١٩٣ - وَعَن أبي مَسْعُود البدري أَن رجلًا أَتَى النَّبِي - ﷺ - ليستحمله فَقَالَ: إِنَّه قد أبدع بِي فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: "ائْتِ فلانًا فَأَتَاهُ فَحَمله". قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ -: "من دلّ على خير فَلهُ مثل أجر فَاعله أَو قَالَ عَامله". رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).
قَوْله: أبدع بِي هُوَ بِضَم الْهمزَة وَكسر الدَّال يَعْنِي طلعت ركابي يُقَال أبدع بِهِ إِذا كلت ركابه أَو عطبت وَبَقِي مُنْقَطِعًا بِهِ.
قوله: عن أبي مسعود البدري، وأبو مسعود: هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيدة، ويقال: سيدة الأنصاري، ويقال له البدري، وقال البخاري: لم يشهد بدرًا، والأصح أنه كان ينزل بدرًا فنسب إليها.
قوله: "إن رجلَّا أتى النبي - ﷺ - يستحمله، فقال: إنه قد أبدع بي"، وفي بعض النسخ: بدع بي، بحذف الهمزة وتشديد الدال، ونقله القاضي عياض عن جمهور رواة مسلم، والصواب ما ذكره الحافظ: أبدع بي، وهو معروف اللغة يعني: طلعت ركابي معناه: هلكت دابتي وهي مركوبي، قال الحافظ: يقال أبدع به إذا كلت ركابه أو عطبت وبقى منقطعًا، انتهى.
قوله - ﷺ -: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" أو قال: "عامله"، الحديث، أي: من علم أو عمل أو زيارة أو شفاعة أو إغاثة ملهوف أو حضور
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٣٣ - ١٨٩٣)، وأبو داود (٥١٢٩)، والترمذى (٢٦٧١)، وابن حبان (٢٨٩). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٦٠) وصحيح الترغيب (١١٥).
[ ٢ / ٥٦ ]
ميت أو عبادة وغير ذلك مما لا ينحصر مما يصدق عليه أنه طاعة أو معروف فإنه يدخل في مسمى الخيرية وسواء كان بعبارة أو إشارة أو كتابة أو تأليف أو غير ذلك فله مثل أجر فاعله أي: وإن تعدد من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، لأنه مفرد مضاف فكان عامًا، وهو نظير: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" ومقتضاه أنه ربما زاد أجره على الفاعل فإنه لو دل مائة مثلا على خير فعملوا به كان لكل عامل أجر وله مائة أجر بعددهم، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء، ومن هاهنا عظمت درجات العُلماء، والأصل في المثل المشابهة من كلّ وجهٍ، وقد تتخلف أمور منها لدليل (^١)، واللّه أعلم، قاله في شرح الإلمام، واستنبط ابن حبان من قوله: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" أن المؤذن يكون له مثل أجر من صلى بأذانه لأنه دعاه إلى ذلك، انتهى، ففي هذا الحديث فضل الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله، وفيه فضيلة تعليم العلم ووظائف العبادات لاسيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم، والمراد بمثل أجر فاعله أن له ثوابًا بذلك الفعل كما أن لفاعله ثوابًا ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء (^٢).
١٩٤ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ أَتَى رجل النَّبِي - ﷺ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَا عِنْدِي مَا أعطيكه وَلَكِن ائْتِ فلَانا فَأتى الرجل فَأعْطَاهُ فَقَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من دلّ على خير فَلهُ مثل أجر فَاعله أَو عَامله. رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ
_________________
(١) شرح الإلمام (٣/ ٥٠٥ - ٥٠٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٣٩).
[ ٢ / ٥٧ ]
الْبَزَّار مُخْتَصرا الدَّال على الْخَيْر كفاعله (^١). وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبير والأوسط من حَدِيث سهل بن سعد (^٢).
١٩٥ - وعَنْ أنس - ﵁ - عَن النّبِي - ﷺ - قَالَ الدَّال على الْخَيْر كفاعله وَاللّه يحب إغاثة اللهفان. رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة زِيَاد بن عبد الله النميري وَقد وثق. وَلَه شَوَاهِد (^٣).
قوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه.
_________________
(١) أخرجه البزار (١٧٤٢) والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٣٦)، وأبو الشيخ في طبقات أصبهان (٣/ ٥٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٦٦) عن ابن مسعود. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد اللّه، عن النبي - ﷺ -، إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وضعفه الألباني في الصحيحة (٤/ ٣١٧ عند ذكره لحديث أبي مسعود برقم ١٦٦٥). وأخرجه ابن حبان (٢٨٩) و(١٦٦٨) عن أبي مسعود البدرى.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٣٤ رقم ٢٣٨٤) والكبير (٦/ ١٨٦ رقم ٥٩٤٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي حازم إلا عمران، تفرد به ابن عائشة، ولا يروى عن سهل بن سعد إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٦: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمران بن محمد، يروي عن أبي حازم، ويروي عنه عبد اللّه بن محمد بن عائشة، وليس هو عمران بن محمد بن سعيد بن المسيب؛ لأن ذاك مدني. وقال الطبراني في هذا: إنه بصري، وابن سعيد لم يسمع من أبي حازم، ولم أجد من ذكر هذا. وقال في ٣/ ١٣٧: رواه الطبراني في الأوسط وقال، لا يروى عن سهل إلا بهذا الإسناد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٧).
(٣) أخرجه البزار (٧٥٢١)، وأبو يعلى (٤٢٩٦). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٧: رواه البزار، وفيه زياد النميري؛ وثقه ابن حبان - وقال: يخطئ - وابن عدي، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. ورواه أبو يعلى كذلك. وضعفه جدًّا الألباني في ضعيف الترغيب (٩٣).
[ ٢ / ٥٨ ]
قوله - ﷺ -: "الدال على الخير كفاعله"، تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. قوله: "واللّه يحب إغاثة اللهفان"، اللهفان: هو المضطر.
قوله: رواه البزار من رواية زياد بن عبد اللّه النميري (عن أنس وعنه سهل بن أبي صالح ضعفه ابن مَعين وقال في موضع آخر: ليس به بأس وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به قال في الميزان: وذكره ابن حبان في الثقات وذكره في الضعفاء أيضًا فقال: لا يجوز الاحتجاج به).
١٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ من دَعَا إِلَى هدى كَانَ لَهُ من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذَلِك من أُجُورهم شَيْئًا وَمن دَعَا إِلَى ضَلالَة كَانَ عَلَيْهِ من الإِثْم مثل آثام من اتبعهُ لا ينقص ذَلِك من آثامهم شَيْئًا رَوَاهُ مسلم وَغَيره (^١) وَتقدم هُوَ وَغَيره فِي بَاب الْبدَاءَة بِالْخَيرِ.
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله - ﷺ -: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه" الحديث، الهدى: خلاف الضلال، والدعاء إلى الهدى شعبة من الرسالة، لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثت لتؤدي عن اللّه عز تعالى وتهدي عباده، فمن كان داعيا إلى اللّه تعالى فهدى اللّه به عبدًا فقد أخذ شعبة من الرسالة واحتظى من ثواب الرسل حظًا من الكرامة، وقال اللّه تعالى لداود ﵊: "لأن تأتيني بعبد آبق أحب إلى من عبادة الثقلين"، وقال رسول اللّه
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦ - ٢٦٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٩)، والترمذى (٢٦٧٤)، وابن ماجة (٢٥٦)، وابن حبان (١١٢).
[ ٢ / ٥٩ ]
- ﷺ - لعلي - ﵁ -: "لأن يهدي اللّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم"، روي ذلك في الصحيحين، والنعم عند اللغويين الإبل، وقال ابن الأعرابي: النعم الإبل خاصة والأنعام الإبل والبقر والغنم، وهذا يدلّ على فضل العلم والتعليم وشرف منزلته وأهله بحيث إذا اهتدى رجل واحد بالعلم كان خيرًا له من حمر النعم، وهي خيار وأشرفها وأعزها عند أهلها، فما الظن بمن يهتدي به كلّ يوم طوائف من الناس، والنعم كبيرة الفائدة شديد الانقياد ليس لها شراسة الدواب ولا نفرة السباع، ولشدة حاجة الناس إلهًا لم يخلق اللّه لها سلاحًا شديدًا كأنياب السباع وجعل من شأنها الثبات والصبر على التعب والجوع والعطش، وخلقت ذلولا تنقاد بالأيدي، ولما كان مأكلها الحشيش اقتضت الحكمة الإلهية لها أفواهًا واسعة وأسنانًا حدادًا وأضراسًا صلابًا لتطحن بها الحب والنوى: "لأن يهدي اللّه بك رجلًا واحدًا خير لك" أجرًا وثوابًا من أن يكون لك "حمر النعم" فصدق بها، انتهى؛ وفيه: البشرى لمن هذا حاله.
[قوله: "كان له من الأجر مثل أجور من تبعه" يقول: من دل قوما على فعل خير أو عمل صالح فبقدر ما يحصل لكل واحد منهم بذلك العمل من الثواب يحصل لهذا الدال من غير أن ينقص من أجور الفاعلين شيئًا، وكذلك الحكم إذا كان على ضد هذا وأهل السنة ذهبوا إلى أن أفعال العباد لا تقتضي لذاتها ثوابا لكن الحكمة البالغة والسنة الجارية منه ﷾ استمرت على ارتباط العمل الصالح بالثواب والعمل السيء بالعقاب من غير أن تؤثر الأفعال فيهما بصفة الإيجاد والصدور، ومباشرة الفعل والتسبب إليه سببان في الارتباط وتعلق الثواب والعقاب، انتهى].
[ ٢ / ٦٠ ]
١٩٧ - وَعَن عَليّ - ﵁ - فِي قَوْل تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (^١) قَالَ: "علمُوا [أَنْفُسَكُمْ وَ] (^٢) أَهْلِيكُمُ الْخَيْرَ". رَوَاهُ الْحَاكِم مَوْقُوفًا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٣).
قوله: عن علي، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: "علموا أهليكم الخير"، وقال علي بن أبي طالب ومجاهد وقتادة معناه: علموهم ما ينجون به من النار، وهذا ظاهر، وثبت في الصحيحين عن ابن عمر عن رسول اللّه - ﷺ -: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته".
لطيفة: قد روي أن عيسى ﵊ اجتاز في سياحة فرأى حجرًا صغيرًا ينبع منه ماء كثيرًا فوقف عنده وتعجب من كثرة ذلك الماء فسأل اللّه تعالى أن يكلمه ذلك الحجر ليسأله عن ذلك، فقال الحجر: يا روح اللّه منذ سمعت قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ فأنا أبكي خوفا من تلك النار، فسأل عيسى ﵊ من اللّه ﷿ أن يجير ذلك الحجر من النار فأجاره اللّه ﷿ فأعلمه بذلك ثم أتى عليه بعد حين
_________________
(١) سورة التحريم، الآية: ٦.
(٢) سقط من الأصل.
(٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٤)، والبيهقى في المدخل (٣٧٢) والشعب (١١/ ١٥٦ رقم ٨٣٣١). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١١٩).
[ ٢ / ٦١ ]
فوجده باكيًا كما كان، فقال عيسى - ﵇ - "ما هذا البكاء، وقد أجرت من النار" فقال: يا روح اللّه، ذلك بكاء الخوف وهذا بكاء السرور شكرًا للّه ﷿، وكفى هذا موعظة وحسرة أن الحجارة أعقل من الإنسان، وقد دل على ذلك آيات أصرح ما فيها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ..﴾ (^١) الآية، قاله في مختصر مجمع الأحباب.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٧٤.
[ ٢ / ٦٢ ]