وسُئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عمن صلى فطول صلاته من أجل الناس فقال: نرجو له أن لا يحبط عمله (^١)، ومراده مجموع عمله وكلام السمرقندي يوضحه، وما ذكره الفضيل يستثني منه مسألة لا يكون الترك فيها من أجل الناس رياء، وذلك إذا كان الشخص يعلم أنه متى فعل الطاعة بحضرة الناس أذوه واغتابوه فإن الترك من أجلهم لا يكون رياء بل شفقة عليهم ورحمة وعلى ذلك يحمل قوله - ﷺ -: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يقفن في مواقف التهم" (^٢) لأنه إذا وقف فيها خاض الناس في عرضه فكأنه بوقوفه حملهم على المعصية وموقعا لهم فيها (^٣)، والله أعلم.
٢٨ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: إِن أول النَّاس يقْضى يَوْم الْقِيَامَة عَلَيْهِ رجل اسْتشْهد فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك قَاتَلت لِأن يُقَال هُوَ جريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل تعلم الْعلم وَعلمه وقرأ القرآن فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها، قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق (٤٧٧) بلفظ: "من أقام نفسه مقام التهمة، فلا يلومن من أساء به الظن" من قول عمر وانظر المقاصد الحسنة (ص ٦٥١).
(٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٩٦).
[ ١ / ٣٥٧ ]
تعلمت الْعلم وعلمته وقرأت فِيك الْقُرْآن، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ قارئ فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل وسع الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ من أَصْنَاف المَال فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها، قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ مَا تركت من سَبِيل تحب أَن ينْفق فِيهَا إِلَّا أنفقت فِيهَا لَك، قَالَ كذبت وَلَكِنَّك فعلت ليقال هُوَ جواد فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار" (^١) رَوَا مسلم وَالنَّسَائيِّ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كلاهُمَا بِلَفْظ وَاحِد.
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على ترجمته.
قوله - ﷺ -: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال" الحديث، قال النووي (^٢): قوله ﷺ في الغازي والعالم والجواد وعقابهم على فعلهم ذلك لغير وجه الله وإدخالهم النار فيه دليل على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^٣) انتهى.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٩٠٥)، والنسائي (٦/ ٢٣) وفي السنن الكبرى رقم (٤٣٣٠)، والترمذي رقم (٢٣٨٢)، وابن حبان رقم (٤٠٨)، وابن خزيمة رقم (٢٤٨٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٠).
(٣) سورة البينة، الآية: ٥.
[ ١ / ٣٥٨ ]
قال الماوردي (^١): والإخلاص في كلامهم النية وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصا وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين أموالهم في وجوه الخير لله محمول على من فعل ذلك لله مخلصًا، وفي الخبر أيضًا أنه يقال لهم يوم القيامة: "صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم فقد قيل ذلك" أخرجه مسلم في صحيحه بمعناه.
واعلم أن أنواع النية في الجهاد لا تنحصر لتنوع المقاصد فيه ولكن نذكر منها ما هو الغالب وجودًا أو يقاس عليه ما قد يقع والتوفيق بيد الله ﷾ فمنهم من يقصد بجهاده وجه الله ﷾ لاستحقاقه هذه العبادة وأمره بها وافتراضها على عباده من غير التفات عنده إلى جزاء عليها في الآخرة، وهذا عزيز الوجود نادر الإمكان (^٢)، ومثهم من يحمله على الجهاد غيرة الإسلام والحرص على إعلاء كلمة الله وإعزازها وإذلال كلمة الكفر وأهلها (^٣)، ومنهم من يقصد بجهاده الجنة والنجاة من النار من غير تصور لغير ذلك وهذا هو الغالب وجودا، وقد قال بعضهم أن هذا القصد لا يكفيه في نيل رتبة الشهادة والظاهر الصحيح أن هذا القصد كاف في نيلها، ومما يدل على ذلك ترغيب الله في الجنة لمن جاهد في سبيله لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^٤) الآية
_________________
(١) في الحاوي الكبير (٢/ ٩١).
(٢) مشارع الأشواق (ص ٦١٢).
(٣) مشارع الأشواق (ص ٦١٣).
(٤) سورة التوبة، الآية: ١١١.
[ ١ / ٣٥٩ ]
والآيات في هذا كثيرة والشريعة كلها طافحة بأن الأعمال لأجل الجنة أعمال صحيحة غير معلولة لأن الله تعالى ذكر صفة الجنة وما أعد فيها للعاملين ترغيبا للنالس في العمل ومحال أن يرغبهم في العمل للثواب ويكون ذلك الثواب معلولًا مدخولًا (^١).
واعلم أن هذه النيات الثلاث كافيات في نيل المقصود كفيلات بدار الخلود غير أن هذه النية الأخيرة كالقشر بالنسبة إلى الأولى والثانية، وأما غزى رياء وسمعة وافتخارا ليقال هو غاز أو شجاع أو نحو ذلك ولك يخطر بباله قصد التقرب إلى الله تعالى البتة فهذا ليس بشهيد عند الله تعالى بلا خلاف بل هو خليق في صفقته بالخسران وجدير في آخرته بالمذلة والهوان وهو أحد الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة قبل الخلائق وإنما استوجب من الله تعالى هذا المقت العظيم وحق عليه العذاب الأليم لتقربه بالعبادة إلى غير من شرعها ويستحقها لذاته وعبد بها غيره، فختم له بالإشراك وقد قال النبي - ﷺ -: "اليسير من الرياء شرك" (^٢) وإذا كان اليسير من الرياء شرك فكيف بالكثير سيما عند الخاتمة، نعوذ بالله من أسباب سخطه وموجبات عقابه، فإن غزى ونيته الأجر وأن يذكر أيضا بالغزو والشجاعة
_________________
(١) مشارع الأشواق (ص ٦١٣ - ٦١٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه رقم (٣٩٨٩)، والطبراني في المعجم الأوسط رقم (٧١١٢) وفي المعجم الصغير رقم (٨٩٢) وفي المعجم الكبير (٢٠/ ١٥٣) رقم (٣٢١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٤) وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرج في الصحيحين.
[ ١ / ٣٦٠ ]
والإقدام ونحو ذلك وكان بحيث لو وجد قتالًا بين من لا يعرفه ولا يتوقع منه مدحًا ولا منزلة وكان في ليل مظلم لا يرى فعله فيه أحد لم يقاتل ولو وجد قطاع طريق ونحوهم غير كفار لم تحمله رؤية الناس على قتال لهم طلبا للمحمدة وحدها فهذا أيضًا ليس بشهيد في الآخرة، وإن كان حكمه في الظاهر حكم الشهيد لقوله - ﷺ - في حديث أبي أمامة في رجل غزى يلتمس الأجر والذكر لا شيء له، وكذلك قال أبو الدرداء - ﵁ - في الرجل يحب أن يحمد ويؤجر فقال: لا أجر له ولو ضرب بسيفه حتى ينقطع انتهى، قاله ابن النحاس في كتاب الجهاد الذي ألفه (^١).
قوله: "ولكنك قاتلت ليقال: فلان جريء، فقد قيل" جريء: بفتح الجيم وكسر الراء وبالمد أي شجاع قاله المنذري، وقال النووي: أي حاذق مقدام (^٢). قوله: "ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" السحب الجر بعنف (^٣). قوله: "ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل" الجواد هو [الذي يعطي بلا مسألة صيانة للآخذ من ذل السؤال].
٢٩ - عَن الْوَليد بن أبي الْوَليد أبي عُثْمَان الْمَدِينيِّ أَن عقبَة بن مُسلم حَدثهُ أَن شفيا الأصبحي حَدثهُ أَنه دخل الْمَدِينَة فَإِذا هُوَ بِرَجُل قد اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فَقَالَ من هَذَا قَالُوا أَبُو هُرَيْرَة قَالَ فدنوت مِنْهُ حَتَّى قعدت بَين يَدَيْهِ وَهُوَ
_________________
(١) مشارع الأشواق (ص ٦٢٠ - ٦٣٣) باختصار.
(٢) رياض الصالحين (ص ٤٥٨).
(٣) الدر المصون (٩/ ٤٩٨)، ونظم الدرر (١٧/ ١١٤).
[ ١ / ٣٦١ ]
يحدث النَّاس فَلَمَّا سكت وخلا قلت لَهُ أَسأَلك بِحَق وبحق لما حَدَّثتنِي حَدِيثا سمعته من رَسُول الله - ﷺ - وعقلته وعلمته فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة أفعل لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله - ﷺ - علقته وعلمته ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة فَمَكثْنَا قَلِيلا ثمَّ أفاق فَقَالَ لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله - ﷺ - أَنا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْت مَا مَعنا أحد غَيْرِي وَغَيره ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة أُخْرَى ثمَّ أفاق وَمسح عَن وَجهه فَقَالَ أفعل لأحدثنك حَدِيثا حَدَّثَنِيهِ رَسُول الله - ﷺ - أَنا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْت مَا مَعنا أحد غَيْرِي وَغَيره ثمَّ نشغ أَبُو هُرَيْرَة نشغة شَدِيدَة ثمَّ مَال خارا على وَجهه فأسندته طَويلًا ثمَّ أفاق فَقَالَ حَدثنِي رَسُول الله - ﷺ - أَن الله ﵎ إِذا كانَ يَوْم الْقِيَامَة ينزل إِلَى الْعباد ليقضي بَينهم وكل أمة جاثية فَأول من يدعى بِهِ رجل جمع الْقُرْآن وَرجل قتل فِي سَبِيل الله وَرجل كثير المَال فَيَقُول الله ﷿ للقارئ ألم أعلمك مَا أنزلت على رَسُولي قَالَ بلَى يَا رب قَالَ فَمَا علمت فِيمَا علمت قَالَ كنت أقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار فَيَقُول الله ﷿ لَهُ كذبت وَتقول لَهُ الْمَلائِكَة كذبت وَيَقُول الله ﵎ بل أردْت أَن يُقَال فلَان قارئ وَقد قيل ذَلِك وَيُؤْتى بِصَاحِب المَال فَيَقُول الله ﷿ ألم أوسع عَلَيْك حَتَّى لم أدعك تحْتَاج إِلَى أحد قَالَ بلَى يَا رب قَالَ فَمَاذَا عملت فِيمَا آتيتك قَالَ كنت أصل الرَّحِم وأتصدق فَيَقُول الله لَهُ كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله ﵎ بل أردْت أَن يُقَال فلَان جواد وَقد قيل ذَلِك وَيُؤْتى بِالَّذِي قتل فِي سَبِيل الله فَيَقُول الله لَهُ فِي مَاذَا قتلت فَيَقُول أَي رب أمرت بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلك فقاتلت حَتَّى قتلت فَيَقُول الله
[ ١ / ٣٦٢ ]
لَهُ كذبت وَتقول الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله بل أردْت أَن يُقَال فلأن جريء فقد قيل ذَلِك ثمَّ ضرب رَسُول الله - ﷺ - على ركبتي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أول خلق الله تسعر بهم النَّار يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الْوَليد أَبُو عُثْمَان الْمَدِينيِّ وَأَخْبرنِي عقبَة أَن شفيا هُوَ الَّذِي دخل على مُعَاوِيَة فَأخْبرهُ بِهَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَان وحَدثني الْعَلَاء بن أبي حَكِيم أَنه كَانَ سيافًا لمعاوية قَالَ فَدخل عَلَيْهِ رجل فَأخْبرهُ بِهَذَا عَن أبي هُرَيْرَة فَقَالَ مُعَاوِيَة قد فعل بهؤلاء هَذَا فَكيف بِمن بَقِي من النَّاس ثمَّ بَكَى مُعَاوِيَة بكاء شَدِيدا حَتَّى ظننا أَنه هَالك وَقُلْنَا قد جَاءَ هَذَا الرجل بشر ثمَّ أَفاق مُعَاوِيَة وَمسح عَن وَجهه وَقَالَ صدق الله وَرَسُوله - ﷺ - من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا وهم فِيهَا لا يبخسون أُولَئِكَ الَّذِي لَيْسَ لَهُم فِي الآخرة إِلَّا النَّار وحبط مَا صَنَعُوا فِيهَا وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ" (^١). وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه نَحْو هَذَا لم يخْتَلف إِلَّا فِي حرف أَو حرفين.
قوله: عن الوليد بن أبي الوليد أبي عثمان المديني الوليد بن أبي الوليد عثمان، أبو عثمان المدني، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: مولى عثمان، وقال بعضهم: الوليد بن الوليد، وهو وهم. قال عبد الرحمن: سُئل أبو زرعة عنه فقال: ثقة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٣٨٢)، والنسائي في السنن الكبرى رقم (١١٨٢٤)، وابن خزيمة رقم (٢٤٨٢)، وابن حبان رقم (٤٠٨)، وصححه الألباني في الجامع الصغير رقم (٢٥٩٣).
[ ١ / ٣٦٣ ]
قوله: أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا حدثه، الشفي هو الأصبحي أبو سهيل، وقيل: أبو عبيد، شفي بن ماتع الأصبحي المصري، يعد في تابعي المصريين، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عنه ابنه، توفي سنة خمس ومائة، وهو أصح ما قيل في تاريخ وفاته (^١).
[قوله: قد دنوت منه حتى قعدت بين يديه، الدنو هو بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي: والله (^٢)] لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله - ﷺ -، الحديث؛ لأحدثنك هو بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف أي والله لأحدثنك، ولهذا جاز دخول النون المؤكدة عليه، وحدثنا هو قائم مقام المفعولين لقوله لأحدثنك قاله الكرماني (^٣).
قوله: ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، نشغ بفتح النون والشين المعجمتين وبعدها غين معجمة أي شهق حتى كاد يغشى عليه إشفاقا وخوفا انتهى قاله الحافظ (^٤). وقال الكرماني (^٥): النشغ الشهيق من الصدر حتى كاد يبلغ به الغشي أي يعلوه نفسه كأنه شهيق من شدة ما يرد عليه انتهى.
قوله: أن شفيا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا، وأما معاوية المذكور في الحديث، فيكنى أبا عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن
_________________
(١) جامع الأصول (١٢/ ٥٠٨).
(٢) زيادة في المخطوطة المغربية فقط.
(٣) في الكواكب الدراري (٢/ ٦٠).
(٤) أى المنذري.
(٥) في الكواكب الدراري (١٤/ ٢٥).
[ ١ / ٣٦٤ ]
حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقي مع رسول الله - ﷺ - في عبد مناف، وأمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ولد بالخيف من منى، بويع لمعاوية بالكوفة في شهر بيع الأول سنة إحدى وأربعين وكانت خلافته منذ صالحه الحسن - ﵁ - فاجتمع الناس عليه تسع عشرة سنة وأربعة أشهر سبعة عشر يوما وعمره يومئذ ثمان وخمسون سنة وشهور (^١).
[والناس مجتمعون عليه فيها ولي مروان بن الحكم المدينة وخالد بن العاص بن هشام مكة،، وقيل في سنة اثنتين وأربعين مات عمرو بن العاصي وقيل بل في سنة ثلاثة وأربعين وكانت ولايته مصر عشر سنين متفرقة وأربعة أشهر، قال المسعودي: مات عمرو بن العاصي وله من العمر تسعون سنة وولي معاوية فمان ابنه عبد الله وقيل بل ولي مكانه أخاه معاوية بن عتبة بن أبي سفيان وهو الصحيح وخلف عمرو بن العاصي من الدنانير ألفين ثلاثمائة ألف دينار ومن الورق ألفي ألف دينار، وغلال بمائة ألف دينار بمصر خزنة وضيعته المعروفة بالرهط وكان قيمتها عشرة ألف دينار انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (^٢) وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا] (^٣).
قوله: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية فدخل عليه
_________________
(١) جامع الأصول (١٢/ ٨٥٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠١ - ١٠٢).
(٢) كنز الدرر وجامع الغرر (٤/ ١٥).
(٣) زيادة في المخطوطة المغربية فقط.
[ ١ / ٣٦٥ ]
رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة. العلاء بن أبي حكيم الشامي وكان سيافا لمعاوية، واسم أَبِي حَكِيم يحيى. رَوَى عَن: شفي بْن ماتع الأصبحي، ومعاوية بْن أَبي سفيان رَوَى عَنه: أَبُو عُثْمَان الْوَلِيدُ بْنُ أَبي الْوَلِيدِ الْمَدَنِيُّ قال البخاري: يعد في الشاميين. وَقَال العجلي: شامي، تابعي، ثقة.
قوله: ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (^١)، قيل: نزلت هذه الآية في أهل الرياء (^٢) والله أعلم.
قوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، الفصيح في العاصي إثبات الياء ويجوز حذفها، وهذا الذي يستعمله معظم المحدثين أو كلهم، كنيته: أبو محمد وقيل أبو عبد الده، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل أبو نصير عبد الله بن عمرو بن العاصي بن وائل بن هاشم القرشي الزاهد العابد الصحابي بن الصحابي كان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة وقيل: إحدى عشرة سنة، وأمه ريطة بنت مُنيَّة بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم، أسلمت وقالوا: وكان النبي - ﷺ - يقول: نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله، أسلم عبد الله قبل أبيه وكان كثير العلم مجتهدًا في العبادة وكان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله - ﷺ -، وثبت في الصحيح عن أبي هريرة قال: ما كان أحدًا أكثر حديثًا عن رسول الله - ﷺ - منه إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب
_________________
(١) سورة هود، الآية: ١٥.
(٢) الهداية (٥/ ٣٣٦١) والتفسير البسيط (١١/ ٣٦٨).
[ ١ / ٣٦٦ ]
ولا أكتب، وكان - ﵁ -، تلاء للقرآن، روي له عن سول - ﷺ - الله سبعمائة حديث، اتفق البخاري ومسلم منها على سبعة عشر حديثا وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين حديثا، وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة وشهد مع أبيه فتح الشام وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك، توفي عبد الله سنة ثلاث وستين وقيل خمس وستين بمصر وقيل غير ذلك، وكان عمره ثنتين وسبعين سنة ومناقبه كثيرة (^١).
٣٠ - عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِي قَالَ قلت يَا رَسُول الله - ﷺ - أَخْبرنِي عَن الْجِهَاد والغزو فَقَالَ يَا عبد الله بن عَمْرو إِن قَاتَلت صَابِرًا محتسبا بَعثك الله صَابِرًا محتسبا وَإِن قَاتَلت مرائيا مكاثرا بَعثك الله مرائيا مكاثرا يَا عبد الله بن عَمْرو على أَي حَال قَاتَلت أَو قتلت بَعثك الله على تِلْكَ الْحَال" (^٢) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قوله: فقال: يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك الله صابرًا محتسبا وإن قاتلت مراءيا مكاثرا بعثك الله مراءيا مكاثرًا، الاحتساب هو [طلب الثواب والاجتهاد في تحسين النية وإخلاصها لله]، وتقدم معنى الرياء في أول الباب.
_________________
(١) راجع: الاستيعاب (٣/ ٩٥٦)، وأسد الغابة (٣/ ٢٤٥)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨١)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ٧٩)، والإصابة (٤/ ١٦٥).
(٢) أخرجه أبو داود رقم (٢٥١٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٩٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن (٩/ ٢٨٣)، وضعفه الألباني في مشكاة المصابيح رقم (٣٨٤٧).
[ ١ / ٣٦٧ ]
قوله: "على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال" [الحالة هي الصفة، يشير إلى قوله - ﷺ -: "الناس مجزيون بأعمالهم"].
٣١ - عَن أبي بن كَعْب قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: بشر هَذِه الأمة بالسناء والرفعة وَالدّين والتمكين فِي الأرْض فَمن عمل مِنْهُم عمل الآخِرَة للدنيا لم يكن لَهُ فِي الآخِرَة من نصيب" (^١) رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكم وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ الْحَاكم صَحِيح الإِسْنَاد وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: "بشر هَذِه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بِالدّينِ والتمكين فِي الْبِلَاد والنصر فَمن عمل مِنْهُم بِعَمَل الآخِرَة للدنيا فَلَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَة من نصبب".
قوله: عن أبي بن كعب، هو: أبي بن كعب بن قيس بن عبيد، وقيل: أبي بن كعب بن المنذر بن قيس الأنصاري الخزرجي النجاري المدني له كنيتان أحدهما أبو المنذر كناه بها رسول الله - ﷺ -، والثانية: أبو الطفيل كناه بها عمر بن الخطاب كنى بابنه الطفيل، وأمه: اسمها صهيلة بضم الصاد بنت الأسود وهي عمة أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، والأوس والخزرج هم جماع الأنصار وهما ابنا حارثة بالحاء والثاء بن ثعلبة، وأما النجار فقيل سمي بذلك لأنه اختتن بالقدوم، وقيل ضرب وجهه رجل
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٥/ ٤٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٥٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٥)، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٦٤١٦، ٩٨٥٢)، وصححه الألباني في الجامع رقم (٥١٣٦).
[ ١ / ٣٦٨ ]
بالقدوم فنجره أي نحته، روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بسبعة، وقال محمد بن سعد الواقدي: أول من كتب لرسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة أبي بن كعب وأول من كتب في آخر الكتاب وكتب فلان بن فلان، توفي - ﵁ - بالمدينة ودفن بها، قيل: سنة ثلاثين في خلافة عثمان قال أبو نعيم الأصبهاني: وهذا هو الصحيح وقيل غير ذلك، قال ابن عبد البر: والأكثر أنه مات في خلافة عمر وكان أبيض الرأس واللحية لا يغير شيبه قصيرًا نحيفًا - ﵁ - ومناقبه كثيرة مشهورة (^١).
قوله - ﷺ -: "بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض" الحديث، السناء بالمد ارتفاع المنزلة والقدر عند الله ﷿ وقد سني يسني أي ارتفع والسنا بالقصر الضوء وفيه: "عليكم بالسنا والسنوت" بالقصر نبات معروف من الأدوية له حمل إذا يبس وحركته الريح سمعت له زجلا، الواحدة سناة وبعضهم يرويه بالمد قاله في النهاية (^٢).
قوله - ﷺ -: "فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" الحديث، قال الشيخ زين الدين بن رجب قد ورد الوعيد على العمل لغير الله عمومًا في الحديث (^٣)، انتهى.
_________________
(١) رأجع: الاستيعاب (١/ ٦٥)، وأسد الغابة (١/ ٦١)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٠٨)، وسير أعلام النبلاء (١/ ٣٨٩)، والإصابة (١/ ١٨٠).
(٢) النهاية (٢/ ٤١٤).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩).
[ ١ / ٣٦٩ ]
واعلم أن العمل لغير الله أقسام تارة يكون رياء محضا بحيث لا يراد به سوى مراءات المخلوقين لغير أمر دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (^١) الآية، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ (^٢) الآية، ولذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (^٣) الآية، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي تتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله تعالى والعقوبة وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضا، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال يقول الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك" (^٤) وغيره من الأحاديث (^٥)، وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٦) الآية، وممن روي عنه هذا المعنى وأن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا طائفة من السلف
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٤٢.
(٢) سورة الماعون، الآية: ٤.
(٣) سورة الأنفال، الآية: ٤٧.
(٤) أخرجه مسلم رقم (٢٩٨٥).
(٥) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩ - ٨٠).
(٦) سورة الكهف، الآية: ١١٠.
[ ١ / ٣٧٠ ]
منهم: عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وسعيد بن المسيب وغيره، وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبي - ﷺ - قال: "لا يقبل الله عملا فيه حبة من خردل من رياء" (^١) وسيأتي هذا الحديث في الأصل ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين، فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنية أو التجارة نقص بذلك أجر جهادهم ولم يبطل بالكلية، وقد ذكرت أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا أنه لا أجر له، وقال الإمام أحمد بن حنبل - ﷺ - عنه أن التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزاتهم ولا يكونوا مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخالطه به غيره، وأما إذا كان العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فإن كان خاطرا أو وديعة فلا يضره بلا خلاف وإن استرسل معه فهل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك ويجازي على أصل نيته في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد بن حنبل وابن جرير الطبري ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازي بنيته الأولى وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، فأما إذا عمل العامل لله خالصا ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك ففرح بفضل الله ورحمته فاستبشر بذلك لم يضره ذلك، والله أعلم (^٢).
_________________
(١) أورده ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (١/ ٨٢).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٢)
[ ١ / ٣٧١ ]
٣٢ - عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله إِنِّي أَقف الْموقف أُرِيد وَجه الله وَأُرِيد أَن يرى موطني، فَلم يرد عَلَيْهِ رَسُول الله - ﷺ - حَتَّى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^١) (^٢) رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شرطيهما وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه ثمَّ قَالَ رَوَاهُ عَبْدَانِ عَن ابْن الْمُبَارك فَأرْسلهُ لم يذكر فِيهِ ابْن عَبَّاس.
قوله: عن ابن عباس، هو: عبد الله بن عباس تقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا قريبًا.
قوله: إني أقف الموقف أريد وجه الله وأريد أن يرى موطني فلم يرد رسول الله - ﷺ - حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية، والمراد بقوله: "إني أقف الموقف" وفي الرواية الأخرى "وأريد أن يرى موطني" الموطن المشهد من مشاهد الحرب قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ (^٣) (^٤). قوله: رواه عبدان عن ابن المبارك فأرسله أما الحديث المرسل فتقدم الكلام عليه والله أعلم.
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ١١٠.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٢٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الشعب رقم (٦٤٣٨)، وأخرجه ابن المبارك في الجهاد رقم (١٢) عن طاووس مرسلا، لم يذكر فيه ابن عباس، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب رقم (٩).
(٣) سورة التوبة، الآية: ٢٥.
(٤) المفاتيح (٥/ ٥٣٠).
[ ١ / ٣٧٢ ]
وأما ابن المبارك، اسمه: عبد الله بن المبارك أدرك جماعة من التابعين وأكثر روايته عن الأئمة وأعلام التابعين، قال أبو الفرج بن الجوزي ولد عبد الله بن المبارك سنة ثلاث عشرة ومائة وهو من تابع التابعين، وتوفي [بهيت] لما قفل من البحر سنة إحدى وثمانين ومائة وهو ابن ثلاثين وستين سنة (^١)، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطًا في مواضع من هذا التعليق إن شاء الله تعالى.
٣٣ - عَن أبي هِنْد الدَّارِيّ أَنه سمع النَّبِي - ﷺ - يَقُول من قَامَ مقَام رِيَاء وَسُمْعَة رايا الله بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَسمع" (^٢) رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَلَفظه أَنه "سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من رايا بِالله لغير الله فقد برئ من الله" (^٣).
قوله: عن أبي هند الداري، أبو هند الداري، اسمه: برير بن عبد الله وهو أخو تميم لأمه وتميم الداري كنى بابنته رقية لم يولد له غيرها، وإنما العقب لأخيه لأمه أبي هند (^٤) والله أعلم.
_________________
(١) صفة الصفوة (٢/ ٣٢٣ - ٣٣١).
(٢) أخرجه أحمد (٣٧/ ٧)، والدارمي رقم (٢٧٩٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣١٩) رقم (٨٠٣)، والبيهقي في الشعب رقم (٦٤٠٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٩٦): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (٢٤).
(٣) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وعزاه للطبراني في الكبير، وضعفه الألباني في الجامع الصغير رقم (١٢٣٦٩).
(٤) الاستيعاب (٤/ ١٧٧٣)، وأسد الغابة (٦/ ٣١٧)، والإصابة (٧/ ٣٦٤).
[ ١ / ٣٧٣ ]
قوله - ﷺ -: "من قام مقام رياء وسمعة راءى الله به يوم القيامة وسمع" تقدم الكلام على الرياء والسمعة واشتقاقهما في أول الباب وسيأتي الكلام على ذلك في الحديث بعده مبسوطًا.
٣٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: من سمع النَّاس بِعَمَلِهِ سمع الله بِهِ سامع خلقه وصغره وحقره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِير بأسانيد أَحدهَا صَحِيح وَالْبَيْهَقِيّ (^١).
قوله: عن عبد الله بن عمرو يعني ابن العاصي تقدم الكلام على مناقبه قريبًا.
قوله - ﷺ -: "من سمع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره" الحديث، وفي رواية: "أسامع خلقه" بالألف يقال: سمعت بالرجل تسميعا وتسمعة إذا شهرته وسامع بالرفع اسم فاعل من سمع وأسامع جمع أسمع
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤١)، وأحمد ٢/ ١٦٢ (٦٥٠٩) و٢/ ١٩٥ (٦٨٣٩) و٢/ ٢١٢ (٦٩٨٦) و٢/ ٢٢٣ (٧٠٨٥) والزهد (٢٣٨)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٧٠ رقم ١٤١٨٧) و(١٣/ ٥٢٩ رقم ١٤٤١٤) و(١٣/ ٥٥٤ - ٥٥٥ رقم ١٤٤٤٧) و(١٣/ ٥٥٥ رقم ١٤٤٤٨) و(١٣/ ٥٥٦ رقم ١٤٤٤٩) والأوسط (٥/ ١٧٢ رقم ٤٩٨٤)، والبيهقي في الشعب (٩/ ١٤٨ - ١٤٦ رقم ٦٤٠٢). قال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢٢: رواه الطبراني في الكبير واللفظ له، والأوسط بنحوه وقال: "سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة". رواه أحمد باختصار قول ابن عمر، وقال فيه: فذرفت عينا عبد الله بن عمر. وسمى الطبراني الرجل، وهو خيثمة بن عبد الرحمن، فبهذا الاعتبار رجال أحمد، وأحد أسانيد الطبراني في الكبير رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٥٦٦) وصحيح الترغيب (٢٥).
[ ١ / ٣٧٤ ]
وأسمع جمع قلة لسمع وسمع فلان بعمله إذا أظهره ليسمع فمن رواه سامع خلقه بالرفع جعله من صفة الله تعالى أي سمع الله سامع خلقه به الناس، ومن رواه سامع أراد أن الله تعالى يسمع به أسماع خلقه يوم القيامة، وقيل: أراد من سمع الناس بعمله سمعه الله وأراه ثوابه من غير أن يعصيه وقيل: من أراد بعمله الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك ثوابه، وقيل: أراد أن يفعل فعلا صالحا في السر ثم يظهره ليسمعه الناس ويحمد عليه فإن الله يسمع به ويظهر للناس غرضه وإن عمله لم يكن خالصا وقيل يريد من نسب إلى نفسه عملا صالحا لم يفعله وادعى خيرا لم يصنعه فإن الله يفضحه ويظهر كذبه ومنه الحديث "إنما فعله سمعة ورياء" أي: ليسمعه الناس ويروه (^١) والله تعالى أعلم.
٣٥ - وَعَن جُنْدُب بن عبد الله - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِي - ﷺ - من سمع سمع الله بِهِ وَمن يراء يراء الله بِهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٢).
سمع بتَشْديد الْمِيم وَمَعْنَاهُ من أظهر عمله للنَّاس رِيَاء أظهر الله نِيَّته الْفَاسِدَة في عمله يَوْم الْقِيَامَة وفضحه على رُؤُوس الأشهاد.
قوله: عن جندب بن عبد الله، هو: جندب بن عبد الله بن [سفيان البجلي العلقي وعلقة بفتح العين واللام: بطن من بجيلة، وهو علقة بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث. له صحبة ليست بالقديمة، يكنى أبا عبد الله، سكن الكوفة، ثم انتقل إلى البصرة، قدمها مع
_________________
(١) النهاية (٢/ ٤٠١ - ٤٠٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٩٩) و(٧١٥٢)، ومسلم (٤٨ - ٢٩٨٧).
[ ١ / ٣٧٥ ]
مصعب بن الزبير.
روى عنه من أهل البصرة: الحسن، ومحمد، وأنس ابنا سيرين، وأبو السوار العدوي، وبكر بن عبد الله، ويونس بن جبير الباهلي، وصفوان بن محرز، وأبو عمران الجوني، وروى عنه من أهل الكوفة عبد الملك بن عمير، والأسود بن قيس، وسلمة بن كهيل.
وله رواية عن أُبي بن كعب، وحذيفة، روى عنه الحسن، أن النبي - ﷺ - قال: "من صلى صلاة الصبح كان في ذمة الله ﷿ فانظر لا يطلبنك الله بشيء من ذمته". قال ابن منده، وأبو نعيم: ويقال له: جندب الخير، والذي ذكره ابن الكلبي أن جندب الخير هو جندب بن عبد اللّه بن الأخرم الأزدي الغامدي (^١)].
قوله - ﷺ -: "من سمَّع سمع الله به" الحديث. فسر الحافظ هذا الحديث فقال: سمع هو بتشديد الميم ومعناه: من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله نيته الفاسدة في عمله يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأشهاد، انتهى.
فائدة: الأشهاد الملائكة الحفظة وقيل عموم الملائكة وقال الضحاك: هم الأنبياء والمرسلون، ودليله قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (^٢) وقيل: الأنبياء والملائكة والعلماء الذين بلغوا الرسالات، وقال قتادة: هم الخلائق أجمع (^٣) قال الله
_________________
(١) أسد الغابة (١/ ٥٦٦ ترجمة ٨٠٤).
(٢) سورة النساء، الآية: ٤١.
(٣) تفسير القرطبي (٩/ ١٨).
[ ١ / ٣٧٦ ]
تعالى ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (^١) فقيل: الحفظة يشهدون للأنبياء بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب واحدهم شاهد كطائر وأطيار وصاحب وأصحاب (^٢) ويجوز أن يكون شهيدا كشريف وأشراف ويتيم وأيتام (^٣) انتهى قاله في الديباجة، وفسره النووي أيضًا أبسط من ذلك، فقال نقلا عن العلماء (^٤): معناه من رايًا بعمله وسمَّعه للناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيرا سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه على رؤوس الأشهاد وقيل معناه: من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه، وقيل: أسمعه المكروه وقيل: أراه الله تعالى ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه وقيل: معناه من أراد بعمله الناس أسمعه الله وكان ذلك حظه منه انتهى.
٣٦ - وَعَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من قَامَ مقَام رِيَاء رايا الله بِهِ وَمن قَامَ مقَام سمعة سمع الله بِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسنَاد حسن (^٥).
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ٥١.
(٢) التفسير البسيط (٤/ ١٨).
(٣) تفسير ابن عطية (٤/ ٥٦٤).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٦).
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٥٦ رقم ١٠١)، والضراب في ذم الرياء (٢٧). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٢٣: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧).
[ ١ / ٣٧٧ ]