عن المقداد بن عَمْرو: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نحثو في وجوه المداحين التراب رواه مسلم (^١)، قال النووي (^٢): ذكر مسلم في هذا الباب الأحاديث الواردة في النهي عن المدح وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه قال العلماء وطريق الجمع بينها أن النهي محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح وأما من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير والازدياد منه أو الدوام عليه أو الاقتداء به كان مستحبًّا.
قال النووي في كتاب الأذكار (^٣): مدح الإنسان والثناء عليه بجميل صفاته قد يكون في حضور الممدوح، وقد يكون بغير حضوره، فأما الذي في غير حضوره، فلا منع منه إلا أن يجازف المادح ويدخل في الكذب، فيحرم عليه بسبب الكذب لا لكونه مدحا، ويستحب هذا المدح الذي لا كذب فيه إذا ترتب عليه مصلحة ولم يجر إلى مفسدة بأن يبلغ الممدوح فيفتتن به، أو غير ذلك، وأما المدح في وجه الممدوح فقد جاءت فيه أحاديت تقتضي إباحته أو استحبابه، وأحاديثه تقتضي المنع منه، ويجمع بينهما كما تقدم.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٨ و٦٩ - ٣٠٠٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٢٦).
(٣) الأذكار (ص ٢٧٦).
[ ١ / ٢٢٨ ]
قوله: (أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نحثي في وجوه المداحين التراب) هذا الحديث قد حمله على ظاهره المقداد الذي هو راويه ووافقه طائفة وكانوا يحثون التراب في وجهه حقيقة وقال آخرون معناه خيبوهم فلا تعطوهم شيئا لمدحهم وقيل إذا مدحتم فاذكروا أنكم من تراب فتواضعوا ولا تعجبوا وهذا ضعيف (^١) انتهى.
قال الخطابى (^٢): المراد بالتراب هنا الحرمان فمعنى التراب ههنا الحرمان والخيبة كما يقال ليس في كفه إلّا التراب، وكان بعض السلف يذهب إلى استعمال الحديث على ظاهره ويرى أن يوضع التراب في كفه، وروي أن المقداد رأى رجلا يمدح رجلا فقام يحشي التراب بكفه في وجهه، وقال الحليمى (^٣): إنما أمر بحثو التراب في وجوه المادحين لأن الأغلب أنهم يكذبون فيغرون الممدوح فإذا حثا التراب في وجه المادح تغبر بذلك وجهه كما غبر وجه الممدوح. انتهى.
٤ - وَعَن معَاذ بن جبل أَنه قَالَ حِين بعث إِلَى الْيمن يَا رَسُول الله أوصني، قَالَ: "أخْلص دينك يكفك الْعَمَل الْقَلِيل" (^٤) رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن ابْن أبي عمرَان وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد كَذَا قَالَ.
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٢٨).
(٢) معالم السنن (٣/ ١٣١).
(٣) المنهاج (٣/ ٨).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٤١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٤٤)، والبيهقي في الشعب رقم (٦٤٤٣)، وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورده الذهبي في التلخيص فقال: غير صحيح، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢١٦٠)، وضعيف الجامع (٢٤٠).
[ ١ / ٢٢٩ ]
قوله: معاذ بن جبل، قال أبو الفرج بن الجوزي كنيته: أبو عبد الرحمن فهو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري من بني جثم بن الخزرج كان من نجباء الصحابة، أسلم وعمره ثمان عشرة سنة، روى عنه ابن عباس وابن عمر وأنس وعبد الرحمن بن سمرة. وأبو موسى وطائفة من الصحابة وخلق من التابعين وكان عمر جمع القرآن في حياة النبي - ﷺ -، وجاء عن أنس مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر " الحديث. "وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ" (^١) وقال محمد بن كعب القرظي: قال النبي - ﷺ -: "يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة" (^٢) وقال ابن مسعود: إن معاذا كان أمة قانتًا لله حنيفا ولم يك من المشركين إنا كنا نشبه معاذًا بإبراهيم، والأمة معلم الخير، والقانت المطيع لله ولرسوله ومعاذ بن جبل كان يعلم الناس الخير ويطيع الله ورسوله (^٣).
وقال فيه رسول الله - ﷺ -: "نعم الرجل معاذ" (^٤)، وقال عمر: عجزت النساء أن تلد مثل معاذ لولا معاذ هلك عمر، قاله في قضية امرأة تأخر حملها سنتين
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٣٧٩٠)، وابن ماجه رقم (١٥٤)، وأحمد في مسنده (٢٤/ ٢٥٢).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٩) رقم (٤١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣١١): رواه الطبراني مرسلا، وفيه محمد بن عبد الله بن أزهر الأنصاري ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٥٩) رقم (٩٩٤٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٠).
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٣٧٩٥)، وأحمد في مسنده (١٥/ ٢٥٣).
[ ١ / ٢٣٠ ]
فاستشاره في رجمها فأشار بتأخيرها فوضعت غلاما قد خرجت ثنيتاه فاعترف أبوه به لشبهه به، فقال: ابني ورب الكعبة (^١).
وكان معاذ طوالًا حسن الشعر أبيض براق الثنايا، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مات في طاعون عمواس سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، وأردفه رسول الله - ﷺ - وراءه وقال: "والله يا معاذ إني لأحبك" (^٢) وبعثه إلى اليمن قاضيا بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشيا في مخرجه وكان معاذ راكبًا (^٣).
قوله: إنه قال حين بعث إلى اليمن يا رسول الله أوصني، قال: "أخلص دينك يكفك العمل القليل".
واليمن: إقليم معروف يشتمل على بلاد كثيرة، قال ابن عبد البر (^٤): بعث رسول الله - ﷺ - معاذ بن جبل قاضيًا إلى اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن ثم أوصاه رسول الله - ﷺ - وعهد إليه ثم قال: "يا معاذ يسر ولا تعسر وبشر ولا تنفر" (^٥)؛ وفي حديث أنه قال - ﷺ - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه رقم (٢٠٧٦)، والدارقطني في سننه (٤/ ٥٠٠)، والبيهقي في السنن (٧/ ٧٢٩).
(٢) أخرجه أبو داود رقم (١٥٢٢)، والترمذي رقم (٢٣٥٠)، والنسائي (٣/ ٥٣).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٩٨ - ١٠٠).
(٤) الاستيعاب (٣/ ١٤٠٣).
(٥) أصل الحديث في البخاري رقم (٣٠٣٨)، ومسلم رقم (١٧٣٣) عن أبي بردة أن النبي - ﷺ -، بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا".
[ ١ / ٢٣١ ]
أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإن هم آمنوا بذلك فأخبرهم أن الله فرض صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " الحديث (^١)، استدل بعضهم بحديث معاذ هذا على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة من الصلاة والصوم والزكاة ونحوها لكونه - ﷺ - قال: "فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن عليهم " فدل على أنهم إذا لم يطيعوا لا يجب عليهم، هذا الاستدل ضعيف فإن المراد أعلمهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها بل يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، والمختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهي عنه، هذا قول المحققين والأكثرين، وقيل: ليسوا بمخاطبين بها، وقيل: مخاطبون بالمنهي دون المأمور (^٢) والله أعلم قاله في الديباجة.
٥ - عَن ثَوْبَان قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: "طُوبَى للمخلصين أُولَئِكَ مصابيح الْهدى تنجلي عَنْهُم كل فتْنَة ظلماء" (^٣) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٣٩٥، ١٤٩٦، ٤٣٤٧)، ومسلم رقم (١٩).
(٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٩٨).
(٣) أخرجه البيهقي في الشعب رقم (٦٤٤٨)، وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص والنية رقم (١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥)، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٢٢٥)، وضعيف الجامع رقم (٣٦٣٦): موضوع.
[ ١ / ٢٣٢ ]
قوله: وروي عن ثوبان - ﵁ -، ثوبان: هو مولى رسول الله - ﷺ - وكنيته أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن ثوبان بن بجدد بباء موحدة مضمومة ثم جيم ساكنة ثم دال مهملة مكررة الأولى مضمومة، ويقال: ابن جحدر الهاشمي من أهل السراة موضع بين مكة واليمن، وقيل: إنه من حمير، وقيل: إنه من ألهان أصابه سبيً فاشتراه رسول الله - ﷺ - فأعتقه ولم يزل معه في السفر والحضر فلما توفي رسول الله - ﷺ - خرج إلى الشام فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وابتنى فيها دارًا وتوفي بها سنة خمس وأربعين وقيل سنة أربع وخمسين، روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وسبعةٌ وعشرون حديثًا روى له مسلم منها عشرة أحاديث (^١).
فائدة: الموالي: جماعة منهم ثوبان هذا وأبو أسامة وأبو كبشة واسمه سليم شهد بدرًا ورويبع وأبو بكرة وأبو رافع، واسمه أسلم، وقيل غير ذلك، ومِدْعم: بكسر الميم وإسكان الدال وفتح العين المهملتين أسود، وكركرة: أيضًا من الموالي؛ واعلم أن هؤلاء الموالي لم يكونوا موجودين في وقت واحد للنبي - ﷺ - بل كان بعض منهم في وقت وبعض منهم في وقت آخر، واعلم أنهم ينسبون إلى القبيلة مولاهم لقوله - ﷺ -: "مولى القوم من أنفسهم" (^٢) وسواء أكان مولى عتاقة وهو الأكثر أو مولى حلف ومناصرة أو مولى إسلام بأن أسلم على يد واحد من القبيلة كالبخاري الإمام مولى
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤١).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٧٦١) عن أنس.
[ ١ / ٢٣٣ ]
الجعفيين أسلم بعض أجداده على يد واحد من الجعفيين انتهى، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١) وغيره.
تتمة: في تاريخ نيسابور للحاكم ما حكاه ابن الصلاح في آخر النوع الرابع والستين من قوله رُوينا عن الزهري قال: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة قال فمن خلفت فيها يسود أهلها، قلت: عطاء بن رباح، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي قال: وبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية، قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا، قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان، قال: من العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم؟ قال: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي أن يسودوا، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي عبدٌ أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قال: قلت: ميمون بن مهران، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم، قال: من العرب أم من الموالي؟ قال. قلت من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن البصري، فقال؟ من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، فقال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٤).
[ ١ / ٢٣٤ ]
العرب، فقال: ويلك يا زهري فرجت عني! والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال: قلت: يا أمير المؤمنين إنما هو أمر الله ودينه من حفظه ساد ومن ضيعه سقط، انتهى (^١)، قاله في الديباجة.
تنبيه: الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري المدني أحد الأئمة الإسلام وعالم أهل الحجاز والشام وكان الزهري أحفظ أهل زمانه وأحسنهم سياقًا لمتون الأحاديث، ومع ذلك كان يقول: إعادة الأحاديث أشد من نقل الصخر، وكان يقول: ما صبر أحدٌ على العلم صبري ولا نشره نشري، وقال عمر بن عبد العزيز: ما بقي أحدٌ أعلم بسنة ماضية من الزهري، وقال مالك: بقي الزهري وليس له في الدنيا نظير، وقال أيوب السختياني: ما رأيت أعلم منه، وكان من أسخى الناس ومن غريب حفظه أنه حفظ القرآن في ثمانين يومًا، رواه البخاري في تاريخه بإسناد صحيح (^٢) توفي ﵀، في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة (^٣) انتهى، قاله في الديباجة أيضًا.
قوله - ﷺ -: "طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى" الحديث، طوبى اسم الجنة وقيل اسم شجرة فيها، وقيل غير ذلك (^٤)، وتقدم الكلام على الإخلاص مبسوطًا في الأحاديث المتقدمة.
_________________
(١) ذكره الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ١٩٨ - ١٩٩، ومقدمة ابن الصلاح (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣).
(٢) تاريخ البخاري (١/ ٢٢٠).
(٣) انظر تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٩٠ - ٩٢).
(٤) تهذيب اللغة (١٤/ ٢٩)، والنهاية (٣/ ١٤١).
[ ١ / ٢٣٥ ]
٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي - ﷺ - أَنه قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع: "نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها فَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه، ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب امرئ مُؤمن إخلاص الْعَمَل لله والمناصحة لائمة الْمُسلمين وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ فَإِن دعاءهم مُحِيط من ورائهم" (^١). رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث زيد بن ثَابت وَيَأْتِي فِي سَماع الحَدِيث إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود ومعاذ بن جبل والنعمان بن بشير وَجبير بن مطعم وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي قرصافة جندرة بن خيشنة وَغَيرهم من الصَّحَابَة ﵃ وَبَعض أسانيدهم صَحِيح.
قوله: وعن أبي سعيد الخدري، هو: أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد [بن] الأبجر بالباء الموحدة والجيم، الأنصاري الخزرجي الخدري واسم أم أبي سعيد أنيسة بنت أبي خارجة، استُصغر أبو سعيد يوم أحد فرُدّ وغزا بعد ذلك مع رسول الله - ﷺ - اثنتي عشرة غزوة وكان أبوه صحابيًا استشهد يوم أحد، روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله - ﷺ - ألفًا
_________________
(١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم (١٣٠٢)، وأبو نعيم في الحيلة (٥/ ١٠٥)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (٥) عن أبي سعيد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٣٧): رواه البزار، ورجاله موثقون، إلا أن يكون شيخ سليمان بن سيف، سعيد بن بزيغ؛ فإني لم أر أحدا ذكره. وإن كان سعيد بن الربيع فهو من رجال الصحيح؛ فإنه روى عنهما. والله أعلم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (٤). وأخرجه ابن حبان رقم (٦٧، ٦٨٠)، وأحمد (٣٥/ ٤٦٧)، وصححه الألباني في الترغيب والترهيب (٩٠).
[ ١ / ٢٣٦ ]
حديث ومائة حديث وسبعين حديث، اتفق البخاري ومسلم على ستة وأربعين حديثًا وانفرد البخاري بستة عشر ومسلم باثنين وخمسين حديثًا، روى أبو سعيد عن جماعة من الصحابة أيضًا منهم أبو بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت وأبو قتادة وعبد الله بن سلام وتوفي - ﵁ - بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين وقيل سنة أربع وسبعين ودفن بالبقيع ومناقبه كثيرة مشهورة (^١) والله أعلم.
قوله: إن النبي - ﷺ - قال في حجة الوداع، الحديث، سميت حجة الوداع بذلك لأن النبي - ﷺ - ودع الناس فيها وعلمهم في خطبته فيها أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع إلى من غاب فقال - ﷺ -: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (^٢)، والمعروف في الرواية حجة الوداع بفتح الحاء وقال الهروي وغيره من أهل اللغة المسموع من العرب في واحدة الحج حجة بكسر الحاء، قالوا: والقياس فتحها لكونها اسمًا للمرة الواحدة وليست عبارة عن الهيئة حتى تكسر، قالوا فيجوز الكسر بالسماع والفتح بالقياس قاله النووي في شرح مسلم (^٣).
قوله - ﷺ -: "نضّر الله امرأ سمع مقالتي " الحديث. [ويروى بالتخفيف والتشديد] فأكثر الشيوخ يشددون "نضر" وأكثر أهل الحديث يخففون، قال
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٣٧).
(٢) جزء من حديث أخرجه البخاري رقم (١٠٥)، ومسلم رقم (١٦٧٩) عن أبي بكرة.
(٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٦).
[ ١ / ٢٣٧ ]
النضر بن شميل: معناه نعم الله وجهه وحسّنه، وقيل: أوصله نضرة النعيم من النضارة وهي في الأصل حسن الوجه والبريق وإنما أراد حسن خلقه وقدره، وهذا الدعاء من النبي - ﷺ - لا بد من نيل بركته ووعده بالنضارة للمبلغ حثٌ على التبليغ وحضٌ على الإنذار به حسْب قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (^١) والتبليغ فرض على الكفاية (^٢)، والله أعلم.
قوله: "فوعاها" يقال: وعيت الحديث أعيه وعيًا فأنا واع إذا حفظته وفهمته وفلان أوعى من فلان أي: أحفظ، ومنه حديث أبي أمامة "لا يعذب الله قلبًا وعى القرآن" (^٣) أي عقله إيمانًا به وعملًا، فأما من حفظ ألفاظه وضيع حدوده فإنه غير واع له (^٤) والله أعلم.
قوله: "فرب حامل فقه ليس بفقيه" [لا فقه له]، يعني: رب شخص يكون عنده حديث مشتمل على أحكام فقهية لا يعلم ذلك الشخص تلك الأحكام المندرجة فيه فإذا أداه وسمعه شخص قادر على استخراج تلك الأحكام يحصل فائدة عظيمة للمسلمين فمن حمل حديثا فعليه نقله ونشره.
وقوله: "فرب حامل فقه" الحديث. رب: أصله للتقليل ويستعمل للتكثير كثيرًا، ومن خصائص رب أنها لا تدخل إلا على نكرة وفيها لغات عشر الراء
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٩.
(٢) الديباجة (ص ١٩٣ - ١٩٤/ رسالة علمية)، وانظر عارضة الأحوذى (١٠/ ١٢٥).
(٣) أخرجه الديلمي عن عقبة بن عمر، كما في كنز العمال رقم (٢٤٠١).
(٤) النهاية (٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨).
[ ١ / ٢٣٨ ]
مضمومة والباء مخففة أو مشددة مفتوحة أو مضمومة أو مسكنة والراء مفتوحة والباء مشددة أو مخففة، وربت بتاء التأنيث، والباء شديدة أو خفيفة، وهي حرف عند البصريين، اسم عند الكوفيين، قاله الكرماني (^١).
قوله - ﷺ -: "ثلاث لا يغل عليهم قلب امرئ مؤمن" الحديث، يغل: بفتح الياء وضمها وكسر الغين فيهما، قال الهروي في الغريبين (^٢): فمن فتح الياء جعله من الغل وهو الحقد والشحناء، أي: لا يدخله حقد يزيله عن الحق، ومن ضم الياء جعله من الإغلال وهي الخيانة في كل شيء؛ قال الجوهري (^٣): يقال من الخيانة أغل يُغِل بضم الياء وكسر الغين؛ ومن الحقد غَل يَغِل بفتح الياء وكسر الغين، والأوجه كونه من الغلول هنا؛ ويروى يغل بالتخفيف من الوغول وهو الدخول في الشر، والمعنى: أن هذه الخلال الثلاث يستصلح بها القلب، فمن تمسك بها طهر الله قلبه من الخيانة. والدغل والشر، انتهى، قاله في التنقيح (^٤)، وقال في تهذيب النفوس: معنى الحديث لا يبقى في القلب غل ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غله وتخرجه منه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش وعلى خروجه من جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة، فهذه
_________________
(١) الكواكب الدراري (٢/ ٢٧).
(٢) الغريبين في القرآن والحديث ص ١٣٨٤.
(٣) الصحاح (٥/ ١٧٨٣).
(٤) كشف المناهج (١/ ١٦٥ - ١٦٦).
[ ١ / ٢٣٩ ]
الثلاثة تملأه غلا ودغلا، ودواء هذا الغل واستفراغ أخلاطه تجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة (^١).
[قوله: "عليهن قلب مؤمن" وعليهن في موضع الحال تقديره، لا يغل كائنا عليهن قلب مؤمن (^٢) "إخلاص العمل لله"، وحقيقته أن لا يقصد العبد بعبادته غير الله تعالى (^٣)].
قوله: "والمناصحة لأئمة المسلمين" النصيحة: كلمة جامعة يعبر بها عن جملة هي (إرادة الخير) (^٤)، والمراد بأئمة المسلمين هم الولاة من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم ممن يلي أمور هذه الأمة، والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم من تعليم ما يجهلون من أمر الدين، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر والشفقة على كبيرهم وصغيرهم، والترحم على صغيرهم وتخولهم بالموعظة الحسنة، وكف الأذى عنهم، قاله في شرح السنة (^٥).
قوله: "ولزوم جماعتهم": المراد بلزوم الجماعة التي أمر بلزومها السواد الأعظم وكل ما كان عليه السواد الأعظم من أمر الإسلام فهو الحق الواجب
_________________
(١) مدارج السالكيين (٢/ ٨٩ - ٩٠).
(٢) الفائق (٣/ ٧٢)، وجامع الأصول (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، والنهاية (٣/ ٣٨١)، والديباجة (ص ١٩٤/ رسالة علمية).
(٣) الديباجة (ص ١٩٤/ رسالة علمية)، والفتوحات الربانية (٣/ ٢٥٦)، والزيادة من هامش على جانب المخطوط.
(٤) شرح السنة للبغوي (١٣/ ٩٣ - ٩٤).
(٥) شرح السنة (١٣/ ٩٥).
[ ١ / ٢٤٠ ]
الذي لا يجوز من المسلمين خلافه (^١).
قوله: "فإن دعائهم يحيط من ورائهم" وفي رواية: "فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" أي تحوطهم وتكنفهم وتحفظهم، يريد أهل السنة دون أهل البدع، والدعوة المرة الواحدة من الدعاء، قاله في النهاية (^٢).
وقال بعضهم (^٣): أحاط إذا أدار حول شيء، يعني: فإن دعوة المسلمين تدور من وراءهم ويكون اتفاقهم وإجماعهم على الدين حرزا وحصنا لهم يحفظهم عن كيد الشيطان وعن الضلال كما قال ﵇: "عليكم بالسواد الأعظم" (^٤) وقال: "يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار" (^٥) انتهى.
٧ - عَن مُصعب بن سعد عَن أَبِيه - ﵁ -: أَنه ظن أَن لَهُ فضلًا على من دونه من أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - إِنَّمَا ينصر الله هَذِه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم" (^٦). رواه النسائي وغيره وهو في البخاري وغيره دون ذكر الإخلاص (^٧).
_________________
(١) شرح الصحيح (١٠/ ٣٣) لابن بطال.
(٢) النهاية (٢/ ١٢٢).
(٣) قاله المظهرى في المفاتيح (١/ ٣٢٥).
(٤) أخرجه ابن ماجه رقم (٣٩٥٠)، وعبد بن حميد في المنتخب رقم (١٢٢٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٤)، وابن بطة في الإبانة رقم (١١٨).
(٥) أخرجه أبن أبي عاصم في السنة رقم (٨٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٩٩).
(٦) أخرجه النسائي في المجتبى ٥/ ٤٠٠ (٣٢٠٢)، وفي الكبرى رقم (٤٣٧٢)، والبيهقي في السنن (٣/ ٤٨٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (٦).
(٧) أخرجه البخاري (٢٨٩٦)، والبزار (١١٥٩)، والنسائى في الكبرى (٤٣٧٢).
[ ١ / ٢٤١ ]
قوله: وعن مصعب بن سعد عن أبيه، قال في شرح مشارق الأنوار: مصعب: ليس من الصحابة، ولم يصرح في هذا الحديث بأن أباه حدثه، فليس بمتصل، انتهى، ولذلك قال الحميدي بعد ذكر الحديث: هكذا أخرجه البخاري منقطعًا مرسلًا من رواية سليمان بن حرب (^١). والله أعلم.
قوله: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم"، أي: بسبب دعوتهم كيلا يتكبر المجاهدون على الضعفاء الذين لا يقدرون على الجهاد لأنهم يدعون لهم بالنصرة في الخلوات (^٢)، وفي حديث آخر: "أن النبي - ﷺ - كان يستفتح بصعاليك المهاجرين" (^٣) يستفتح أي يستنصر ويستفتح بهم القتال، والصعاليك: الفقراء (^٤)، ومعنى الحديث: أن عباد الله الضعفاء دعاؤهم الله أشد إخلاصا لخلو قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وجعلوا همهم واحدا فأجيب دعاؤهم وزكت أعمالهم (^٥).
قوله: وهو في البخاري، بدون ذكر الإخلاص، تقدم الكلام على الإخلاص.
فائدة تتعلق بمناقب البخاري: وسبب تصنيف صحيحه؛ أما البخاري: فهو الإمام الجليل صاحب الصحيح، وكنيته: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن
_________________
(١) انظر: الجمع بين الصحيحين (١/ ١٩٦ ح ٢٠٢) للحميدى، وكشف المناهج (٤/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، قال الحميدى: وجوده مسعر عن محمد بن طلحة عن أبيه فقال فيه: عن مصعب بن سعد عن أبيه، وأخرجه أيضًا أبو بكر البرقاني عن مسعر وعن غيره مسندًا.
(٢) المفاتيح (٤/ ٤٠١).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢٩٢) رقم (٨٥٧).
(٤) غريب الحديث (١/ ٢٤٨) لأبى عبيد، شرح السنة (١٤/ ٢٦٥)
(٥) شرح الصحيح (٥/ ٩٠) لابن بطال.
[ ١ / ٢٤٢ ]
إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري، ومعنى بردزبة بالعربية: الزارع، وأما اسم صحيحه فسماه مؤلفه البخاري (المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه)، وأما محله: فقال العلماء: هو أول مصنف صُنف في الصحيح المجرد، واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة صحيحا البخاري ومسلم، واتفق الجمهور على أن صحيح البخاري أصحهما صحيحًا وأكثرهما فوائد، وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما، وأما سبب تصنيفه وكيفية تأليفه.
قال النووي (^١): فروينا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال: فإن البخاري كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابا مختصرًا في الصحيح لسنن رسول الله - ﷺ - فوقع ذلك في قلبي وأخذت في جمع هذا الكتاب، وروينا من جهات عن البخاري قال: صنفت كتاب الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث وجعلته بيني وبين الله ﷿، وروينا عن الفربري قال: قال البخاري: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.
قال النووي (^٢): وبلغني عن الشيخ أبي زيد المروزي من أصحابنا وهو أجل من روى صحيح البخاري عن الفربري قال: رأيت النبي - ﷺ - في المنام فقال: إن أمتي تدرس الفقه ولا تدرس كتابي قلت: وما كتابك يا رسول الله،
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٤).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٥).
[ ١ / ٢٤٣ ]
قال: جامع محمد بن إسماعيل البخاري، أو كما قال. قال النووي (^١): روينا عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري (تنبيه الفربرى منسوب إلى فربر بكسر الفاء وفتحها مدينة ببلاد الترك معروفة قاله في النهاية (^٢)، راوية صحيح البخاري قال: رأيت أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في النوم خلف النبي - ﷺ -، والنبي - ﷺ - يمشي كلما رفع قدمه وضع البخاري قدمه في ذلك الموضع، وروى الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور (^٣) بإسناده عن أحمد بن حمدون قال: جاء مسلم بن الحجاج إلى البخاري فقبل بين عينيه وقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين ويا طبيب الحديث في علله.
قال النووي: وروينا عن الفربري قال: سمع الصحيح من البخاري تسعون ألف رجل فما بقي أحد يرويه غيري وقد روي أنه كان يحضر مجلس البخاري أكثر من عشرين ألف يأخذون عنه، وممن روى عنه من الأئمة الأعلام: الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح وأبو عيسى الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان وكثير من الأئمة غير من ذكر، قال النووي: فاتفقوا على أن البخاري ولد بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وأنه توفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر ودفن يوم الفطر بعد الظهر
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٨).
(٢) النهاية (٣/ ٤٢٢).
(٣) ذكرها الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ١١٤.
[ ١ / ٢٤٤ ]
سنة ست وخمسين ومائتين، ودفن بخرتنك قرية على فرسخين من سمرقند، انتهى من تهذيب الأسماء واللغات (^١).
٨ - عَن الضَّحَّاك بن قيس قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: "إِن الله ﵎ يَقُول أَنا خير شريك فَمن أشرك معي شَرِيكا فَهُوَ لشريكي يَا أَيهَا النَّاس أَخْلصُوا أَعمالكُم فَإِن الله ﵎ لا يقبل من الأعْمَال إِلَّا مَا خلص لَهُ وَلا تَقولُوا هَذِه لله وللرحم فَإِنَّهَا للرحم وَلَيْسَ لله مِنْهَا شَيْء وَلا تَقولُوا هَذِه لله ولوجوهكم فَإِنَّهَا لوجوهكم وَلَيْسَ لله مِنْهَا شَيْء" (^٢). رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ الْحَافِظ لَكِن الضَّحَّاك بن قيس مُخْتَلف فِي صحبته.
قوله: وعن الضحاك بن قيس، قال الحافظ: مختلف في صحبته.
قوله - ﷺ -: "إن الله ﵎ يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا فهو لشريكي، يأيها الناس أخلصوا أعمالكم فان الله ﵎ لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له" الحديث، تقدم الكلام على الإخلاص مبسوطًا.
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٧ - ٧٦).
(٢) أخرجه البزار كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢١)، والداقطني في سننه (١/ ١٧٧) رقم (١٣٣)، والبيهقي في الشعب رقم (٦٤١٨)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٣٣)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٢١): رواه البزار عن شيخه: إبراهيم بن مجشر، وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ: ولكن الضحاك بن قيس مختلف في صحبته. "لكن ابن حجر أثبت له الصحبة تبعا للبخاري كما في "الإصابة في تمييز الصحابة" (٣/ ٤٧٨). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٢٧٦٤)، وصحيح الترغيب والترهيب رقم (٧).
[ ١ / ٢٤٥ ]
قوله: رواه البزار، واسمه: أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي البصري صاحب المسند الكبير المعلل سمع هدبة بن خالد وعبد الأعلى بن حماد والحسن بن علي بن راشد وعبد الله بن معاوية الجمحي ومحمد بن يحيى بن فياض الزماني وطبقتهم. روى عنه: عبد الباقي بن قانع ومحمد بن العباس بن نجيح وأبو بكر الختلي وعبد الله بن الحسن وأبو الشيخ وخلق كثير. فإنه ارتحل في آخر عمره إلى أصبهان وإلى الشام والنواحي ينشر علمه ذكره الدارقطني فأثنى عليه وقال: ثقة يخطئ ويتكل على حفظه. قلت: توفي بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين (^١).
٩ - عَن أبي أُمَامَة قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ أَرَأَيْت رجلا غزا يلْتَمس الْأجر وَالذكر مَا لَهُ فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا شَيْء لَهُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاث مرار وَيَقُول رَسُول الله - ﷺ - "لَا شَيْء لَهُ ثمَّ قَالَ إِن الله ﷿ لَا يقبل من الْعَمَل إِلَا مَا كَانَ لَهُ خَالِصا وابتغي وَجهه" (^٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد وَسَيَأْتِي أَحَادِيث من هَذَا النَّوْع فِي الْجِهَاد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قوله: وعن أبي أمامة - ﵁ -، أبو أمامة كنيته واسمه صدي بن عجلان بن قيس بن غيلان بن مضر، نزل الشام، مات سنة ست وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين، منسوب إلى باهلة: قبيلة معروفة (^٣)، وسيأتي الكلام على مناقبه،
_________________
(١) تذكرة الحفاظ (٢/ ١٦٦).
(٢) لم نقف عليه عند أبي داود، وإنما هو بهذا النص عند النسائي (٦/ ٢٥) وفي الكبرى رقم (٤٣٣٣)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٥٢).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٦).
[ ١ / ٢٤٦ ]
وكم روى من الحديث، والله أعلم.
قوله: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا شيء " الحديث. يعني: يريد أجر الجهاد في سبيل الله، ويريد مع ذلك أن يذكر بين الناس بغزوه أو شجاعته أو نحو ذلك (^١)، والذكر الشرف والفخر (^٢)، والله أعلم.
قوله: ثم قال: "إن الله ﷿ لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا " الحديث. تقدم الكلام على الإخلاص.
قوله: رواه أبو داود والنسائي، أما أبو داود اسمه: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشر السجستاني، طاف البلاد وصنف السنن، وكان إماما من أئمة أهل النقل، سمع أبا داود الطيالسي وسليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم الأزدي وغيرهم، روى عنه: ابنه عبد الله وأبو عيسى الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي وآخرون، وكان يقول: كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها: ما ضمنته هذا الكتاب، يعني: كتاب السنن، جمعت فيه: أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ولد سنة اثنتين ومائتين وتوفي في شوال سنة خمس وسبعين، انتهى. قاله في شرح الإلمام (^٣).
وأما النسائي: فهو الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر
_________________
(١) مشارع الأشواق (ص ٥٩٦).
(٢) النهاية (٢/ ١٦٣).
(٣) شرح الإلمام (١/ ٤٠ - ٤٦).
[ ١ / ٢٤٧ ]
ابن سنان النسائي، إمام من أئمة هذا الشأن، صاحب تصانيف، قال أبو عبد الله بن منده: [الحفاظ] الذين خرجوا الحديث وميزوا الثابت والمعلول أربعة: أبو عبد الله البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وبعدهما أبو داود السجستاني وأبو عبد الرحمن النسائي، سمع بخراسان من قتيبة بن سعيد وغيره وبالبصرة: من عباس بن عبد العظيم العنبري وغيره، وبمصر من يونس بن عبد الأعلى وغيره، وبالكوفة: من أبي كريب محمد بن العلاء وهناد بن السري، وببغداد: من محمد بن إسحاق الصنعاني وغيره، أصله من نسا مدينة بخراسان، والنسب إليها نسوي أيضًا، دخل مصر وغيرها من البلاد، وتوفي بالرملة مدينة بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة، انتهى، قاله أيضًا في شرح الإلمام (^١).
١٠ - عَن أبي الدَّرْدَاء عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَا مَا ابْتغِي بِهِ وَجه الله تَعَالَى" (^٢). رَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ بِإِسْنَاد لا بَأْس بِهِ.
قوله: وعن أبي الدرداء - ﷺ -، اسمه عويمر، وقيل: عامر بن مالك، وقيل: أبي عامر، وقيل: أبي ثعلبة، وقيل: عامر بن زيد الأنصاري، تأخر إسلامه عن أول الهجرة، ولي قضاء دمشق لعثمان، ومات بدمشق سنة إحدى وقيل: سنة
_________________
(١) ١/ ٥٤ - ٥٨.
(٢) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم (٦١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٢): رواه الطبراني، وفيه خداش بن المهاجر ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (٣٠١٨)، وحسنه لغيره في صحيح الترغيب والترهيب رقم (٩).
[ ١ / ٢٤٨ ]
اثنتين وثلاثين، وتزوج أم الدرداء الصحابية، وكان اسمها خيرة بفتح الخاء المعجمة من تحت ساكنة، فماتت، فتزوج أم الدرداء التابعية، واسمها هُجيمة، وكانت فقيهة فاضلة ﵂ (^١)، وسيأتي الكلام على مناقبه وكم روى عن رسول الله - ﷺ - من الحديث، والله أعلم.
قوله - ﷺ -: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما ابتغي به وجه الله" الحديث، [ولفظة "دنيا" مقصورة غير منونة لأنها فُعلى من الدنو، وموصوفها محذوف، [ي: الحياة الدنيا (^٢)]، والدنيا: اسم لدار الحياة، وسميت بذلك لبعد الآخرة عنها (^٣)، وسيأتي الكلام عن الدنيا والزهد فيها في كتاب الزهد مبسوطًا.
١١ - عَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ: يجاء بالدنيا يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال ميزوا مَا كَانَ مِنْهَا لله ﷿ فيماز ويرمى سائره فِي النَّار" (^٤) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن شهر بن حَوْشَب عَنهُ مَوْقُوفًا. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَن شهر عَمْرو بن عنبسة - ﵁ - قَالَ: "إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جِيءَ بالدنيا فيميز مِنْهَا مَا كَانَ لله مَا كَانَ لغير الله رمي بِهِ فِي نَار جَهَنَّم" (^٥). مَوْقُوف أَيْضًا. قَالَ الْحَافِظ: وَقد يُقَال إِن مثل هَذَا لَا يُقَال من قبل الرَّأْي والِاجْتِهَاد فسبيله سَبِيل الْمَرفُوع.
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٨).
(٢) هذه الزيادة في المخطوطة المغربية فقط.
(٣) النهاية (٢/ ١٣٧)، وطرح التثريب (٢/ ٢٤).
(٤) أخرجه البيهقي في الشعب رقم (٦٤٣٢) موقوفًا، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب رقم (٤).
(٥) أخرجه البيهقي في الشعب رقم (٦٤٣٣) موقوفًا، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب رقم (٥).
[ ١ / ٢٤٩ ]
من قبل الرَّأْي وَالاجْتِهَاد فسبيله سَبِيل الْمَرْفُوع.
قوله: وعن عبادة بن الصامت، كنيته: أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن الخزرج الأنصاري، من الطبقة الأولى، قال ابن سعد (^١): وأمه قرة العين بنت عبادة بن نضلة، أسلمت قرة العين وبايعت النبي - ﷺ -، قال النووي: قلت وليس في الصحابيات من اسمها قرة العين سواها؛ شهد عبادة بن الصامت العقبة مع السبعين وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وكان عقبيًا بدريًّا شجريًّا أنصاريًّا، وهو أحد النقباء الاثني عشر، وكان - ﵁ - طوالًا حسنًا جميلًا، وجهه عمر بن الخطاب إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، وكتب إلى معاوية لا إمرة لك عليه، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وكان بايع رسول الله - ﷺ - على أن لا تأخذه في الله لومة لائم؛ وقال الواقدي: وكان عبادة بن الصامت ممن جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ -، واختلفوا في وفاته، فحكى ابن سعد عن الواقدي: أنه مات بالرملة من أرض فلسطين سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، قال ابن سعد (^٢): وقد سمعت من يقول إنه توفي في خلافة معاوية بالشام وهو الصحيح، قال ابن سعد: كان له من الولد الوليد بن عبادة ومحمد؛ وقال الواقدي: كان له عبيد الله وداود وأم محمد والكامل، والكل من أم حرام، روى عبادة بن الصامت عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وثمانين حديثًا، أخرجا له في الصحيحين. عشرة أحاديث، المتفق
_________________
(١) في الطبقات الكبرى (٨/ ٣٥٧).
(٢) في الطبقات الكبرى (٣/ ٥٤٦).
[ ١ / ٢٥٠ ]
عليه منها ستة، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بحديثين، وخرج له الإمام أحمد اثنين وأربعين حديثًا، وليس في الصحابة من اسمه عبادة بن الصامت سواه؛ وأخوه: أوس بن الصامت لأبيه وأمه وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وأدرك عثمان، وليس في الصحابة من اسمه أوس بن الصامت سواه، وليس له رواية عن رسول الله - ﷺ - (^١).
١٢ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: "من أخْلص لله أَرْبَعِينَ يَوْمًا ظَهرت ينابيع الْحِكْمَة من قلبه على لِسَانه" (^٢). ذكره رزين الْعَبدَرِي فِي كتَابه وَلم أره فِي شَيْء من الْأُصُول الَّتِي جمعهَا وَلم أَقف لَهُ على إِسْنَاد صَحِيح وَلا حسن إِنَّمَا ذكر فِي كتب الضُّعَفَاء كالكامل وَغَيره لَكِن رَوَاهُ الْحُسَيْن بن الْحُسَيْن الْمروزِي فِي زوائده فِي كتاب الزّهْد لعبد الله بن الْمُبَارك فَقَالَ حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة أَنبأَنَا حجاج عَن مَكْحُول عَن النَّبِي - ﷺ - فَذكره مُرْسلا وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان وَغَيره عَن مَكْحُول مُرْسلا وَالله أعلم.
_________________
(١) طبقات ابن سعد: ٣/ ٥٤٦ و٦٢١، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧).
(٢) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب رقم (٤٦٦)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٤٥) وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، وضعفه الألباني في الترغيب والترهيب رقم (٦). ورواه ابن المبارك في الزهد والرقائق رقم (١٠١٤)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٣٤٣٤٤)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٧٠) عن محكول مرسلا، ورواه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٨٩)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٤٤) عن أبي أيوب الأنصاري، قال ابن الجوزي: فيه يزيد الواسطي وهو يزيد بن عبد الرحمن، قال ابن حبان: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، خالف الثقاة في الروايات، لا يجوز الاحتجاج به، وحجاج مجروح، ومحمد بن إسماعيل مجهول، ولا يصح لقاء مكحول لأبي أيوب.
[ ١ / ٢٥١ ]
قوله: وروي عن ابن عباس ﵄؛ ابن عباس: هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو هاشم الهاشمي الصحابي بن الصحابي المكي ابن عم رسول الله - ﷺ -، يكنى بأبيه العباس وهو أكبر أولاده، وأمه: لبابة بنت الحارث الهلالية، وكان يقال لابن عباس حبر الأمة، والبحر لكثرة علمه، دعا له رسول الله - ﷺ - بالحكمة فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"، وأنه قال: "اللهم زده علمًا وفقهًا" وأنه قال: "اللهم علمه الحكمة وتأويل القرآن" فأخذ عنه الصحابة ذلك، وأنه قال: "اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين" وهي أحاديث صحاح كلها، وروى مجاهد عن ابن عباس قال: رأيت جبريل مرتين ودعا لي رسول الله - ﷺ - بالحكمة مرتين (^١)، وهو حبر الأمة وبحر العلم، وحنكه رسول الله - ﷺ - بريقه حين ولد وهم في الشعب، وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس (^٢)، وعاش ابن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد (٣٧٨) وعبد الله بن أحمد في زياداته على فضائل الصحابة (١٩١١) واللفظ له والطبراني في الكبير (١٠٦١٥) من طرق عن يحيى بن آدم الكوفي عن أبي كُدينة يحيى بن المهلب عن ليث به. وإسناده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم.
(٢) أخرجه أبن أبي شيبة (٣٢٢٢٠)، وأحمد في "فضائل الصحابة" (١٨٦٣)، وأبو خيثمة في "العلم" (٤٨)، والطبري في "تهذيب الآثار مسند ابن عباس" (١/ ١٧٢)، وفي "تفسيره" (١/ ٩٠)، وأبو عروبة الحراني في "المنتقى من الطبقات" (ص ٦٨)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ١٩٣)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٣/ رقم ٤٢٦٠)، وأبو طاهر السلفي في "فوائد حسان انتقاء عبد القادر الرهاوي" (ص ١١٧)، والخطيب في "تاريخه" (١/ ١٧٤)، من طرق عن جعفر بن عون به. قال ابن كثير في "تفسيره" (١/ ٩): "هذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود".
[ ١ / ٢٥٢ ]
عباس بعد ابن مسعود خمسًا وثلاثين سنة، تشد إليه الرحال ويقصد من جميع الأقطار، ومشهور في الصحيحين تعظيم عمر بن الخطاب لابن عباس واعتداده به وتقديمه مع حداثة سنه، وعاش بعده ابن عباس نحو سبع وأربعين سنة يقصد ويستفتى ويعتمد، وهو آخر العبادلة الأربعة الذين تقدم ذكرهم، وكان ابن عباس أحد الستة من الصحابة الذين هم أكثرهم رواية عن رسول الله، وهم: أبو هريرة، ثم ابن عمر، ثم جابر، ثم ابن عباس، ثم أنس بن مالك، ثم عائشة ﵂، وتقدم ذكرهم أيضًا في ترجمة عبد الله بن عمر أول الباب؛ قال النووي: روينا عن الإمام أحمد بن حنبل قال: ستة من أصحاب رسول الله - ﷺ - أكثروا الرواية عنه وعُمِرُوا فذكرهم، روى ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - ألف حديث وستمائة حديث وستين حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة وتسعين حديثا، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين حديثا، ومسلم بتسعة وأربعين حديثًا، ولد ابن عباس - ﵁ - عام الشعب وهو قبل الهجرة بثلاث سنين، فتوفي رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: ابن خمس عشرة سنة، ورجحه الإمام أحمد بن حنبل وغيره، وقيل: غير ذلك، وكان ابن عباس قد عمي في آخر عمره، وفي ذلك يقول:
إِنْ يَأْخُذِ اللهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا فَفي لِساني وَقَلبي مِنهُما نورُ
قَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ وَلي فَمٌ صَارِمٌ كالسَّيْفِ مَأْثُورُ (^١)
وتوفي ابن عباس بالطائف سنة ثمان وستين من الهجرة في أيام عبد الله بن
_________________
(١) المجالسة (١٨٥٢).
[ ١ / ٢٥٣ ]
الزبير، وكان قد خرج من مكة، قاله الواقدي وابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل، وقيل غير ذلك، وصلى عليه محمد ابن الحنفية وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة، قال النووي: وروينا عن ميمون بن مهران قال: شهدت جنازة ابن عباس، فلما وضع ليصلى عليه جاء طير أبيض فوقع على أكفانه فدخل فيها، فالتمس فلم يوجد، فلما سوى عليه التراب سمعنا من يسمع صوته ولا يرى شخصه يقرأ ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ (^١)، وكان العباس - ﵁ - قد كف بصره وكذلك عبد المطلب، وكان ابن عباس - ﵁ - يخضب لحيته بالصفرة، وكان لموضع الدمع من خدي ابن عباس أثر لكثرة بكائه، واستعمله علي - ﵁ - على البصرة ثم فارقها قبل قتل علي - ﵁ -، وعاد إلى الحجاز، وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدًا أعلم من ابن عباس بما سمعه من حديث رسول الله - ﷺ - وبقضاء أبي بكر وعمر وعثمان، ولا أفقه منه ولا أعلم بتفسير القرآن وبالعربية والشعر والحساب والفرائض، وكان يجلس يومًا للتأويل ويومًا للفقه ويومًا للمغازي ويومًا للشعر ويوما لأيام العرب، وما رأيت عالمًا قط جلس إليه إلا خضع له، ولا سائلًا يسأله إلا وجده عالمًا، ومناقبه كثيرة مشهورة (^٢).
_________________
(١) سورة الفجر، الآيات: ٢٧ - ٣٠.
(٢) راجع تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٧٤)، والاستيعاب (٣/ ٩٣٣)، وأسد الغابة (٣/ ١٨٦)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ٣٣١).
[ ١ / ٢٥٤ ]
قوله - ﷺ -: "من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" الحديث، الينابيع: جمع ينبوع، وهو: عين الماء (^١)، والحكمة: علم الشرائع (^٢) وقال الإمام مالك في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣): الحكمة عندي المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له، وروى ابن وهب عن مالك قال: الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد (^٤)، وروى ابن القاسم عنه قال: يُقال: ما زهد عبد واتقى الله إلا أنطقه الله ﷿ بالحكمة (^٥)، وقال لي أبو داود سمعت مالكا يقول: من أحب أن يفتح الله له قريحة قلبه فليكن عمله في السر أكثر منه في العلانية؛ وفي أثر الزهد: يا بني إسرائيل، لا تقولوا العلم في السماء، من ينزل به؟ ولا في تخوم الأرض، من يصعد به؟ ولا من وراء البحار من يعبر به؟ العلم مجعول في قلوبكم تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين وتخلقوا بأخلاق الصديقين أظهر العلم على قلوبكم حتى يغطيكم ويغمركم؛ وآداب الروحانيين: رؤية الخير والشر منه ﷾ مع الانفصال عن الغضب عن الوسائط والأسباب؛ وأخلاق الصديقين: الوقوف مع الله بلا علاقة والدنو منه بترك النفس والصبر عليه علي قدر
_________________
(١) الصحاح (٣/ ١٢٨٧).
(٢) الكشاف (٤/ ٨٠)، ومدارك التنزيل (٣/ ١٤٨).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.
(٤) أورده القاضي عياض في المدارك ١/ ١٨٦.
(٥) البيان والتحصيل (١٧/ ٤٨٦)، وتفسير الثعالبي (١/ ٥٥٠).
[ ١ / ٢٥٥ ]
احتمال وسع العقول؛ وقال رسول الله - ﷺ -: "كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير من الدنيا وما فيها" (^١) فالحكمة العلم والعمل به، قال ابن قتيبة: لا يكون الرجل حكيمًا حتى يجمع العلم والعمل (^٢)، وقيل: الحكمة فهم معاني القرآن والعمل بما فيه، فالحكمة: هي فهم القرآن والعمل بما فيه، ولا يكتفي بتلاوة ألفاظ الكتاب حتى يعلم معناه، ويعمل بمقتضاه، فمن جمع له ذلك كله فقد أوتي الحكمة، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣) الآية، وقال الفضيل: العلماء كثيرون والحكماء قليلون، وقال: الحكماء ورثة الأنبياء، قال: فالحكمة هي العلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح وهي نور يقذف في القلب يفهم بها معنى العلم المنزل من السماء، ويحض على اتباعه والعمل به، ومن قال الحكمة السنة فقوله حق؛ لأن السنة تفسر القرآن وتبين معانيه وتحض على اتباعه والعمل به، فالحكيم: هو العالم المستنبط لدقائق العلم المنتفع بعمله بالعمل به، ولأبي العتاهية شعر:
وكيفَ تُحِبُّ أنْ تُدعى حَكيمًا وأنتَ لِكُلِّ مَا تَهوى رَكُوبُ
وَتَضْحَكُ دَائِبًا ظَهرًا لبَطنٍ وتذكُرُ مَا عَمِلْتَ فَلَا تَتُوبُ (^٤)
وقيل: الحكمة: علم يحدث بلا سبب، ويقال: الوقوف على حقائق
_________________
(١) قوت القلوب (١/ ٢٣٨)، وإحياء علوم الدين (١/ ٣٨).
(٢) منهاج القاصدين (ص ٤٣).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٩.
(٤) لطائف المعارف (ص ٨٤ - ٨٥).
[ ١ / ٢٥٦ ]
الأشياء عند النعوت (^١)، وقيل: الحكمة: الإصابة في القول والفعل والرأي (^٢)، ويقال: الإصابة في النظر (^٣).
قال سفيان بن عيينة: ما أخلص عبد لله أربعين يوما إلا أنبت الله الحكمة في قلبه نباتا وأطلق لسانه بها وبصره عيوب الدنيا - داءها ودواءها - (^٤)، وقال النووي في بستان العارفين: روينا عن سهل التستري قال: من زهد في الدنيا أربعين يومًا صادقًا من قلبه مخلصًا في ذلك ظهرت له الكرامات، ومن لم تظهر له فإنه عدم الصدق في زهده، فقيل لسهل: كيف تظهر له الكرامات، قال: يأخذ ما يشاء من حيث شاء (^٥).
قوله في آخر حديث ابن عباس: إنما ذكر في كتب الضعفاء كالكامل وغيره، قال شيخ الإسلام الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر: ليس هو في الكامل أصلًا (^٦). قوله: حدثنا [حجاج بن] مكحول عن النبي - ﷺ -، فذكره مرسلا، ومكحول: تابعي، قاله النووي (^٧)، وتقدم معنى الحديث المرسل.
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن (ص ٣١) وتفسير الراغب (١/ ٣١٦) و(١/ ٥١٤).
(٢) قاله مجاهد انظر تفسير الطبرى (٥/ ١٠) وتفسير مجاهد (١/ ١١٦).
(٣) اللباب (٤/ ٤١٨).
(٤) حلية الأولياء (٧/ ٢٨٧)
(٥) بستان العارفين (ص ٢٧)
(٦) قلت: بل هو في الكامل في الضعفاء لابن عدي (٦/ ٥٣٣) من حديث أبي موسى الأشعري قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَخْلَصَ فِيهَا الْعِبَادَةَ أَخْرَجَ اللهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِهِ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ مِنْ قلبه".
(٧) في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١١٣).
[ ١ / ٢٥٧ ]
قوله: رواه ابن عدي بسند ضعيف، وعده ابن الجوزي في الموضوعات.
فائدة: اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال لأنه إن كان صحيحا في نفس الأمر فقد أعطى حقه من العمل به، وإن كان ضعيفا كما ظهر من حاله فمقتضاه لا يترتب عليه تحليل ولا تحريم ولا هضم حق بل هو طاعة والطاعة لا حرج على فاعلها، وقد جاء في بعض الأحاديث الضعيفة أيضًا عن النبي - ﷺ -: "من بلغه عني ثواب عمل فعمله حصل له أجره وإن لم أكن قلته" (^١) أو كما قال، ذكره الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٢).
١٣ - عَن أبي ذَر أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: "قد أَفْلح من أخْلص قلبه للْإيمَان وَجعل قلبه سليما وَلسَانه صَادِقا وَنَفسه مطمئنة وخليقته مُسْتَقِيمَة وَجعل أُذُنه مستمعة وعينه ناظرة، فَأَما الأذن فقمع، وَالْعين مقرة بِمَا يوعي الْقلب، وَقد أَفْلح من جعل قلبه واعيا" (^٣). رواه أحمد والبيهقي وفي إسناد أحمد احتمال للتحسين.
قوله: وعن أبي ذر - ﵁ -، أبو ذر: اسمه جندب بن جنادة، وقيل: اسمه بريد
_________________
(١) أخرجه بنحوه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٩٣) عن سيدنا أنس ﵁.
(٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٠)
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٣٥/ ٢٣٩)، والبيهقي في الشعب رقم (١٥٧)، والطبراني في مسند الشاميين رقم (١١٤١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٢): رواه أحمد، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٤٩٨٥)، وفي ضعيف الجامع رقم (٤٠٧٥).
[ ١ / ٢٥٨ ]
بن جندب، وقيل: اسمه جندب بن عبد الله، وقيل: اسمه جندب بن السكن، والمشهور: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد الغفاري الحجازي، وكان أبو ذر من السابقين إلى الإسلام، ثبت في صحيح مسلم أنه قدم على رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، من اتبعك على هذا؟ قال: "حر وعبد"، وأنه أقام بمكة ثلاثين بين يوم وليلة، وأسلم ثم رجع إلى بلاد قومه بإذن النبي - ﷺ - ثم هاجر إلى المدينة، وصحبه ثم توفي رسول الله - ﷺ -، رُوي له عن رسول الله - ﷺ - مائتا حديث واحد وثمانون حديثا، اتفق البخاري ومسلم منها على اثني عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بسبعة عشر حديثًا، وتوفي أبو ذر بالربذة سنة اثنتين وثلاثين، وكان أبو ذر طويلًا عظيمًا، وكان زاهدًا متقللًا من الدنيا، وكان مذهبه - ﵁ - أن يحرم على الإنسان إدخار من زاد على حاجته، وكان - ﵁ - قوالًا بالحق - ﵁ -؛ ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).
قوله - ﷺ -: "قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان وجعل قلبه سليمًا ولسانه صادقًا ونفسه مطمئنة وخليقته مستقيمة " الحديث. تقدم الكلام على الإخلاص.
أما قوله: "جعل قلبه سليمًا" القلب السليم: هو الخالص من الشرك والشك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد (^٢).
_________________
(١) راجع ترجمته في: الطبقات الكبرى (٤/ ٢١٩)، والاستيعاب (١/ ٢٥٢)، وأسد الغابة (٥/ ٩٩)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ٤٦)، والإصابة (٧/ ١٠٥).
(٢) تفسير البغوى (٣/ ٤٧١)، واللباب في علوم الكتاب (١٥/ ٥٠).
[ ١ / ٢٥٩ ]
وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله سبحانه في قلوبهم مرض.
وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنة والله أعلم (^١).
وأما قوله: "ولسانه صادق" تقدم الكلام على الصدق.
وأما قوله: "ونفسه مطمئنة" النفس المطمئنة، قال مجاهد: هي التي أيقنت أن الله ربها وصبرت على أمره وطاعته، قال عطية هي الراضية بقضاء الله ﷿ وقيل: المطمئنة بذكر الله كما بينه قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٢) (^٣).
وأما قوله: "وخليقته مستقيمة" الخليقة والخلق بمعنى واحد وهي الطبع والجبلة، ومعنى مستقيمة أَيْ: غَيْرَ مَائِلَةٍ إِلَى طَرِيقِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ.
قوله - ﷺ -: "فأما الأذن" بإسكان الذال المعجمة وبضمها، وهما قراءتان ولغتان.
وأما "فقمع" فبكسر القاف وفتح الميم وسكونها لغتان كنَطع ونِطع، وحكى الجوهري عن يعقوب فتح القاف وإسكان الميم، والقمع أي: بفتح الميم واحد الأقماع وهو ما يجعل في رؤوس الظروف ويصب فيه المائعات
_________________
(١) تفسير الثعلبي (٧/ ١٧١)، وتفسير البغوي (٣/ ٤٧١).
(٢) سورة الرعد، الآية: ٢٨.
(٣) تفسير البغوي (٥/ ٢٥٣).
[ ١ / ٢٦٠ ]
من الأشربة والأدهان؛ وفي رواية: "ويل للأقماع الآذان" شبه أسماع الذي يستمعون القول ولا يعونه ولا يحفظونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجازًا كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازًا، قاله العراقي في أماليه؛ ومنه الحديث: "أول من يساق إلى النار الأقماع الذين إذا أكلوا لم يشبعوا" وإذا لم يشبعوا، كان ما يأكلونه ويجمعونه يمر بهم مجتازا غير ثابت فيهم ولا باق عندهم، قاله في النهاية (^١).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٠٩).
[ ١ / ٢٦١ ]