٣٥٠ - رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: "مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأ فَيبلغ أَو فيسبغ الْوضُوء ثمَّ يَقُول أشهد أَن لا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يدْخل من أَيهَا شَاءَ رَوَاهُ مسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَقَالا فَيحسن الْوضُوء" وَزَاد أَبُو دَاوُد ثمَّ يرفع طرفه إِلَى السَّمَاء ثمَّ يَقُول فَذكره وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ كَأبي دَاوُد وَزَاد اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين الحَدِيث وَتكلم فِيهِ (^١).
قوله: عن عمر بن الخطاب، تقدم الكلام على مناقبه في مواضع.
قوله - ﷺ -: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء" الحديث، الوضوء تقدم الكلام عليه في مواضع.
وقوله: "فيبلغ أو فيسبغ" بضم حرف المضارعة الشك من الراوي وهما بمعنىً وإنما أتى بذلك محافظة على اللفظ، ولا شك أنه أولى، وقد كانوا يحتاطون في ذلك فيقولون أو كما قال أو نحو ذا أو قريبًا من ذا، وهذا كله إذا كانت الرواية بالمعنى وفي المسألة خلاف والراجح الجواز وهذا لمن عرف اللغة ومنهم من خص بالقول الأول، ومنهم من منعه في الحديث وأظهره في
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧ - ٢٣٤)، وابن ماجه (٤٧٠)، وأبو داود (١٦٩)، والترمذى (٥٥)، والنسائى في المجتبى ١/ ٣٣٦ (١٥٣). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٤)، والإرواء (٩٦).
[ ٢ / ٤٩٦ ]
غيره، ولعل محل الخلاف فيما إذا أوردها من لفظه، أما إذا وضع ذلك مسطورًا فلا يترتب عليه من اختلاف الأحاديث فيكثر التغيير حتى لعله يخرج عن المقصود، ونقل ابن الصلاح أن ما في الكتب ليس لأحد أن يغير لفظه ويثبت بدله بمعناه، وإنما رخص في الألفاظ لما في ضبطها من الحرج، وذلك منتف هنا، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس له أن يملك تغيير تصنيف غيره (^١)، وهذه نكتة مهمة ينبغي إشاعتها، وأما ما نقل عن بعض الناس من تجويز القراءة بالمعنى فقد رجع عنه، وكيف واللفظ معجز ولا يقدرون على أن يأتوا بمثله لفظًا ولا معنى، والله أعلم، قاله في شرح الإلمام؛ ومعنى: "فيسبغ" أن يبالغ في إكمال الوضوء وإتمامه يإيصال الماء مواضعه على الوجه المسنون، والإبلاغ هو الإيصال (^٢).
قوله - ﷺ -: "ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" والثمانية بالرفع صفة للأبواب، فهذا الحديث وغيره يدل على أن أبواب الجنة ثمانية، واستدلوا لذلك بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية، قال في صفة النار: ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (^٣) بغير واو، وقالت طائفة: هذه
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢١٤).
(٢) الصحاح (٤/ ١٣١٦)، وشرح النووى على مسلم (٣/ ١٢١)، والكواكب الدرارى (٢٢/ ١٣١).
(٣) سورة الزمر، الآية: ٧١.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
الواو واو الثمانية دخلت في أبواب الجنة ولم تدخل في أبواب النار لأنها سبعة، وهذا قول ضعيف لا دليل له ولا تعرفه العرب ولا أئمة العربية، وإنما هو من استنباط بعض المتأخرين، والسر في حذفها من أهل النار وذكرها في أهل الجنة أن الملائكة تسوق أهل النار إليها وأبوابها مغلقة حتى دنوا منها فتحت في وجوههم فيأتيهم العذاب بغتة فإنها دار الإهانة والخزي فلم يستأذن لهم في دخولها، وأما الجنة فإنها دار كرامة الله ومحل رضوانه ومسكن أوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مفتحة زيادة في إكرامهم ويجدون ريحها من مسيرة خمس مائة عام ثم يحيون بأطيب الكلام وتقول لهم الملائكة ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (^١) فإن الله حرمها إلا على الطيبين فيبشروهم بالسلامة وبالطيب والدخول والخلود (^٢)، قاله في الديباجة؛ ففي هذا الحديث أنه يستحب للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخره (^٣)، وزاد أبو داود "ثم يرفع طرفه إلى السماء" والمراد برفع طرفه توجهه (^٤)، ويستحب أن يضم إلى ذلك ما رواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة مرفوعا إلى النبي - ﷺ - "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أستغفرك وأتوب
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٧٣.
(٢) حادى الأرواح (ص ٥١ - ٥٣).
(٣) شرح النووى على مسلم (٣/ ١٢١).
(٤) انظر: شرح الإلمام (٥/ ١٧٠ - ١٧١).
[ ٢ / ٤٩٨ ]
إليك" (^١) قال النووي: قال أصحابنا: وتستحب هذه الأذكار للغسل أيضًا (^٢)، قال النووي: وروينا في مسند الإمام أحمد بن حنبل وسنن ابن ماجه وكتاب ابن السني من رواية أنس عن النبي - ﷺ -: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" (^٣) فتحت له ثمانية أبواب الجنة من أيها شاء دخل، وإسناده ضعيف (^٤)، قال الشيخ نصر المقدسي ويقول مع هذه الأذكار: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ويضم إليه وسلم، قال النووي: قال أصحابنا: ويقول هذه الأذكار مستقبل القبلة وتكون عقيب الفراغ من الوضوء ولا يؤخر عن ذلك (^٥)، وقد جاء في إسباغ الوضوء وفضله أحاديث جمة منها: أن إسباغه على المكاره هو الرباط مع ما ضم إليه من الخيرات، ومنها: أنه علامة الإيمان لحديث: "لا يسبغ الوضوء ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"، ومنها: مغفرة ما تقدم وما تأخر كما تقدم، ومنها: رفعة الدرجات،
_________________
(١) أخرجه النسائى في الكبرى (١٠٠١٩) و(١٠٠٢٠) و(١٠٠٢١) واليوم والليلة (٨١ و٨٢ و٨٣) موقوفًا ومرفوعًا، والحاكم (١/ ٥٦٤). وقال النسائى: هذا خطأ والصواب موقوف. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٣٣).
(٢) الأذكار (٨٢).
(٣) أخرجه أحمد ٣/ ٢٦٥ (١٣٧٩٢)، وابن ماجه (٤٦٩)، والطبراني في الدعاء (٣٨٥)، وابن السنى في اليوم والليلة (٣٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٧٨).
(٤) الأذكار (ص ٨٣).
(٥) الأذكار (ص ٨١).
[ ٢ / ٤٩٩ ]
ومنها: تكفير السيئات، ومنها: أن تجديده بعشر حسنات كما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وتقدم، وأما قولهم: إنه نور على نور.
فلم أره في الحديث ولعله من كلام السلف، وتقدم ذلك، ومنها: "الطهور شطر الإيمان" أي: نصف الإيمان، ومنها: أن من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بقلبه وجبت له الجنة، وأما قوله في الحديث "فتحت له أبواب الجنة الثمانية" وهو مذكور في أحاديث الباب ولكن جاء في رواية الترمذي "وغير ثمانية من أبواب الجنة" تدل على أنها أكثر، وقد ذكر القرطبي في التذكرة وابن عقيل البالسي في شرح أحكام عبد الحق أحاديث بتسمية أبواب أخر منها: باب الصلاة، ومنها: باب الجهاد، ومنها: باب الصدقة، ومنها: باب الريان، ومنها: باب التوبة، ومنها: باب الكاظمين الغيظ، ومنها: باب الراضين، ومنها: الباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه، وذكر في نوادر الأصول باب محمد - ﷺ - وهو باب الرحمة وهو باب التوبة الذي يغلق إذا طلعت الشمس من مغربها فلم يفتح إلى يوم القيامة، ومنها: باب الحج، ومنها: باب العمرة، ومنها: باب الصلة، وذكر الأزدي في كتاب النصيحة عن أبي هريرة مرفوعا باب الضحى يقال للذين كانوا يواظبون على صلاة الضحى: هذا بابكم فادخلوه (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط ٥/ ١٩٥ (٥/ ١٩٥ رقم ٥٠٦٠)، والحاكم كما في زاد المعاد ١/ ٣٤٨ - ٣٤٩ عن سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة مرفوعًا به. =
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وفي الترمذي: باب أمة النبي - ﷺ - (^١)، وذكر صاحب العروس حديثًا في باب الفرح لا يدخل منه إلا من فرح الصبيان (^٢)، فهذه خمسة عشر بابًا، وذكر زيادة على ذلك، ولكن بتكلف، ومبني هذه الأمور على الصحة ولكنا
_________________
(١) = وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٣٩: فيه سليمان بن داود اليمامي أبو أحمد، وهو متروك. وقال الألباني: في الضعيفة (٣٩٢): ضعيف جدًّا. وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٤/ ٢٠٧، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٨٠١) من طريق يحيى بن شبيب اليماني عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أنس مرفوعًا: إن في الجنة بابا يقال له: الضحى، فمن صلى الضحى حنت إليه صلاة الضحى، كما يحن الفصيل إلى أمه، حتى إنها لتستقبله حتى تدخله الجنة. والحديث رواه الخطيب في ترجمة: يحيى بن شبيب اليماني وقال: يروي أحاديث باطلة، وروى له ثلاثة أحاديث، منها هذا الحديث. وقال عنه الألباني في الضعيفة (٣٩٣): موضوع. وأخرجه الخطيب أيضا في تاريخه ١٤/ ٢٠٧، وابن الجوزي في العلل (٨٠٢) من طريق يحيى بن شبيب عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أنس مرفوعا: إن في الجنة بابا يقال له: الضحى، لا يدخل منه إلا من حافظ على صلاة الضحى. وهذا حديث باطل أيضًا، كما قال الخطيب. وقال الألباني في الضعيفة (٣٩٤): موضوع.
(٢) أخرجه الترمذى (٢٥٤٨) عن ابن عمر. قال الترمذى: هذا حديث غريب. سألت محمدًا، عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال: لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبد الله. وضعفه الألباني في المشكاة (٥٦٥٤/ التحقيق الثاني).
(٣) أخرجه ابن عدى في الكامل (١/ ٣٢٨) عن عائشة. قال ابن عدى: وهذه الأحاديث لهشام بن عروة مناكير كلها بهذا الإسناد، ما أعلم حدث به غير أحمد بن حفص هذا، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب، وهو ممن يشبه عليه فيغلط فيحدث به من حفظه. وأخرجه الديلمى كما في اللآلئ (٢/ ٧١) عن ابن عباس. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٧١١٣).
[ ٢ / ٥٠١ ]
تسامحنا في ذلك إذا لا يتعلق بها حكم شرعي فنبحث عن صحتها (^١)، والله أعلم.
والحكمة من دخوله من أبواب الجنة الثمانية التنويه بقدره ورفع ذكره، ولهذا يدعى أبو بكر الصديق من جميعها وكذا من شأنه، ولعل الحديث المذكور فيمن لم يغلب عليه عمل يدعى به فيدعى منها، وأما من غلب عليه الصلاة فيدخل من بابها، وإن دعى من الجميع وكذا في الصدقة والجهاد وغيرها (^٢).
تنبيه: ذكر الشيخ يحيى الدين النووي في الأذكار أن من بلغه حديث في فضل عمل فليعمل به ولو مرة ليدخل في زمرة أهله (^٣)، قال العلماء: فلما أن أمر صاحب الشرع صلوات الله وسلامه المتوضئ بتطهير الباطن وتطهير الظاهر، شرع له إذ ذاك الدعاء وهو قوله: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين إشارة منه إن شاء الله تعالى في قبول ما أتى به لقوله - ﷺ -: "الدعاء مخ العبادة" فكمل الحال وتمت النعمة وقبل الدعاء بتخييره - ﷺ - بقوله: "فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" لأن هذا عبد قد تاب من كل ما جنى وتطهر باطنًا وظاهرًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ
_________________
(١) انظر: نوادر الأصول (٥/ ٢٦٧)، والتذكرة (ص ٩٥٣ - ٩٥٦)، والتوضيح (١٣/ ٤٠ - ٤١)، وإرشاد السارى (٥/ ٢٧٨).
(٢) شرح الإلمام (٥/ ١٦٧ - ١٦٨).
(٣) الأذكار (ص ٣٥).
[ ٢ / ٥٠٢ ]
الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (^١) ولأجل هذا المعنى جاء الحديث، فيمن امتثل ما ذكر من إسباغ الوضوء وإكماله أن صلاته نافلة له والنوافل الزوائد أي إن لم يجد من الذنوب شيئًا تكون الصلاة للتوبة المتقدمة والتطهير الظاهر والباطن فبقيت صلاته نافلة أي زائدة فكان موضعها رفع الدرجات لا غير (^٢)، انتهى، قال في حدائق الأولياء بعد سياق حديث عمر، من العناية والإكرام ما لا يخفى من الإنعام ومناسبة لرفع الدرجات ومضاعفة الأجور والثواب، ولله منح مواهب وعطيات سوالف (^٣)، انتهى.
٣٥١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: "من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة من مقَامه إِلَى مَكَّة وَمن قَرَأَ عشر آيَات من آخرهَا ثمَّ خرج الدَّجَّال لم يضرّهُ وَمن تَوَضَّأ فَقَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لا إِلَه إِلَا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك كتب فِي رق ثمَّ جعل فِي طَابع فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيح وَاللَّفْظ لَهُ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ فِي آخِره ختم عَلَيْهَا بِخَاتم فَوضعت تَحت الْعَرْش فَلم تكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَصوب وَقفه على أبي سعيد (^٤).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.
(٢) انظر: إكمال المعلم (٢/ ١٨)، والمدخل (١/ ٣٧).
(٣) حدائق الأولياء (٢/ ١٠١).
(٤) أخرجه النسائى في الكبرى (١٠٨٩٩) وموقوفا (١٠٩٠٠ و١٠٩٠١)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٢٣ رقم ١٤٥٥)، والحاكم موقوفا ومرفوعًا (١/ ٥٦٤) وعنه البيهقى في الشعب (٤/ ٢٦٨ رقم ٢٤٩٩). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث مرفوعا عن شعبة إلا =
[ ٢ / ٥٠٣ ]
قوله: "عن أبي سعيد الخدري"، تقدم.
قوله - ﷺ -: "من قرأ سورة الكهف كانت له نورًا يوم القيامة من مقامه إلى مكة ومن قرأ عشر آيات من آخرها" الحديث، يعني: من: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^١) إلى آخرها أو خرج الدجال لم يضره، قال أبو الليث السمرقندي ﵀: ورد في الحديث أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من نبي إلا أنذر قومه بالأعور الكذاب" والإنذار التخويف "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر" (^٢) روى حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "مع الدجال ماء ونار فماؤه نار وناره ماء" (^٣) وروى عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله - ﷺ - أخر ليلة صلاة العشاء ثم خرج فقال: "إنما حبسني حديث كان يحدثنيه تميم الداري أن ابن عمر رحب البحر فوقع في جزيرة من
_________________
(١) = يحيى بن كثير. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. قال البيهقى: ورواه معاذ بن معاذ، عن شعبة موقوفا، وكذلك رواه سفيان الثوري، عن أبي هاشم موقوفًا. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٣٩: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن النسائي قال بعد تخرجه في اليوم والليلة: هذا خطأ، والصواب موقوفًا. ثم رواه من رواية الثوري وغندر عن شعبة موقوفًا. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٥١) وصحيح الترغيب (٢٢٥) و(٧٣٦).
(٢) سورة الكهف، الآية: ١٠٢.
(٣) أخرجه البخارى (٧١٣١) و(٧٤٠٨) و(٧٤٧٣)، ومسلم (١٠١ و١٠٢ و١٠٣ - ٢٩٣٣) عن أنس.
(٤) أخرجه البخارى (٣٤٥٠) و(٧١٣٠)، ومسلم (١٠٤ و١٠٥ و١٠٦ و١٠٧ و١٠٨ - ٢٩٣٥).
[ ٢ / ٥٠٤ ]
جزائر البحر، فإذا هو بقصر فيه رجل يجر شعره، مسلسل عليه الأغلال، فقال له: من أنت؟ قال: أنا الدجال، أخرج رسول الله - ﷺ - للأميين بعد؟ قال: نعم، قال: أفطاعوه أم عصوه؟ قلت: بل أطاعوه، قال: ذاك خير لهم" (^١) قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: الناس اختلفوا في أمره قال بعضهم: إنه محبوس ويخرج في آخر الزمان، وقال بعضهم: إنه لم يولد بعد وسيولد في آخر الزمان يخرج ويدعو الناس إلى عبادة نفسه فيتبعه من اليهود ما لا يحصى ويطوف في البلدان ويفتتن به كثير من الناس ثم ينزل عيسى بن مريم فيقاتله فيقتله، ويظهر الإسلام في جميع الأرض (^٢).
ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضع كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفع ينحدر منه جمان كاللؤلؤ ولا يحل الكافر أن يجد ريح نفسه إلا ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه حتى يدركه عند باب لد فيقتله، المنارة: بفتح الميم، وهذه المنارة موجودة إلى الآن في دمشق، ودمشق: بكسر الدال وفتح الميم هذا هو المشهور، وحكى صاحب المطالع كسر الميم، وهذا الحديث من فضائل دمشق، والمهردتان: يروى بدال مهملة وبذال معجمة والمهملة أكثر والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين من أهل اللغة والغريب وغيرهم، وأكثر ما يقع في النسخ بالمهملة كما هو المشهور، ومعناه: لابس مهرودتين أي ثوبان
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٩ و١٢٠ و١٢١ و١٢٢ - ٢٩٤٢).
(٢) بستان العارفين (ص ٣٥٥ - ٣٥٦).
[ ٢ / ٥٠٥ ]
مصبوغين بورس ثم الزعفران وقيل لها شقان والشقة نصف الملأ (^١).
قوله: وطأطأ رأسه، أي: إذا خفض رأسه، سال منه، يعني العرق.
وقوله: ينحدر منه الجمان، هو بضم الجيم وتخفيف الميم حبات من الفضة على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد: ينحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه فسمي الماء جمانا لشبهه به في الصفاء والحسن (^٢).
قوله: فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، هكذا الرواية، فلا يحل بكسر الحاء، ونفسه بفتح الفاء، ومعنى: لا يحل لا يمكن ولا يقع، وباب لد بضم اللام وتشديد الدال وهو بلدة قريبة من بيت المقدس (^٣)، قاله في الديباجة، وذكر مسلم.
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين سنة" الشك من الراوي قال: "فيبعث الله عيسى بن مريم - ﷺ - كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحدا في قلبه مثقال ذرة من خير إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد
_________________
(١) الغريبين (٦/ ١٩٢٦)، ومشارق الأنوار (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، ومطالع الأنوار (٦/ ١٢١ - ١٢٢)، والنهاية (٥/ ٢٥٨)، وشرح النووى على مسلم (١٨/ ٦٧).
(٢) شرح النووى على مسلم (١٨/ ٦٧).
(٣) شرح النووى على مسلم (١٨/ ٦٧ - ٦٨).
[ ٢ / ٥٠٦ ]
جبل لدخلت عليه حتى تقبضه" قال: سمعتها من رسول الله - ﷺ - (^١) الحديث.
قوله - ﷺ -: "ومن توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك" الحديث، اختلف في: "سبحانك اللهم وبحمدك" فقيل: جملة واحدة والواو زائدة، وقيل: جملتان والواو عاطفة، أي: وبحمدك سبحانك، وقال الخطابي: المعنى: وبمعونتك التي هي نعمة توجب على حمدك سبحتك لا بحولي وقوتي، ويستحب أن تأتي بهذا الذكر مستقبل القبلة، قاله الرافعي، وفي الإحياء والبحر: يومئ بطرفه إلى السماء ويصلي على النبي - ﷺ -، وفي حلة ابن الصلاح عن أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسن البردي الشافعي أنه قال في كتاب الغنية يستحب أن يقرأ سورة القدر ووفاة المذكور سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، وروى النسائي وابن السني عن أبي موسى الأشعري أنه قال: أتيت النبي - ﷺ - بوضوء فتوضأ فسمعته يقول "اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي داري وبارك لي في رزقي" فقلت: يا رسول الله سمعتك تدعوا بكذا وكذا، فقال: "وهل تركن من شيء" (^٢) ولو كتب في رق بفتح الراء (^٣).
قوله: "ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة" والطابع بفتح الباء
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٦ و١١٧ - ٢٩٤٠).
(٢) أخرجه النسائى في الكبرى (١٠٠١٨) واليوم والليلة (٨٠)، وأبو يعلى (٧٢٧٣)، وابن السنى (٢٨). وضعفه الألباني في غاية المرام (١١٢).
(٣) النجم الوهاج (١/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
[ ٢ / ٥٠٧ ]
وكسرها لغتان فصيحتان وهو الخاتم بمعنى طبع ختم (^١)، ويؤيد هذا التفسير رواية النسائي وفي آخرها ختم عليها بخاتم فوضعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة معناه: لا يتطرق إليه إبطال وإحباط (^٢).
٣٥٢ - وَرُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان - ﵁ - أَنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تَوَضَّأ فَغسل يَدَيْهِ ثمَّ مضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا وَغسل وَجهه ثَلَاثًا وَيَديه إِلَى الْمرْفقين ثَلَاثًا وَمسح رَأسه ثمَّ غسل رجلَيْهِ ثمَّ لم يتكَلَّم حَتَّى يَقُول أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله غفر لَهُ مَا بَين الوضوءين" رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالدَّارَقُطْنِيّ (^٣).
قوله: عن عثمان بن عفان، يجوز في عفان الصرف وعدمه، عثمان: هو أمير المؤمنين بن عفان بن أبي العاص بن أسد بن عبد شمس بن عبد مناف يجتمع نسبه مع النبي - ﷺ - في عبد مناف كان يكنى في الجاهلية أبو عمرو فلما ولدت له رقية في الإسلام غلاما سماه عبد الله واكتنى به أبو عبد الله القرشي العدوي الأموي ذي النورين وصاحب الهجرتين وزوج الابنتين، وأمه:
_________________
(١) النظم المستعذب (١/ ٣٠).
(٢) المجموع (١/ ٤٥٧)، وأسنى المطالب (١/ ٤٣)، والغرر البهية (١/ ١١٢).
(٣) أخرجه أبو يعلى كما في اتحاف الخيرة (١/ ٣٣٤ رقم ٥٦٣) والمطالب العالية (٩٢)، والطبراني في الدعاء (٣٨٧)، والدارقطنى (٣٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٣٣٩: رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، وهو مجمع على ضعفه. وقال البوصيرى في الاتحاف: قلت: رواه الدارقطني، ومحمد بن عبد الرحمن ضعيف، وكذا الراوي عنه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٦٨١١) وضعيف الترغيب (١٥٦).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
أروى أسلمت وهاجرت وبايعت النبي - ﷺ -، توفيت في خلافة ابنها عثمان وصلى عليها ودفنها بالبقيع وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وهو ثالث الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين.
تنبيه: فإن قلت فعبد الله بن سلام من المبشرين بالجنة ولا يحصر في العشرة، قلت: الخبر بالعدد لا ينفي الزائد، والمراد بالعشرة الذي بشروا بها دفعة واحدة وإلا فالحسن والحسين بالاتفاق وكذا أزواجه - ﷺ - من أهل الجنة (^١)، والله أعلم؛ أسلم عثمان - ﵁ - على يد أبي بكر الصديق وهو أول من هاجر إلى الحبشة ومعه زوجته رقية بنت رسول الله - ﷺ - ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة ولما أن هاجر عثمان برقية إلى الحبشة قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده إنه لأول من هاجر بعد إبراهيم ولوط عليهما الصلاة والسلام" قالوا: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره (^٢) وفتح الله على يديه كثيرا من الأقاليم والأمصار ففتح بلاد الري وبلاد الإسكندرية والقيروان وأفريقية وبلاد المغرب وبلاد اصطخر وما والاها وبلاد فارس وبلاد الأندلس وأطراف خراسان وما والاها وفتح كثيرا من بلاد الهند (^٣) وكان عثمان - ﵁ - حسن الشكل مليح الوجه كريم الأخلاق قد اشتمل على حياء كثير وكرم عزيز (^٤)، ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنه
_________________
(١) الكواكب الدرارى (٢١/ ١٩٩).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٢٢)، وكنز الدرر (٣/ ٢٥٥).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٢٣).
(٤) البداية والنهاية (٧/ ٢٢٤).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
جمع الناس عند المصحف وحرق سائر المصاحف، وسبب ذلك خشية الاختلاف في القرآن العظيم، وقال: قد ركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك فاتفقوا على كتابة المصحف وأن يجتمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه فاستدعى بالمصحف الذي كان الصديق قد أمر زيد بن ثابت الأنصاري بكتابتها وجمعها فكانت عند الصديق أيام حياته ثم كانت عند عمر بن الخطاب فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاصي بحضرة جماعة من الصحابة وأمر إن اختلفوا فقي شيء أن يكتبوه بلغة قريش فكتب لأهل الشام مصحفا ولأهل مصر آخر وبعث إلى البصرة مصحفا وإلى الكوفة وآخر إلى مكة وآخر إلى اليمن وأقر في المدينة مصحفا وبعث إلى البصرة مصحفا، وليس فيها شيء بخط عثمان وإنما هي بخط زيد بن ثابت وإنما قال المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه وخلافته (^١)، وقيل: لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصبت ووفقت أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن أشد أمتي حياء يأتون من بعدي ولم يروني يعملون بما في الورق المعلق" فقلت: أي ورق؟ حتى رأيت المصحف فأعجب عثمان وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف (^٢) ثم عمد عثمان إلى بقية
_________________
(١) البداية والنهاية (٧/ ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٤٤).
[ ٢ / ٥١٠ ]
المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فأحرقه لئلا يقع بسببه اختلاف، وقيل إن رسول الله - ﷺ - خطب الناس يوما وقال في خطبته: "أين عثمان بن عفان؟ " فقال عثمان: ها أنا يا رسول الله، فقال له: "ادن مني" فدنا منه فضمه إلى صدره وقبل بين عينيه ورأينا دموع النبي - ﷺ - تجري على لحيته ثم أخذ بيد عثمان وقال بأعلى صوته: "معاشر المسلمين هذا عثمان بن عفان، هذا شيخ المهاجرين والأنصار، هذا عثمان بن عفان، هذا الذي أمرني الله أن أتخذه سندًا، وختنا على ابنتي، هذا الذي جهز جيش العسرة هذا الذي حفر بئر رومة، هذا الذي استحيت منه الملائكة، فعلى من أبغضه لعنة الله والله ﷿ منه بريء، فمن أحب أن يبرأ من الله تعالى ومني فليبرأ من عثمان بن عفان فليبلغ الشاهد منكم الغائب" ثم قال له: "اجلس يا عثمان فقد غفر الله لك ذنبك" (^١).
تنبيه: قوله: "هذا الذي جهز جيش العسرة" جيش العسرة هو جيش غزوة تبوك، سمي بها لأنه ندب الناس إلى الغزو في شدة الغيظ وكان وقت إيناع الثمرة وطيب الظلال فعسر ذلك عليهم وشق العسر ضد اليسر وهو الضيق والشدة والصعوبة، انتهى، قاله في النهاية (^٢).
قوله - ﷺ -: "من توضأ فغسل يديه ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين ثلاثا ومسح رأسه ثم غسل رجليه" تقدم
_________________
(١) أورده بطوله الحافظ أبو حفص الموصلي في الوسيلة (ج ٥ - ق- ٢/ ١٧٨).
(٢) النهاية (٣/ ٢٣٥).
[ ٢ / ٥١١ ]
الكلام على ذلك كله.
قوله: "ثم لم يتكلم حتى يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" قال العلماء: من آداب الوضوء ترك الكلام عليه حتى يفرغ منه ويقول هذا المذكور.
قوله: "غفر له ما بين الوضوئين" والغفران المراد به الستر وهو غفران الصغائر دون الكبائر كما تقدم بيانه وكما سيأتي بيانه أيضًا مبسوطًا.
[ ٢ / ٥١٢ ]