٣١١ - عَن ثَوْبَان -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: "اسْتَقِيمُوا وَلنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَن خير أَعمالكُم الصَّلَاة وَلنْ يحافظ على الْوضُوء إِلَّا مُؤمن" رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلا عِلّة لَهُ سوى وهم أبي بِلَال الأشْعَرِيّ وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من غير طَرِيق أبي بِلَال وَقَالَ فِي أَوله سددوا وقاربوا وَاعْلَمُوا أَن خير أَعمالكُم الصَّلَاة الحَدِيث (^١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيت لَيْث هُوَ ابْن أبي سليم عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن عمرو (^٢) ومن حَدِيث أبي حَفْص الدِّمَشْقِي وَهُوَ
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٧٦ (٢٢٣٧٨) و٥/ ٢٨٠ (٢٢٤١٤) و٥/ ٢٨٢ (٢٢٤٣٣) و(٢٢٤٣٦)، وابن ماجه (٢٧٧)، وابن حبان (١٠٣٧)، والحاكم (١/ ١٣٠). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة! قال البوصيري في مصباح الزجاجة ١/ ٤١: هذا الحديث رجاله ثقات أثبات إلا أنه منقطع بين سالم وثوبان فإنه لم يسمع منه بلا خلاف لكن له طريق أخرى متصلة أخرجها أبو داود الطيالسي في مسنده وأبو يعلى الموصلي والدارمي في مسنده وابن حبان في صحيحه من طريق حسان بن عطية أن أبا كبشة حدثه أنه سمع ثوبان ورواه الحاكم من طريق سالم عن ثوبان وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة. قلت: علته أن سالم لم يسمع من ثوبان قاله أحمد وأبو حاتم والبخاري وغيرهم. وقال الألباني: حسن صحيح- الصحيحة (١١٥)، الروض (١٧٧)، والمشكاة (٢٩٢) وصحيح الترغيب (١٩٧) و(٣٧٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧٨)، والبزار (٢٣٦٦) و(٢٣٦٧)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣ رقم ١٤٢٩٤) و(١٣/ ٤٤٣ رقم ١٤٢١٩٥) و(١٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥ رقم ١٤٢٩٨) =
[ ٢ / ٤٠٧ ]
مَجْهُول عَن أبي أُمَامَة يرفعهُ (^١).
قوله: عن ثوبان، هو ثوبان مولى رسول الله -ﷺ- كنيته أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن ابن بجدد بموحدة مضمومة ثم جيم ساكنة ثم دال مهملة مكررة الأولى مضمومة ويقال ابن جحدر من أصحاب رسول الله -ﷺ- ومواليه الهاشمي من أهل المسرات موضع بين مكة واليمن وقيل إنه من اليمن من حمير وقيل من الهان أصابه سبي فاشتراه رسول الله -ﷺ- فأعتقه ولم يزل معه في الحضر والسفر فلما توفي رسول الله -ﷺ- خرج إلى الشام فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وابتنى بها دارًا وتوفي سنة خمس وأربعين وقيل سنة أربع وخمسين روي له عن رسول الله -ﷺ- مائة حديث وسبعة وعشرون حديثًا روى له مسلم عشرة أحاديث روى عنه جماعات من كبار التابعين (^٢) والله أعلم.
قوله -ﷺ-: "استقيموا ولن تحصوا" الحديث، أي لن تحصوا ما لكم عند الله من الأجر والثواب إن استقمتم (^٣) وقيل معناه لن تحصوا جميع أعمال
_________________
(١) = و(١٣/ ٤٥٣ رقم ١٤٣١٢). قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٤١: وإسناده ضعيف من أجل ليث بن أبي سليم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٨)، والإرواء (٢/ ١٣٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧٩)، والمروزي (١٧٤)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٩٣ رقم ٨١٢٤) والبيهقي في الشعب (٤/ ٢٩٨ رقم ٢٥٤٧). وقال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٤٢: هذا إسناد ضعيف لضعف تابعيه. وضعفه الألباني في الإرواء (٢/ ١٣٧)، والروض النضير (١٧٧). وصححه في صحيح الترغيب (١٩٩).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤٠ - ١٤١ الترجمة ٩٦).
(٤) تنبيه الغافلين (ص ٢٦٧)، المسالك (٢/ ١٢٧)، ومطالع الأنوار (٢/ ٣٢٨/)، وتحفة الأبرار (١/ ١٧١)، والمفاتيح (١/ ٣٥٥).
[ ٢ / ٤٠٨ ]
البر (^١) ومعنى الحديث لن تقدروا على الاستقامة كلها (^٢) وقيل معناه ولن تطيقوا القيام بشرط الاستقامة ورعاية حدودها وذلك لدقة أمرها وعسر المحافظة عليها (^٣) والمطلوب من العبد الاستقامة وهي السداد فإن لم تقدروا عليها فالمقاربة فإن نزل عنها فالتفريط والإضاعة (^٤) وقد ورد أن استقامة الإيمان من أفضل الإيمان كما في المسند عن النبي -ﷺ- قال: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" (^٥) الحديث والمراد باستقامة إيمانه أعمال جوارحه فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة القلب ومعنى استقامة القلب أن يكون ممتلئا من محبة الله ومحبة طاعته وكراهة معصيته، قال الحسن البصري لرجل: فى او قلبك فإن حاجة الله تعالى إلى العباد صلاح قلوبهم يعني أن مراده منهم
_________________
(١) مطالع الأنوار (٢/ ٣٢٧)، والمجموع شرح المهذب (٤/ ٣).
(٢) شأن الدعاء (ص ١٢٤)، والاستذكار (١/ ٢٠٩)، والمسالك (٢/ ١٢٨)، ومشارق الأنوار (١/ ٢٠٦)، ومطالع الأنوار (٢/ ٣٢٨)، والنهاية (١/ ٢٩٨)، وجامع العلوم والحكم (١/ ٢٧٠).
(٣) الديباجة (ص ٣٥٥/ رسالة علمية).
(٤) مدارج السالكين (٢/ ١٠٥ - ١٠٦).
(٥) أخرجه أحمد ٣/ ١٩٨ (١٣٠٤٨)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٩)، وفي مكارم الأخلاق (٣٤٢)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨٨٧) عن أنس. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٥٣: رواه أحمد، وفي إسناده علي بن مسعدة وثقه جماعة، وضعفه آخرون. وقال في ١/ ٥٧: رواه أحمد وفيه: علي بن مسعدة، وثقه يحيى بن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٨٤١) وصحيح الترغيب (٢٥٥٢) و(٢٨٦٥).
[ ٢ / ٤٠٩ ]
ومطلوبه صلاح قلوبهم ولا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة الله ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه ويمتلئ من ذلك هذا هو حقيقة التوحيد ومعنى لا إله إلا الله فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له (^١)، قال القشيري: الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عَنِ المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بَيْنَ يدي الله تَعَالَى. عَلَى حقيقة الصدق ولذلك قَالَ -ﷺ- استقيموا ولن تحصوا (^٢)، ولقد أخبر النبي -ﷺ- أن الناس لا يطيقوا الاستقامة حق الاستقامة كما في الحديث (^٣) فأصل الاستقامة استقامة العبد على التوحيد فمتى استقام العبد على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله ومهابته ومحبته وإرادته ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإعراض عما سواه استقامت الجوارح كلها على طاعته فإن القلب هو ملك الأعضاء وهي جنوده فإذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه (^٤) والله أعلم.
قوله -ﷺ-: "سددوا وقاربوا" فالسداد الاستقامة والإصابة والمقاربة القصد الذي لا غلو فيه ولا تقصير، قال العلماء: معنى الاستقامة لزوم طاعة الله تعالى وهي من جوامع الكلم وهي نظام الأمور (^٥) ومعنى الحديث اطلبوا
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٢٠).
(٢) الرسالة (٢/ ٣٥٧).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٠٧).
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٠٩).
(٥) رياض الصالحين (ص ٦٢).
[ ٢ / ٤١٠ ]
بأعمالكم السداد والاستقامة أي الصواب وهي القصد في الأمر والعدل فيه أي اقتصدوا في الأمور كلها واتركوا الغلو فيها والتقصير واعملوا أعمالكم مستقيمة وإن عجزتم عنه فقاربوا أي اقربوا منه يقال قارب فلان في أموره إذا اقتصد ومنه الحديث أنه قال لعلي -﵁- "سل الله السداد" واذكر بالسداد تسديدك السهم أي إصابة القصد به ومنه الحديث "مما من مؤمن يؤمن باللّه ثم يسدد" أي يقتصد فلا يغلو ولا يسرف، قاله ابن الأثير وغيره (^١).
قوله -ﷺ-: "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة" الحديث، اختلف أصحاب الشافعي في أفضل عبادات البدن بعد الشهادتين فقال الجمهور: أفضلها الصلاة فرظ ونفلا لأن الله تعالى سماها إيمانا فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٢) أي صلاتكم إلى بيت المقدس لأنها تلو الإيمان الذي هو أفضل القرب لاشتمالها على نطق اللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان والجنان هو القلب ولأنها تجمع من القرب ما تفرق في غيرها من ذكر الله تعالى ورسوله -ﷺ- والقرآن والتسبيح واللبث والاستقبال والطهارة والستارة وترك الأكل والكلام وغير ذلك مع اختصاصها بالركوع والسجود وغيرهما (^٣).
قوله -ﷺ-: "ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" يتوجه للمحافظة على
_________________
(١) النهاية (٢/ ٣٥٨) و(٤/ ٣٣).
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.
(٣) المهذب (١/ ١٥٦)، وكفاية النبيه (٣/ ٢٩٤)، والنجم الوهاج (٢/ ٣١٧ - ٣١٨).
[ ٢ / ٤١١ ]
الوضوء معان أحدها مراقبة الوضوء حتى لا يقع فيه إهمال كما قال في قوله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (^١) والثاني إدامته والثالث إسباغه والاعتناء بآدابه (^٢) وقال ﵇: "الطهور شطر الإيمان" أي شطر الصلاة وقيل إنما كان شطره لأن الإيمان يطهر نجاسة الباطن والطهور يطهر نجاسة الظاهر (^٣) وقال اَخرون الصوم أفضل لقوله -ﷺ- قال الله تعالى: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" الحديث، وقال الماوردي: أفضلها الطواف ورجحه الشيخ عز الدين وقال قوم الصلاة بمكة أفضل والصوم بالمدينة أفضل وقال القاضي الحج أفضل وقال ابن أبي عصرون: الجهاد أفضل ووقع في وسائل الحاجات للغزالي أن الدعاء أفضل العبادات ومراده من أفضلها وفي الحديث من حديث النعمان بن بشير: "الدعاء هو العبادة" وقال الغزالي في الإحياء (^٤): تختلف أفضليتها باختلاف أحوالها وأفعالها فلا يصح إطلاق القول بأفضلية بعضها كما لا يصح القول بأن الخبز أفضل من الماء فإن ذلك مخصوص بالجائع والماء مخصوص بالعطشان فإن اجتمعا نظر إلى الأغلب فصددتى الغني الشديد البخل بدرهم أفضل من قيام ليلة وصيام ثلاثة أيام لما فيه من دفع حبه الدنيا والصوم إن استحوذ عليه شهوة
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٣٨.
(٢) الديباجة (ص ٣٥٦/ رسالة علمية).
(٣) النجم الوهاج (٢/ ٣١٧ - ٣١٨).
(٤) إحياء علوم الدين (٤/ ١٣٧ - ١٣٨).
[ ٢ / ٤١٢ ]
الأكل أفضل من غيره وقال النووي (^١): ليس المراد بقولهم الصلاة أفضل من الصوم أن صلاة ركعتين أفضل من صيام أيام أو يوم فإن الصوم أفضل من ركعتين بلا شك فينما معناه أن من لم يمكنه الجمع بين الاستكثار من الصلاة والصوم وأراد أن يستكثر من أحدهما أو يكون غالب عليه منسوبًا إلى الإكثار منه ويقتصر من الآخر على المتأكد منه فهذا محل الخلاف والتفضيل والصحيح تفضيل الصلاة وخرج بإضافة العبادات إلى البدن أمران أحدهما عبادات القلب كالإيمان، والمعرفة، والتفكر، والتوكل، والصبر، والرضا، والخوف، والرجاء ومحبة الله ومحبة رسوله، والتوبة، والتطهير من الرذائل ونحوها، هذه كلها أفضل من العبادات البدنية قطعا وأفضلها الإيمان وهو لا يكون إلا واجبا وقد يكون هنا بالتحديد والثاني العبادات المالية قال أبو علي الفارقي إنها أفضل من العبادات البدنية لتعدي النفع بها وكلام الشيخ عز الدين ينازع في ذلك فإنه قال من ادعى أن العمل المتعدي أفضل من القاصد فهو جهل بل إن كانت مصلحة القاصر أرجح فهو أرجح فين كانت مصلحة المتعدي أرجح فهو أرجح فين تساويا لم يظهر الرجحان فليس لنا الحكم فإن أحدهما أفضل من الآخر (^٢) والله أعلم. أ هـ
قوله: ابن أبي سليم [هو ليث بن أبي سليم: فيه خلاف، وقد حدث عنه الناس وضعفه يحيى بن معين والنسائي، وقال ابن حبان: اختلط في آخر
_________________
(١) المجموع (٤/ ٤).
(٢) النجم الوهاج (٢/ ٣١٨ - ٣١٩).
[ ٢ / ٤١٣ ]
عمره، وقال مؤمل بن الفضل: سألت عيسى بن يونس عن ليث فقال: قد رأيته، وكان قد اختلط وكنت ربما مررت به ارتفاع النهار، وهو على المنارة يؤذن، وقال الدارقطني: كان صاحب سنة إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسب، ووثقه ابن معين في رواية] والدمشقي أهو أبو حفص مجهول قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أبو حفص هذا، وقال الحافظ أبو القفيسم ابن عساكر: أظن أن أبا حفص هذا عمر الدمشقي الذي روى عنه المصريون، وقال ابن عبد البر: حديثه منكر، وقد قيل: إنه عثمان بن أبي العاتكة، وليس ممن تقوم به حجة].
٣١٢ - وَعَن ربيعَة الجرشِي أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ اسْتَقِيمُوا وَنعما إِن اسْتَقَمْتُمْ وحافظوا على الْوضُوء فَإِن خير أَعمالكُم الصَّلَاة وتحفظوا من الأرْض فَإِنَّهَا أمكُم وَإنَّهُ لَيْسَ أحد عَامل عَلَيْهَا خيرا أَو شرا إِلَّا وَهِي مخبرة بِهِ.
رَوَاهُ الطَّبرانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة (^١) قَالَ المملي: الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَرَبِيعَة الجرشِي مُخْتَلف فِي صحبته وروى عَن عَائِشَة وَسعد وَغَيرهمَا قتل يَوْم مرج راهط.
قوله: عن ربيعة الجرشي، قال الحافظ الدمياطي: ربيعة الجرشي هذا قال أبو حاتم وغيره ليست له صحبة وقال بعضهم له صحبة (^٢) والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٦٥ رقم ٤٥٩٦)، وأبو نعيم في المعرفة (٢٧٦٦). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٤١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٨).
(٢) المتجر الرابح (ص ٤٦).
[ ٢ / ٤١٤ ]
قوله -ﷺ-: "استقيموا ونعما إن استقمتم" الحديث، فالاستقامة هي سلوك الصراط وهو الدين القويم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة وترك المنهيات كلها كذلك (^١) وقد ورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال "سددوا وقاربوا" فذكر الحديث إلى أن قال "إلا أن يتغمدني الله برحمته" (^٢) فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها فأمر بالاستقامة وهي السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال وأخبر في حديث الوضوء أنهم لا يطيقونها فنقلهم إلى المقاربة وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم كالذي يرمي إلى الغرض فإن لم يصب يقاربه ومع هذا.
فأخبرهم أن الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة فلا يركن أحد إلى عمله ولا يرى أن نجاته به بل إنما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين وهي القيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والنيات فالاستقامة فيها وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله قال بعض العارفين كن صاحب الاستقامة لا طالب الكرامة فإن نفسك متحركة في الكرامة وقال بعض المحققين أعظم الكرامة لزوم الاستقامة قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٠٧).
(٢) أخرجه البخارى (٥٦٧٣) و(٦٤٦٣)، ومسلم (٧١ - ٢٨١٦) عن أبى هريرة.
[ ٢ / ٤١٥ ]
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (^١) الآية وقال الله تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (^٢)، وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ (^٣) وسئل صديق الأمة وأعظمها استقامة أبو بكر عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله شيئا يريد الاستقامة على محض التوحيد قال عمر بن الخطاب -﵁-: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي لا تروغ روغ الثعالب، وقال عثمان بن عفان -﵁-: استقاموا أخلصوا العمل لله، وقال علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄: استقاموا أداوا الفرائض، وقال الحسن: على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته، وقال مجاهد: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله، وقيل: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، وفي صحيح مسلم (^٤) عن سفيان بن عبد الله قال: قلت: يارسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك -وفي حديث أبي أسامة غيرك- قال: "قل: آمنت بالله، فاستقم" (^٥).
قال القاضي عياض: هذا من جوامع كلمه -ﷺ- وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (^٦) أي وحدوا الله تعالى وآمنوا به فلم
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ٣٠.
(٢) سورة هود، الآية: ١١٢.
(٣) سورة فصلت، الآية: ٦.
(٤) صحيح مسلم (٦٢ - ٣٨).
(٥) مدارج السالكين (٢/ ١٠٤ - ١٠٦).
(٦) الأحقاف، الآية: ١٣.
[ ٢ / ٤١٦ ]
استقاموا فلم يحيدوا عن توحيدهم وطاعته ﷾ إلى أن توفوا على ذلك وعلى هذا أكثر المفسرين ومن بعدهم وهو معنى الحديث إن شاء الله تعالى (^١) انتهى.
وقال ابن عباس -﵁- في قوله تعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (^٢) ما نزل على رسول الله -ﷺ- في جميع القرآن آية أشد ملا أشق عليه من هذه الآية ولذلك قال -ﷺ- لأصحابه حين قالوا قد أسرع إليه الشيب فقال: "شيبتني هود وأخواتها" (^٣).
قوله -ﷺ-: "وحافظوا على الوضوء" الحديث، يستحب المحافظة على الدوام على الطهارة وعلى المبيت على الطهارة وعلى الوضوء المسنون وعلى تجديد الوضوء والوضوء في الغسل وعند النوم وللجنب عند الأكل والشرب أو النوم أو الوطئ ولحمل الميت وعند الغضب وعند الغيبة وعند قراءة القرآن ولقراءة الحديث وروايته ودراسة العلم وعند الأذان والخطبة في غير الجمعة ولزيارة قبر النبي -ﷺ- والوقوف بعرفات والسعي وبعد الفصد
_________________
(١) إكمال المعلم (١/ ٢٧٥).
(٢) سورة هود، الآية: ١١٢.
(٣) شرح النووى على مسلم (٢/ ٩) والحديث: أخرجه الترمذي (٣٢٩٧)، والمروزي في مسند أبي بكر (رقم ٣٠) والدارقطني في (العلل ١/ ٢٠٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤٣ و٤٧٦)، والبيهقي في دلائل النبوة (١/ ٣٥٧)، والبغوىِ في التفسير (٤/ ٢٠٨)، وفي شرح السنة (١٤/ ٣٧٢) وابن الشجري في الأمالي (٢/ ٢٤١) عن أبى بكر. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٥٥).
[ ٢ / ٤١٧ ]
والحجامة والقيء وأكل لحم الجزور وللخروج من خلاف العلماء في وجوبه وكذا يندب الوضوء لكل لمس أو مس أو نوم اختلف في النقض به وفي فتاوى ابن الصباغ (^١) أنه يستحب لمن قص شاربه ولعله أراد الخروج من خلاف من أوجب طهارة ما ظهر بالقطع فيعيد الوضوء للترتيب والموالاة (^٢) قاله في الديباجة.
وعن يزيد -﵁- قال: أوحى الله ﷿ إلى موسى ﵊: "إذا أصابتك مصيبة وأنت على غير وضوء فلا تلومن إلا نفسك" (^٣).
وعن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- "يا بني إن استطعت أن تكون أبدا على وضوء فافعل فإن ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتبت له شهادة" (^٤) وقال ابن عباس -﵁-: من ذكر الله وهو طاهر فالواحد عشر ومن ذكر الله وهو غير طاهر فواحد بواحد (^٥)، ذكر ذلك كله البيهقي في شعب الإيمان والله أعلم.
قوله -ﷺ- "وتحفظوا من الأرض فإنها أمكم" الحديث، ومنه الحديث "تمسحوا بالأرض فإنها بكم بارة" أي مشفقة عليكم كالوالدة البرة بأولادها
_________________
(١) في الأصل ابن الصلاح والتصويب من المجموع للنووى.
(٢) المجموع (١/ ٤٧٢ - ٤٧٣).
(٣) أخرجه البيهقى في الشعب (٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥ رقم ٢٥٢٨).
(٤) أخرجه البيهقى في الشعب (٤/ ٢٨٥ رقم ٢٥٢٩).
(٥) أخرجه البيهقى في الشعب (٤/ ٢٨٥ رقم ٢٥٣١).
[ ٢ / ٤١٨ ]
يعني أن منها خلقكم وفيها معاشكم وإليها بعد الموت معادكم قاله في النهاية (^١).
٣١٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَولَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم عِنْد كل صَلَاة بِوضُوء وَمَعَ كل وضوء بسواك" رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٢).
قوله: عن أبي هريرة تقدم.
قوله - ﷺ -: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك" الحديث كان في الأمر كل صلاة بوضوء ثم نسخ بعد ذلك بأحاديث وردت وتقدم الكلام على قوله "أمتي" في الوضوء وغيره وسيأتي الكلام على السواك وفضائله في بابه قريبا إن شاء الله تعالى.
٣١٤ - وَعَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه ﵄ قَالَ أصبح رَسُول الله - ﷺ - يَوْمًا فَدَعَا بِلَالًا فَقَالَ يَا بِلَال بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة إِنِّي دخلت البارحة الْجنَّة فَسمِعت خشخشتك أَمَامِي فَقَالَ بِلَال يَا رَسُول الله مَا أَذِنت قطّ إِلَّا صليت رَكعَتَيْنِ وَلا أصابني حدث قطّ إِلَّا تَوَضَّأت عِنْده فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -
_________________
(١) النهاية (١/ ١١٦).
(٢) أخرجه الطيالسى (٢٤٤٨)، وأحمد ٢/ ٢٥٩ (٧٥١٣)، والنسائى في الكبرى (٣٢٢٤). قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٢١: رواه أحمد، ولأبي هريرة حديث في الصحيح غير هذا، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وهو ثقة حسن الحديث. وقال الألباني: حسن صحيح. صحيح أبى داود (١/ ٨١) وصحيح الترغيب (٢٠٠).
[ ٢ / ٤١٩ ]
لهَذا" رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صحِيحه (^١).
قوله: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، هو عبد الله بن بريدة بن حصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها نزل البصرة ثم مرو وقبره بها وشهد خيبر والفتح وكان أميرًا على ربع أسلم روى عنه ابناه عبد الله وسليمان والشعبي وغيرهم وكان فارسا شجاعا مات سنة ثلاث وستين (^٢).
قوله: "أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا فدعا بلالًا" الحديث بلال كنيته أبو عبد الله وقيل أبو عبد الكريم ويقال أبو عمرو فهو بلال بن رباح الحبشي التيمي القرشي مولى أبي بكر - ﵁ - وأماه حمامة مولاة لبني جمح وكان - ﵁ -: ممن أسلم أول النبوة اشتراه أبو بكر بخمس أواق وقيل بسبع وقيل بتسع وأعتقه لله ﷿ وكان بلال يؤذن لرسول الله - ﷺ - حياته سفرا وحضرا وهو أول من أذن في الإسلام ولما توفي رسول الله - ﷺ - ذهب إلى الشام للجهاد فأقام بها إلى أن مات وقيل إنه أذن لأبي بكر مدته وأذن لعمر مرة حين قدم عمر من الشام فلم ير باكيا أكثر من ذلك اليوم وأذن في قدمة قدمها إلى المدينة لزيارة قبر رسول الله - ﷺ - طلب ذلك منه الصحابة ﵃ فأذن ولم يتم الأذان توفي - ﵁ - بدمشق سنة عشرين وقيل سنة إحدى وعشرين وقيل سنة
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٥٤ (٢٢٩٩٦) و٥/ ٣٦٠ (٢٣٠٤٠) وفضائل الصحابة (٧١٣) و(١٧٣١)، والترمذى (٣٦٨٩)، وابن خزيمة (١٢٠٩)، والحاكم (٣/ ٢٨٥ و٣١٣). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الألباني في المشكاة (١٣٢٦)، وصحيح الترغيب (٢٠١).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣ ترجمة ٨١)، وشرح الإلمام (٥/ ١٩٦).
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ثماني عشرة وهو ابن أربع وستين سنة وقيل كان قرن أبي بكر وقيل توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة وقيل سبعين سنة وقيل كان ينزل داريا قرية بقرب دمشق ودفن عند الباب الصغير بدمشق وقيل بالقرية المذكورة وقيل بباب كيسان وقيل بحلب والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالباب الصغير بدمشق، قالوا: وكان - ﵁ - آدم اللون شديد الأدمة نحيفا طوالا خفيف العارضين وكان يعذب في الله تعالى (^١)، وقال ابن سعد بإسناده عن عروة بن الزبير قال: كان بلال يعذب حين أسلم ليرجع عن دينه، فما أعطاهم قط كلمة مما يريدون، وكان الذي يعذبه أمية بن خلف (^٢). وقال أحمد بإسناده عن أنس قال: أبطأ بلال عن صلاة الفجر فقال له رسول الله - ﷺ - ما حبسك؟ فقال: مررت بفاطمة تطحن والصبي يبكي فقلت لها إن شئتك كفيتك الرحى وكفيتني الصبي وإن شئت كفيتك الصبي وكفيتني الرحى فقالت ﵂ أنا أرفق بابني منك فذاك الذي حدث، فقال رسول الله - ﷺ - رحمتها يرحمك الله (^٣).
قال ابن عساكر: تزوج بلال في خولان امرأة اسمها ليلى من أهل داريا لها صحبة وقد حكى عن بلال - ﵁ - أنه قال لما احتضر: واحزناه فقال لا بل
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٦ - ١٣٧ الترجمة ٨٨).
(٢) الطبقات (٣/ ٢٣٢).
(٣) أخرجه أحمد ٣/ ١٥٠ (١٢٥٢٤). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣١٦: رواه أحمد، ورجاله ثقات إلا أن أبا هاشم صاحب الزعفران لم يسمع من أنس، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٢١ ]
واطرباه غدا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه (^١).
وحكى ابن عبد البر فقال: قالت أم الدرداء حدثني أبو الدرداء قال أقام بلال بداريا فرأى النبي - ﷺ - في المنام فقال له يا بلال ما هذه الجفوة أما آن لك أن تزورني، فانتبه فزعا وركب ناقته وأتى المدينة فجعل يمرر خديه على التراب بين يدي الحجرة وأخذ الحسن والحسين فجعل يقبلهما ويبكي وبكى المسلمون وقالوا يا أبا عبد الله ننشدك الله إلا أسمعتنا أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله - ﷺ - في السحر فلما كان وقت السحر صعد المكان الذي كان يؤذن عليه للنبي - ﷺ - فلما قال الله أكبر ارتجت المدينة فلما أن شهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجتها فلما قال أشهد أن محمدا رسول الله خرجت العواتق من خدورهن وقلن بعث رسول الله - ﷺ - فما رئي باك ولا باكية بعد وفاة رسول الله - ﷺ - أعظم من ذلك اليوم (^٢) ذكره ابن الجوزي.
_________________
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا (٢٩٤) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٤٧٥ - ٤٧٦) عن سعيد بن عبد العزيز.
(٢) أخرجه الغسانى في أخباره وحكاياته (٧٥)، وأبو أحمد الحاكم في الأسامى والكنى (٥/ ١٨) مختصرا وبتمامه كما في تاريخ الإسلام (١٧/ ٣٤ - ٣٥) وسير أعلام النبلاء (٣/ ٢١٧ - ٢١٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ١٣٦ - ١٣٧). وقال الذهبى في التاريخ: إسناده جيّد ما فيه ضعيف، لكنّ إبراهيم مجهول. وقال في السير: إسناده لين وهو منكر. وقال ابن حجر في لسان الميزان (١/ ١٠٨): وهي قصة بينة الوضع وقد ذكره الحاكم أبو أحمد في الكنى. وحكم عليه بالوضع السيوطى كما في الزيادات على الموضوعات (١/ ٤٠٦).
[ ٢ / ٤٢٢ ]
قوله - ﷺ - لبلال: "يا بلال بم سبقتني إلى الجنة إني دخلت الجنة البارحة فسمعت خشخشتك أمامي".
قوله: بما سبقتني هو بحذف الألف وصحح الشيخ قطب الدين على إثباتها فلعله من جهة الرواية وإلا فالأصح عند النحاة حذف الألف (^١) قاله في شرح الإلمام.
وقوله: "فسمعت خشخشتك أمامي" الخشخشة حركة لها صوت كصوت السلاح قاله في النهاية (^٢) وقال في شرح الإلمام، والخشخشة صوت السلاح وهي ههنا صوت داخل في الشجر ونحوه من حشيش وغيره مأخوذ من خش في الشيء إذا دخل فيه (^٣).
وقوله "أمامي": وأمام بمعنى قدام وهو من الأضداد يأتي بمعنى وراء أيضًا قيل تلقي هذا الحديث بالقبول والتصديق، ولا يدل على أن أحدًا يسبق رسول الله - ﷺ - إلى الجنة وأما تقدم بلال بين يديه - ﷺ - في الجنة فلأن بلالا كان يدعو إلى الله تعالى بالأذان فيتقدم أذانه بين يدي النبي - ﷺ - فتقدم دخوله بين يديه كالحاجب والخادم فهو كسبق ترتيب لا رتبة وقد روي في حديث أن النبي - ﷺ - يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه ينادي بالأذان فتقدمه بين يديه - ﷺ - كرامة للرسول - ﷺ - وإظهارا لشرفه وفضله لا سبقا من بلال له بل هذا السبق
_________________
(١) انظر طرح التثريب (٢/ ٦٠).
(٢) النهاية (٢/ ٣٣).
(٣) انظر: جمهرة اللغة (١/ ١٨٩).
[ ٢ / ٤٢٣ ]
من جنس سبقه إلى الأذان ودخول المسجد ونحوه أي فهو سبق ترتيب لا رتبة ومعلوم أن الذي سمع خشخشته بين يديه هو روح بلال وإلا فجسده لم ينقل إلى الجنة وأما الدخول حقيقة فهو - ﷺ - أول من يدخلها مطلقا، وأما هذا الدخول فالمراد به سريان الروح في حالة النوم فلا إشكال في ذلك قاله في حادي الأرواح (^١).
قوله: فقال بلال يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين" وقط فيها لغات أفصحها تشديد الطاء وضمها إذا كانت ظرفا زمانيا بمعنى الدهر وقد تخفف الطاء وتضم القاف وهي اسم للزمان الماضي كعوض اسم للآتي (^٢)، وأما الركعتان بعد الوضوء فما تعرف إلا في هذا وقد أقرها - ﷺ - وكذلك الوضوء عند الحدث في قوله "ولا أصابني حدث قط إلا توضأت عندها" أي عند حالة الحدث (^٣).
قوله: "بهذا" أي بسبب ذلك سبقت وهو تشريع لأمته فيقتدى ببلال فيهما ويكون لهما أجرهما وأجر من عمل بهما إلى يوم القيامة فيمن سن سنة حسنة والله أعلم، وروى الترمذي أن النبي - ﷺ - قال: "أتيت على قصر مربع مشرف من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لرجل من العرب، فقلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا لرجل من قريش، فقلت: أنا قرشي، لمن
_________________
(١) حادى الأرواح (١/ ١١٦)، والروح (ص ١٩٣)، وطرح التثريب (٢/ ٥٨).
(٢) الفائق (٣/ ٢٠٨)، ومشارق (٢/ ١٨٣).
(٣) مشكاة المصابيح (٤/ ١٢٤٨)، وطرح التثريب (٢/ ٥٩).
[ ٢ / ٤٢٤ ]
هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد - ﷺ -، فقلت: أنا محمد لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب". فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله علي ركعتين. فقال رسول الله - ﷺ -: "بهما".
وقال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح (^١).
وفي هذا الحديث يعني حديث السبق فوائد منها: ملاطفة الخادم وتبشيره.
ومنها: استفهامه عما لا علم منه عنده ليعلمه به. ومنها: أن المنام النبوي حق وأنه عبره على ظاهره. ومنها: تكرر دخول النبي - ﷺ - الجنة وفي تتمة هذا الحديث أنه دخلها ورأى قصرا لعمر وامرأة تتوضأ إلى جانبه رواه أنس ورآها أيضًا في منامه الطويل ووصف بنائها لبنة فضة ولبنة ذهب وسأل عن منزله فقال: ذاك منزلك وقد عرضت عليه أيضًا في عرض الحائط وأراد أخذ عنقود منها وكان يقظة ورآها ليلة الإسراء إلى غير ذلك.
ومنها: أن رؤيته لبلال كان مرارا ولم يخبره في أول مرائيه إياه فدل ذلك على جواز كتم البشارة إلى حين يتأهل صاحبها لسماعها أو إلى غير ذلك مما يراه العالم.
وفي الحديث دليل على أن للإنسان أن يفعل من العبادات ما أذن في أصله في الجملة وإن لم يعين ذلك النوع الذي اخترعه ولكن قد جاء بعد ذلك
_________________
(١) أخرجه الترمذى (٣٦٨٩). وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الألباني كما سلف.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
بتبيين سنيته لقوله "بين كل أذانين صلاة".
وفيه دليل على سنة الجمعة قبلها لأنها داخلة في عموم قوله "ما أذنت قط إلا وصليت ركعتين" وكذلك "بين كل أذانين صلاة" ولها أدلة ليس هذا موضعها وقد أفردت في جزء.
وفيه ترتب الثواب على الطاعات وذلك تفضل من الله تعالى فإن السؤال وقع عن السبب في ذلك.
وفيه دليل على أن الخصوصيات قد تكون للمفضول ولا يلزم منها تنقيص الفاضل فإن الفرائض أعلى درجة مما ذكره وأفضل ولم ينسب ذلك إليها بل لما هو دونها ولهذا فهم منه - ﷺ - أنه إنما استفهمه عن أعمال يخفيها لم تظهر عليه فإن النبي - ﷺ - كان عالما بإيمانه وآدابه وصلواته وغير ذلك من أموره فعلم بالقرينة أنه أراد أمرا آخر ممن لم يظهر عليه فلذلك بادر فيه فأقره عليه (^١). قال في تهذيب النفوس: قال العلماء من الحنفية ومن الشافعية يستحب أن يصلي ركعتين من الفراغ من الوضوء لحديث بلال هذا، ففيه دليل على أن استدامة الوضوء مستحبة وأن صلاة ركعتين بعده كذلك (^٢).
فرع: ذكر الأصحاب أنه عقب الفراغ من وضوئه يشرب شيئًا من فضل
_________________
(١) انظر لهذه الفوائد: طرح التثريب (٢/ ٥٧ - ٦٠)، وفتح البارى (٣/ ٣٤ - ٣٦).
(٢) طرح التثريب (٢/ ٥٩).
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وضوئه مستقبل القبلة قائما (^١) فقد روي في حديث عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال "الشرب من فضل وضوء المؤمن فيه شفاء من سبعين داء أدناها الهم" (^٢).
وفي هذا الحديث حجة لمذهب أهل السنة أن الجنة مخلوقة موجودة الآن خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة (^٣).
٣١٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تَوَضَّأ على طهر كتب لَهُ عشر حَسَنَات. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (^٤). قَالَ الْحَافِظ وَأما الحَدِيث الَّذِي يروى عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ الْوضُوء على الْوضُوء نور على نور (^٥) فَلَا يحضرني لَهُ أصل من حَدِيث النَّبِي - ﷺ -
_________________
(١) انظر: فتح الجواد (١/ ٦٧)، وتحفة المحتاج (١/ ٢٤١)، وفتح المعين (١/ ٥٨).
(٢) أخرجه ابن شاهين في الفضائل (٥٣٦)، وابن الجوزى في العلل (١/ ٣٥٤ رقم ٥٨١). قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - قال يحيى بن معين العكاشي كذاب وقال ابن عدي: يروي عن الأوزاعي أحاديث مناكير موضوعة. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٣٧٥٧).
(٣) طرح التثريب (٢/ ٦٠).
(٤) أخرجه ابن سلام في الطهور (٣٨)، وعبد بن حميد (٨٥٩)، وابن ماجه (٥١٢)، وأبو داود (٦٢)، والترمذى (٥٩). قال الترمذى: وهو إسناد ضعيف، قال علي: قال يحيى بن سعيد القطان: ذكر لهشام بن عروة هذا الحديث، فقال: هذا إسناد مشرقي. وضعفه الألباني في المشكاة (٢٩٣) وضعيف الترغيب (١٣٩) وضعيف أبى داود (١٠).
(٥) قال الدارقطنى في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ١٨٦): حديث: نور على نور الحديث. غريب من علي بن زيد عنه، تفرد به الحجاج بن سنان وعنه السكن بن إبراهيم =
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وَلَعَلَّه من كَلَام بعض السّلف وَالله أعلم.
قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام عليه مبسوطا في أول هذا التعليق في حديث الغار.
قوله - ﷺ - "من توضأ على طهر كتبت له عشر حسنات" الحديث، قال النووي: والذي أجمع عليه أهل الفتوى أنه يستحب تجديد الوضوء لكل صلاة (^١) بخلاف الغسل فإن فيه وجهان للأصحاب فالوضوء يسن تجديده لهذا الحديث ولأنه كان في أول الإسلام الوضوء لكل صلاة فنسخ وجوبه وبقى أصل الطلب (^٢)، والنووي أطلق استحباب تجديد الوضوء في باب الغسل تبعا للرافعي وهو محمولا على ما قيضه في باب النذر من الروضة وشرح المهذب والتحقيق أنه لا يشرع إلا إذا صلى بالأول صلاة على الأصح (^٣) وللأصحاب في شرط استحباب التجديد وجوه أصحها أنه يستحب لمن صلى به سواء كانت الصلاة فرض أو نافلة وأراد فرضا آخر، والثاني لا يستحب إلا لمن صلى فريضة والثالث أنه يستحب لمن فعل به ما
_________________
(١) = الترجمي وعنه عون بن عمارة. وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (١/ ٨٤): حديث الوضوء على الوضوء نور على نور لم أجد له أصلًا. وقال الألباني في المشكاة (٤٢٣) وضعيف الترغيب (١٤٠): لا أصل له.
(٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٠٣).
(٣) نهاية المطلب (١/ ١٥٥)، والمجموع (١/ ١٥٨) و(٢/ ١٨٤)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٤).
(٤) النجم الوهاج (١/ ٣٩٤).
[ ٢ / ٤٢٨ ]
لا يجوز إلا بطهارة كمس المصحف وسجود التلاوة والرابع أنه يستحب وإن لم يفعل به شيء أصلا بشرط أن يتخلل بين التجديد والوضوء من يقع بمثله تفريق (^١)، قال الأصحاب أيضًا يستحب تجديد الوضوء وهو أن يكون على طهارة فيتطهر ثانيًا من غير حدث (^٢) وأن يقول في نيته نويت تجديد الوضوء وأما المحدث فيقول نويت الطهارة للصلاة أو الوضوء وله كيفيات كثيرة ذكرت في باب الغسل تقدمت فليطلبها من هناك.
_________________
(١) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٧٧).
(٢) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٧٧).
[ ٢ / ٤٢٩ ]