (ص ٨١).
(٣) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢١٣ - ٢١٤).
(٤) سورة النساء، الآية: ٦٣.
(٥) سورة النحل، الآية: ١٢٥.
(٦) جامع العلوم والحكم (ص ٢١٣ - ٢١٤).
[ ١ / ٤٦٣ ]
باب ضرب، قال أبو بكر الآجري ولم يقل: صرخنا من موعظته ولا زعقنا ولا طرقنا رؤوسنا ولا ضربنا على صدورنا ولا رقصنا ولا قمنا كما يفعل في زماننا هذا كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم الشيطان، وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون ويسكتون ولا يصيحون ويتحازنون ولا يتماوتون انتهى بدليل أن النبي - ﷺ - أصدق الناس لهجة وأنصحهم لأمته وأصحابه ﵃ أرق قلوبًا ولو كان محمودا لكانوا أولى الناس به فلو كان هذا جائزًا صحيحا مشروعًا لكانوا يفعلونه بين يدي النبي - ﷺ - ولكن منكر باطل (^١).
[فائدة في تلبيس إبليس لابن الجوزي] قال أبو الفرج بن الجوزي: اعلم وفقك الله أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع فجرى من بعض غربائهم نحو ما أنكرنا فبالغ رسول الله - ﷺ - في الإنكار عليه فأخبرنا محمد بن ناصر الحافظ فذكره إلى أن قال عن ثابت عن أنس قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - يومًا فإذا رجل قد صعق فقال النبي - ﷺ -: "من ذا الملبس علينا ديننا إن كان صادقا قد شهر نفسه وإن كان كاذبا فمحقه الله" (^٢) قال ابن شاهين: وحدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث فذكره إلى أن قال عن أنس بن مالك قال: ذكر عنده هؤلاء الذين
_________________
(١) الأربعون (ص ٩٧ - ٩٨).
(٢) أخرجه الضراب في ذم الرياء (١٣٨)، وابن الجوزى في القصاص (٢١٦) وتلبيس إبليس (ص ٢٢٤ - ٢٢٥)، وابن لال كما في الزيادات على الموضوعات (٢/ ٧١٠). قال الذهبى في الميزان (١/ ١٤٣): وهذا باطل، ذكره ابن طاهر.
[ ١ / ٤٦٤ ]
يصعقون عند القراءة فقال أنس: لقد رأيتنا ووعظنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم حتى سمحت للقوم حنينا حين أخذتهم الموعظة وما سقط منهم أحد (^١).
تنبيه: فإن قيل: فقد صح عن جماعة من السلف ﵃ أنهم صرخوا عند سماع القرآن والمواعظ فقد روى عن عمر بن الخطاب أنه سمع قارئا يقرأ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ (^٢) فصاح صيحة خر مغشيًّا عليه فحمل إلى أهله فلم يزل مريضًا شهرًا، وروى أن زرارة بن أوفى قرأ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (^٣) فصعق ومات في المحراب، فالجواب: أين الدر من الصدف والمسك من الجيف هيهات قياس الملائكة بالحدادين والمحققين بالمجرمين (^٤) انتهى.
فائدة: نقل القرطبي عن أبي بكر الطرطوشي ﵀ أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان يقرؤون شيئًا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والسبابة هل الحضور معهم حلال أو لا؟ فقال مذهب الصوفية أن هذه بطالة وجهالة در ضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل وإنما كان يجلس النبي - ﷺ - مع
_________________
(١) تلبيس إبليس (ص ٢٢٤ - ٢٢٥).
(٢) سورة الطور، الآية: ٧.
(٣) سورة المدثر، الآية: ١٦.
(٤) المفهم (١٩/ ٧٧ - ٧٨).
[ ١ / ٤٦٥ ]
أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير مع الوقار فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين والله أعلم بالصواب (^١).
قوله: وذرفت منها العيون، بالذال المعجمة والراء المهملة المفتوحتين قال الجوهري (^٢): يقال ذرفت عينه إذا سال منها الدمع وهو من باب ضرب، وهذان الوصفان الدال عليهما وهما وجلت وذرفت بهما مدح الله المؤمنين عند سماع الذكر كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٤) الآية، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٥) والآيات في ذلك كثيرة، وكان النبي - ﷺ - إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت عيناه كأنه منذر جيش (^٦) وسيأتي الكلام على هذا الحديث قريبا في محله والله أعلم.
_________________
(١) تفسير القرطبي (١١/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
(٢) الصحاح (٤/ ١٣٦١).
(٣) سورة الأنفال، الآية: ٢.
(٤) سورة الحج، الآية: ٣٧.
(٥) سورة الحج، الآية: ١٦.
(٦) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٦٢). والحديث أخرجه مسلم (٤٣ و٤٤ - ٨٦٧) عن جابر.
[ ١ / ٤٦٦ ]
قوله: فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع"، فيه جواز الحكم بالقرائن فهو يدل على أنه كان - ﷺ - قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها فلذلك فهموا أنها موعظة مودع (^١) فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل ولذلك أمر النبي - ﷺ - أن يصلي صلاة مودع لأن من استشعر أنه مودع بصلاته أتقنها على أكمل وجهها ولربما كان قد وقع منه - ﷺ - تعريض في تلك الخطبة بالتوديع انتهى قاله ابن رجب في شرح الأربعين النواوية (^٢).
قوله: فأوصنا، يعنون وصية جامعة كافية فافهم لما فهوا أنه مودع استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها وسعادة له في الدنيا والآخرة (^٣).
قوله - ﷺ -: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" ففيه استحباب استدعاء الوصية والوعظ من أهلها واغتنام أوقات أهل الخير والدين قبل وفاتهم فجمع في ذلك كل ما يحتاج، فإن التقوى والسمع والطاعة امتثال المأمورات واجتناب المحذورات وتكاليف الشرع ليست إلا بذلك قاله الطوفي (^٤).
فهاتان الكلمتان تجمعان شهادة الدنيا والآخرة أما التقوى فهي كلمة كاملة بسعادة الآخرة لمن تمسك بها وهي وصية الله للأولين والآخرين كما
_________________
(١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢١٤).
(٢) جامع العلوم والجكم (٢/ ٧٦٧).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٧٦٧).
(٤) التعيين (ص ٢١٤).
[ ١ / ٤٦٧ ]
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (^١) (^٢).
تنبيه: التقوى في القرآن تطلق على ثلاثة أشياء، أحدها: الخشية والهيبة، قال الله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (^٣)، وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (^٤)، والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (^٥)، قال ابن عباس: أطيعوه حق طاعته، قال مجاهد: هو أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر، والثالث: في تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأولين ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ (^٦)، ذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى فعلم أن حقيقة التقوى معنى سوى الطاعة والخشية وهي تنزيه القلب عما ذكرنا، ثم قال: حقيقة التقوى هي اجتناب كل ما فيه ضررٌ للدين (^٧)، انتهى، قاله في الديباجة.
وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٣١.
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٦٧).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٤١.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨١.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.
(٦) سورة النور، الآية: ٥٢.
(٧) منهاج العابدين (ص ١٢٨ - ١٣٠).
[ ١ / ٤٦٨ ]
مصالح العباد في معايشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم كما قال علي بن طالب: إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر إن كان فاجر عبد المؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله (^١)، انتهى، قاله ابن رجب (^٢).
قوله - ﷺ -: "وإن تأمر عليكم عبدٌ وحشي" وفي رواية: "حبشي أوصيكم بسمع كلام الخليفة والأئمة وطاعتهم وإن كان الخليفة عبدًا حبشيًا " واعلم أنه لايجوز أن يكون الخليفة عبدًا ولكن المراد بالعبد هنا من جعله الخليفة حاكمًا على قوم في كل بلد يعني اقبلوا أقوال الخليفة ونوابه وأطيعوه وإن كان من جعله الخليفة واليا عليكم عبدًا حبشيًا لأن طاعة نائب الخليفة طاعةٌ للخليفة وطاعة الخليفة طاعة الرسول وطاعة الرسول طاعة الله تعالى فقوله: "وإن أمّر عليكم عبدًا" وفي الراوية الأخرى "حبشي"، هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي - ﷺ - وهو مما اطلع عليه النبي - ﷺ - من أمر أمته بعده وولاية العبيد عليهم والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا ولا ينافي هذا قوله - ﷺ -: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان" (^٣) وقوله - ﷺ - "الناس تبع لقريش" (^٤) وقوله: "الأئمة من قريش" (^٥) لأن ولاية العبيد قد
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (١٠/ ١٥ رقم ٧١٠٢).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٦٧ - ٧٦٨).
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٩٥) و(٧١٤٥)، ومسلم (١ ز ٢ - ١٨١٨) عن أبي هريرة.
(٤) أخرجه مسلم (٣ - ١٨١٩) عن جابر.
(٥) أخرجه الطيالسي (٢١٣٣)، وابن أبي شيبة (٣٢٣٨٨)، وأحمد ٣/ ١٢٩ (١٢٣٠٧) و٣/ ١٨٣ (١٢٩٠٠)، والنسائي في الكبرى (٥٩٤٢)، وأبو يعلى (٣٦٤٤) و(٤٠٣٢)، =
[ ١ / ٤٦٩ ]
تكون من جهة إمام قرشي ويشهد لذلك قوله: الأئمة من قريش أبرارها وفجارها أمراء، ولكل حق فآتوا كل ذي حق حقه وإن أمّرت عليكم قريش عبدًا حبشيًا مجدعًا فاسمعوا له وأطيعوا " (^١) إسناده جيد ولكنه روي عن علي - ﵁ - مَوقوفًا، وقال الدارقطني هو أشبه (^٢) وقد قيل إن العبد الحبشي إنما ذكر على وجه المثل وإن لم يصح وقوعه قال أبو سليمان الخطابي (^٣): ضرب المثل عند المبالغة بما لا يكاد يصح في الموجود وكما قال النبي - ﷺ -: "من بنى مسجدًا ولو كمفحص قطاء لبيضها بنى الله له مثله في الجنة" (^٤)، ومفحص القطاة لا يصلح مسجدًا للناس أو لآدمي ونظائر هذا في الكلام كبيرة.
فائدة: فإن قيل كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة كونه قرشيًا حرًّا؟
فالجواب: من وجهين، أحدهما: أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه لا أن الخليفة يكون عبدًا، والوجه الثاني: أن المراد لو قهر عبدٌ
_________________
(١) = والبيهقي ٨/ ٢٤٧ (١٦٥٤١) من حديث أنس بن مالك. وصححه الألباني في الإرواء (٥٢٠) وصحيح الترغيب (٢١٨٨) و(٢٢٥٩).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٥١٧) و(١٥١٨).
(٣) العلل (٣/ ١٩٨ رقم ٣٥٩).
(٤) معالم السنن (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١)، وشرح السنة (١/ ٢٠٦).
(٥) أخرجه البزار (٤٠١٧)، وابن حبان (١٦١٠) و(١٦١١)، وأبو نعيم في الحلية ٤/ ٢١٧، والقضاعي في مسند الشهاب (٤٧٩) عن ابن عباس. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٢).
[ ١ / ٤٧٠ ]
مسلم واستولى بالقهر نفذت أحكامه ووجبت طاعته ولم شق العصا عليه والله أعلم (^١).
قوله - ﷺ -: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا " الحديث، الظاهر أن هذا بوحي أوحي إليه بأنه - ﷺ - كُشِفَ له عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم كما صح في حديث أبي سعيد وغيره ويحتمل أنه بنظر واستدلال فإن اختلاف المقاصد والشهوات سبب لإختلاف الآراء والمقامات ويجوز أن يكون بقياس أمته بعده على أمم الأنبياء السابقين بعدهم بدليل قوله - ﷺ -: "لم تكن نبوة إلا كان بعدها اختلاف" (^٢) أو كما قال، قاله الطوفي (^٣).
وقال ابن رجب (^٤): فهذا إخبارٌ منه - ﷺ - بما وقع بعده من كثرة الإختلاف في أصول الدين وفروعه في الأقوال والأفعال والاعتقادات وهذا موافق لما روي عنه - ﷺ - من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي من كان ما هو عليه وأصحابه ﵃ ولذلك أمر
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٩/ ٤٧).
(٢) لم أجده بهذا اللفظ ولكن ورد بلفظ: قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية. أخرجه أحمد ٤/ ٤٣٢ (١٩٨٨٤) و٤/ ٤٣٥ (١٩٩٠١) و(١٩٩٠٢)، والترمذى (٣١٦٨) و(٣١٦٩)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٥١ رقم ٣٢٨) عن عمران بن حصين. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذى (٦١٨).
(٣) التعيين (ص ٢١٥).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣)، ومختصر أبي داود (٧/ ١٢)، وشرح الأربعين (ص ٨١).
[ ١ / ٤٧١ ]
في هذا الحديث عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده فقال - ﷺ -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" فالسنة هي الطريقة المسلوكة فيشمل ذلك التمسك بما كان هو عليه وأصحابه ﵃ والخلفاء الراشدين الذين أمر بالإقتداء بهم هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي كذا قاله المنذري وغيره.
وهذا ما اشتهر عند الخاصة والعامة الأربعة الذين ولوا الأمر بعد رسول الله - ﷺ - واستدل بالحديث على جواز إطلاق السنة على [طريقتهم] كإطلاقها على طريقة النبي - ﷺ - وعلى الفضيلة التامة لهم خلفاء وصفهم بكونهم راشدين، ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضًا (^١).
واستدل أيضًا بهذا الحديث على أن الواحد منهم إذا قال قولًا وخالفه غيره من الصحابة كان المصير إلى قول الخليفة أولي على أن النبي - ﷺ - عالمًا بأنهم الذين يكون الأمر بعده فيهم (^٢).
وقد يستدل به على أن قولهم وطريقتهم حجة مأخوذ بها وذلك لأن قوله ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين"، ليس المراد منه أن يكون الشيء الواحد سنته وسنتهم فسنته وحدها حجةٌ مأخوذٌ بها فأشعر بأن سنتهم أيضًا كذلك والله أعلم، قاله في الديباجة.
_________________
(١) شرح السنة (١/ ٢٠٨)، جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٧٥).
(٢) معالم السنن ٤/ ٢٧٨، وعارضة الأحوذى (١/ ١٤٨)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٧٧٦).
[ ١ / ٤٧٢ ]
تنبيه: الخليفة من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده والهاء فيه للمبالغة وجمعه الخلفاء على معنى التذكير لا على اللفظ مثل ظريف وظرفاء ويجمع على اللفظ "خلائف" كظريفة وظرائف انتهى، قاله في النهاية (^١).
وفي تاريخ كنز الدرر وقال علماء اللغة: الخليفة هو القائم مقام غيره خلف عمن يقدمه وقال الجوهري: ويقال خلف فلان فلانًا إذا كان خليفته فقال خلفه في قومه خلافة فإن الخليفة هو السلطان الأعظم وقيل إن الله تعالى ذكر خمسة نفر بالخلافة .. آدم وداود وهارون وصالح .. أما آدم قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢)، وصالحًا في قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ (^٣)، وفي معنى خلافة آدم قولان أنه خليفة عن الله تعالى في أرضه في إقامة شرعه روي عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ والثاني أنه خلف عمن تقدمه في الأرض قبله وهو مروي عن ابن عباس أيضًا والأول أصح وأظهر لأن آدم ﵇ كان بهذه المتابة وقال أبو اسحاق الثعلبي سأل عمر بن الخطاب طلحة والزبير وسلمان الفارسي وكعب الأحبار أخليفة أنا أم ملك؟ فقال طلحة والزبير ما ندري وقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعية ويقسم بينهم بالسوية ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله ويقضي بينهم بكتاب الله عز
_________________
(١) النهاية (٢/ ٦٩).
(٢) سورة النور، الآية: ٥٥.
(٣) سورة النمل، الآية: ٦٢.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وجل وفي رواية إن جبيت من أرض المسلمين درها ووضعته في غير حقه فأنت ملك ولست خليفة كأبي بكر - ﵁ -، فقال كعب: ما كنت أحسب في المجلس من يعرف الخليفة من الملك غيري؟ ولكن الله ألهم سلمان حكمًا وعلمًا (^١)، انتهى.
فائدة: جميع خلفاء بني مروان أربعة عشر رجلًا أولهم معاوية وآخرهم مروان بن محمد بن مروان ومدة خلافتهم من خلص لهم الأمر هالى حين قتل مروان بن محمد إحدى وتسعين سنة وتسعة أشهر، خمسة أيام منها فتنة ابن الزبير، وأيامه تسع سنين واثنان وعشرون يومًا، فخلص لهم اثنان وثمانون سنةً وشهورًا فكان من مدة ملكهم ألف شهر وقد تأولوا قوله تعالى ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ (^٢)، أنها أيام بني أمية، روى الترمذي وغيره أن رجلًا قام إلى الحسن بن علي بعد تنازله لمعاوية فقال له: يا مُسوِّد وجوه المؤمنين! فقال لا تؤنبني أى لا توبخنى رحمك الله فإن النبي - ﷺ - أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ (^٣) وأنزلت ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (^٤) تملكها بعدك بنو أمية قال القاسم راوي الحديث: فعددناها فإذا
_________________
(١) كنز الدرر (٢/ ٢٤ - ٢٥).
(٢) سورة القدر، الآية: ٢.
(٣) سورة الكوثر، الآية: ١.
(٤) سورة القدر، الآية: ١ - ٣.
[ ١ / ٤٧٤ ]
هي ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص يومًا (^١) انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (^٢).
وفي حديث سفينة - ﵁ - عن النبي - ﵁ - قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا وقد صححه الإمام أحمد بن حنبل واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة وفي رواية أخرى ثم تكون ملكًا أو قال ملوكًا ثم يقول سفينة: أمسك أبو بكر سنتين وخلافة عمر عشرةً وعثمان اثنتي عشر وعلي ستة".
وفي رواية أخرى عن سفينة: "فكان خلافة الحسن تمام ثلاثين سنة وثلاثة عشر يومًا من أول خلافة أبي بكر" (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذى (٣٣٥٠). وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل وقد قيل عن القاسم بن الفضل، عن يوسف بن مازن، والقاسم بن الفضل الحداني هو ثقة؛ وثقه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، ويوسف بن سعد رجل مجهول ولا نعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذى (٦٣٦).
(٢) كنز الدرر (٤/ ٤٤٦).
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٢٠ (٢١٩١٩) و(٢١٩٢٣) و٥/ ٢٢١ (٢١٩٢٨)، وأبو داود (٤٦٤٦) و(٤٦٤٧)، والترمذى (٢٢٢٦)، وابن عاصم في السنة (١١٨١)، وابن حبان (٦٩٤٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جمهان وقال ابن أبي عاصم: وحديث سفينة ثابت من جهة النقل، وقال ابن عبد البر: قال أحمد بن حنبل: حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه أذهب في الخلفاء. قال أبو زرعة الدمشقي: سألت أحمد بن حنبل عن حديث سفينة: الخلافة بعدي ثلاثون سنةً. يثبت؟ قال: نعم، قد رواه بهز، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة. وحسبت أنه قال: ورفع من ذكر بهز. تاريخه (١١٥٨). وقال الخلال في السنة (ص ٤١٩): أخبرنا أبو بكر المروذي قال: ذكرت لأبي عبد الله =
[ ١ / ٤٧٥ ]
تنبيه: واختلف في اسم سفينة فقيل رومان وقيل مهران وقيل طهمان وقيل عمير وهو مولى رسول الله - ﷺ - وكان عبدًا لأم سلمة فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم النبي - ﷺ - ما عاش فأعتقته بالشرط المذكور سمي سفينة لأنه كان مع النبي - ﷺ - في السفر فكلما أُعيِيَ إنسان ألقى عليه سيفه وترسه فحمل شيئًا كثيرًا فقال له النبي - ﷺ -: "أنت سفينة" (^١).
تتمة: ذكر أبو منصور الثعالبي في كتابه لطائف المعارف (^٢): أن مروان بن محمد كان يقول نجد في المدخر في علومنا أن عين بن عين بن عين يقتل ميم بن ميم بن ميم، وأظن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فأنا مروان بن محمد بن مروان فبلغ ذلك عبد الله بن علي فقال غلط أبو عبد الملك: أنا أكثر عينات منه لأني عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباسر بن عبد المطلب بن عمرو بن عبد مناف، وكان هو الذي قتله، وذلك أن العساكر تجهزت من خراسان وغيرها من قبل السفاح لحرب مروان ومقدمها عبد الله بن علي بن عبد الله عم السفاح فتقدم مروان إلى الزاب وكانت الواقعة على كاف، فانكسر مروان وهرب إلى الشام فتبعه عبد الله بالجيوش إلى فلسطين فهرب مروان إلى مصر فتبعه عبد الله بن علي وجرّد خلفه عامر بن إسماعيل فلحقه بقرية من قرى
_________________
(١) = حديث سفينة فصححه. وقال: قلت: إنّهم يطعنون في سعيد بن جمهان، فقال: سعيد بن جمهان ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة ٤٦٠، ١٥٣٤، ١٥٣٥.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦ الترجمة ٢١٧).
(٣) لطائف المعارف (ص ٥٨ - ٥٩)، وكنز الدرر (٤/ ٤٤٤).
[ ١ / ٤٧٦ ]
مصر تسمى بوصير غربي النيل بصعيد مصر فقتله هناك وكانت قتلته ليلة الأربعاء وقيل ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهو الصحيح ثم تفرق بنو أمية في البلاد وقتل أكثرهم ولحق بعضهم بالمغرب فكانت مدة ولايته إلى أن بويع السفاح خمس سنين وشهرًا إلى أن قُتل خمس سنين وعشرة أشهر وكان عمره يوم قتل خمسة وخمسين سنة وقيل ستًا وخمسين، انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (^١).
قوله - ﷺ -: "الراشدين" الراشد اسم فاعل والراشد الذي أتى بالرشد واتصف به والرشد خلاف الغي فالراشد ضد الغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه وهم يريدون بالراشدين الخلفاء الأربعة الذين تقدم ذكرهم وليس المراد أنه لا يكون من غير هؤلاء الأربعة، الذين تقدم ذكرهم، وليس المراد أن لا يكون الخليفة غير الأربعة، بل يكون الخليفة موجودًا واحدًا بعد واحد إلى قرب القيامة، وأيضًا أراد - ﷺ - بهذا تفضيل هذه الأربعة على غيرهم وحسن قيامهم على الدين ومنه قوله - ﷺ -: "اقتدوا بالذي من بعدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي" (^٢).
وقوله "المهديين" يعني: أن الله يهديهم إلى الحق ولا يضلهم عنه والمهدي من هداه الله ﷿ إلى الحق وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة وبه سمي المهدي الذي بشر به النبي - ﷺ - أنه يجيء في آخر
_________________
(١) كنز الدرر (٤/ ٤٤٥).
(٢) المفاتيح (١/ ٢٧٢)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨٠ - ٧٨١).
[ ١ / ٤٧٧ ]
الزمان والمهدي يظهر بالمغرب والمشهور ظهوره بمكة أو المدينة أو العراق والله أعلم، فالأقسام ثلاثة راشد وغاو وضال فالراشد من عرف الحق واتبعه، والغاوي من عرف الحق ولم يتبعه والضال لم يعرفه بالكلية (^١) ومنه الحديث "وإرشاد الضال" أي هدايته الطريق وتعريفه قاله في النهاية (^٢)، فكل راشدٍ مهتدٍ وكل مهتد هداية تامة فهو راشد لأن الهداية إنما تتم بعد معرفة الحق والعمل به، أيضًا (^٣).
قوله - ﷺ -: "عضوا عليها بالنواجذ" أي اجتهدوا على السنة والزموها واحرصوا عليها كَمَا يَلْزَمُ الْعَاضُّ عَلَى الشَّيءِ بِنَوَاجِذ خَوْفًا مِنْ ذهابه وتفلُّته. (^٤).
وقال الخطابي (^٥): وقد يكون معناه الأمر بالصبر على ما يصيب الإنسان من وجع المصيبة عند مشاهدة العدول عن أمر الله تعالى واتباع سنة رسول الله - ﷺ - كما يفعله المتألم بما يصيبه من الوجع واعلم أن إتباع سنة رسول الله - ﷺ - جالبٌ لمحبة الله تعالى لقوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^٦)، وبالسمع والطاعة تحصل السلامة من الفتن والتحرز عن
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨١).
(٢) النهاية (٢/ ٢٢٥)
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨١).
(٤) مختصر السنن (٧/ ١٢).
(٥) مختصر السنن (٧/ ١٢).
(٦) سورة آل عمران، الآية: ٣١.
[ ١ / ٤٧٨ ]
الآفات وبتقوى الله تحصل النجاة في الدارين من المهلكات فاشتمل ما أوصاهم به على بيان أهم المهمات انتهى. قاله في الديباجة.
والنواجذ: بالنون والجيم والذال المعجمة هي الأنياب وقيل الأضراس، انتهى. قاله المنذري.
وقال بعض العلماء هذا مثلٌ في شدة الاستمساك بأمر الدين لأن العض بالنواجذ عض بجميع الفم والأسنان وهي أواخر الأسنان وقيل التي بعد الأنياب وهي أربعة أضراس في أقصى الناب وهو السن الذي بين الناب والضرس نبت بعد أن شيب الإنسان وتسمى أضراس العقل والحلم، قيل: هي الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك وفي الحديث "أن النبي - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه" (^١)، والمراد بها هاهنا الضواحك لأنه - ﷺ - كان معظم ضحكه تبسمًا (^٢) (^٣).
تنبيه: جملة الأسنان اثنتان وثلاثون سنة فالثنايا أربع اثنتان من فوق واثنتان من أسفل فإذن الثنايا هي أوائل ما يبدو للناظر في مُقدم الفم ثم الرباعيات على جانب ثم الرباعيات على جانب الرباعيات اثنتان من جانب
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨١١) و(٧٤١٤ و٧٤١٥) و(٧٥١٣)، ومسلم (٢٠ و٢١ - ٢٧٨٦) عن ابن مسعود.
(٢) أخرجه الترمذى (٣٦٤٢) عن عبد الله بن الحارث بن جزء. وقال الترمذى: هذا حديث صحيح غريب. وصححه الألباني في المشكاة (٥٧٩٦).
(٣) انظر النهاية (٥/ ٢٠)، والميسر (١/ ٨٩)، والمفاتيح (١/ ٢٧٣)، والمعين في شرح الأربعين (ص ٣٣٥)، ونخب الأفكار (٢/ ١٥١) و(٥/ ٣٠٨) والفتح المبين (١/ ٤٧٥).
[ ١ / ٤٧٩ ]
واثنتان من جانب واحدة من فوق واحدة من تحت فم الأضراس وهي عشرون ضرسًا من كل جانب عشر ومنها الضواحك وهي أربعة من الجانبين ثم الطواحن وهم اثنا عشر طاحنًا من الجانبين ثم النواجذ وهي الأواخر من كل جانب اثنتان، واحدة من أعلى الفم وأخرى من أسفله ويقال له ضرس الحلم وضرس العقل وقيل النواجذ الأضراس كلها والله أعلم، قاله في شرح المصابيح (^١).
قوله - ﷺ -: "وإياكم ومحدثات الأمور" أي اتقوها واحذروا الأخذ بها "فإنها بدعة" والمراد ما أحدث من الأمور غير راجع إلى أصل أو دليل شرعي وإلا فسنة الخلفاء الراشدين من محدثات الأمور وقد أُمِرنَا باتباعها وسواها بسنته في وجوب الاقتداء بها وما ذاك إلا لرجوعها إلى أصل شرعي واعتمادها على دليل مرعي فإذن قوله: "إياكم ومحدثات الأمور" عالم مراد به الخاص وبذلك قوله: "بسنة الخلفاء الراشدين" عام مراد به الخاص إذ لو فرض خليفة راشد في عامة أموره سن سنة لا يعضدها دليل شرعي لما جاز اتباعها فيجب تحذير الأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة (^٢).
قوله: "فإن كل بدعة ضلالة" أي كل بدعة لا يساعدها دليل الشرع ضلالة، لأن من فيها جاء به الشرع فيما لا يرجع إليه بوجه يكون ضلالة إذ ليس بعد
_________________
(١) انظر المخصص (١/ ١٢٧)، والعزيز شرح الوجيز (١٠/ ٣٧٥)، وروضة الطالبين (٩/ ٢٨١)، ومرقاة المفاتيح (١/ ٢٥٣).
(٢) التعيين (ص ٢١٦ - ٢١٧).
[ ١ / ٤٨٠ ]
الحق إلا الضلال، وفي بعض روايات هذا الحديث: "فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" (^١) انتهى.
فقوله - ﷺ -: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" فالمراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة وملخص ذلك أن البدعة بدعتان، بدعة هدى وبدعة ضلالة، فما كان على خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله فهو في حيز المدح ومن هذا قول عمر - ﵁ - عن التراويح: (نعمت البدعة هذه)، لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة لأن النبي - ﷺ - لم يسنها وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها ولا كانت زمن أبي بكر وإنما جمع الناس عليها عمر وندبهم إليها فيها فبهذا إنما هي بدعة وهي على الحقيقة سنة لقوله - ﷺ -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقوله: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي" وعلى هذا يحمل قوله - ﷺ -: "كل محدثة بدعة" إنما يريد ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة وأكثر ما تستعمل البدع عرفًا في الذم (^٢) والله أعلم، قاله في الديباجة. انتهى.
٦٢ - وَعَن أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ قَالَ خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ أَلَيْسَ تَشْهَدُون أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَأنِّي رَسُول الله قَالُوا بلَى قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد
_________________
(١) التعيين (ص ٢١٨).
(٢) انظر تفسير غريب ما في الصحيحين (١/ ٣٠٢)، والنهاية (١/ ١٠٦ - ١٠٧).
[ ١ / ٤٨١ ]
الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فَتمسكُوا بهِ فَإِنَّكُم لن تضلوا وَلنْ تهلكوا بعده أبدا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد جيدَ (^١).
قوله: عن أبي شريح الخزاعي، أبو شريح بضم السين المعجمة وفتح الراء وبالحاء المهملة اسمه خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي الكعبي وقيل اسمه: عبد الرحمن بن عمرو وقيل: هانئ بن عمرو وقيل: كعب بن عمر وقيل: عمرو بن خويلد والمشهور خويلد بن عمرو وله صحبة، أسلم قبل فتح مكة وكان يحمل أحد ألوية بني كعب الثلاثة يوم الفتح وكان من عقلاء الرجال، رُوي له عن رسول الله - ﷺ - عشرون حديثا ذكر البخاري منها ثمان
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ١٢٥ (٣٠٠٠٦) وعنه عبد بن حميد (٤٨٣) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٣٠٢)، والمروزى في مختصر قيام الليل (ص ١٧٨)، والبغوى في معجم الصحابة (٢٠١٨)، وابن حبان في صحيحه (١٢٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٨٨ رقم ٤٩١)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩ رقم ١٧٩٢) و(٣/ ٣٩١ - ٣٩٢ رقم ١٨٥٨)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٩٥ - ١٩٦). قال ابن أبي حاتم في العلل (١٦٥٣): وسمعت أبي، وسئل عن حديث أبي خالد الأحمر، عن عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي شريح، عن النبي - ﷺ -: إن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وسبب طرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا. ورواه الليث، عن سعيد المقبري، عن نافع بن جبير. ورواه أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن مسلم بن أبي حرة، عن نافع بن جبير، قال النبي - ﷺ - مرسلا. قال أبي: هذا أشبه، قد أفسد الحديثين. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٦٩: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٧١٣) وصحيح الترغيب (٣٨).
[ ١ / ٤٨٢ ]
وستين، مات بالمدينة سنة ثمان وستين والله أعلم (^١).
قوله - ﷺ -: "إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به" الحديث وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إني تارك فيكم ثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض طرفه في يد الله ﷿ وطرفه الآخر في أيديكم فاستمسكوا به ألا وعترتي" (^٢) وعن أبي هريرة قال النبي - ﷺ -: "إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي ما أخذتم بهما وعملتم بما فيهما، كتاب الله وسنتي" (^٣) خرجهما الوائلي في الإبانة من طرق، قاله القرطبي في كتاب التذكار (^٤) فأوجب علينا التمسك بكتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه وسنة نبيه - ﷺ - والرجوع إليهما عند الاختلاف.
٦٣ - وَرُوِيَ عَن جُبَير بن مطعم قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي - ﷺ - بِالْجُحْفَةِ فَقَالَ أَلَيْسَ تَشْهَدُون أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لا شريك لَهُ وَأَنِّي رَسُول الله وَأَن الْقُرْآن جَاءَ
_________________
(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٤٣ الترجمة ٨٠٤)، والإصابة (٤/ ١٠١، ١٠٢)، والاستيعاب (٤/ ١٠١ - ١٠٣)، وأسد الغابة (٥/ ٢٢٥، ٢٢٦).
(٢) أخرجه أحمد ٣/ ١٤ (١١١٥٤) و٣/ ١٧ (١١١٣١) و٣/ ٢٦ (١١٢١١) و٣/ ٥٩ (١١٥٦١)، والترمذى (٣٧٨٨). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٦١).
(٣) أخرجه البزار (٨٩٩٣)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٥٠)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٦٣٢)، والدارقطنى (٤٦٠٦)، والحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٩٥ رقم ٢٠٣٣٧). وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٦١)، والمشكاة (١٨٦).
(٤) التذكار (ص ٧٤ - ٧٥).
[ ١ / ٤٨٣ ]
من عِنْد الله قُلْنَا بلَى قَالَ فأبشروا فَإِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فَتمسكُوا بِهِ فَإِنَّكُم لن تهلكوا وَلنْ تضلوا بعده أبدا رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالصَّغِير (^١).
قوله: عن جبير بن مطعم، كنيته: أبو محمد ويقال: أبو عدي هو جبير بن مطعم بكسر العين بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني، أسلم عام خيبر، وقيل: أسلم يوم فتح مكة روي له رسول - ﷺ - ستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث، روى عنه سليمان بن صرد الصحابي وابناه محمد ونافع بن جبير وسعيد بن المسيب وآخرون، قال الزبير بن بكار: كان من حكماء قريش وسادتهم توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين وقال ابن سنة تسع وخمسين، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٩/ ٥٤)، والبزار (٣٤٢١)، والطبراني في الصغير (٢/ ٢٠٩ رقم ١٠٤٤) والكبير (٢/ ١٢٦ رقم ١٥٣٩) وعنه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٢٩)، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جبير بن مطعم إلا من هذا الوجه، وقد روي عن غير جبير نحو من هذا الكلام، ولا نعلم رواه عن الزهري إلا أبو عبادة الأنصاري. قال البيهقي: ورواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري، عن نافع بن جبير، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. قال البخاري: وهذا أصح. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٦٩: رواه البزار والطبراني في الكبير والصغير، وفيه أبو عبادة الزرقي، وهو متروك الحديث. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٩).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٦ - ١٤٧ الترجمة ١٠٣).
[ ١ / ٤٨٤ ]
قوله - ﵁ -: بايع النبي - ﷺ - بالجحفة، فقال: "أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله"، الجحفة: بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء قرية على ستة أميال من البحر وثمان مراحل من المدينة وقيل سبع مراحل ونحو ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة وسميت بذلك لأن السيل اجتحفها في وقت وحمل أهلها وهي مهيعة بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح المثناة تحت كما ذكر مسلم في رواية وحكى القاضي كسر الهاء والصحيح الأول وهي الآن خربة لا يصل إليها أحد لوخمها وإنما يحرم الناس من رابغ وهي على محاذيها وهي ميقات أهل مصر والشام وذكر بعضهم أن مهيعة قريب من الجحفة والمعتمد ما قدمنا أنها هي الجحفة نفسها وأما في ذلك الوقت فكانت مسكن اليهود (^١).
قوله - ﷺ -: "فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا أو لن يضلوا بعده أبدًا"، تضلوا: هو بكسر الضاد، قاله الجوهري الضلالة: هي من ضد الرشاد (^٢).
٦٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أكل طيبا وَعمل فِي سنة وَأمن النَّاس بوائقه دخل الْجنَّة قَالُوا يَا رَسُول الله إِن هَذَا فِي أمتك الْيَوْم كثير قَالَ وسيكون فِي قوم بعدِي رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت
_________________
(١) انظر إكمال المعلم (٤/ ١٦٩ - ١٧٠)، ومطالع الأنوار (٢/ ١٩٤) و(٤/ ٨٢)، وشرح النووي على مسلم (٨/ ٨١).
(٢) الصحاح (٥/ ١٧٤٨).
[ ١ / ٤٨٥ ]
وَغَيره وَالْحَاكم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).
قوله: عن أبي سعيد الخدري. أبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بالباء الموحدة والجيم، الأنصاري الخزرجي الخدري واسم امه أنيسة بنت أبي حارث، استُصِغَرَ أبوسعيد يوم أحد فرد وغزا بعد ذلك مع رسول الله - ﷺ - اثنتي عشرة غزوة وكان أبوه صحابيًا استشهد يوم أحد، روي له عن رسول الله - ﷺ - ألف حديث ومائة حديث وسبعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ست وأربعين وانفرد البخاري بست عشر ومسلم باثنين وخمسين حديثًا، توفي - ﵁ - بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين وقيل سنة أربع وسبعين ودفن بالبقيع ومناقبه كثيرة مشهورة
_________________
(١) أخرجه هناد في الزهد (٢/ ٥٤٨)، والفسوي في مشيخته (١١٧)، والترمذي في العلل (٦١٩) والسنن (٢٥٢٠)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٦)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٥ - ٢٦ رقم ٣٥٢٠)، والحاكم (٤/ ١٠٤)، والبيهقي في الشعب (٧/ ١٠٥ رقم ٥٣٦٨)، والهروى في ذم الكلام (١٤٨٨)، وابن الجوزى في العلل (١٢٥٢) من طريق الإمام أحمد. قال أحمد: ما سمعت بأنكر من هذا الحديث لا أعرف هلال بن مقلاص ولا أبا بشر وأنكر الحديث إنكارا شديدا. قال الترمذى: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا أعرف أبا بشر هذا، ولا أدري ما هذا الحديث وعرف هذا الحديث من هذا الوجه وضعفه. وقال في السنن: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث إسرائيل. وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي وائل، عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إسرائيل. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٨٥٥)، المشكاة (١٧٨)، وضعيف الترغيب (٢٩) و(١٠٦٨).
[ ١ / ٤٨٦ ]
والله أعلم (^١).
قوله - ﷺ -: "من أكل طيبًا وعمل في سُنَّةٍ وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ دَخَلَ الْجَنَّة" الحديث المرادَ بالطيب الحلال والسنة سيرة النبي - ﷺ - وطريقته في الدين وتطلق السنة أيضًا على الأحاديث المروية عن النبي - ﷺ - وعلى المندوب والتطوع والنفل والمرغب فيه والمستحب وكلما كان فعله راجحًا على تركه ولا إثم في تركه وقال سن رسول الله - ﷺ - كذا أي جعله شرعًا عامًا (^٢) انتهى قاله في الديباجة.
قوله: "وأمن الناس بوائقه" والبوائق: قال الهروي الدواهي وهي الشر وغائلته (^٣).
٦٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من تمسك بِسنتي عِنْد فَسَاد أمتِي فَلهُ أجر مائَة شَهِيد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الْحسن بن قُتَيْبَة وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فَلهُ أجر شَهِيد (^٤).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٣٧ الترجمة ٧٩٥).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٥٦).
(٣) غريب الحديث (١/ ٣٤٨).
(٤) أخرجه ابن عدى في الكامل (٣/ ١٧٤)، وابن بشران (٥٠١) و(٧٠٠)، والبيهقي في الزهد (٢٠٧). قال ابن عدى: وللحسن بن قتيبة هذا أحاديث غرائب حسان، وأرجو أنه لا بأس به. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٣٢٦) وضعيف الترغيب (٣٠). وأخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣١٥ رقم ٥٤١٤) وعنه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٠٠)، والبغوى في الأنوار (١٢٣٧) وعند أجر مائة شهيد. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن =
[ ١ / ٤٨٧ ]
٦٦ - وَعنهُ أَيْضا أَن رَسُول الله - ﷺ - خطب النَّاس فِي حجَّة الْوَدَاع فَقَالَ إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد بأرضكم وَلَكِن رَضِي أَن يطاع فِيمَا سوى ذَلِك مِمَّا تحاقرون من أَعمالكُم فاحذروا إِنِّي قد تركت فِيكُم مَا إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تضلوا أبدا كتاب الله وَسنة نبيه الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).
احْتج البُخَارِيّ بِعِكْرِمَةَ وَاحْتج مُسلم بِأبي أويس وَله أصل فِي الصَّحِيح.
قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: "من تمسك بسنتي بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد" تقدم الكلام على السنة في الحديث قبله وسيأتي الكلام على الشهيد في بابه مبسوطًا والله أعلم وتقدم الكلام في ابن عباس ومناقبه.
وقوله: في حديث ابن عباس الذي بعده "إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنة نبيه" الحديث، العصمة: المنعة، العاصم المانع الحامي.
والاعتصام: الإمتساك بالشيء، افتعال منه، ومنه شعر أبي طالب:
وأبْيضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ ثِمالَ اليَتامى عِصْمَةٌ للأرامِلِ
_________________
(١) = عطاء إلا عبد العزيز بن أبي رواد، وتفرد به: ابنه عبد المجيد. وقال أبو نعيم: غريب من حديث عبد العزيز عن عطاء. وضعفه الألباني في المشكاة (١٧٦) والضعيفة (٣٢٧) وضعيف الترغيب (٣١).
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في الاعتقاد (ص ٢٢٨) والدلائل (٥/ ٤٤٩) والكبرى (١٠/ ١٩٤ - ١٩٥ رقم ٢٠٣٣٦)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٤٢٥ رقم ٨٠٨). وصححه الحكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٠).
[ ١ / ٤٨٨ ]
أي: يمنعهم من الضياع والحاجة، ومنه الحديث: "فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم" وحديث الإفك فعصمها الله بالورع (^١).
فالاعتصام تمثيل لوثوق المعتصِم بحماية المعتصَم به.
وفي حديث ابن مسعود عن النبي - ﷺ -: "إن هذا القرآن هو حبل الله " الحديث، قيل: المراد بحبل الله عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه ورحمته، وقيل: هو نوره الذي يهتدى به، فالحبل يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة، وعلى السبب، وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبال عند شدائد أمورهم ويصلون بها المفرق فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور (^٢)، وتقدم الكلام عليه.
٦٧ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ الاقتصاد فِي السّنة أحسن من الاجْتِهَاد فِي الْبِدْعَة رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفا وَقَالَ إِسْنَاده صَحِيح على شَرطهمَا (^٣).
قوله: الاقتصاد في السنة أحسن من الاجتهاد في البدعة، الاقتصاد الاعتدال والتوسط في المعيشة وغيرها، وفي الحديث: "ما عال من اقتصد" أي: ما افتقر
_________________
(١) النهاية (٣/ ٢٤٩).
(٢) انظر إكمال المعلم (٥/ ٥٦٨ و٧/ ٤٢٠)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ١٢ و١٥/ ١٨١).
(٣) أخرجه أحمد في الزهد (٨٧٦)، والمروزى في السنة (ص ٣٠)، وابن بطة في الاعتصام (١٦١) و(١٧٨) و(٢٠١) و(٢٤٦)، والحاكم (١/ ١٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢٨ رقم ٤٧٤٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤١).
[ ١ / ٤٨٩ ]
من اعتدل في معيشته، قاله الأصبهاني شارح الأربعين حديثا الودعانية (^١)؛ وقوله: أحسن من الاجتهاد في البدعة سيأتي الكلام على البدع وتنوعها قريبًا إن شاء الله.
قوله: رواه الحاكم موقوفًا تقدم الكلام على الحاكم وعلى الحديث الموقوف.
٦٨ - وَعَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ [عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ] (^٢)، قَالَ خرج علينا رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ مرعوب فَقَالَ وأطيعوني مَا كنت بَين أظْهركُم وَعَلَيْكُم بِكِتَاب الله أحلُّوا حَلَاله وحرموا حرَامه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرُوَاته ثِقَات (^٣).
قوله: عن أبي أيوب الأنصاري، اسمه: خالد بن زيد بن كليب الخزرجي الأنصاري الصحابي الجليل المدني ثم الشامي، وأمه: هند بنت سعد بن
_________________
(١) شرح الأربعين الودعانية (ص ٣٢٢/ ح ١٢).
(٢) سقط من الأصل.
(٣) أخرجه أحمد في العلل (١/ ٢٥٦)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٨ رقم ٦٥)، وتمام في الفوائد (٧٤٨ و٧٤٩). وقال الدارقطنى في أطراف الغرائب والأفراد (٤/ ٢٤٤): قال غريب وحديث أربعة من الصحابة وبعضهم عن بعض نعيم والمقدام وأبو أيوب وعوف، تفرد به سليمان بن عبد الرحمن عن معاوية بن صالح الأودي عن محمد بن جبير عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن نعيم. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٠: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٧٢) وصحيح الترغيب (٤٢).
[ ١ / ٤٩٠ ]
امرئ القيس، شهد بدرًا والعقبة والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - ونزل - ﷺ - في داره حين قدم المدينة مهاجرًا فأقام عنده شهرًا حتى بنيت مساكنه ومسجده فانتقل إليها، وكان أبو أيوب قد سأل رسول الله - ﷺ - أن يكون هو في العلو وأبو أيوب في أسفل الدار فأجابه رسول الله - ﷺ - إلى ذلك، وقدم على ابن عباس البصرة، قال: إني أخرج من مسكني كما خرجت لرسول الله - ﷺ - عن مسكنك فأعطاه ما أغلق عليه الدار وعشرين ألفًا وأربعين عبدًا، وهو ممن غلبت عليه كنيته، روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة وخمسون حديثًا، أخرج البخاري منها ثمانية، وكان مع علي في حروبه، مات بالقسطنطينية سنة إحدى وخمسين، وذلك مع يزيد بن معاوية، خرج معه فمرض، فلما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملوني فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم ففعلوا، فقبره قريب من سورها معروف إلى اليوم معظم يستسقون به فيسقون، وعلى قبره قبة عظيمة ويزار ويتبرك به إلى يومنا هذا، وهذا من أعجب (^١) الأشياء وأغربها، وهو أن مسلما يقاتل الإفرنج فيقتل منهم ما شاء الله أن يقتل من أكابرهم ثم إنه لما قتل عندهم ودفن يفعلون بقبره ما ذكرناه، وهذا من بعض كرامات أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقيل: لما بنى رسول الله - ﷺ - بصفية بنت حيي، وذلك بعد فتح خيبر في بعض الطريق فبات بها رسول الله - ﷺ - في قبة وبات أبو أيوب متوشحًا بسيفه يحرس رسول الله - ﷺ - ويطوف بالقبة حتى أصبح رسول الله - ﷺ -، فلما رأى مكانه قال: "ما لك
_________________
(١) مجمع الأحباب (لوحة ٢٠١ و٢٠٢).
[ ١ / ٤٩١ ]
يا أبا أيوب؟ " قال: يا رسول الله لقد خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قَتَلْتَ أباها وزوجها وقومَها، وكانت حديثه عهد بكفر فخفت عليك منها، فقال رسول الله - ﷺ -: "اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني" (^١)، قاله في مختصر الأحباب، وآخي رسول الله بينه وبين مصعب بن عمير (^٢) ومناقبه كثيرة مشهورة.
قوله - ﷺ -: "وعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه"، أي الزموا العمل بالقرآن (أحلوا حلاله وحرموا حرامه) يعني ما أحله افعلوه وما حرمه لا تقربوه ومحصوله ما دمت بينكم حيا فعليكم اتباع ما أقول وأفعل فإن الكتاب علي نزل وأنا أعلم الخلق به وأما بعدي فالزموا القرآن فما أذن في فعله افعلوه وما نهى عنه فانتهوا.
٦٩ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن شَافِع مُشَفع من اتبعهُ قَادَهُ إِلَى الْجنَّة وَمن تَركه أَو أعرض عَنهُ أَو كلمة نَحْوهَا زج فِي قَفاهُ إِلَى النَّار رَوَاهُ الْبَزَّار هَكَذَا مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود وَرَوَاهُ مَرْفُوعا من حَدِيت جَابر وَإسْنَاد الْمَرْفُوع جيد (^٣).
_________________
(١) انظر حلية الأولياء (١/ ٣٦١ - ٣٦٣)، والاستيعاب (٢/ ٤٢٦)، وسيرة ابن هشام (٢/ ٤٢٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٧ الترجمة ٧٢٢).
(٢) انظر أسد الغابة (١/ ٥٧٢).
(٣) أما حديث ابن مسعود: أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣١ (٣٠٠٥٤)، وأحمد في الزهد (٨٤٧)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٩٣) و(٩٦) و(١٠٧)، والبزار (١٢١/كشف الأستار)، وعبد الرحمن بن أحمد الرازي في فضائل القرآن (١٢٤)، والفريابي في فضائل =
[ ١ / ٤٩٢ ]
قوله: عن عبد الله بن مسعود، وروي له عن رسول الله - ﷺ - ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثا (^١)، وتقدم الكلام على مناقبه.
قوله - ﷺ: "إن هذا القرآن شافع مشفع" فذكر إلى أن قال: "ومن تركه أو أعرض عنه" يعني: القرآن "زخ في قفاه إلى النار" الحديث، زخه بالزاي والخاء المعجمة: دفعه في وهدة، وفي حديث أبي موسى: "من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة ومن يتتبع القرآن يزخ في قفاه ويقذف به في نار جهنم" (^٢)، والزج بالزاي والجيم الحديدة التي في أسفل الرمح، يقال:
_________________
(١) = القرآن (٢٣)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٣٢ رقم ٨٦٥٥) وأخرجه الطبراني (١٠/ ١٩٨ رقم ١٠٤٥٠) وابن عدى في الكامل (٤/ ٣٠)، وابن أبي شريح في المائة الشريحية (٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٨) عن ابن مسعود مرفوعًا. وقال الدارقطنى في العلل (٧٤٨): والصحيح، عن ابن مسعود، موقوف. قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧١: رواه البزار هكذا موقوفا على ابن مسعود. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٢). وأما حديث جابر: أخرجه البزار (١٢٢/ كشف الأستار)، وابن حبان (١٧٩٣)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠ رقم ١٨٥٥) عن جابر. قال البزار: لا نعلم أحدا يرويه عن جابر إلا من هذا الوجه. قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧١: ورجال حديث جابر المرفوع ثقات، ورجال أثر ابن مسعود فيه المعلى الكندي، وقد وثقه ابن حبان. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠١٩) وصحيح الترغيب (١٤٢٣).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٨).
(٣) أخرجه أبو عبيد في الفضائل (ص ٢٥ رقم ٥٤، ٥٥)، وفي غريب الحديث (٤/ ١٧٢ - ١٧٣)، وسعيد بن منصور في التفسير (٨)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٢٦ (٣٠٠١٤) و٧/ ١٤٢ (٣٤٨٢١)، والدارمى (٣٣٧١)، والفريابي في الفضائل (ص ١٢٨ - ١٢٩ رقم =
[ ١ / ٤٩٣ ]
أزججت الرجل أزجه زجا إذا طعنته بالزج وهي الحديدة التي في أسفل الرمح، والزج أيضًا: طرف المرفق، والزج بضم الزاي، قاله الجوهري في صحاحه (^١).
قوله: رواه البزار هكذا موقوفًا على ابن مسعود، تقدم الكلام على الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين.
٧٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ خطب رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ إِن اللّه قد أعْطى كل ذِي حق حَقه إِلَا أَن اللّه قد فرض فَرَائض وَسن سننا وحد حدودا وَأحل حَلالا وَحرم حَرَامًا وَشرع الدّين فَجعله سهلا سَمحا وَاسِعًا وَلم يَجعله ضيقا أَلا إِنَّه لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلا دين لمن لَا عهد لَهُ وَمن نكث ذمَّة الله طلبه وَمن نكث ذِمَّتِي خاصمته وَمن خاصمته فلجت عَلَيْهِ وَمن نكث ذمَّتِي لم ينل شَفَاعَتِي وَلم يرد على الْحَوْض الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير. (^٢)
_________________
(١) = (٢٢)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٦٧)، الآجري في أخلاق أهل القرآن (ص ٤٠ رقم (٣)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٧) والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٩٦ رقم ١٨٦٦).
(٢) الصحاح (١/ ٣١٨ - ٣١٩) و(١/ ٤٢٢).
(٣) أخرجه مسدد كما في إتحاف الخيرة ١/ ١٣٨ رقم ١٢٧/ ٢) والمطالب (٢٩١٣/ ١)، وأبو يعلى (٢٤٥٨)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢١٣ رقم ١١٥٣٢). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وهو متروك الحديث. قال البوصيرى: هذا إسناد مداره على حسين بن قيس الرحبي المعروف بحنش، وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والبخاري والساجي والعقيلي والدارقطني وابن عدي وابن عبد البر وغيرهم. رواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (٣٣).
[ ١ / ٤٩٤ ]
قَوْله: فلجت عَلَيْهِ بِالْجِيم أَي ظَهرت عَلَيْهِ بِالْحجَّةِ والبرهان وظفرت بِهِ.
قوله: عن ابن عباس، تقدم.
قوله - ﷺ -: "وشرع الدين فجعله سهلا سمحا واسعا ولم ضيقًا" الحديث، قد تكرر في الحديث ذكر الشرع والشريعة وهو: ما شرع اللّه تعالى لعباده من الدين أي سنه لهم وافترضه عليهم، يقال: شرع لهم يشرع شرعا فهو شارع، وقد شرع الدين شرعا إذا أظهره وبينه والشارع الطريق الأعظم والشريعة مورد الإبل على الماء الجاري (^١). انتهى.
قوله - ﷺ -: "ومن نكث ذمة الله طلبه، ومن نكث ذمتي خاصمته، ومن خاصمته، فلجت عليه" الحديث، والمراد بقوله: "ومن "نكث ذمة اللّه" النكث: نقض العهد، يقال: نكث الحبل والعهد فانتكث أي نقضه فانتقض (^٢)، والله أعلم، والمراد بذمة الله تعالى أي ضمان الله وعهده وأهل الذمة أهل العهد وهو ما أعطوا من الأمان على دمائهم وقيل للمعاهد ذمي من ذلك (^٣).
وقوله: "ومن خماصمته" المخاصمة المحاججة والمجادلة. وقوله: "فلجت عليه" بالجيم أي ظهرت عليه بالحجة والبرهان، وظفرت به، والبرهان هو الحجة القاطعة (^٤).
_________________
(١) النهاية (٢/ ٤٦٠).
(٢) النهاية (٥/ ١١٤).
(٣) تفسير غريب ما في الصحيحين (ص ١٠١)، ومطالع الأنوار (٣/ ٧٨).
(٤) التعيين (ص ٨)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٦٤٦).
[ ١ / ٤٩٥ ]
٧١ - وَعَن عَابس بن ربيعَة قَالَ رَأَيْت عمر بن الْخطاب - ﵁ - يقبل الْحجر يَعْني الأسود وَيَقُول إِنِّي لأعْلم أَنَّك حجر لَا تَنْفَع وَلَا تضر وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - يقبلك مَا قبلتك. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتّرمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).
قوله: وعن عابس بن ربيعة، وعابس بفتح العين المهملة وبعد الألف باء موحدة مكسورة وسين مهملة، ابن ربيعة النخعي، روى عن عمر وعلي وحذيفة وعائشة، قال أبو داود: جاهلي، سمع من عمر - ﵁ - (^٢).
قوله: رأيت عمر بن الخطاب يقبل الحجر الأسود، تقدم الكلام على مناقب عمر - ﵁ -، وهذا الحديث أصل عظيم في الإتباع واقتفاء الآثار النبوية وترك ما كانت الجاهلية عليه من تعظيم الأصنام والأحجار. والإعلام بأن النفع والضر بيد الله ﷿ وأن الأحجار لا تنفع من حيث هي بل لما أودع فيها (^٣)، ففي هذا الحديث متابعة السنن وإن لم نعقل معناها (^٤)؛ قال الطبري (^٥): إنما قال ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، والله أعلم، لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر - ﵁ - أن يظن الجهال أن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله، فأراد عمر - ﵁ - أن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٩٧) و(١٦٠٥) و(١٦١٠)، ومسلم (٢٤٨ و٢٤٩ و٢٥٠ و٢٥١ - ١٢٧٠) و(٢٥٢ - ١٢٧١)، وأبو داود (١٨٧٣)، والترمذى (٨٦٠)، والنسائي في المجتبى ٥/ ٢٢٧ (٢٩٥٨) و٥/ ٢٢٨ (٢٩٥٩).
(٢) تهذيب الكمال (١٣/ ٤٧٢ - ٤٧٣ الترجمة ٣٠٠١).
(٣) العدة (٢/ ١٠٠٠)، والإعلام (٦/ ١٩٠ - ١٩١).
(٤) معالم السنن (٢/ ١٩١)، كشف المشكل (١/ ٩٦)، والإعلام (٦/ ١٩٠).
(٥) انظر شرح الصحيح (٤/ ٢٧٨) لابن بطال.
[ ١ / ٤٩٦ ]
يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله والوقوف على أمر نبيه ﵊، وأن ذلك من شعائر الحج التي أمر الله تعالى بتعظيمها وأن استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر - ﵁ - على مجانبة هذا الاعتقاد وأنه لا ينبغي أن يُعبد إلا من يملك الضر والنفع وهو الله تعالى، قاله الحافظ المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود (^١).
وقال شيخ الإسلام النووي قدس الله سره (^٢): هذا الحديث فيه فوائد منها: استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف بعد استلامه أى من غير صوت يظهر من التقبيل، وكذا يستحب السجود على الحجر أيضًا بأن يضع جبهته عليه فيستحب أن يستلمه ثم يقبله ثم يضع جبهته عليه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن عباس وطاووس والشافعي وأحمد قال، وبه أقول، وانفرد الإمام مالك عن العلماء فقال: السجود عليه بدعة، واعترض عليه القاضي عياض المالكي لشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء، وأما الركن اليماني فيستلمه ولا يقبله بل يقبل اليد بعد استلامه، هذا مذهبنا، وبه قال جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵃، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه، وقال مالك والإمام أحمد: يستلمه ولا يقبل اليد بعده، وعن مالك رواية أنه يقبله، وعن الإمام
_________________
(١) انظر معالم السنن (٢/ ١٩١)، ومختصر السنن (٢/ ٣٧٣)، والعدة شرح العمدة (٢/ ١٠٠٠).
(٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٦).
[ ١ / ٤٩٧ ]
أحمد رواية أنه يقبله، والله أعلم. وأما قول عمر - ﵁ -: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع فأراد به بيان الحديث على الإقتداء برسول الله - ﷺ - في تقبيله، ونبه على أنه لولا الإقتداء لما فعلته (^١).
تتمة: قال أبو سعيد الخدري: حججنا مع عمر بن الخطاب في أولى حجة حجها في إمارته، فلما دخل المسجد الحرام دنا من الحجر فقبله واستلمه وقال: أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، الحديث، فقال له علي - ﵁ -: بلى يا أمير المؤمنين إنه ليضر وينفع، ولو علمت ذلك في كتاب الله لعلمت الذي أقول لك إن صح كما أقول، قال اللّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (^٢) الآية، فلما أقروا أنه الرب ﷿ وأنهم العبيد وكتب ميثاقهم في رق ثم ألقمه من الحجج وأنه يبعث وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وافاه بالموافاة فهو أمين الله ﷿ في هذا المكان، ألا ترى أنه يقول إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك هو هذا العهد (^٣)، قاله في مختصر مجمع الأحباب (^٤).
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٧٢.
(٣) أخرجه ابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٣٣٥)، والحاكم (١/ ٤٥٧)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٤٨٠ - ٤٨١ رقم ٣٧٤٩). قال الحاكم: ليس من شرط الشيخين فإنهما لم يحتجا بأبي هارون عمارة بن جوين العبدي، وتعقبه الذهبى فقال: قلت: أبو هارون ساقط. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٥٣٥): وفي إسناده أبو هارون العبدي وهو ضعيف جدًّا.
(٤) مجمع الأحباب (الوحة ٧٢ - ٧٣).
[ ١ / ٤٩٨ ]
فائدة: اعلم أن التقبيل لا يشرع إلا للحجر الأسود والمصحف ولأيدي الصالحين والعلماء، ومما يسن له التقبيل بين عيني الموتى وشفاههم وكذا شفة من نطق بحكمة أو علم ينتفع به وكل ذلك ثابت في الأحاديث الصحيحة وفعل السلف؛ فأما تقبيل الأحجار والقبور والجدران والستور وأيدي الظلمة والفسقة واستلامها فلا يجوز حتى حجارة الكعبة والقبر النبوي أو الحجرة أو ستورها أو صخرة بيت المقدس فإن ذلك تعظيم وهو خاص بالله تعالى، فلا يجوز إلا فيما أذن فيه، قاله ابن العطار في شرح العمدة (^١)، واللّه أعلم.
فائدة لها مناسبة بحديث تقبيل الحجر الأسود: مِنَ الْبِدَع تَقْبِيلُ الْخُبْزِ وَهُوَ بِدْعَةٌ لَا تَجُوزُ، وَقَدْ أَفْتَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ دَوْسُهُ وَلَا يَجُوزُ بَوْسُهُ، لَكِنَّ دَوْسَهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَرُبَّمَا كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَأَمَّا بَوْسُهُ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَارْتكَابُ الْبِدَعِ لَا يَجُوزُ، وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِ عمر - ﵁ -: فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، هَذَا وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي هُوَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ وَهُوَ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا خَلْقَهُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَقْبِيلُ الْخُبْزِ؟ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إِكْرَامُهُ وَرَفْعُهُ مِنْ تَحْتِ الْأَقْدَامِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي إِكْرَامِ الْخُبْزِ أَحَادِيثُ لَا أَعْلَمُ فِيهَا شَيْئًا صَحِيحًا وَلَا حَسَنًا. انتهى، قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٢).
_________________
(١) العدة شرح العمدة (٢/ ١٠٠١).
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٥١٥ - ٥١٦)، وذكره السيوطي في الحاوي (١/ ٢٢١).
[ ١ / ٤٩٩ ]
٧٢ - وَعَن عُرْوَة بن عبد الله بن قُشَيْر قَالَ حَدثني مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أَبِيه قَالَ أتيت رَسُول اللّه - ﷺ - فِي رَهْط من مزينة فَبَايَعْنَاهُ وَإنَّهُ لمُطلق الأزرار فأدخلت يَدي فِي جنب قَمِيصه فمسست الْخَاتم قَالَ عُرْوَة فَمَا رَأَيْت مُعَاوِيَة وَلا ابْنه قطّ فِي شتاء وَلا صيف إِلَا مطلقي الأزرار رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ ابْن مَاجَه إِلَا مُطلقَة أزرارهما (^١).
قوله: عن عروة بن عبد الله بن قشير، وهو الجعفي، عن ابن سيرين وطائفة، وعنه سفيان وزهير بن معاوية، وثق (^٢).
قوله: قال حدثني معاوية بن قرة عن أبيه، ووالد معاوية هو قرة بن إياس المزني، له صحبة وهو جد إياس بن معاوية بن قرة، قاضي البصرة (^٣).
وذكر الدارقطني: أن هذا الحديث تفرد به عروة بن قشير بن معاوية بن قرة بن إياس المزني أبو إياس البصري، روى عن أنس بن مالك وعائذ بن عمرو وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مغفل المزني وغيرهم، روى عنه: ابن إياس بن معاوية وشعبة وشهر بن حوشب وعروة بن عبد الله بن قشير وغيرهم، وثقه الجماعة، وذكره ابن حبان فيهم، كان معاوية بن قرة يقول:
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٥٦ و١/ ٤٢٦ و١/ ٤٦٠)، وأحمد ٣/ ٤٣٤ (١٥٥٨١) و٤/ ١٩ (١٦٢٤٣) و٥/ ٣٥ (٢٠٣٦٨)، وأبو داود (٤٠٨٢)، والترمذى في الشمائل (٥٩)، وابن ماجه (٣٥٧٨)، وابن حبان (٥٤٥٢) والبغوي في الجعديات (٢٦٨٢). وصححه الألباني في "المشكاة" (٤٣٣٦)، "صحيح الترغيب" (٤٥).
(٢) الكاشف (٢/ ١٩).
(٣) المؤتلف والمختلف (٢/ ١٠٥١)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦٠ الترجمة ٥٠٩).
[ ١ / ٥٠٠ ]
لقيت من أصحاب النبي - ﷺ - كثيرًا منهم خمسة وعشرين رجلا من مزينة، وكان يقول: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ -، قيل: إنه ولد يوم الجمل ومات سنة عشرة ومائة وهو ابن ست وسبعين سنة، روى له الجماعة (^١).
وأما ولده إياس بن معاوية بن قرة بن إياس فروى عن أنس بن مالك وسعيد بن جبير وابن المسيب وابنه وغيرهم، كان يقول: أذكر الليلة التي ولدت فيها قذفت أمي على رأسي جفنة، وقال عبد الله بن شوذب: كان يقال يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، وكانوا يرون أن إياس بن معاوية منهم، وكان إياس على قضاء البصرة، وكان فقيهًا عفيفا، دخل عليه ثلاث نسوة فقال: أما واحدة فمرضع والأخرى بكر والأخرى ثيب، فقيل له: بما علمت ذلك؟ قال: أما المرضع فلما قعدت أمسكت ثديها بيدها، وأما البكر فلما دخلت فلم تلتفت إلى أحد، وأما الثيب. فلما دخلت نظرت ورمت بعينها (^٢)، انتهى، قاله في الديباجة.
قوله: أتيت رسول اللّه - ﷺ - في رهط من مزينة، الحديث؛ الرهط: ما دون العشرة من الرجال خاصة، لا يكون لهم امرأة، وليس له واحد من لفظه، والجمع: أرهط وأرهاط وأراهط وأراهيط (^٣)، وتقدم الكلام على النفر والرهط في حديث الصخرة في أوائل هذا التعليق مبسوطًا، واللّه أعلم؛
_________________
(١) تهذيب الكمال (٢٨/ الترجمة ٦٠٦٥).
(٢) تهذيب الكمال (٣/ الترجمة ٥٩٤).
(٣) الصحاح (٣/ ١١٢٨).
[ ١ / ٥٠١ ]
ومزينة: اسم قبيلة معروفة.
قوله: فبايعناه، والمبايعة: المعاهدة، مأخوذة من البيع، وسيأتي الكلام على ذلك في مواضع متعددة من هذا التعليق، والله اعلم.
قوله: وإنه لمطلق الإزار، أي: لمفتوح الإزار؛ والأزرار: جمع زر، وهي ما يعلق بالعروة، والعروة: حلق الجيب (^١).
قوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه، قال الحافظ: جيب القميص هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه، يعني: كان جيب قميص رسول الله - ﷺ - واسعا ولم يكن مشدودًا، وكانت عادة العرب أن تكون جيوبهم واسعة فربما يشدونها وربما يتركونها (^٢)، وروى الحاكم وابن خزيمة وأبو داود والنسائي عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - أنه قال: قلت يا رسول الله إنا نصيد أفنصلي في الثوب الواحد، قال: "نعم [وازرره ولو بشوكة] " (^٣) أي إذا كان جيب القميص واسعًا يظهر منه عورته، فعليه أن يزرره (^٤).
وأشار النووي - قدس الله روحه - إلى أنه إذا لم يفعل شيئًا من ذلك تنعقد الصلاة ثم تبطل عند الانحناء، هذا هو الأصح، وقيل: لا تنعقد أصلًا (^٥).
_________________
(١) المفاتيح (٥/ ١٥).
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه أبو داود (٦٣٢)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٣٨ (٧٧٧) والكبرى (٨٤٣)، وابن خزيمة (٧٧٧) و(٧٧٨)، وابن حبان (٢٢٩٤)، والحاكم (١/ ٢٥٠). وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. وحسنه الألباني في الإرواء (٢٦٨).
(٤) المفاتيح (٢/ ٩٣).
(٥) النجم الوهاج (٢/ ١٩٥).
[ ١ / ٥٠٢ ]
قال النووي في كتب الفقه (^١): فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ فَلْيُزِرَّهُ، أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أي لعدم الشرط لتستدام الصحة.
وقد اختلف العلماء في صلاة الرجل محلول الأزرار وليس عليه إزار، فمنعه الإمام أحمد بن حنبل والشافعي لعلة النظر لعورته إلا إذا استتر ذلك بلحيته أو نحوها، وأجازه مالك وأبو حنيفة والثوري وأصحاب الرأي (^٢).
واعلم أنه لو اتزر وصلى على علو بحيث ترى عورته من تحته لا يضره بخلاف ما لو رئيت من طوقه ونحو ذلك، وهذا عكس الخف فإنه يجب أن يستر محل الفرض من أسفل لا من أعلى (^٣). انتهى. [قاله في شرح (الإلمام)].
قوله: فأدخلت يدي في جيب قميصه. الحديث، جيب القميص: هو الخرق الذي يخرج الإنسان منه رأسه (^٤)، يعني كان جيب قميص رسول الله - ﵁ - واسعًا ولم يكن مشدودًا (^٥)، وفي تاريخ ابن الفرات الحنفي: عن أنس بن مالك - ﵁ -: كان قميص رسول الله - ﷺ - قطنًا قصير الطول قصير الكمين (^٦)]، سئل الشيخ الإمام محمد بن عبد اللّه الزركشي الشافعي: عن
_________________
(١) انظر منهاج الطالبين (ص ٣١)، والنجم الوهاج (٢/ ١٩٤).
(٢) انظر رياض الأفهام (٢/ ٤٥٧) والمفهم (٥/ ٤١).
(٣) النجم الوهاج (٢/ ١٩٤).
(٤) قاله المنذرى كما في باب (الترهيب من النياحة على الميت والنعي ولطم الخدّ وخمش الوجه وشق الجيب) كتاب الجنائز.
(٥) شرح المصابيح (٥/ ٢٠) لابن الملك.
(٦) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٤٥٨).
[ ١ / ٥٠٣ ]
كيفية قميص النبي - ﷺ - هل كان مفتوح الصدر أو على هيئة الدلق فأجاب - قدس الله سره -: ظاهر النقل يقتضي أنه كان مفتوحًا لحديث عروة بن عبد الله بن قشير المتقدم وفي آخره (وانه لمطلق الإزار)، وفي تاريخ ابن الفرات الحنفي عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان قميص رسول الله - ﷺ - قطنًا قصير الطول قصير الكمين (^١).
مسألة أيضًا في السراويل: سئل الزركشي أيضًا عن السراويل: هل لبسه النبي - ﷺ -؟ فأجاب - رحمه الله تعالى - أيضاُ: وأما السراويل فروى الترمذي: أن النبي - ﷺ - اشتراه لكن لم يذكر أنه لبسه، فاعتمد على ذلك بعضهم وهو الشيخ تقي الدين السبكي في فتاويه (^٢) فقال: إنه اشتراه ولم يلبسة، وصار لبسه حسنًا لأجل (الستر)، وقال الزركشي: قلت: لكن البيهقي في شعب الإيمان روى عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله إنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم بالليل والنهار وفي السفر والحضر (^٣) [وأول من لبسه إبراهيم ﵊، وجوز في تركه النبي - ﷺ - ولم يلبسه
_________________
(١) مر تخريجه.
(٢) الفتاوى (٢/ ٥٥٠) للسبكي.
(٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٥١)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠ رقم ٦٥٩٤)، والبيهقي في الآداب (٥٠٩) والشعب (٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤ رقم ٥٨٣٠). قال ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٤٧): هذا حديث لا يصح، قال الدارقطني: الحمل فيه على يوسف بن زياد لأنه مشهور بالأباطيل، ولم يروه عن الإفريقي غيره، وقال ابن حبان: الافريقي يروي الموضوعات عن الأثبات، وضعفه يحيى.
[ ١ / ٥٠٤ ]
عثمان أبدًا إلا يوم قتل] وعن علي - ﵁ - قال: كنت قاعدًا عند النبي - ﷺ - في البقيع يوم (وجد) مطر فمرت امرأة على حمار ومعها (مكاري) فهوت يد الحمار في وهدة من الأرض فسقطت المرأة، فأعرض النبي - ﷺ - عنها بوجهه، قال: فقال: يا رسول اللّه إنها متسرولة، قال: "اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي" يقولها ثلاثًا، "أيها الناس اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم وخصوا بها نسائكم إذا خرجن من بيوتهن" (^١) انتهى، نقل من تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال للشيخ صلاح الدين العلائي، وفي تاريخ أصبهان عن مالك عن ابن عتاهية أن النبي - ﷺ - قال: "إن الأرض تستغفر للمصلي بالسراويل" (^٢).
فرع: ومما يكره في الصلاة السدل وهو إرسال ثوبه عليه من كتفيه وهو متزر وبطنه مكشوفة وأجازه ابن مالك وأصحابه، وقال أبو الفرج من
_________________
(١) أخرجه الفسوى في مشيخته (٤١)، والبزار (٨٩٨)، والعقيلى في الضعفاء (١/ ٥٤)، وابن عدى (١/ ١٣٤)، والبيهقي في الآداب (٥١١) وابن الجوزي في الموضوعات (١٤٣٨). قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ -، إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وابراهيم بن زكريا، هذا لم يتابع على هذا الحديث وهو منكر الحديث. وقال العقيلى: لا يعرف هذا الحديث إلا بهذا الشيخ فلا يتابع عليه. قال أبو حاتم في العلل (١٤٧٦): هذا حديث منكر، وإبراهيم مجهول. وقال ابن عدي: "وهذا الحديث منكر لا يرويه عن همام غير إبراهيم بن زكريا، ولا أعرفه إلا من هذا الوجه". وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، والمتهم به إبراهيم بن زكريا.
(٢) أخرجه أبو الشيخ في طبقات أصبهان (٤/ ١٥١)، وعنه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٣٨٧). وقال الألباني: منكر الضعيفة (١٨٢٤).
[ ١ / ٥٠٥ ]
المالكية: ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وهو شاذ (^١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.
قوله في حديث عروة: فمسست الخاتم، مسست هو بكسر السين الأولى، هذه هي اللغة المشهورة في لغة قليلة بفتحها حكاه أبو عبيدة والجوهري، وقال الجوهري: يقال مسست الشيء بكسر السين أمسه بفتح الميم مسا، فهذه اللغة الفصيحة، قال: وحكى أبو عبيدة ﵀: مسست الشيء بالفتح أمُسه بضم الميم (^٢).
والخاتم فيه لغتان كسر التاء وفتحها، وهما قراءتان قرئ بهما في السبع، أي خاتم النبوة أي خاتمه الذي ختمت به النبوة وهو أثر كان بين كتفيه - ﷺ - نُعت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة يعلم بها أنه النبي - ﷺ - المبشر به في الكتب وصيانة يصون بها نبوته عن تطرق التكذيب والقدح فيها صيانة المستوثق بالختم (^٣). وقيل: مكتوب عليه لا إله إلا اللّه محمد رسول الله (^٤)، وقيل: مكتوب عليه توجه فإنك منصور (^٥).
فائدة [جليلة] في صفة الخاتم وقدره: في سائر الأحاديث بين كتفيه، [وقد ذكر في حديث أنه على ظهر رسول الله - ﷺ - ولم يبين محله من ظهره، وقد
_________________
(١) انظر إكمال المعلم (٢/ ٤٣١)، ورياض الأفهام (٢/ ٤٥٦)، والمفهم (٥/ ٤٠ - ٤١).
(٢) شرح النووي على مسلم (٨/ ١٦١).
(٣) تحفة الأبرار (١/ ٢٠٩)، شرح المشكاة (٣/ ٨٢٦) للطيبى، الكواكب الدرارى (٣/ ٣٦ - ٣٧).
(٤) حياة الحيوان (٢/ ٣٧٣).
(٥) شرف المصطفى (٢/ ١١١).
[ ١ / ٥٠٦ ]
اختلفت الأحاديث في صفته وقدره (^١)]، ففي حديث السائب بن يزيد أنه كان بين كتفيه خاتم مثل زر الحجلة وهو في الصحيحين، والحجلة: بفتح الحاء والجيم كما هو في الصحيح المشهور، وقال الترمذي: المراد بالحجلة هذا الطائر المعروف، زرها: بيضها، والصواب: أنها حجلة السرير، واحدة: الحجال، والحجلة: بيت العروس كالقبة يزين بالثياب والستور، ولها أزرار كبار وهو [البشخانة]، وزرها: هو الذي يدخل في عروتها، هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور، قال: وروى البيهقي في دلائل النبوة عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا: لما شك في موت النبي - ﷺ -، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه - ﵁ -، فقالت: توفي رسول الله - ﷺ - فقد رفع الخاتم من بين كتفيه، وكان هذا الذي عرف به موته، وأفاد الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه أنه قال: لم يبعث اللّه نبيًا إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى إلا نبينا - ﷺ -، فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه (^٢).
وفي حديث جابر بن سمرة: فكأنه بيضة حمام، رواه مسلم (^٣)، وفي رواية الترمذي: كأنه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة تشبه جسده (^٤)، وفي حديث أبي زيد بن أخطب أنه قيل له: وما الخاتم؟ قال: شعيرات مجتمعات، رواه
_________________
(١) زيادة في المخطوطة المغربية.
(٢) الروض الأنف (٢/ ٢٢١ - ٢٢٨)، وسبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٥ - ٥٠)، وحياة الحيوان (١/ ٣٢٥ - ٣٢٤).
(٣) أخرجه مسلم (١١٠ - ٢٣٤٤).
(٤) أخرجه مسلم (١٠٩ - ٢٣٤٤)، والترمذى (٣٦٤٤) والشمائل (١٧).
[ ١ / ٥٠٧ ]
الترمذي في الشمائل (^١)، ورواه الحاكم بلفظ: شعر مجتمع (^٢)، وفي حديث عبد الله سرجس قال: رأيت النبي - ﷺ - وأكلت معه خبزا ولحما أو قال ثريدًا، ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال التآليل، رواه مسلم وغيره (^٣).
قوله: عند ناغض كتفه، قال الجمهور: والنغض أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يظهر منه عند التحرك، والناغض من الإنسان أصل العنق حيث ينغض رأسه ناغضا لتحركه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ (^٤) أي: يحركونها على سبيل الهزء (^٥).
وقوله: "جمعًا"، بضم الجيم وإسكان الميم، والمراد: جمع الكف وهو أن يجمع الأصابع ويضمها، يقال: ضربه بجمع كفه، بضم الجيم (^٦).
قوله: وعليه خيلان، بكسر الخاء المعجمة وإسكان الياء، جمع خال وهو الشامة في الجسد أي: النقطة، والتي تكون في الجسد سوداء (^٧).
_________________
(١) أخرجه الترمذى في الشمائل (٢٠).
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٤١ (٢٢٨٨٩)، والحاكم (٢/ ٦٠٦). وصححه الألباني في مختصر الشمائل (ص ٣١ رقم ١٧).
(٣) أخرجه مسلم (١١٢ - ٢٣٤٦).
(٤) سورة الإسرا، الآية: ٥١.
(٥) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٨)، والمفهم (٥٩/ ١٩ - ٦٠).
(٦) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٨ - ٩٩).
(٧) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٩) وكشف المناهج (٥/ ١٣٤)، وشرح المصابيح (٦/ ٢١٣) لابن الملك.
[ ١ / ٥٠٨ ]
وقوله: كأمثال الثآليل، جمع ثؤلول وهو هذه الحبة التي تظهر على الجلد كالحمصة فوقها دونها، وقال أبو الربيع سليمان بن سبع في كتاب شفاء الصدور (^١): هو شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرالت متواليالت كأنها عرف فرس بمنكبه الأيمن، وفي رواية عن أبي رمثة: مثل التفاحة (^٢)، وروي عن ابن عمر: مثل البندقة من لحم عليه مكتوب محمد رسول الله، رواه ابن عساكر (^٣). انتهى.
وقال ابن حبان: وكانت ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر، وكانت تقرأ من أسفلها ليكون اسم الله تعالى فوق الجميع، وعن ابن هشام: تشبيهه بالمحجم، يعني: كأثر المحجمة القابضة على اللحم حتى يكون ناتئًا، وجاء في صحيح البخاري: كأنه بضعة ناشزة، أي: مرتفعة على جسده، وفي رواية: فراشه مثل السلعة، والسلعة: غدة تظهر بين الجلد واللحم إذا غزت باليد تحركت، قاله القاضي عياض ﵀، وهذه الروايات متقاربه متفقة على أنه شاخص في جسده قدر بيضة الحمامة، وهو نحو بيضة الحجلة، وأما رواية الكف فظاهره المخالفة فتتأول على وفق الروايالت الكثيرة، ويكون معناه على هيئة جمع الكف لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة، ثم إن السهيلي ﵀
_________________
(١) طرح الترتيب في شرح التقريب (٤/ ٤١).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٦٣ (١٧٤٩٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٤٢)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٢٨٠ (٧١٨). وصححه الألباني في موارد الظمآن (١٥٢٢).
(٣) أخرجه ابن حبان (٦٣٠٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٩٣٢).
[ ١ / ٥٠٩ ]
قال: لم ندر هل خلق بالنبي - ﷺأو وضع فيه بعد ما وضع أو حين نبئ، قال السهيلي: والحكمة في خاتم النبوة على جهة الاعتبار أنه لما ملئ قلبه - ﷺ - حكمة ويقينا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درًا، ولما روي عن جابر - ﵁ - قال: أردفني رسول الله - ﷺ - خلفه فالتقمت خاتم النبوة بفمي فكان ينم عليّ مسكًا، ورأيته في بعض النسخ فكان يشج على مسكًا، أي: أشم منه مسكا وهو من شج الشراب إذا مزجه بالماء، كأنه كان يخلط النسيم الواصل على مشمه بريح المسك. انتهى.
وأما وضعه عند نغص الكتف [أي: أعلاه] فلأنه - ﵁ - معصوم من وسوسة الشيطان فذلك الموضع يوسولس الشيطان لابن آدم، وروى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا سأل ربه سنة أن يريه موضع الشيطان منه، فأراه جسدا كالبلور يرى داخله من خارجه، والشيطان في صورة ضفدع عند نغص كتفه يحاذي قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة قد أدخله إلى قلبه يوسوس إذا ذكر الله العبد خفس أي تأخر (^١)، انتهى، قاله العراقي (^٢) في شرح الأحكام.
فائدة أخرى تتعلق بخاتم النبوة: ذكره السهيلي عن رواية ابن إسحاق أن النبي - ﷺ - لما كان في بني سعد نزل عليه كركيان فشق أحدهما بمنقاره جوفه ومج الآخر بمنقاره في فيه ثلجا أو بردا أو نحو هذا، وهي رواية غريبة، ذكرها
_________________
(١) الروض الأنف (٢/ ١٧٨)، وسبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٩ - ٥٠).
(٢) طرح التثريب (٤/ ٤٠ - ٤٢).
[ ١ / ٥١٠ ]
يونس عنه؛ وفي أوائل المجالسة للدينوري أنه أقبل عليه أبيضان لأنهما نسران إلى آخره؛ وفي المستدرك: فأقبل عليه طيران أبيضان كأنهما نسران، وذكر الحديث بطوله، وروى ابن أبي الدنيا وغيره بإسناد يرفعه إلى أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله: كيف علمت أنك نبي وكيف علمت حنى استيقنت؟ قال: "يا أبا ذر أتاني ملكان فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: فوزنني برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة، فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة، فوزنني فرجحنهم، ثم قال: زنه بألف وزنني فرجحتهم، ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشق بطني فأخرج قلبي فأخرج منه معد الشيطان" الحديث، وفيه: "ثم قال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي ووليا عني، فكأني أعاين الأمر معاينة" وفي هذا الحديث من الفوائد أن خاتم النبوة لم تكن قبل ذلك، واختلف الناس في صفته على عشرين قولًا، حكاها الحافظ قطب الدين؛ وتقدم بعض ذاك في الفائدة قبل هذه، وروى الحاكم والترمذي في المناقب عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي - ﷺ - في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله - ﷺ - وقال: هذا سيد الخلق أجمعين هذا رسول رب العالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك بهذا، فقال: أنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا لله تعالى وسلم على رسول الله - ﷺ -، ولا يفعل ذلك إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم
[ ١ / ٥١١ ]
النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة حتى رجع فصنع لهم طعامًا فلما أتاهم به وكانوا في رعية الإبل فأرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من النوم وجدهم قد سبقوا إلى فيء الشجرة فلما أجلس، قال: فيء الشجرة عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الرومان، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه. (^١)
سؤال: فلم جعل خاتم النبوة بين كتفيه؟ قيل: فهو خاتم الأنبياء بالرحمة، وأيضًا الختم على الشيء يقتضي ثباته وعدم تغيره، كما ختم له - ﷺ - بالنبوة والسعادة، كذلك ختم على قلوب الكافرين بالشقاوة: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ (^٢) الآية، انتهى، قاله في كشف الأسرار (^٣).
لطيفة: سئل شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين السبكي (^٤)، قدس الله روحه، عن العلقة السوداء التي أخرجت من قلب النبي - ﷺ - حين شق فؤاده، وقول الملك: هذا حظ الشيطان منك، فقال: تلك علقة خلقها اللّه تعالى في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فإن نكت من قلبه - ﷺ - شق فيه مكان قابل لأن يلقي الشيطان فيه وشيًا، هذا معنى الحديث، ولم يكن للشيطان منه - ﷺ - حظ، وإنما الذي نقاه الملك أمر هو في الجبلالت البشرية فأزيل القابل الذي
_________________
(١) هذه زيادة في المخطوطة المغربية: انظر الروض الأنف (٢/ ١٦٨ - ١٧٠) و(٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، وحياة الحيوان (٢/ ٢٧٣).
(٢) سورة البقرة، الآية:٧.
(٣) كشف الأسرار (لوحة ٣٥).
(٤) حياة الحيوان (٢/ ٢٠٨).
[ ١ / ٥١٢ ]
لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب، قيل له: فلم خلق الله تعالى هذا القابل في هذه الذات الشريفة وكان يمكن أن لا يخلقه ﷾ فيها، فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإنساني فلابد منه ونزعه كرامة ربانية طرأت بعده، والله أعلم.
تنبيه: قد شق صدره - ﷺ - مرتين، مرة في حال صباه عند مرضعته أم حليمة السعدية ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء، ومرة أخرى ليلة المعراج في حال كهولته ليصير قلبه مثل قلوب الملائكة (^١)، وقال قوم: هو في أول شق صدره ابن ثلات سنين، قاله في شرح الإلمام.
٧٣ - وَعَن زيد بن أسلم قَالَ رَأَيْت ابْن عمر يُصَلِّي محلولا أزراره فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - يَفْعَله رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه عَن الْوَليد بن مُسلم عَن زيد وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن زيد (^٢).
قوله: عن زيد بن أسلم (هو أبو أسامة زيد بن أسلم القريشى العدوى
_________________
(١) انظر شرح المصابيح (٦/ ٢٧٦ - ٢٧٧) لابن الملك.
(٢) أخرجه البزار (١٢٧/ كشف الأستار)، وابن خزيمة (٧٧٩)، وابن حبان (٥٤٥٣)، الحاكم ١/ ٢٥٠، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٣٤٠ رقم ٣٢٩٦). قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٥: رواه البزار وأبو يعلى، وفيه عمرو بن مالك، ذكره ابن حبان في الثقات، قال: يغرب ويخطئ. وقال ابن حجر في إتحاف المهرة ٨/ ٣٢٠: قلت: رواية الشاميين عن زهير بن محمد منكرة. قال البخاري وغيره. وذكر الترمذي في (العلل) عن البخاري، أنه قال: أنا أتقي حديث هذا الشيخ كأن حديثه موضوع. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٤).
[ ١ / ٥١٣ ]
المدنى، مولى عمر بن الخطاب، - ﵁ -، التابعى الصالح الفقيه، ﵀. روى عن ابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن عباد، وسلمة بن الأكوع الصحابيين، ﵃. وروى عن أبيه، وعطاء بن يسار، وحمران، وعلي بن الحسين، وأبى صالح السمان، وآخرين من التابعين. روى عنه الزهري، ويحيى الأنصاري، وأيوب السختياني، ومحمد بن إسحاق التابعيون، ومالك، والثوري، ومعمر، وخلائق من الأئمة.
قال يحيى بن معين: سمع زيد بن أسلم من ابن عمر، ولم يسمع جابرا ولا أبا هريرة. وقال محمد بن سعد: كانت لزيد بن أسلم حلقة في مسجد رسول الله - ﷺ -، وكان ثقة كثير الحديث. وقال أبو حاتم: لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيها، أدنى خصلة فينا التواسى بما في أيدينا، وما رأيت فيه متمارين ولا متنازعين في حديث لا ينفعهما، وكان أبو حازم يقول لهم: لا يرينى الله يوم زيد، وقدمنى بين يدى زيد أنه لم يبق أحد أرضى لنفسى ودينى غيره، فأتاه نعى زيد فعقر، فما قام ولا شهده، وكان أبو حازم يقول: اللهم إنك تعلم أنى أنظر إلى زيد فأذكر بالنظر إليه القوة على عبادتك، فكيف بملاقاته ومحادثته. ومناقبه كثيرة. توفى بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: ثلاث وأربعين. وحكى البخارى في تاريخه أن علي بن الحسين، ﵄، كان يجلس إلى زيد بن أسلم ويتخطا مجالس قومه، فقيل له: تتخطا مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب، فقال: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه (^١).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٠٠ الترجمة ١٨٥).
[ ١ / ٥١٤ ]
قوله: رأيت ابن عمر يصلي محلول أزراره، الحديث، وتقدم الكلام على الأزرار في الحديث قبله قوله: رواه ابن خزيمة في صحيحه عن الوليد بن مسلم؛ الوليد بن مسلم كنيته: أبو العباس الدمشقي مولى بني أمية، وقيل: مولى العباس بن محمد أخي المنصور، كان عالم أهل الشام في زمانه، قال ابن المديني: ما رأيت في الشاميين مثل الوليد، وقد أغرب أحاديث صحيحة لم يشركه فيها أحد، قاله ابن جوصا: لم نزل. نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد بن مسلم صلح أن يلي القضاء، ومصنفاته سبعون كتابا، قال الذهبي: وكان الوليد واسع العلو ثقة لكنه يدلس، وكان إمامًا في المغازي، وقرأ القرآن على يحيى النهاري، وحدث عنه من شيوخه الليث بن سعد وغيره، ولد سنة تسع عشرة ومائة وحج سنة أربع وتسعين ومائة، ومات بعد الحج قبل أن يصل إلى دمشق سنة خمس (^١).
قوله: ورواه البيهقي وغيره عن زهير بن محمد، هو زهير بن محمد بن (قمير بن شعبة المروزي، نزيل بغداد، كنيته أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن عبد الرزاق وروح وعنه ابن ماجه والمحاملي وابن عياش القطان قالى البغوي: ما رأيت أحدا بعد أحمد أفضل منه حدثني ابنه محمد أنه كان يختم في رمضان تسعين ختمة قال الخطيب ثقة ورع زاهد تحول فرابط بطرسوس توفي سنة ثمان وخمسين ومئتين (^٢).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٤٧ الترجمة ٦٧١).
(٢) تهذيب الكمال (٩/ الترجمة ٢٠١٦)، والكاشف (١/ ٤٠٧).
[ ١ / ٥١٥ ]
٧٤ - وَعَن مُجَاهِد قَالَ كنَّا مَعَ ابْن عمر ﵀ فِي سفر فَمر بمَكَان فحاد عَنهُ فَسئلَ لم فعلت ذَلِك قَالَ رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - فعل هَذَا فَفعلت رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد قَوْله حاد بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي تنحى عَنهُ وَأخذ يَمِينا أَو شمالا (^١).
قوله: عن مجاهد، هو مجاهد (بن جبر، ويقال: ابن جبير، بالتصغير، المكى المخزومى، مولاهم مولى عبد الله بن أبي السائب، ويقال: مولى السائب بن أبي السائب، ويقال: مولى قيس بن الحارث، وهو تابعى، إمام، متفق على جلالته وإمامته. سمع ابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمرو بن العاص، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وعائشة، وغيرهم من الصحابة، ﵃. وسمع من التابعين طاووسا، وابن أبي ليلى، ومصعب بن سعد، وآخرين.
روى عنه طاووس، وعكرمة، وعمر وبن دينار، وأبو الزبير، والحكم، وابن عون، والأعمش، ومنصور، وحماد بن أبي سليمان، وطلحة بن مصرف، وأيوب السختيانى، وعبد الله بن أبي نجيح، وخلائق لا يحصون. واتفق العلماء على إمامته، وجلالته، وتوثيقه، وهو إمام في الفقه، والتفسير، والحديث.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (١/ ١٩٤ رقم ٢٥٢)، وأحمد ٢/ ٣٢ (٤٨٧٠)، والبزار (١٢٨/ كشف الأستار)، وابن بطة في الإبانة (٧٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١١٥). وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٤: رواه أحمد والبزار، ورجاله موثقون. وقال البوصيرى: رواه أحمد بن حنبل والبزار بإسناد جيد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٦).
[ ١ / ٥١٦ ]
قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال أبو حاتم: لم يسمع مجاهد عائشة. ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال ابن بكير: توفى مجاهد سنة إحدى ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وقيل: توفى سنة مائة، وقيل: سنة ثنتين ومائة، وقيل: سنة ثلاث ومائة (^١).
قوله: كنا مع ابن عمر في سفر بمكان فحاد عنه، الحديث، تقدم الكلام على مناقب ابن عمر في أول هذا التعليق مبسوطًا.
قوله: فحاد عنه، بالحاء المهملة والدال المهملة أيضًا، أي: تنحي عنه وأخذ يمينا أو شمالًا، انتهى، قاله المنذري.
٧٥ - وَعَن ابْن عمر ﵄ أَنه كَانَ يَأْتِي شَجَرَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فيقيل تحتهَا ويخبر أَن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ يفعل ذَلِك رَوَاهُ الْبَزَّار بإسْنَاد لا بَأْس بِهِ (^٢).
قوله: وعن ابن عمر، تقدم.
قوله: أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها، الحديث، كان ابن عمر شديد الاتباع لآثار رسول الله - ﷺ - حتى أنه كان ينزل منازله ويصلي في كل مكان صلى فيه رسول الله - ﷺ -، ويترك ناقته في مبرك ناقة رسول اللّه - ﷺ -، ونقلوا أن النبي - ﷺ - نزل تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء كيلا تيبس (^٣).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٣ الترجمة ٥٥٣).
(٢) أخرجه البزار (٥٩٠٨ و٥٩٠٩). وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٥: رواه البزار، ورجاله موثقون. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٩).
[ ١ / ٥١٧ ]
قال ابن بطال (^١): وإنما كان ابن عمر يصلي في تلك المواضع التي صلى فيها رسول الله - ﷺ - على وجه التبرك بها ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين (^٢). وأما ما روي أن ابن عمر - ﵁ - كره ذلك فلأنه خشي أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع فيشكل ذلك على من يأتي بعدهم ويرى ذلك واجبًا، وكذا ينبغي للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزاما شديدًا أن يترخص فيها في بعض المرات ويتركها ليعلم بفعله، وذلك أنها غير واجب كما فعل ابن عباس في ترك الأضحية (^٣).
قال النوويُّ: روينا عن الزهري قال: لا يعدل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله - ﷺ - ستين سنة فلم يخف عليه شيء من أمره - ﷺ - ولا من أمر أصحابه؛ وعن مالك قال: أقام ابن عمر ستين سنة تقدم عليه وفود الناس،
_________________
(١) شرح الصحيح (٢/ ١٢٦).
(٢) قلت: التبرك بالأماكن والأشخاص وبآثار الصالحين من غير الأنبياء لا يجوز لعدم ورود الدليل الشرعي، ولإجماع الصحابة ﵃ على تركه، ولسد ذرائع الغلو المذموم المفضي إلى الشرك والبدع، قال ابن رجب في الحكم الجديرة بالإذاعة (ص: ٥٤): التبرك بالآثار إنما كان يفعله الصحابة ﵃ مع النبي - ﷺ - ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ببعض، ولا يفعله التابعون مع الصحابة، مع علو قدرهم، فدلّ على أن هذا لا يُفعل، إلَّا مع النبي - ﷺ -، مثل التبرك بوضوئه وفضلاته وشعره وشرب فضل شرابه وطعامه. انظر للتفصيل: فتح الباري لابن رجب (٣/ ٤٢٧). وتيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ص ١٥٣، ١٥٤). وفتح الباري لابن حجر مع تعليقات ابن باز (٣/ ١٤٣). والتوسل أنواعه وأحكامها للشيخ الألباني (ص ١٤٤ - ١٤٥). وعقيدة التوحيد للشيخ الفوزان (ص ٢٣٤ - ٢٣٦).
(٣) الكواكب الدرارى (٤/ ١٥٠).
[ ١ / ٥١٨ ]
وروينا عن البخاري الإمام قال: قال جابر بن عبد الله: لم يكن أحد منهم ألزم لطريق النبي - ﷺ - ولا اتبع من ابن عمر (^١).
تنبيه: قوله (روينا) أكثر الناس يقولون (روينا) بفتح الواو مخففة من روى يروي إذا نقل عن غيره مثل رمى يرمي، والأجود: (رُوِّينَا) بضم الراء وكسر الواو ومشددًا، أي: روانا مشايخنا أي: نقلوا لنا فسمعنا، كذا حرر هذه اللفظة بعض أئمة الحديث، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٢)، والله أعلم.
وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: رأيت في المنام كأن في يدي قطعة إستبرق، وليس مكان أريد من الجنة إلا طارت إليه فقصصته على حفصة فقصت على رسول اللّه - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن عبد اللّه رجل صالح"، وفي رواية الصحيح: "إن أخاك رجل صالح" أو "إن عبد الله رجل صالح" (^٣)، قال نافع: كان ابن عمر - ﵁ -. إذا اشتد عجبه بشيء من ماله تقرب به إلى الله تعالى فكان رفيقه قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له، وكان - ﵁ - كثير الحج، وكان كثير الصدقة فربما تصدق في اليوم الواحد بثلاثين ألفًا، ومناقبه كثيرة مشهورة - ﵁ - (^٤).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٩).
(٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٤ - ١٥).
(٣) أخرجه البخاري (٧٠١٥ و٧٠١٦) و(٧٠٢٨ و٧٠٢٩) و(٧٠٣١)، ومسلم (١٤٠ - ٢٤٧٩) وابن ماجه (٣٩١٩).
(٤) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
[ ١ / ٥١٩ ]
٧٦ - وَعَن [أَنَسِ] ابْن سِيرِين قَالَ كنت مَعَ ابْن عمر ﵀ بِعَرَفَات فَلَمَّا كَانَ حِين رَاح رحت مَعَه حَتَّى أَتَى الإِمَام فصلى مَعَه الأولى وَالْعصر ثمَّ وقف وَأَنا وَأَصْحَاب لي حَتَّى أَفاضَ الامام فأفضنا مَعَه حَتَّى انْتهى إِلَى الْمضيق دون المأزمين فَأَنَاخَ وأنخنا وَنحن نحسب أَنه يُرِيد أَن يُصَلَّي فَقَالَ غُلَامه الَّذِي يمسك رَاحِلَته إِنَّه لَيْسَ يُرِيد الصَّلاة وَلكنه ذكر أَن النَّبِي - ﷺ - لما انْتهى إِلَى هَذَا الْمَكَان قضى حَاجته فَهُوَ يحب أَن يقْضِي حَاجته رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (^١).
قَالَ الْحَافِظ ﵀ والآثَار عَن الصَّحَابَة ﵃ فِي اتباعهم لَهُ واقتفائهم سنته كَثِيرَة جدا. وَالله الْمُوفق لَا رب غَيره.
قوله: عن ابن سيرين، ابن سيرين، اسمه: محمد، ومحمد يكنى بأبي بكر، وسيرين يكنى بأبي عمرو، مولى أنس بن مالك، من كبار التابعين بالبصرة، كان عالمًا فاضلًا متقنًا زاهدًا، من أورع أهل زمانه، وسمع جماعة من الصحابة: عبد الله بن عمر وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة وعمران بن حصين وعبد الله بن عباس وأبا بكرة، ومولاه أنس بن مالك وهو الذي تولى غسله وتكفينه وأم عطية الأنصارية وجماعة من أعلام التابعين، وقال أبو عوانة: رأيت محمد بن سيرين في السوق فما رآه أحد إلا ذكر اللّه ﷿، وكان ابن سيرين أعلم أهل زمانه بالرؤيا، وقد أثنى اللّه ﷿ على يوسف - ﵇ -
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ١٣١ (٦١٥١). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٥: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٨).
[ ١ / ٥٢٠ ]
فعلمها، فرأى في المنام كأن الجوزاء تقدمت الثريا فأخذ في وصيته وقال: يموت الحسن وأموت بعده، هو أشرف مني، فمات رحمه الله تعالى في شوال سنة عشر ومائة بعد الحسن بن أبي الحسن بمائة يوم (^١)، انتهى.
قوله: كنت مع ابن عمر بعرفات، فلما كان حين راح رحت معه حتى أتى الإمام فصلى معه الأولى والعصر، الحديث، والمراد بالإمام: الإمام الأعظم وهو الخليفة أو نائبة في إقامة الحج، والمراد بالأولى قال النووي: يعني صلاة الظهر وبدأ الشافعي في الجديد بها، وإن كان في القديم بدأ بالصبح لأن جبريل ﵊ بدأ بها، ولأنها أول صلاة وجبت بطلوع الشمس، ولذلك سميت الأولى، وسميت الظهر ظهرًا، قيل: لأنها أول صلاة ظهرت حين صلاها جبريل - ﵇ - بالنبي - ﷺ - (^٢).
قوله: ثمَّ وقف وَأَنا وَأَصْحَاب لي حَتَّى أَفَاضَ الإمام فأفضنا مَعَه، الإفاضة: الدفع، يقال: أفاض الناس من عرفات أي: دفعوا منها، فالمراد: أفاض من وقوف عرفة أي: رجع، انتهى، قاله الكرماني (^٣).
قوله: حتى انتهى إلى المضيق دون المأزمين، والسنة: أن يسلك في طريقه إلى المزدلفة على طريق المأزمين وهو بين العلمين اللذين هما حد الحرم
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٨٢ - ٨٤ الترجمة ١١)، وتهذيب الكمال (٢٥/ الترجمة ٥٢٨٠)، وتذهيب تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ٦٠٠٦). قلنا كذا هو ترجم في هذا الموضع لمحمد بن سيرين وإنما الحديث عن أنس بن سيرين أخيه.
(٢) انظر الحاوى (٢/ ١٢)، وكفاية النبيه (٢/ ٣٢٨).
(٣) الكواكب الدرارى (٣/ ٢١).
[ ١ / ٥٢١ ]
من تلك الناحية، والمأزمين: بهمزة بعد الميم الأولى، ويجوز ترك الهمزة كما في رأس ونظائره، والزاي مكسورة، والمأزم: المضيق بين جبلين، هذا أصله في اللغة، ومراد الفقهاء: الطريق الذي بين الجبلين وهما جبلان بين عرفات ومزدلفة، قاله النووي (^١).
خاتمة: اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقا، بل يأتي بما تيسر منه لقول النبي - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته: "إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم" (^٢)، قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام والبيع والنكاح والطلاق وغير ذلك فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك، فإذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة فإن المستحب أن يتنزه عنه ولكن لا يجب (^٣)، وقال ابن مهدي (^٤): إذا روينا أحاديث الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا روينا فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات تساهلنا في الأسانيد.
_________________
(١) الإيضاح (ص ٢٩٦)، والمجموع (٨/ ١٣٢).
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٠ و١٣١ - ١٣٣٧) و(٤١٢ - ١٣٣٧) عن أبي هريرة.
(٣) الأذكار (ص ٤٧).
(٤) دلائل النبوة (١/ ٣٤)، والمدخل إلى الإكليل (ص ٢٩)، الجامع (١٢٦٧) للخطيب.
[ ١ / ٥٢٢ ]