تنبيه: في ذكر خلافة عبد الملك بن مروان ونسبه، أما نسبه: فكان يكنى بأبي الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكل بني أمية يلقون رسول الله - ﷺ - في عبد مناف، وأمه: عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس، روى أن حبرا من أحبار الروم من أهل الشام أحسبه راهبا قدم المدينة فبينما هو يمشي في بعض أزقتها رأى عبد الملك بن مروان وهو غلام يسعى وعلى يديه بازي فاستوقفه الحبر ثم سأله عن نفسه فأخبره عبد الملك فقال له الحبر: إني مبشرك ببشارة فما جزاءي عليها فقال عبد الملك: إذا عرفت
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٤٠ ترجمة ٤٧٢).
[ ١ / ٣٧٨ ]
البشارة عرفت قدر جزاءي بها فقال له الحبر إنك نملك الأرض فقال عبد الملك: الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فقال له الحبر: ما لي عندك إن كان ما قلته حقا، فقال عبد الملك: أرأيت إن ضمنت لك أيكون من ذلك ما لم يقدر، قال: لا، قال: أفرأيت إن لم أضمن أيمنع من ذلك ما قدر أو يتأخر عن حينه، فقال له الحبر: لا فقال عبد الملك: فما أرى للضمان وجها وإن يكن ما تقول حقا وتأتينا نحسن إليك إن شاء الله تعالى، وبويع له بالخلافة في شهر رمضان سنة ست وستين، وقيل: سنة خمس وستين وله إحدى وأربعون سنة وأشهر وكانت خلافته في أصح الروايات سنة إحدى وعشرين سنة وستة أشهر وخلص له الأمر ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر وكان لما مات أخوه عبد العزيز ولي مصر عبد الله بن مروان أخوه أيضا وهو صاحب المسجد بمصر المعروف بمسجد عبد الله وكان عبد الله حدثا فإنه كان آخر ولد مروان انتهى قاله في تاريخ كنز الدرر (^١).
٣٧ - وَعَن معَاذ بن جبل عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا من عبد يقوم فِي الدُّنْيَا مقَام سمعة ورياء إِلَّا سمع الله بهِ على رُؤُوس الْخَلائق يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ بِإِسْنَاد حسن (^٢).
_________________
(١) كنز الدرر (٤/ ١٣٥ - ١٣٧) و(٤/ ٢٤٢).
(٢) أخرجه البزار (٢٦٥٧)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١١٩ رقم ٢٣٧) والشاميين (١٠٣١). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٣: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨).
[ ١ / ٣٧٩ ]
٣٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ من رايا بِشَيْء فِي الدُّنْيَا من عمله وَكله الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ انْظُر هَل يُغني عَنْك شَيْئا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا (^١).
قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "من رايا بشيء في الدنيا من عمله وكله الله إليه يوم القيامة" تقدم الكلام على الرياء.
وقوله: "وكله الله إليه يوم القيامة" وكله بمعنى جعله معتمدًا على [الشيء] (^٢).
٣٩ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -: قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من تزين بِعَمَل الآخِرَة وَهُوَ لا يريدها وَلا يطْلبهَا لعن فِي السَّمَوَات وَالأرْض رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الأوْسَط (^٣).
٤٠ - وَرُوِيَ عَن الْجَارُود قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من طلب الدُّنْيَا بِعَمَل الآخِرَة طمس وَجهه ومحق ذكره وَأثبت اسْمه فِي النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانيِّ فِي الْكَبِير (^٤).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (٩/ ١٦٣ رقم ٦٤٢١) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩).
(٢) كشف المناهج (٤/ ٣٥٦).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٩٦ رقم ٤٧٧٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا ابن أبي ذئب، تفرد به إسماعيل بن يحيى. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذاب. قال الألباني: موضوع الضعيفة (٤٥٧٤)، وضعيف الترغيب (١١).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٦٨ رقم ٢١٢٨)، وأبو نعيم في المعرفة (١٦٤٨). وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٠: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥١٤٧) وضعيف الترغيب (١٢).
[ ١ / ٣٨٠ ]
قوله: عن الجارود، هو: الجارود بن [المعلى بن العلاء، وقيل: الجارود بن عمرو بن العلاء، وقيل: الجارود بن المعلى بن عمرو بن حنش بن يعلى، قاله ابن إسحاق.
وقال الكلبي: الجارود، واسمه بشر بن حنش بن المعلى، وهو الحارث بن يزيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس العبدي، وأمه دريمكة بنت رويم من بني شيبان، وإنما لقب الجارود، لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل، فأصابهم وجردهم.
وفد على رسول الله - ﷺ - سنة عشر في وفد عبد القيس، فأسلم، وكان نصرانيا، ففرح النبي - ﷺ - بإسلامه، فأكرمه وقربه، وتروى عنه من الصحابة عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن التابعين: أبو مسلم الجذمي، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وزيد بن علي أبو القموص، وابن سيرين (^١)].
فائدة تتعلق باسم الجارودية: أما الجارودية ففرقة من الزيدية من الشيعة وهم من أبي الجارود نسبوا إليه زعموا أن النبي - ﷺ - نص على إمامة علي بالوصف والتسمية وأن أن الناس كفروا بتركهم الاقتداء به بعد النبي - ﷺ - ثم بعده الحسن ثم الحسين ثم إن الإمامة شورى في ولديهما فمن خرج منهم داعيا إلى سبيل ربه وكان عالما فاضلا انتهى قاله في الأنساب (^٢).
_________________
(١) أسد الغابة (١/ ٤٩٨ ترجمة ٦٥٧).
(٢) الأنساب (٣/ ١٦٨) للسمعاني.
[ ١ / ٣٨١ ]
* قوله - ﷺ - في حديث الجاورد: "ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء".
(^١) [خشية الله تعالى كتبت حسنة كما جاء في الحديث: "إنما تركها من جرائي" (^٢) فصار تركه لها لخوف الله تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في ذلك، وعصيانه هواه حسنة، فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا توطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم، وذكر بعض المتكلمين خلافا فيما إذا تركها لغير خوف الله تعالى بل لخوف النالس، هل يكتب حسنة؟ قال: لا، لأنه إنما حمله على تركها الحياء، وهذا ضعيف لا وجه له، هذا آخر كلام القاضي (^٣)، وهو ظاهر حسن ولا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر، والله أعلم (^٤)، ومذهب الجمهور أن العزم على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنبًا يكتب عليه بخلاف الخاطر (^٥)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.
قوله - ﷺ -: "إنما تركها من جرائي" قال الحافظ: هو بفتح الجيم وتشديد
_________________
(١) هذه الصفحة ليست لها علاقة بما قبلها.
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٥ - ١٢٩) عن أبي هريرة.
(٣) قاله القاضي عياض كما في إكمال المعلم (١/ ٤٢٥ - ٤٢٦).
(٤) قاله النووي كما في شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥١).
(٥) قاله القاضي عياض في إكمال المعلم ٥/ ٤٠٤، وعنه النووي في شرح النووي على مسلم (١١/ ١٠٨ - ١٠٧)، وابن حجر في فتح البارى (٨/ ٦١٣).
[ ١ / ٣٨٢ ]
الراء أي من أجلي وقال غيره: أي من أجلي وبسببي، وجراء: تمد وتقصر يقال: علت ذلك من جراك ومن جرائك أي من أجلك، وهذا يدل على أن المراد من قدر على ما هم من المعصية فيتركها لله ﷿، وهذا لا ريب في أنه يكتب له بذلك حسنة لأن تركه للمعصية بهذا القصد عمل صالح فأما إن هم بمعصية ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين أو مراءاة لهم فقد قيل: إنه يعاقب على تركها بهذه النية لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله تعالى محرم وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرم فإذا اقترن بذلك ترك المعصية لأجله عوقب على هذا الترك، وأما إن سعى في تحصيلها بما أمكنه ثم حال بينه وبينها العذر فقد ذكر جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ لقول النبي - ﷺ -: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل" (^١) ومن سعى في حصول المعصية جهده ثم عجز عنها فقد عمل وكذلك قوله - ﷺ -: "بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" (^٢) وقوله - ﷺ - في الحديث: "ما لم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥٢٨) و(٥٢٦٩) و(٦٦٦٤)، ومسلم (٢٠١ و٢٠٢ - ١٢٧)، وأبو داود (٢٢٠٩)، وابن ماجه (٢٠٤٠) و(٢٠٤٤)، والترمذي (١١٨٣)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٣ (٣٤٥٩) و٦/ ٤٤ (٦٣٤٠) و٦/ ٤٥ (٣٤٦١) وفي الكبرى (٥٥٩٧) و(٥٥٩٨)، وابن خزيمة (٨٩٨) عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري (٣١) و(٦٨٧٥) و(٧٠٨٣)، ومسلم (١٤ و١٥ - ٢٨٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٨) و(٤٢٦٩)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٥٦٢ (٤١٥٦) و٦/ ٥٦٤ (٤١٥٨) و(٤١٥٩) و٦/ ٥٦٥ (٤١٦٠) و(٤١٦١) عن أبي بكرة.
[ ١ / ٣٨٣ ]
تتكلم به أو تعمل" يدل على أن الهام بالمعصية إذا تكلم بما هم به لسانه أنه يعاقب على الهم حينئذ لأنه قد عمل بجوارحه معصية وهو التكلم بلسانه، ويدل على ذلك قوله - ﷺ - في حديث أبي كبشة الأنماري الذي تقدم قريبًا: "لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان" (^١) يعني الذي يعصي الله تعالى في ماله فهما في الوزر سواء (^٢).