١٧٧ - عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: "من تعلم علما مِمَّا يبتغى بِهِ وَجه اللّه تَعَالَى لا يتعلمه إِلَّا ليصيب بِهِ عرضا من الدُّنْيَا لم يجد عرف الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة يَعْنِي رِيحهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم (^١) وَتقدم حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي أول بَاب الرِّيَاء وَفِيه: "رجل تعلم الْعلم وَعلمه وَقَرَأَ الْقُرْآن فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ تعلمت الْعلم وعلمته وقرأت فِيك الْقُرْآن قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ قارئ فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار" الحَدِيث رَوَاهُ مسلم وَغَيره.
قوله: "عن أبي هريرة، تقدم". قوله - ﷺ -: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه اللّه تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب عرضًا من الدنيا" الحديث، العرض: بفتح العين والراء هو ما يقتنى من المال وغيره.
قوله: "لم يجد عرف الجنة" وعرف الجنة: بفتح العين المهملة وسكون الراء، قال الحافظ: يعني ريحها. قال في النهاية (^٢): "لم يجد عرف
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٢٥٢)، وأبو داود (٣٦٦٤)، وابن حبان (٧٨). وصححه الألباني في "اقتضاء العلم العمل" (١٠٢)، "المشكاة" (٢٢٧)، وصحيح الترغيب (١٠٥).
(٢) النهاية (٣/ ٢١٧).
[ ٢ / ٣٣ ]
الجنة" يعني ريحها الطيبة، والعرف: الريح، ومنه حديث عليّ: "أرض الكوفة أرض سواء سهلة معروفة" أي: طيبة العرف، أي الريح، وعرف الجنة يحتمل معنيين:
أحدهما: التهديد والزجر عن طلب الدنيا بعمل الآخرة والمبالغة في ذلك لا القنوط الكلي عن دخول الجنة واليأس الجزمي عن وجدان الرحمة كما ذهب إليه الجهال المبتدعة ولأن النصوص الثابتة المتواترة ناطقة بدخول أهل الإيمان في رياض الجنة والخلاص من النيران وإن مسهم نفحة من العذاب ولفحة من العقاب، ولهذا قال ﵊: "لم يجد عرفها يوم القيامة" وهو اليوم الموصوف بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (^١) ولم يقل على الإطلاق، فهذا الذي تعلم العلم للأغراض الفانية ولصاحب الأمراض الحادثة في تضاعيف الدماغ المانعة عن إدراك الروائح الفائحة من الرياض الرائضة ومن الجنة العالية، ولا يهتدى إليها من الأمراض الكائنة في القلب المخلة بالعوامل الإيمانية (^٢).
والثاني: أنه لا يدخل الجنة قبل العذاب وملابسة العقاب بل يعذب بقدر ذنبه في الدنيا وطلبها بعمل العقبى، انتهى.
فتعلم العلم لغير وجه اللّه كأن يريد به الرياء والسمعة بين الناس وكمن يتعلمه للرئاسة أو للمال أو لتعظيم الناس له فذلك العالم يستحق دخول
_________________
(١) سورة المطففين، الآية: ٦.
(٢) انظر الميسر (١/ ١٠٧)، وشرح المشكاة (٢/ ٦٨٢ - ٦٨٣).
[ ٢ / ٣٤ ]
النار، فهذا الحديث أبلغ زجر وردع عن نية غير صالحة، وسبب هذا واللّه أعلم: أن في الدنيا جنة معجلة وهي معرفة اللّه تعالى ومجبته والأنس به والشوق إلى لقائه وخشيته وطاعته والعلم النافع يدلّ على ذلك، فمن لله علمه على دخول هذه الجنة المعجلة في الدنيا فاز بالجنة الآخرة، ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة، ولهذا كان أشد الناس عذابا في الآخرة عالم لم ينفعه علمه وهو من أشد الناس حسرة يوم القيامة حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات فلم يستعملها إلا للتوصل إلى أخس الأمور وأدناها قيمة وأحقرها كمن كانت عنده جواهر نفسية ولها قيمة عظيمة فباعها بشيء مستقذر لا ينتفع به، بل حال من يطلب الدنيا بعلمه أقبح وأقبح، وكذلك من يطلب الدنيا بإظهار الزهد فيها، فإن ذلك خداع قبيح جدًا، قاله ابن رجب الحنبلي (^١)، قال الإمام أبو حامد (^٢): فانظر إلى هذه الدرجة العليا كيف رجحت بهذا العالم المسكين إلى أسفل سافلين، قال الإمام مالك ﵀: ليس العلم بكثرة الرِّواية وإنما العلم نور يقذفه اللّه في القلوب، ومن كتاب سير السلف (^٣): قال إبراهيم الخواص: ليس العلم بكثرة الرِّواية إنما العلم لمن اتبع العلم واستعمله واقتدى بالسنن وإن كان قليل العلم، ثم قال: وهذا البحث كلّه إنما هو إذا سلم طالب العلم من
_________________
(١) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٧٩).
(٢) كذا هو أبو حامد وإنما هذا كلام القرطبى نقله عنه ابن الحاج في المدخل (١/ ١٦ - ١٧).
(٣) سير السلف الصالحين (ص ١٣٢٥) والنقل عن المدخل (١/ ١٧ - ١٨).
[ ٢ / ٣٥ ]
عوض يأخذه عليه مما هو معلوم في الوقت، فإن كان ثم معلوم يطلبه على علمه فقد زاد ذما على مذمومات تقدم ذكرها، واللّه أعلم.
١٧٨ - وَرُوِيَ عَن كعْب بن مَالك قَالَ سَمِعت رَسُول اللّه - ﷺ - يَقُول من طلب الْعلم ليجاري بِهِ الْعلمَاء أَو ليماري بِهِ السُّفَهَاء وَيصرف بِهِ وُجُوه النَّاس إِلَيْهِ أدخلهُ اللّه النَّار. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَغَيره وَالْحَاكم شَاهدا وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيب (^١).
قوله: عن كعب بن مالك، هو الأنصاري الشاعر وهو أحد الثلاثة الذين أنزل اللّه فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (^٢) روي له عن رسول اللّه - ﷺ - ثمانون حديثًا، للبخاري منها أربعة، شهد العقبة مع السبعين، مات بالمدينة سنة خمسين، وسيأتي الكلام على مناقبه في مواضع من هذا التعليق مبسوطًا إن شاء اللّه.
قوله - ﷺ -: "من طلب العلم ليجاري به العُلماء" الحديث، قال ابن الأثير في النهاية (^٣): ليجري مع العُلماء في المناظرة والجدال ليظهر علمه إلى الناس رياء وسمعة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٥٤)، وابن أبي الدنيا في الصمت (١٤١)، وذم الغيبة (٣)، وابن عدى (٢/ ١٦٥)، والحاكم ١/ ٨٦، والبيهقى في الشعب (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠ رقم ١٦٣٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٦)، والمشكاة (٢٢٥).
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٨.
(٣) النهاية (١/ ٢٦٤).
[ ٢ / ٣٦ ]
قوله - ﷺ -: "أو ليماري به السفهاء" والمماراة المجادلة على مذهب الشك (^١)، فإن كلّ واحد من المتحاجين يشك فيما يقوله صاحبه أو يشككه بما يورد على حجته (^٢)، والمراد بالسفهاء الجهال فإن عقولهم ناقصة (^٣)، والمعنى فيه: أن النية هي ركن العمل أو شرطه الذي لا يعتد به إلا بها فإذا عدمت لم يكن شيئًا وإذا فسدت فسد الهوى (^٤)، فمن يطلب بالعلم الرياسة على الخلق والتعاظم عليهم وأن ينقاد الخلق ويخضعوا له ويصرفوا إليه وجوههم وأن يظهر للناس زيادة علمه على العُلماء أو ليعلوا به عليهم ونحو ذلك فهذا وعيده النار لأن قصد التكبر على الخلق في نفسه محرم، فإذا استعمل فيه آلة الآخرة كان أقبح وأفحش من أن يستعمل فيه آلات الدنيا من المال والسلطان (^٥).
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: "أول خلق اللّه تسعر بهم النار ثلاثة منهم: العالم الذي قرأ القرآن ليقال قارئ، وتعلم العلم ليقال عالم وأنه يقال له قد قيل، وأمر به فيسحب على وجهه حتى ألقي في النار" وذكر مثل ذلك المتصدق ليقال: "إنه جواد" وفي المجاهد يقال له:
_________________
(١) النهاية (٤/ ٣٢٢).
(٢) مشكاة المصابيح (٢/ ٦٨١)، ومرقاة المفاتيح (١/ ٣٠٤).
(٣) مشكاة المصابيح (٢/ ٦٨١).
(٤) عارضة الأحوذي (١٠/ ١٢٢).
(٥) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨٠).
[ ٢ / ٣٧ ]
"شجاع" (^١) وعن علي - ﵁ - قال: يا حملة العلم، اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم فوافق عمله علمه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف علمهم عملهم ويخالف سريرتهم علانيتهم يجلسون حلقًا حلقًا فيباهي بعضهم بعضا حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى اللّه ﷿ (^٢).
قوله: رواه الحاكم شاهدًا، اعلم أن لأهل الحديث ألفاظًا يعرف بها حال الحديت هل تفرد به راويه أم لا منها الشاهد ومثاله ما رواه مسلم والنسائي من رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول اللّه - ﷺ - مر بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي - ﷺ -: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به؟ " فلم يذكر أحد من أصحاب عمرو بن دينار "فدبغوه" إلا ابن عيينة، فوجد له شاهد وهو ما رواه مسلم من رواية عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، "إذا دبغ الإهاب فقد طهر".
١٧٩ - وَعَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - لا تعلمُوا الْعلم لتباهوا بِهِ الْعلمَاء وَلا تماروا بِهِ السُّفَهَاء وَلا تخَيرُوا بِهِ الْمجَالِس فَمن فعل ذَلِك فَالنَّار النَّار. رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من رِوَايَة يحيى بن أَيُّوب الغافقي عَن ابْن جريح عَن أبي الزبير عَنهُ وَيحيى هَذا ثِقة احْتج بِهِ
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٥٢ - ١٩٠٥).
(٢) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨١).
[ ٢ / ٣٨ ]
الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَلا يلْتَفت إِلَى من شَذَّ فِيهِ (^١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا بِنَحْوِهِ من حَدِيث حُذَيْفَة (^٢).
قوله: عن جابر، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله - ﷺ -: "لا تعلموا العلم لتباهوا به العُلماء ولا تمار به السفهاء" المباهاة هي المفاخرة، وتقدم الكلام على المماراة، والسفهاء في الحديث قبله.
قوله - ﷺ -: "لا تحبروا به المجالس" أي: تحسنوا به المجالس وتزينوا من التحبير وهو التزيين والتحسين، قال الأصمعي: كان يقال لطفيل الغنوي بفتح الغين المعجمة في الجاهلية محبر لأنه كان يحسن الشعر (^٣)، والحبر أيضًا الحبور وهو السرور ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ (^٤) ينعمون ويكرمون ويسرون (^٥)، وقال يحيى بن أبي كثير: الحبرة اللذة والسماع (^٦)، انتهى.
قوله: رووه كلهم من رواية يحيى بن أيوب الغافقي.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٢٥٤)، وابن حبان (٧٧)، والحاكم ١/ ٨٦، والبيهقي في المدخل (٤٧٩ و٤٨٠) والشعب (٣/ ٢٦٩ رقم ١٦٣٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٧).
(٢) أخرجه ابن ماجة (٢٥٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٨) تخريج اقتضاء العلم العمل (١٠٠ - ١٠٢).
(٣) تهذيب اللغة (٥/ ٢٢)، والصحاح (٢/ ٦٢٠).
(٤) سورة الروم، الآية: ١٥.
(٥) الصحاح (٢/ ٦٢٥).
(٦) تفسير عبد الرزاق (٢٧٨٦)، وتفسير الطبرى (١٨/ ٤٧٢).
[ ٢ / ٣٩ ]
١٨٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر عَن النَّبِي - ﷺ - من طلب الْعلم ليباهي بِهِ الْعلمَاء ويماري بِهِ السُّفَهَاء أَو ليصرف وُجُوه النَّاس إِلَيْهِ فَهُوَ في النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَة (^١).
قوله: عن ابن عمر، تقدم.
قوله - ﷺ -: "من طلب العلم ليباهي به العُلماء ويماري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه" تقدم الكلام على المباهاة والمماراة، ومعنى "يصرف به وجوه الناس إليه" أي: يقلبهم إليه مأخوذ من قوله صرفت الصبيان:
قلبتهم (^٢)، وخرج ابن عدي من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - بنحوه، وزاد فيه: "ولكن تعلموه لوجه اللّه والدار الآخرة" (^٣).
وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: لا تعلموا العلم لثلاث لتماروا به السفهاء أو لتجادلوا به الفقهاء أو تصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بعلمكم ما عند اللّه فإنه يبقى ويذهب ما سواه، انتهى، قاله ابن رجب (^٤)، وقال عيسى ابن مريم: كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به ولا يطلبه ليعمل به (^٥)، وقال الحسن: ما رأيتُ فقيها يداري ولا يماري إنما ينشر حكمة اللّه ﷿ فإن قبلت حمد اللّه ﷿ وإن ردت حمد اللّه ﷿ (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٢٥٣) وحسنه الألباني في المشكاة (٢٢٥ و٢٢٦) وصحيح الترغيب (١٠٩).
(٢) الصحاح (٤/ ١٣٨٦).
(٣) الكامل (٧/ ٢١٦).
(٤) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨١).
(٥) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨١).
(٦) أخلاق العُلماء للآجري (ص ٥٨).
[ ٢ / ٤٠ ]
١٨١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من تعلم الْعلم ليباهي بِهِ الْعلمَاء ويماري بهِ السُّفَهَاء وَيصرف بهِ وُجُوه النَّاس أدخلهُ اللّه جَهَنَّم. رَوَاهُ ابْن مَاجَة أَيْضًا (^١).
١٨٢ - وَعَن ابْن عمر عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من تعلم علما لغير اللّه أَو أَرَادَ بِهِ غير اللّه فَليَتبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَة كِلَاهُمَا عَن خَالِد بن دريك عَن ابْن عمر وَلم يسمع مِنْهُ وَرِجَال إسنادهما ثِقَات (^٢).
قوله: عن ابن عمر، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله - ﷺ -: "من تعلم علما لغير اللّه أو أراد به غير اللّه فليتبوأ مقعده من النار" الحديث، قوله "فليتبوأ" بكسر اللام هو الأصل وبالسكون هو المشهور، والتبوء: إتخاذ المبأة أي المنزل، يقال: تبوأ الرجل المكان إذا تأخذه موضعا لمقامه، قال أبو سليمان الخطابي: وهو أمر يشبه التهديد والوعيد، ومعناه: لينزلن منزلة منها، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في الكذب على رسول اللّه - ﷺ -.
قوله: عن خالد بن دريك (بضم أوله وفتح الراء عن ابن عمر وعائشة مرسلا وعن عبد اللّه بن محيريز وعنه قتادة وأيوب وثقه النسائي وابن مَعين وابن حبان).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٢٦٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٠).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٥٥)، وابن ماجة (٢٥٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث أيوب إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٥).
[ ٢ / ٤١ ]
١٨٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: "إِن نَاسًا من أمتِي سيتفقهون فِي الدّين يقرؤون الْقُرْآن يَقُولُونَ نأتي الأُمَرَاء فنصيب من دنياهم ونعتز لَهُم بديننا وَلا يكون ذَلِك كَمَا لَا يجتنى من القتاد إِلَّا الشوك كذَلِك لَا يجتنى من قربهم إِلَّا" قَالَ ابْن الصَّباح كَأَنَّهُ يَعْنِي الْخَطَايَا. رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَرُوَاته ثِقَات (^١).
قوله: عن ابن عباس، تقدم.
قوله - ﷺ -: "إن ناسًا من أمتي سيتفقهون في الدين يقرؤون القرآن يقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتز لهم بديننا ولا يكون ذلك كلما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك" الحديث، القتاد: شجر كثير الشوك ينبت بنجد وتهامة وهو أعظم وأصغر، فالأعظم الذي له شوك، والأصغر التي التي ثمرها نفاخة كنفاخة العشر، والمراد هنا: التقاد الأعظم، قاله في الصحاح.
قوله: "كذلك لا يجتنى من قربهم إلا" قال ابن الصلاح: كأنه يعني الخطايا؛ ابن الصباح: اسمه محمد بن الصباح البغدادي.
وقوله: "إلا" من الاكتفاء، فحديث ابن عباس حديث حسن، وهو علم من أعلام النبوة، فإن كثيرًا من العُلماء الذي يقرؤون القرآن وهم كما قال اللّه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٢٥٥)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٥٠ رقم ٨٢٣٦) والشاميين (٢٥٥٦). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به: هشام بن عمار. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٦) و(١٣٥٧)، المشكاة (٢٦٢)، الضعيفة (١٢٥٠).
[ ٢ / ٤٢ ]
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ (^١) الآية، قاله في الديباجة (^٢)، وخرجه الطبراني ولفظه: "أن ناسًا من أمتي يقرؤون القرآن ويتعمقون في الدين يأتيهم الشيطان يقول: لو أتيتم الملوك فأصبتم من دنياهم واعتزلتموهم بدينكم إلا، ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا الخطايا".
لطيفة: روى البيهقي في الشعب عن مالك بن دينار قال: مثل قراء هذا الزمان مثل رجل نصسب فخًا فجاء عصفور فوقع في فخه فقال: ما لي أراك متغيبًا في التراب، قال: للتواضع، قال: فمم خببت؟ قال: من طول العبادة، قال: فما هذه الحبة فيك؟ قال: أعددتها للطائعين، فلما أمسى تناول الحبة فوقع الفخ في عنقه فخنقه، فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في العبادة اليوم، قاله في حياة الحيوان (^٣).
١٨٤ - وَعَن أبي هُرَيرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: "من تعلم صرف الْكَلَام لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوب الرِّجَال أَو النَّاس لم يقبل اللّه مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة صرفا وَلَا عدلَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٤) قَالَ الْحَافِظ: يشبه أَن يكون فِيهِ انْقِطَاع فَإِن الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل ذكره البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَلم يذكرُوا لَهُ رِوَايَة عَن الصَّحَابَة وَاللّه أعلم.
_________________
(١) سورة الكهف، الآيتان: ١٠٣ - ١٠٤.
(٢) الديباجة (ص ٢٥٧/ رسالة علمية).
(٣) الشعب (٩/ ٢١٤ - ٢١٥ رقم ٦٥٥٦) وحياة الحيوان (٢/ ١٦١ - ١٦٢).
(٤) أخرجه أبو داود (٥٠٠٦) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٧/ ٤٤ - ٤٥ رقم ٤٦٢٠)، وفي الأداب (٣٩١). وضعفه الألباني في المشكاة (٤٨٠٢)، وضعيف الترغيب (٨٧).
[ ٢ / ٤٣ ]
قوله: "وعن أبي هريرة"، تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال" الحديث، صرف الكلام: هو بفتح الصاد أي: من تعلم فصاحة الكلام وأنواع البلاغة من أنواع الشعر وغيره من العلوم ليجعل قلوب الناس مائلة إليه لم يقبل اللّه منه صرفًا ولا عدلًا (^١)، والمراد من صرف الكلام هو فضله وما يتكلفه الإنسان فوق الحاجة فيه، وإنما كره النبي - ﷺ - ذلك لما يدخله من الرياء والتصنع ولما يخالطه من الكذب والتزيد (^٢)، يقال: فلان لا يحسن صرف الكلام أي فضل بعضه على بعض وهو من صرف الدراهم وتفاضلها (^٣)، فأمر النبي - ﷺ - أن يكون الكلام قصدًا بقدر الحاجة غير زائد عليها ليوافق ظاهره باطنه وسره علنه (^٤)، وحينئذ: ففي الحديث من أنواع الجناس التام بين صرف وصرف، وهو أشرف أنواع الجناس كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (^٥).
قوله: "لم يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا" يعني: فريضة ولا نافلة على أحد التفاسير (^٦)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا فيمن أخاف أهل المدينة أو أرادهم بسوء.
_________________
(١) المفاتيح (٥/ ١٦٨).
(٢) معالم السنن (٤/ ١٣٦).
(٣) النهاية (٣/ ٢٤).
(٤) معالم السنن (٤/ ١٣٦).
(٥) سورة الروم، الآية: ٥٥.
(٦) المفاتيح (٥/ ١٦٨).
[ ٢ / ٤٤ ]
١٨٥ - وعن ابن مسعود - ﵁ -؛ أنه قال: "كيف بكم إذا لبستْكم فتنةٌ، يَربو فيها الصغيرُ، ويَهرَمُ فيها الكبيرُ، وتُتَّخَذُ سنةً، فإن غُيّرتْ يومًا قيلَ: هذا منكرٌ! قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قلَّت أُمناؤكم، وكثُرتْ أُمراؤُكُم، وقَلَّتْ فقهاؤكُم، وكَثُرتْ قراؤكم، وتُفُقِّهَ لِغيرِ الدين، والتُمست الدنيا بعملِ الآخرةِ". رواه عبد الرزاق في "كتابه" موقوفًا (^١).
قوله: عن ابن مسعود، فهو: عبد اللّه بن مسعود، يقال له: ابن أم عبد، أم عبد اللّه بن مسعود وهي بنت عبد ود من هذيل بن مدركة، أسلمت وبايعت النبي - ﷺ -، ذكر مصعب بن سعد أن عمر - ﷺ - فرض الأعطية ففرض لأم عبد ألف درهم، حكاه ابن سعد في الطبقات الصغري، انتهى.
قوله: "كيف بكم إذا ألبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير" الحديث، وهذ يدلّ على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا عبرة به ولا التفات إليه، فإن العمل قد جرى على خلاف السنة منذ زمن أبي الدرداء وأنس، وهذه هي الفتنة العظمى.
١٨٦ - وَعَن عَليّ - ﵁ -: أَنه ذكر فتنا تكون فِي آخر الزَّمَان فَقَالَ لَهُ عمر مَتى ذَلِك يَا عَليّ قَالَ إِذا تفقه لغير الدّين وَتعلم الْعلم لغير الْعَمَل والتمست الدُّنْيَا بِعَمَل الآخِرَة رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق أَيْضًا فِي كلتَابه مَوْقُوفًا (^٢) وَتقدم حَدِيث ابْن
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٧٤٢)، وابن أبي شيبة في المُصَنِّف (٣٧١٥٦)، والدارمى (١٩١) و(١٩٢)، والحاكم ٤/ ٥١٤ - ٥١٥. وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١١).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (٢٠٧٤٣). وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (٨٨).
[ ٢ / ٤٥ ]
عَبَّاس الْمَرْفُوع وَفِيه وَرجل آتَاهُ اللّه علمًا فبخل بِهِ عَن عباد اللّه وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعا وشرى بِهِ ثمنا فَذَلِك يلجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار وينادي مُنَاد هَذَا الَّذِي آتَاهُ اللّه علما فبخل بِهِ عَن عباد اللّه وَأخذ عَلَيْهِ طَمَعًا وَاشْترى بِهِ ثمنًا وَكَذَلِكَ حَتَّى يفرغ الْحساب.
قوله: عن عليّ، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: أن عليًّا ذكر فتنًا تكون في آخر الزمان، فقال عمر: متى ذلك أي علي؟ قال: إذا تفقه لغير اللّه وتعلم العلم لغير العمل، الحديث، وقال علي أيضًا - ﵁ -: إذا كان الفقه لغير الدين وطلب العلم لغير العمل به وطلبت الدنيا بأعمال الآخرة فحينئذ تدفهم الفتن دف الرحى تفالها، وقال: جلس ابن مسعود يومًا فنظر إلى قوم قد اجتمعوا حوله يطلبون الحديث فالتفت إلى حارثة وقال: يا حارثة ألم تر إلى هؤلاء قد اجتمعوا ليتعلموا، فقال حارثة: قد اجتمعوا ليتعلموا ثم يتركوا، فقال ابن مسعود: صدقت واللّه الذي لا إله إلا هو، واجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل فاطلع عليهم من كومة وهو يبكي ولحيته ترجف، فقال: عليكم بالقرآن عليكم بالطواف عليكم بالعبادة، ويحكم، ليس هذا زمان حديث إنما زمان بكاء وتضرع واستكانة ودعاء كدعاء الغريق، وإنما هذا زمان السوء، احفظ لسانك وأخف بكائك وعالج قلبك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر (^١).
_________________
(١) خرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٥٩)، وانظر الآثار السابقة في مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي (١/ ٨١).
[ ٢ / ٤٦ ]
قوله: فاطلع من كومة، بفاح الكاف على اللغة المشهورة، قال صاحب المطالع، وحكي فيها الضم (^١)، وقال الحسن: لا يكون حظ أحدكم من العلم أن يقول له الناس عالمًا، وفي بعض الآثار: أن عيسى ﵊ قال: كيف يكون من أهل العلم من يطلب العلم ليحدّث به ولا يطلبه ليعمل به، وقال بعض السلف: بلغنا أن الذي يطلب الأحاديث ليحدّث بها لا يجد ريح الجنة، يعني: من ليس له غرض في طلبها إلا الحديث بها دون العمل بها.
تنبيه: ومن هذا القبيل كراهة السلف الصالح الجرأة على الفتيا والحرص عليها والمسارعة إليها والإكثار منها، وروى ابن لهيعة عن عبد اللّه بن أبي جعفر مرسلًا عن النبي - ﷺ - قال: "أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار" (^٢) وقال علقمة: أجرأكم على الفتيا أقلكم علمًا، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت مائة وعشرين من الأنصار ومن أصحاب رسول اللّه - ﷺ - يسأل أحدهم عن المسألة ما منهم من أحد إلا ود أن أخاه كفاه، وفي رواية: فيؤدها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى يرجع إلى الأول (^٣) وهو ابن مسعود - ﵁ - قال: إن الذي يفتي الناس في كلّ ما يستفتونه لمجنون (^٤)، وسئل عمر بن عبد
_________________
(١) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٣/ ٣٩٣).
(٢) أخرجه الدارمي (١٥٧).
(٣) رواه ابن المبارك في الزهد ص ١٩، والدارمي (١٣٥) ١/ ٦٥، وابن سعد في الطبقات ٦/ ١١٠، وأبو خيثمة في العلم ٢١ ص ١٠، والخطيب في الفقيه والمتفقه ٢/ ١٢ - ١٣.
(٤) رواه الدارمي ١١٧١/ ٧٣، وأبو خيثمة في العلم ١٠ ص ٨، والخطيب في الفقيه والمتفقه ٢/ ١٩٧ - ١٩٨ و٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
[ ٢ / ٤٧ ]
العزيز عن مسألة فقال: ما أنا على الفتيا بجريء، وكتب إلى بعض عماله: إني واللّه ما إني بحريص على الفتيا ما وجدت منه بدًا، وليس هذا الأمر لمن ود أن الناس احتاجوا إليه، إنما هذا الأمر لمن ود أنه وجد من يكفيه، وعنه - ﵁ - أنه قال: أعلم الناس بالفتوى أسكتهم وأجهلهم بها أنطقهم، وقال سفيان الثوري: أدركنا الفقهاء وكانوا يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدون بدًا، وإذا أعفوا منها كان أحب إليهم، وقال الإمام أحمد بن حنبل: من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم إلا أنه قد كانت للضرورة، قيل له: فأيهما أفضل، الكلام أو السكوت؟ قال: الإمساك أحب إليّ، قيل له: فإذا كانت الضرورة فجعل يقول: الضرورة الضرورة، وقال: الإمساك أسلم؛ وليعلم المفتي أنه يرفع عن اللّه أمره ونهيه وأنه موقف ومسؤول عن ذلك، قال الربيع بن خثيم: أيها المفتون، انظروا كيف تفتون عن اللّه، وعن ابن المنكدر قال: إن العالم بين اللّه وبين خلقه فلينظر كيف يدخل عليهم، وكان ابن سيرين: إذا سئل عن شيء من الحلال والحرام تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان، وكان النخعي يسأل فتظهر عليه الكراهة ويقول: ما وجدت أحدًا تسأل غيري، وقال: قد تكلمت لو وجدت بك ما تكلمت، وإن زمانا أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء، وعن محمد بن واسمع قال: أول من يدعى للحساب الفقهاء، وعن مالك أنه كان إذا سئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار، وقال بعض العُلماء لبعض المفتين: إذا سئلت عن مسألة فلا يكن همك تخليص المسائل وليكن تخليص نفسك أولا، وقال آخر: إذا سئلت عن شيء فتفكر إن وجدت لنفسك مخرجًا فتكلم وإلا فاسكت،
[ ٢ / ٤٨ ]
وكلام السلف في هذا يطول، وفيما ذكرنا كفاية لمن تدبر، واللّه أعلم (^١).
خاتمة: وتقدم في حديث ابن عباس المرفوع: "ورجل أتاه اللّه علما فبخل به عن عباد اللّه وأخذ عليه مطمعا وشرى به ثمنًا" الحديث (^٢)، قال الإمام أبو عبد اللّه القرطبي (^٣): وإذا تعين على العالم نشر العلم وتعليمه وكانت عنده كفايته ثم ضن بعلمه أي يبخل حتى يأخذ عليه أجرًا فهو المراد بالآية وهي: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (^٤) والحديث، وأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة لقوله - ﷺ -: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب اللّه" أخرجه البخاري (^٥)، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم، وله أن يقبل على صنعته وحرفته لأن إحياء نفسه أوجب، ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته وإلا فعلى المسلمين لأن الصديق - ﵁ -. لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له: في ذلك، فقال: ومن أين أنفق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايته، واللّه أعلم.
_________________
(١) انظر الآثار السابقة في مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي (١/ ٨١ - ٨٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (رقم ٧١٨٧) قال المنذرى (١/ ٥٦): في إسناده عبد اللّه بن خراش وثقه ابن حبان وحده. وقال الهيثمي (١/ ١٢٤): فيه عبد اللّه بن خراش ضعفه البخارى وأبو زرعة وأبو حاتم وابن عدى ووثقه ابن حبان.
(٣) تفسير القرطبي (١/ ٣٣٦).
(٤) سورة البقرة، الآية: ٤١.
(٥) أخرجه البخاري (٥٧٣٧).
[ ٢ / ٤٩ ]