المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد:
فقد تنوَّعت اهتمامات العلماء وجهودُهم في خدمة السنة وتدوينها، فكثرت مجالات التصنيف فيها وتعددت فنونها، فمنها ما كان متعلقًا بجمع أحاديث الترغيب والترهيب في تصانيف مستقلة، جمع فيها مصنفوها النصوص التي فيها إيقاظ للقلوب وتحريك للمشاعر لتندفع نحو الإخلاص لله والاتِّباع لشرعه، وذلك بالترغيب في فضائل الأعمال وثوابها في الجنة والنعيم المقيم، وبالترهيب من مساوئ الأعمال، وعقابها في الدار الآخرة، نار وقودها الناس والحجارة، وقد كان من أبرز من صنَّف في هذا الفن واشتهر تصنيفه بين الخلائق في الآفاق الإمام الحافظ زكي الدين أبو محمد، عبدالعظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، (ت:٦٥٦ هـ) فجمع كتاب الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، الذي حوى كثيرًا من أحاديث السنة النبوية مجردةً عن الأسانيد، وقد كتب الله له القبول بل إن الإمام المنذري أصبح يُعْرَفُ به ولأهمية هذا الكتاب والعناية به وإبراز نفعه اهتم به الحافظ ابن حجر وهو من جملة الكتب التي اختارها ونسخها بيده، واختصره (^١). وقال الشيخ محمد أبو زهو عن كتاب الترغيب والترهيب: "هو من أحسن الكتب في جمع الحديث، وبيان درجة كل حديث، وعليه جُل اعتماد
_________________
(١) كما في الجواهر والدرر (٢/ ٧١٤)، واختصاره طبعه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، سيأتي تفصيله.
[ ١ / ٥ ]
الوعّاظ والمرشدين في عصرنا الحاضر" (^١). فحظي بعناية كثير من العلماء الذين جاؤوا بعده، وذلك بالشرح، والاختصار، والتعقيب، والتعليق، والتنقيح.
وكان ممن اعتنى به الشيخ: حسن بن علي الفيومي في شرحه الذي بين أيدينا، والمسمى: (فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب)، وهو من الشروح القيِّمة، تحما جمع فيه ما كان متفرقًا في كتب عدة، مع الإضافة والتعقيب والتنبيه، والاعتناء بذكر الفوائد وبيان الغريب والكلام على الرجال، وعنايته بشرح مشكلات الحديث وبيان ما فيه من فقه وأحكام، مع عنايته بشرح المفردات اللغوية، والمسائل النَّحوية، والكلام على بعض مسائل المصطلح، والرجال، والجرح والتعديل، فهو جامع لعلوم مختلفة، حيث جمع ما كان متفرقًا في موضع واحدٍ، تسهيلًا للقارئ، وتوفيرًا له من عناء التشتت. وما في شرح الفيومي من كثرة الموارد التي أثرت كتابَه بمادة علمية عظيمة، وبنصوص لعلماء الأمة قيمة، منها ما كان في مصنفات مطبوعة ومتداولة، ومنها ما زال مخطوطًا إلى الان، ومنها ما هو مفقود أو في حكمه.
وغيرها من الفوائد الجمَّة التي حواها هذا السفر العظيم.
أردتُ إثراء المكتبة الإسلامية بكتاب هو في رأي مما تمس الحاجة إليه، وقد بذلتُ جهدي في توثيق النص وإخراج هذا الكتاب بهذه الحلة القشيبة، وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك (^٢).
_________________
(١) الحديث والمحدثون لأبي زهو، ص ٤٣٣.
(٢) ولأهمية هذا الكتاب قامت جامعة نجران بطرح الكتاب وتقسيمه على عدد من الطلاب في رسائل علمية وبقي من الكتاب جزء كبير لم يوزع حتى الآن وقد اطلعت على الرسالة الأولى التي سجلها الأخ أسعد الفيفي فجزاه الله خيرًا.
[ ١ / ٦ ]
بعد أن انتهيت من تحقيق "كتاب التنوير شرح الجامع الصغير" للصنعاني قبل أكثر من عشر سنوات بحثتُ عن كتاب مفيد اشتغل عليه فوقع اختياري على كتاب: "الفتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب" وهو كتاب مفيد يستفيد منه الخاصة والعامة، وبدأت بالبحث عن نُسَخه المخطوطة فاهتديت بحمد الله وتوفيقه إلى نُسَخ متفرقة كوّنت من مجموعها نسخة كاملة، فاقتنيتها جميعها وسيأتي وصف تفصيلي لها قريبًا إن شاء الله.