٢٤٧ - عَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه نهى أَن يبال فِي المَاء الراكد رَوَاهُ مُسلم وَابْن مَاجَة وَالنَّسَائِيّ (^١).
قوله: عن جابر، تقدم الكلام عليه.
قوله: نهى رسول اللّه - ﷺ - أن يبال في الماء الراكد، وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: "لا يبولن أحدكم في الماء الناقع" (^٢) انفرد به ابن ماجة، الناقع: الطويل المكث، وفي حديث آخر: "الذي لا يجري" (^٣) تفسير للدائم وإيضاح لمعناه، ويحتمل أنه احترز به عن راكد لا يجري بعضه كالبرك ونحوها، فالراكد هو الدائم الساكن (^٤) قال بعض العُلماء: وإنما نهى عن البول في الماء الراكد لأنه ما دون القلتين فيتنجس بملاقاة البول، وإن كان قلتين فلعله يتغير ويبول فيه واحد بعد واحد فيؤدي إلى التغير (^٥)، واللّه تعالى أعلم).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٤ - ٢٨١)، وابن ماجة (٣٤٣)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٤٠ (٣٥).
(٢) أخرجه ابن ماجة (٣٤٥)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٦٨ رقم ٢٨٢٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٢٨). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن أبي فروة إلا عبد السَّلام، تفرد به: سليمان. قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ٥١: هذا إسناد ضعيف ابن أبي فروة اسمه إسحاق متفق على تركه. وضعفه الألباني جدًا في الضعيفة (٤٨١٤) وضعيف الجامع (٦٣٢٣).
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٩)، ومسلم (٩٥ و٩٦ - ٢٨٢) عن أبي هريرة.
(٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٧).
(٥) المفاتيح (١/ ٤٢٦).
[ ٢ / ١٨٥ ]
ففي هذا الحديث دليل على أن البول في الماء الراكد مكروه أو حرام وأصحاب الشافعي فصلوا فقالوا إن كان الماء الراكد كثيرًا يكره ولا يحرم، ولو قيل يحرم لم يكن بعيدًا فإن النهي يقتضي التحريم على المختار عند المحققين، والأكثر من أهل الأصول وفيه من المعنى أنه يقذره، لأن النفوس تعافه، ويحدّث بسبب ذلك لها الوسواس في الطهارة، وربما أدى إلى تنجسه بالإجماع لتغيره أو إلى تنجيسه عند أبي حنيفة ومن وافقه في أن الغدير الذي يتحرك طرفه بتحريك الطرف الآخر ينجس بوقوع نجاسة فيه، وأما الماء الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحاب الشافعي أنه مكروه، والصواب المختار أنه يحرم البول فيه لأنه ينجسه ويتلف بالميتة ويضر غيره باستعماله (^١).
قال النووي (^٢): قال أصحابنا وغيرهم من العُلماء: والتغوط في الماء كالبول فيه وأفحش من البول، وفي الليل أشد كراهة لما قيل إن الجن بالليل تأوي إليه فتخشى من آفة تصيبه من جهتهم (^٣)، وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، وكذلك إذا بال بقرب البئر بحيث يجري إليه فجرى إليه لعموم نهي النبي - ﷺ - عن البراز في الموارد، ولما فيه من إيذاء المارين بالماء، وكله مذموم قبيح منهي عنه على التفصيل ولم يختلف في هذا أحد من العُلماء (^٤).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٧ - ١٨٨).
(٢) المصدر السابق (٣/ ١٨٨)، وروضة الطالبين (١/ ٦٥).
(٣) طرح التثريب (٢/ ٣٥)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٢٧٧ - ٢٧٨).
(٤) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٨)، والنفح الشذى (٢/ ١٤٧).
[ ٢ / ١٨٦ ]
تنبيه: وملخص الحكم في المسألة إذا وقع في الماء الراكد نجاسة ولم يتغير في ذلك مذاهب السلف أشهرها إن كان قلتين فأكثر لم ينجس، وإن كان دونهما ينجس وهذا مذهبنا ومذهب ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد وإسحاق (^١).
فرع في حد القلتين: قال بعضهم: إن أردت أن تعرف القلتين في موضع يكون قدر ذلك ذراعًا وربعًا في ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا، هذا إذا كان الموضع مربعًا، وإن كان ممدودًا فذراعان طولًا في عرض ذراع، واللّه أعلم (^٢).
والثاني: إن بلغ أربعين قلة لم ينجسه شيء، وإليه ذهب عبد اللّه بن عمرو بن العاصي ومحمد بن المنكدر؛ والثالث: إن بلغ ذنوبين لم ينجس، روي عن ابن عباس وعكرمة؛ والرابع: إن بلغ أربعين دلوا لم ينجس روي عن أبي هريرة؛ والخامس: إن كان بحيث لو حرك جانبه تحرك الجانب الآخر ينجس وإلا فلا؛ والسادس: لا يتحرك كثير الماء ولا قليله إلا بالتغير، حكي عن ابن عباس وابن المسيب والحسن وعكرمة والأوزاعي وسفيان الثوري وداود النخعي، قال ابن المنذر: بهذا المذهب أقول، واختاره الغزالي في الإحياء والروماني في الحلية، وقال في البحر: وأما إحكام المسألة هو اختياري
_________________
(١) المجموع (١/ ١١٢).
(٢) انظر: أسنى المطالب (١/ ١٤)، والفتاوى الفقهية (١/ ٢٢) للهيتمي، والإقناع (١/ ٢٨)، ومغنى المحتاج (١/ ١٢٩ - ١٣٠).
[ ٢ / ١٨٧ ]
واختاره جماعة رأيتهم بخراسان والعراق، قال النووي: وهذا المذهب أصحها بعد مذهبنا (^١)، واللّه أعلم، قاله في الديباجة.
فائدة: روى الزهري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: خمس تورث النسيان، أكل التفاح الحامض، والبول في الماء الراكد، والحجامة على نقرة القفا، وإلقاء القمل في التراب، وأكل سؤر الفأرة، قاله أبو الليث السمرقندي في كتابه البستان (^٢).
تنبيه: قال العُلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلا كان أو كثيرًا، وكذلك يكره الاغتسال في العين الجارية، قال الشافعي في البويطي: أكره للرجل الجنب أن يغتسل في البئر معينة كان أو دائمة، وفي الماء الراكد الذي لا يجري، قال الشافعي: سوءا قليل الراكد وكثيره أكره الاغتسال فيه، هذا نصه، وكذا صرح الأصحاب وغيرهم بمعناه، وهذا كلّه على كراهة التنزيه ولا للتحريم، وإذا اغتسل فيه من الجنابة فهل يصير الماء مستعملًا؟ فيه تفصيل معروف عند أصحابنا وهو إن كان قلتين فصاعدًا لم يصر مستعملًا، ولو اغتسل فيه جماعات في أوقات متكررات، وإنما إذا كان الماء دون قلتين فإن انغمس فيه الجنب بغير نية ثم لما صار تحت الماء نوى ارتفعت جنابته وصار الماء مستعملًا (^٣) واللّه أعلم، قاله في الديباجة.
_________________
(١) المجموع (١/ ١١٢ - ١١٣).
(٢) بستان العارفين (ص ٣٦٨).
(٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٩).
[ ٢ / ١٨٨ ]
٢٤٨ - وَعنهُ قَالَ: "نهى رَسُول اللّه - ﷺ - أَن يبال فِي المَاء الْجَارِي" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد جيد.
قوله: وعنه، تقدم الكلام عليه.
قوله: نهى رسول اللّه - ﷺ - أن يبال في الماء الجاري، الحديث؛ وهذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة، ويؤخذ ذلك من حكم المسألة، فإن كان الماء كثيرًا جاريا لم يكره البول فيه لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتبابه وإن كان قليلا جاريًا يكره فقد قال جماعة من أصحابنا، وينبغي أن يحرم البول في القليل مطلقا لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي وغيره، وشذ غيره فيستعمله مع أنه نجس (^١)، والمختار أنه لا يحرم، وفي المسألة اضطراب للنووي، واللّه أعلم.
٢٤٩ - وَعَن بكر بن مَاعِز قَالَ: سَمِعت عبد اللّه بن يزِيد يحدّث عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: "لا ينقع بَوْل فِي طست فِي الْبَيْت فَإِن الْمَلائِكَة لا تدخل بَيْتا فِيهِ بَوْل منتقع وَلا تبولن فِي مغتسلك" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بإِسْنَاد حسن وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٧ - ١٨٨).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٣١٢ رقم ٢٠٧٧). وقال الطبراني: لا يروى عن ابن يزيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به: يحيى بن عباد. قال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٤: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وقال السيوطي في حاشيته على سنن النسائي (١/ ٣٢): وقال الشيخ ولي الدين يعارضه ما رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥١٦)، وصحيح الترغيب (١٥٣).
[ ٢ / ١٨٩ ]
قوله: عن بكر بن ماعز (بكر بن ماعز بن مالك الكوفي، كنيته أبو حمزة، روى عن: الربيع بن خثيم، وعبد اللّه بن يزيد الأنصاري الخطمي وله صحبة، روى عنه: سعيد بن مسروق الثوري، وأبو إسحاق عمرو بن عبد اللّه السبيعي، وأبو طعمة نسير بن ذعلوق الثوري، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وثقه ابن مَعين والعجلى وابن حبان (^١).
قوله: سمعتُ عبد اللّه بن يزيد يحدّث عن رسول اللّه - ﷺ -، هو: عبد اللّه بن يزيد (عبد اللّه بن يزيد، بن زيد بن حصين بن عمرو الحارث بن خطمة، واسمه: عبد اللّه بن جشم بن مالك بن الأوس الأنصاري، أبو موسى الخطمي، وإنما سمي خطمة، لأنه ضرب رجلًا على خطمه، شهد الحديبية مع رسول اللّه - ﷺ -، وهو ابن سبع عشرة سنة، وشهد الجمل وصفين، والنهروان مع علي بن أبي طالب، وكان أميرا على الكوفة روى عنه: ابنه موسى، وعدي بن ثابت الأنصاري، وهو ابن ابنته، وأبو بردة بن أبي موسى، والشعبي، وكان الشعبي كتابه، وكان من أفاضل الصحابة، وصحب أبوه النبي - ﷺ - وشهد أحدا وما بعدها، وهلك قبل فتح مكة (^٢).
قوله: "لَا ينقع بَوْل فِي طست فِي الْبَيْت فَإِن الْمَلَائِكَة لا تدخل بَيْتا فِيهِ بَوْل منتقع" الحديث، والمراد بالملائكة: الذين ينزلون بالبركة والرحمة في دون الحفظة، فإنهم لا يفارقون الإنسان على حال من الأحوال (^٣).
_________________
(١) انظر: تهذيب الكمال (٤/ الترجمة ٧٥٤)، وتذهيب تهذيب الكمال (٢/ الترجمة ٧٥٦).
(٢) أسد الغابة (٣/ الترجمة ٣٢٥١)، وتهذيب الكمال (١٦/ الترجمة ٣٦٥٦).
(٣) معالم السنن (١/ ٧٥)، والميسر (١/ ١٥٧).
[ ٢ / ١٩٠ ]
فائدة: قال أبو الليث السمرقندي: اختلف الناس في ذكر الحفظة وهم الكرام الكاتبون، فقال بعضهم: يكتبون جميع أفعال بني آدم وأقوالهم، وقال بعضهم: لا يكتبون إلا ما كان فيه أجر أو إثم، وقال بعضهم: يكتبون الجميع، فإذا صعدوا إلى السماء حذفوا ما لا أجر ولا إثم عليه، ومعنى قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (^١) يمحو ما لا أجر فيه ولا إثم عليه، ويثبت ما فيه أجر أو إثم، ثم روى هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (^٢) قال: يكتب من قول ابن آدم الخير والشر ولا يكتب ما سوى ذلك، قال هشام: نحو قولك: يا غلام اسقني ويا غلام اعلف الدابة.
وقال الحسن البصري: يكتب جميع ما يلفظ به، وقال ابن جريج: هما ملكان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، لا يكتب إلا بشهادة صاحبه إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه، وإن نام فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، وقال بعضهم: هم أربعة اثنان بالنهار واثنان بالليل، [وقال عبد اللّه بن المبارك: هم خمسة اثنان في الدنيا واثنان في الآخرة] والخامس لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا، واختلف في الكفار هل يكون عليهم حفظة قال بعضهم: لا يكون عليهم حفظة لأن أمرهم ظاهر وعملهم واحد، وقال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ (^٣)
_________________
(١) سورة الرعد، الآية: ٣٩.
(٢) سورة ق، الآية: ١٨.
(٣) سورة الرحمن، الآية: ٤١.
[ ٢ / ١٩١ ]
قال أبو الليث: لا نأخذ بهذا القول بل عليهم الحفظة، والآية تذكر الحفظة في شأن الكفار، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ (^١)، وقال في آية آخرى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ (^٢) فأخبر اللّه تعالى أن الكفار يكون لهم كتابًا ويكون عليهم حفظة، فإن قيل: الذي يكون عن يمينه إذا لم يكن له حسنة، إيش يكتب؟ قيل له: الذي يكتب عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون شاهدًا على ذلك وإن لم يكتب (^٣).
قوله - ﷺ -: "ولا تبولن في مغتسلك" قال المنذري: وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، وإن كان المكان صلبًا فيخيل إليه أنه يصيبه شيء من رشاشه فيحصل منه الوسواس (^٤)، انتهى.
فائدة: يكره أن يبول قائمًا بلا عذر أو يتغوط لما روى ابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن عمر أنه قال: رآني رسول اللّه - ﷺ - وأنا أبول قائمًا، فقال: "يا عمر، لا تبل قائمًا" قال: فما بلت بعدها قائمًا (^٥)؛ وفي الترمذي والنسائي وابن ماجة
_________________
(١) سورة الانفطار، الآيات: ٩ - ١١.
(٢) سورة الانشقاق، الآية: ١٠.
(٣) بستان العارفين (ص ٣٧٤ - ٣٧٥).
(٤) قاله الخطابي في معالم السنن (١/ ٢٢)، وعنه النووي كما في تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٧٢)، وابن الأثير كما في النهاية (١/ ٤٤٥).
(٥) أخرجه ابن ماجة (٣٠٨)، وابن حبان (١٤٢٣)، والحاكم ١/ ١٨٥، والبيهقي في الكبرى (١/ ١٦٥ رقم ٤٩٣). قال الترمذي عقب حديث (١٢): وحديث عمر إنما روي من =
[ ٢ / ١٩٢ ]
بإسناد حسن عن عائشة قالت: من حدّثكم أن النبي كان يبول قائمًا فلا تصدقوه (^١)؛ لكن في الشيخين عن حذيفة بن اليمان أن النبي - ﷺ - أتى سباطة قوم فبال قائمًا (^٢)؛ السباطة: الموضع الذي يرمي فيه القمامة والأوساخ، فإن قيل: كيف بال قائما وقد نهى عن ذلك؟ قالوا فيه من أربعة أوجه، أحدها: أنه قيل إنه منسوخ بنهيه عن البول قائمًا بعد ذلك، والثاني: أنه كان لمرض منعه من القعود، وقال أبو هريرة: بال رسول اللّه - ﷺ - قائما لجرح كان بمأبضه، قال الزجاج: المأبض بطن الركبة؛ والثالث: أنه استشفى بذلك من مرض كان به، وقال الشافعي: كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا.
والرابع: يحتمل أنه يكون البول أعجله ولم يجد سوى ذلك المكان ولم يتمكن من القعود لكثرة الأنجاس، فإن قيل: كيف قال لحذيفة ﵁ إذن، وقد كان إذا أراد الخلاء أبعد؟ فالجواب: أن السباطة تكون في الأفنية فأراد أن يستتر به من الناس، واللّه أعلم (^٣).
_________________
(١) = حديث عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: رآني النبي - ﷺ - أبول قائمًا، فقال: يا عمر، لا تبل قائمًا، فما بلت قائما بعد. وضعفه الألباني في المشكاة (٣٦٣)، الضعيفة (٩٣٤).
(٢) أخرجه ابن ماجة (٣٠٧) والترمذي (١٢) والنسائي في المجتبى ١/ ٢٣٤ (٢٩) قال الترمذي: حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠١).
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٤) و(٢٢٥) و(٢٢٦) و(٢٤٧١)، ومسلم (٧٣ و٧٤ - ٢٧٣).
(٤) انظر: كشف المشكل (١/ ٣٧٨) لابن الجوزي، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٦٥ - ١٦٦)، والكواكب الدرارى (٣/ ٧٤ - ٧٥).
[ ٢ / ١٩٣ ]
وفيه: أن مدافعة البول مكروهة لأنه بال على السباطة قائمًا ولم يؤخره (^١)، وفي الإحياء: عن الأطباء أن بولة في الحمام في الشتاء قائما خير من شربة دواء (^٢)، انتهى.
٢٥٠ - وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن قَالَ لقِيت رجلًا صحب النَّبِي - ﷺ - كمَا صَحبه أَبُو هُرَيْرَة قَالَ نهى رَسُول اللّه - ﷺ - أَن يمتشط أَحَدنَا كلّ يَوْم أَو يَبُول فِي مغتسله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي أول حَدِيث (^٣).
قوله: عن حميد بن عبد الرحمن (الحميري البصري، روى عن: أهبان ابن امرأة أبي ذر الغفاري، وسعد بن هشام بن عامر الأنصاري، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وأبي بكرة الثقفي، وأبي هريرة، وثلاثة من ولد سعد بن أبي وقاص، وروى عنه جعفر بن أبي وحشية، والحسن البصري، وقتادة، ومحمد بن سيرين وأبو التياح يزيد بن حميد الضبعي، متفق على توثيقه وكان ابن سيرين يقول: كان حميد بن عبد الرحمن أفقه أهل البصرة قبل أن يموت بعشر سنين (^٤).
قوله: لقيت رجلًا صحب النبي - ﷺ - كما صحبه أبو هريرة، الحديث.
_________________
(١) قاله الخطابي في المعالم (١/ ٢١)، والنفح الشذى (١/ ١٦٠)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٢).
(٢) النجم الوهاج (١/ ٢٩٢).
(٣) أخرجه أبو داود (٨١)، والنسائي في المجتبى ١/ ٣٩٦ (٢٤٣). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٢)، وصحيح الترغيب (١٥٤)، والمشكاة (٤٧٢).
(٤) تهذيب الكمال (٧/ الترجمة ١٥٣٣).
[ ٢ / ١٩٤ ]
والرجل المبهم هل هو الحكم بن عمرو، وجزم به ابن السكن، وقيل: عبد اللّه بن سرجس، وقيل: ابن مغفل (^١) وهو الراجح، فقد جاء مصرحًا به (^٢).
قوله: "نهى رسول اللّه - ﷺ - أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله" الحديث؛ فيه: النهي عن البول في المغتسل، [وعن الامتشاط كلّ يوم، بل يكون وقتًا دون وقت كما أن الأوجه كذلك، ويدل على ذلك قوله ﵇]، وتقدم الكلام على البول في المغتسل مبسوطًا، قال العُلماء في كتب الفقه: والمستحب أن يستاك عرضًا، ويدهن غبًّا، ويكتحل وترًا (^٣)، والإمتشاط مقتبس من الإدهان، وقد روى أنه - ﷺ - قال: "استاكوا عرضًا وادهنوا غبًّا واكتحلوا وترًا" (^٤) لكنه ضعيف لا يحتج به كما قال النووي (^٥)، والغب: قال ابن فارس (^٦): أن ترد الإبل الماء وتدعه يومًا، وبهذا فسره الإمام أحمد بن
_________________
(١) الأحكام الوسطى (١/ ١٢٧)، وبيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٢٧)، والإمام (١/ ١٥٤)، والمحرر (ص ٨٦).
(٢) أخرجه ابن ماجة (٣٠٤)، وأبو داود (٢٧)، والترمذي (٢١)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٤٠ (٣٦) عن عبد اللّه بن مغفل ولفظه: لا يبولن أحدكم في مستحمه؛ فإن عامة الوسواس منه. قال الألباني: صحيح، دون قوله: فإن عامة الوسواس منه، وانظر المشكاة (٣٥٣)، وصحيح الجامع الصغير (٦٨١٥ و٧٥٩٧).
(٣) انظر التنبيه (ص ١٤).
(٤) قال النووي في المجموع (١/ ٢٨٠): هذا الحديث ضعيف غير معروف قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ بحثت عنه فلم أجد له أصلًا ولا ذكرًا في شيء من كتب الحديث واعتنى جماعة بتخريج أحاديث المهذب فلم يذكروه أصلًا.
(٥) المجموع (١/ ٢٨٠).
(٦) مجمل اللغة (ص ٦٨٠).
[ ٢ / ١٩٥ ]
حنبل في حديث (^١)، وبه قال بعض الشارحين (^٢)، وقيل: أن يدهن ثم يترك إلى أن يجف ثم يدهن، وهو قول من فسر الغب بالوقت، واللّه أعلم.
٢٥١ - وَعَن عبد اللّه بن مُغفل ﵁. أَن النَّبِي - ﷺ - نهى أَن يَبُول الرجل فِي مستحمه وَقَالَ إِن عَامَّة الوسواس مِنْهُ "رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائيّ وَابْن مَاجَة وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب لا نعرفه مَرْفُوعًا إِلَّا من حَدِيث أَشْعَث بن عبد اللّه وَيُقَال لَهُ أَشْعَث الأعْمَى (^٣). قَالَ الْحَافِظ إِسْنَاده صَحِيح
_________________
(١) كفاية النبيه (١/ ٢٤٩)، وقول أحمد بن حنبل في الوقوف والترجل (ص ١١٦) وعقبه بحديث عبد اللّه بن مغفل قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يترجل الرجل إلا غبًّا. وآخرجه أحمد ٤/ ٨٦ (١٦٧٩٣)، أبو داود (٤١٥٩)، والترمذي في السنن (١٧٥٦)، وفي الشمائل (٣٤)، والحربي في غريب الحديث ص ٤١٥، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٠ (٥٠٩٩) والكبرى (٩٢٦٤)، وابن حبان (٥٤٨٤)، والبغوي في شرح السنة (٣١٦٥)، وابن ماسى في نسخة محمد بن عبد اللّه الأنصارى (٥٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٥٠١).
(٢) قاله العمرانى في البيان (١/ ٩٣)، وعنه نقله النووي في المجموع (١/ ٢٨١) وتهذيب اللغة (٤/ ٥٧).
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٥٦ (٢٠٥٦٣) و(٢٠٥٦٩) و(٢٠٥٧٠)، وابن ماجة (٣٠٤)، وأبو داود (٢٧)، والترمذي في السنن (٢١) والعلل الكبير (١٢)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٤٠ (٣٦). قال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا يعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه، ويرون أن أشعث هذا هو ابن جابر الحداني، وروى معمر فقال: عن أشعث بن عبد الله عن الحسن. وقال في السنن: هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أشعث بن عبد اللّه، ويقال له أشعث الأعمى. وحسنه النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٩١). قال الألباني: صحيح، دون قوله: فإن عامة الوسواس منه، وانظر المشكاة (٣٥٣)، وصحيح الجامع الصغير (٦٨١٥ و٧٥٩٧). وضعفه في ضعيف الترغيب (١١٩).
[ ٢ / ١٩٦ ]
مُتَّصِل وَأَشْعَث بن عبد اللّه ثِقَة صَدُوق وَكذَلِكَ بَقِيَّة رُوَاته وَاللّه أعلم.
قوله: عن عبد اللّه بن مغفل، بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة، كنيته: أبو معبد، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو زياد عبد اللّه بن مغفل بن عبد غنم المزني المدني البصري، وكان عبد اللّه من أهل بيعة الرضوان، قال: إني من رفع أغصان الشجرة عن رسول اللّه - ﷺ -، سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة فابتنى بها دارا قرب الجامع وكان أحد البكائين الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (^١) الآية، قال السهيلي: والبكاؤون بنو مقرن المازني وهم سبعة: النعمان، ونعيم، ومعقل، وعقيل، وسويد، وسنان، وعبد الرحمن، سبعة إخوة هاجروا وصحبوا رسول اللّه - ﷺ - ولم يشاركهم في هذه المكرمة أحد غيرهم، وقيل: إنهم شهدوا الخندق كلهم، وروي أنهم قدموا على رسول اللّه - ﷺ - في أربعمائة راكب من مزينة، قال ابن مسعود: إن للإيمان بيوتًا وإن للنفاق بيوتًا، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرن، ومن البكائين علية بن زيد وعبد اللّه بن مغفل والعرباض بن سارية وأبو ليلى واسمه عبد الرحمن بن عمرو وسالم بن عمير، انتهى، وكان عبد اللّه بن مغفل أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب إلى البصرة يفقهون الناس، وهو أول من دخل مدينة تستر حين فتحها المسلمون، روي له عن رسول اللّه - ﷺ - ثلاثة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخاري
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٩٢.
[ ٢ / ١٩٧ ]
بحديث ومسلم بآخر، روى عنه جماعات من التابعين، منهم الحسن البصري ومطرف وأبو العالية وغيرهم، توفي ﵁. بالبصرة سنة ست وستين، وقيل: سنة تسع وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي لوصيته بذلك، ومناقبه كثيرة مشهورة، ووالده مغفل، ذكره ابن عبد البر في الصحابة، وقال أبو جعفر الطبري: مغفل هذا هو أخو ذي النجاد المزني، توفي مغفل بطريق مكة قبل أن يدخلها قبل فتح مكة بقليل سنة ثمان (^١)، قاله في الديباجة.
قوله: "نهى رسول اللّه - ﷺ - أن يبول الرجل في مستحمه، وقال: إن عامة الوسواس منه"، هذا الحديث رواه الأربعة، والمراد بالمستحم الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو في الأصل الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام (^٢)، وهذا الحديث ترجم عليه ابن حبان فقال: باب ذكر الزجر عن البول في المغتسل الذي مجري له، وما فهمه أبو حاتم صحيح، والسبب في ذلك أنه إذا كانا له مجري اندفع ما فيه من البول بأول اغتساله (^٣)، انتهى.
فيستحب لمن بال أو تغوط وأراد أن يغتسل بالماء أن ينتقل عن مجلسه لئلا يلحقه الرشاش الذي عامة الوسواس منه، وقد حرم قوم من أهل العلم البول في المغتسل، وقالوا: عامة الوسواس منه، ورخص فيه بعضهم منهم
_________________
(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٩٥ - ٢٩١ ترجمة ٣٣٤)، وتهذيب الكمال (١٦/ ترجمة ٣٥٩٠).
(٢) النهاية (١/ ٤٤٥).
(٣) كشف المناهج (١/ ١٩٨).
[ ٢ / ١٩٨ ]
ابن سيرين، وقيل له: إنه يقال إن عامه الوسواس منه فقال: ربنا اللّه لا شريك له (^١)، إن الوسواس من الشيطان فلم يلتفت إليه فإن شرك، وقال ابن المبارك: قد وسع في المغتسل إذا جرى فيه الماء، واعلم أن الماء الوارد على النجاسة يدفعها ويحكم بطهارة الماء إذا زالت أو استهلكت وتغير به، وكذا لو زالت بشمس ونحوها ثم صب الماء عليها طهر المحل، وفي الحديث أنه يستحب أن يتقى الإنسان مكان التهم والمخاوف وأن يسد باب الشيطان ما أمكنه، وفيه: الأمر بالانتقال إلى مكان آخر، وهذا إذا استنجي بالماء بخلاف الحجر فإن تجمر به فلا ينتقل لئلا يجف الخارج أو يطرأ نجس آخر أو ينتشر فيمتنع الاستجمار، ويستثنى الأخلية المتخذة لذلك فلا ينتقل فيها مطلقًا، وفيه: إنه يأخذ بأصل الطهارة إذا حصل شك في وصول الرشاش فإنه سماه وسواسًا لكن الاحتياط بغسل محل الشك أولى، وقد أغرب الذهبي فغير الوسواس هنا بالجنون، ذكره في مختصر البيهقي، وفيه: استعمال الحمية خوفًا من الوقوع فيما يضر، والتحفظ من المؤذيات، واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام.
قال الخطابي (^٢): وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول ويسيل منه الماء، أي: كالأخلية المعدة لذلك، أو كان المكان صلبًا أو مبلطًا يتخيل المغتسل أنه أصابه شيء من رشاشه فيحصل منه الوسواس، انتهى.
_________________
(١) شرح السنة (١/ ٣٨٤).
(٢) معالم السنن (١/ ٢٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٧٢).
[ ٢ / ١٩٩ ]
٢٥٢ - وَعَن قَتَادَة عَن عبد اللّه بن سرجس ﵁ قَالَ نهى رَسُول اللّه - ﷺ - أَن يبال فِي الْجُحر قَالُوا لِقَتَادَة مَا يكره من الْبَوْل فِي الْجُحر قَالَ يُقَال إِنَّهَا مسَاكِن الْجِنّ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١).
قوله: عن قتادة عن عبد اللّه بن سرجس، وسرجس: بفتح السين المهملة وكسر الجيم المزني البصري حليف بني مخزوم، وفي صحيح مسلم عن عاصم الأحول عن عبد اللّه بن سرجس قال: رأيتُ رسول اللّه - ﷺ - وأكلت معه خبزًا أو قال ثريدًا، فقلت: يا رسول اللّه غفر اللّه لك، قال: "ولك" قال عاصم: استغفر لك يا رسول اللّه، قال: "نعم ولك" ثم تلا: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢) روي له عن رسول اللّه - ﷺ - سبعة عشر حديثًا، روى له مسلم منها ثلاثة أحاديث، ومناقبه كثيرة مشهورة (^٣).
قوله: "نهى رسول اللّه - ﷺ - أن يبال في الجحر"، قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر، قال: يقال إنها مساكن الجن، الحديث؛ الجحر: بضم الجيم وسكون الحاء الثقب المستدير النازل، وهو ما استدار، ويعبر عنه بالبخش، وألحق بالجحر السرب وهو بفتح السين والراء وهو المنبطح، وقال بعضهم: وهو المستطيل (^٤)، أي: ويجتنب أن يبول في ثقب أو سرب لأنه - ﷺ - نهى أن
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٨٢ (٢٠٧٧٥)، وأبو داود (٢٩)، والنسائي في المجتبى ١/ ٢٣٩ (٣٤) والكبرى (٣٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٠)، الإرواء (٥٥).
(٢) سورة محمد، الآية: ١٩.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٩ الترجمة ٣٠٠).
(٤) انظر: تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣٧)، كفاية النبيه (١/ ٤٣٩)، وكفاية الأخيار (ص ٣٤)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٢).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
يبال في الجحر لأنها مساكن الجن، ولأنه ربما كان فيها بعض الهوام فخرج فيؤذيه أو ينجسه، قال النووي: وينبغي تحريم ذلك للنهي الصريح إلا أن يعد لذلك يعني الجحر أو السرب فلا حظر ولا كراهة (^١).
تنبيه: إذا كان الرجل في الأرض الفضاء فلا ينبغي له أن يبول في جحر الأرض فإنه يخاف أن يصيبه الأذى من الجن، ويقال إن سعد بن عبادة وكان سيدا جوادا ذا رياسة غيورًا بال في جحر الأرض فأصابته آفة من الجن فمات، ففي الحاكم عن عون بن محمد أن سعد بن عبادة الخزرجي أتى سباطة قوم فبال قائمًا فخر ميتًا، فقالت الجن في ذلك:
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَج سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْم فَلَمْ تُخْطِ فُؤَادَهْ
وفي الشامل وغيره أن سبب موته أنه بال في جحر (^٢)، وتقدم الكلام على السباطة، وتأول بعض العُلماء فقال: أي أصبناه بعينين، يقال إن عيون الجن أنفذ من أسنة الرماح، وقال: الإصابة بالعين حق (^٣)، وإن لها تأثيرا في النفوس والطباع إبطالا كقول من يزعم من الطبيعة أنه لا شيء إلا ما تدركه الحواس وما عداها فلا حقيقة له (^٤)، انتهى.
_________________
(١) النجم الوهاج (١/ ٢٩٢).
(٢) كفاية النبيه (١/ ٤٣٩)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٢).
(٣) انظر غريب الحديث (٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، والكواكب الدراري (٢١/ ٢٣).
(٤) الكواكب الدراري (٢١/ ٢٣).
[ ٢ / ٢٠١ ]