٢٥٥٨ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من صلى عَليّ صَلَاة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشرا رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).
وَفِي بعض أَلْفَاظ التِّرْمِذِيّ من صلى عَليّ مرّة وَاحِدَة كتب الله لَهُ بهَا عشر حَسَنَات (^٢).
قوله: عن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا" الحديث، وفي بعض ألفاظ الترمذي: "من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشرا" لأن الحسنة بعشر أمثالها فالصلاة في اللغة الدعاء ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (^٣) أي: ادع لهم وهي من الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم، قال البخاري في صحيحه: وصلاة الله تعالى على العبد هو ثناؤه عليه بين ملائكته وتنويهه فذكره قاله أبو العالية (^٤) فقولهم: الصلاة
_________________
(١) مسلم (٤٠٨)، وأبو داود (١٥٣٠)، والترمذي (٤٨٥)، وابن حبان (٩٠٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٤٥)، وأحمد (١٠٢٨٧).
(٢) ابن حبان (٩١٣).
(٣) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.
(٤) صحيح البخاري (٦/ ١٢٠).
[ ٧ / ٦٥٤ ]
عليك، بمنزلة قولهم: السلام عليك، فالصلاة تحية له كما أن السلام تحية له، وفي ذلك الجمع بين تحيتين والصلاة والسلام هنا خبر معناه الدعاء والمعنى جعل الله الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، وهذا كقول المصلي سمع الله لمن حمده فإنه خبر معناه الدعاء أي قبل الله حمد من حمده، وقال الخطابي أصل الصلاة في اللغة الدعاء إلا أن الدعاء يختلف بحسب المدعو له فصلاته لأمته دعاء لهم بالمغفرة وصلاة الأمة له دعاء له بزيادة القربة والزلفة هذه لا تليق بغيره -ﷺ- (^١)، أ. هـ.
وقال شيخ الإسلام ابن عبد السلام: ليست صلاتنا على النبي -ﷺ- شفاعة منا له فإن مثلنا لا يشفع لمثله ولكن الله ﷾ أمرنا بمكافأة من أنعم علينا وأحسن إلينا فإن عجز عن مكافأته دعونا له أن يكافئه عنا ولما عجزنا عن مكافأة سيد الأولين والآخرين أمرنا رب العالمين أن نسأل الله أن يصلي عليه لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا وأفضاله إذ لا إحسان أفضل من إحسانه -ﷺ- (^٢)، ورئي الإمام الشافعي في النوم فقيل: ما فعل الله تعالى بك فقال: غفر لي ورحمني وزففت إلى باب الجنة كما تزف العروس ونير عليّ اللؤلؤ الرطب فقلت: بم بلغت هذا؟ فقيل لي بقولك في كتاب الرسالة وصلى الله على محمد عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون قال: فلما أصبحت نظرت الرسالة فإذا الأمر كما رأيت، وفي الإحياء
_________________
(١) أعلام الحديث (٢/ ٨١٧ - ٨١٨).
(٢) القول البديع (ص ٣٤).
[ ٧ / ٦٥٥ ]
عن أبي الحسن الشافعي: قال صليت ليلة ما قدر لي ونمت فرأيت النبي -ﷺ- في النوم فقلت: يا رسول الله بماذا جزي الشافعي عنك يقول في كتاب الرسالة، وصلى الله على محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، فقال -ﷺ-: "جزي عني أنه لا يوقف للحساب" (^١)، وقال في حدائق الأولياء: وهذا تعظيم لجنابه ورفعة لشأنه ومن يقدر صلاة الرب ﷻ، أو يحيط به تعالى كماله [قوله (كماله) هو فاعل تعالى وضمير به عائد إلى الرب سبحانه] [قياما] من ملئ جوفه منها، وآداب نفسه فيها، فإنه يفاض عليه سبب العطاء ويجازي بأكمل الجزاء، ويدفع عنه بها أشد الشدائد، وتجزل لديه العوائد (^٢)، وقد قال ﵊ إذا تكفي همك فاملأ من هذا وهمك، وما أربح هذه التجارة، وأعظم من يجازي على هذه البضاعة (^٣).
من عامل الله لم يخسر تجارته وكل قلب خراب بالتقى عمره
وما تصلي على المختار واحدة إلا عليك يصلي ربه عن عشرة
فاغنم صلاتك يا هذا عليه تفز بالربح عند الإله فاز من شكره (^٤)
_________________
(١) مناقب الشافعي (٢/ ٣٠٤)، وحدائق الأولياء (١/ ٢٤)، والقول البديع (ص ٢٥٠ - ٢٥١).
(٢) حدائق الأولياء (١/ ١٨).
(٣) حدائق الأولياء (١/ ١٨).
(٤) حدائق الأولياء (١/ ١٨).
[ ٧ / ٦٥٦ ]
٢٥٥٩ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من ذكرت عِنْده فَليصل عَليّ وَمن صلى عَليّ مرّة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا.
وَفِي رِوَايَة من صلى عَليّ صَلَاة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشر صلوَات ويحط عَنهُ بهَا عشر سيئات وَرَفعه بهَا عشر دَرَجَات رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه.
وَالْحَاكِم وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشر صلوَات وَحط عَنهُ عشر خطيئات (^١).
٢٥٦٠ - وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ صَلَاة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشرا وَمن صلى عَليّ عشرا صلى الله عَلَيْهِ مائَة وَمن صلى عَليّ مائَة كتب الله بَين عَيْنَيْهِ بَرَاءَة من النِّفَاق وَبَرَاءَة من النَّار وَأَسْكَنَهُ الله يَوْم الْقِيَامَة مَعَ الشُّهَدَاء (^٢). وَفِي إِسْنَاده إِبْرَاهِيم بن سَالم بن شبْل الهجعي لَا أعرفهُ بِجرح وَلَا عَدَالَة.
قوله: وعن أنس بن مالك -﵁-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من ذكرت عنده فليصل عليّ" ويقال أمرك بالصلاة عليه لأنه تعالى أراد أن يمن به عليك ولك عليه، قيل: وإنما جعلت الصلاة عليه محالة
_________________
(١) أحمد (١١٩٩٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٨٩)، وابن حبان (٩٠٤)، والحاكم (١/ ٥٥٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٤٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٥٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٣٥٩).
(٢) الطبراني في الأوسط (٧٢٣٥)، وفي الصغير (٨٨٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٣)، وفيه: إبراهيم بن سالم بن شبل الهجيمي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
[ ٧ / ٦٥٧ ]
على الله تعالى وإن كانت صلاتنا عليه لأنا لا نستطيع القيام بحقيقة مدحه -ﷺ- فطلبنا من الله أن يصلي عليه فمعنى قولنا: اللهم صلى على محمد اللهم أنزل صلاتك عليه، والأحسن أن يقال: أن الصلاة عليه -ﷺ- هدية منك إليه والهدية توجب المحبة والوصلة والقرب والمكافأة، ولهذا قيل -ﷺ- مخبرًا عن المكافأة عليها أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أكثركم عليه صلاة، فنحن محتاجون إلى التودد والتقرب إليه بهذه الهدية وطمعا في المكافأة بشفاعته ولو لم يكن فيها إلا إظهار المحبة كان ذلك كافيا، قال بعضهم: إظهار المحبة يوجب النعمة كما أن إظهار العداوة يوجب النقمة ألا ترى أن الوزغ حين نفخ في النار على إبراهيم، وأن كل نفخة لا يصل إلى النار ولا إلى قريب استوجب النقمة لإظهار العداوة والبغضة وقد أمر النبي -ﷺ- بقتله، وقال: إنه كان ينفخ النار على إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين، انتهى.
قوله: "ويحط عنه بها عشر سيئات" وحط السيئات عبارة عن غفرانها وغفرانها هو سترها.
قوله -ﷺ-: "ورفع له بها عشر درجات" ورفع الدرجات هو إعلاء المنازل في الجنة.
قوله: وفي إسناده إبراهيم بن سالم بن شبل الهجعي [لا يعرف بجرح ولا عدالة].
٢٥٦١ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف -﵁- قَالَ خرج رَسُول الله -ﷺ- فاتبعته حَتَّى دخل نخلا فَسجدَ فَأطَال السُّجُود حَتَّى خفت أَو خشيت أَن يكون الله قد
[ ٧ / ٦٥٨ ]
توفاه أَو قَبضه قَالَ فَجئْت أنظر فَرفع رَأسه فَقَالَ مَا لَك يَا عبد الرَّحْمَن قَالَ فَذكرت ذَلِك لَهُ قَالَ فَقَالَ إِن جِبْرِيل -﵇- قَالَ لي أَلا أُبَشِّرك أَن الله ﷿ يَقُول من صلى عَلَيْك صليت عَلَيْهِ وَمن سلم عَلَيْك سلمت عَلَيْهِ زَاد فِي رِوَايَة فسجدت لله شكرا رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).
٢٥٦٢ - وَرَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وأَبُو يعلى وَلَفظه قَالَ كَانَ لَا يُفَارق رَسُول الله -ﷺ- منا خَمْسَة أَو أَرْبَعَة من أَصْحَاب النَّبِي -ﷺ- لما ينوبه من حَوَائِجه بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار قَالَ فَجِئْته وَقد خرج فاتبعته فَدخل حَائِطا من حيطان الْأَشْرَاف فصلى فَسجدَ فَأطَال السُّجُود فَبَكَيْت وَقلت قبض الله روحه قَالَ فَرفع رَأسه فدعاني فَقَالَ مَا لَك فَقلت يَا رَسُول الله أطلت السُّجُود وَقلت قبض الله روح رَسُوله لَا أرَاهُ أبدا قَالَ سجدت شكرا لرَبي فِيمَا أبلاني فِي أمتِي من صلى عَليّ صَلَاة من أمتِي كتب الله لَهُ عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات لفظ أبي يعلى.
وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا من صلى عَليّ صَلَاة صلى الله عَلَيْهِ عشرا وَفِي إسنادهما مُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي (^٢).
قَوْله فِيمَا أبلاني أَي فِيمَا أنعم عَليّ والإبلاء الإنعام
٢٥٦٣ - وَعَن الْبَراء بن عَازِب -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من صلى عَليّ مرّة كتب الله لَهُ عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرَفعه بهَا عشر دَرَجَات
_________________
(١) أحمد (١٦٦٢)، والحاكم (١/ ٥٥٠) وأبو يعلى (٨٦٦).
(٢) أبو يعلى (٨٥٥)، وابن أبي الدنيا كما في القول البديع (ص ٢٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦١)، فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.
[ ٧ / ٦٥٩ ]
وَكن لَهُ عدل عشر رِقَاب رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب الصَّلَاة عَن مولى للبراء لم يسمه عَنهُ (^١).
قوله: وعن عبد الرحمن بن عوف -﵁-[هو أبو محمد بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة ابن كلاب بن مرة القرشي الزهري المدني، كان اسمه فى الجاهلية عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه رسول الله -ﷺ- عبد الرحمن. وأمه الشفاء بنت عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة ولد بعد الفيل بعشر سنين، أسلم عبد الرحمن قديما قبل دخول رسول الله -ﷺ- دار الأرقم، وهو أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله -ﷺ- بالجنة، وأحد الستة الذين هم أهل الشورى الذين أوصى إليهم عمر بن الخطاب، ﵁، بالخلافة، وقال: إن رسول الله -ﷺ- توفى وهو عنهم راض، وكان من المهاجرين الأولين، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. وآخى رسول الله -ﷺ- بينه وبين سعد بن الربيع، وشهد مع رسول الله -ﷺ- بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد. وبعثه رسول الله -ﷺ- إلى دومة الجندل إلى بنى كلب وعممه بيده، وسدلها بين كتفيه، وقال: "إن فتح الله عليك فتزوج ابنة ملكهم"، أو قال: "شريفهم"، فتزوج بنت شريفهم الأصبغ، وهى تماضر، فولدت له أبا سلمة.
ومن مناقب عبد الرحمن التى لا توجد لغيره من الناس، أن رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) ابن أبي عاصم في الصلاة كما في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع (ص ٢٤١).
[ ٧ / ٦٦٠ ]
صلى وراءه في غزوة تبوك حين أدركه وقد صلى بالناس ركعة، وحديثه هذا في صحيح مسلم وغيره، وقولنا: لا يوجد لغيره من الناس احتراز من صلاة النبي -ﷺ- خلف جبريل حين أعلمه بالمواقيت.
وجرح عبد الرحمن يوم أحد إحدى وعشرين جراحة، وجرح في رجله، وسقطت ثنيتاه، وكان كثير الإنفاق في سبيل الله تعالي، أعتق في يوم أحد وثلاثين عبدا. روى له عن رسول الله -ﷺ- خمسة وستون حديثا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وجبير بن مطعم، وغيرهم من الصحابة، وخلائق من التابعين، منهم بنوه إبراهيم، وحميد، ومصعب بنو عبد الرحمن.
وفي الحديث عن النبي -ﷺ- أن عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء، أمين في الأرض. وكان كثير المال، محظوظا في التجارة. قيل: إنه دخل على أم سلمة، فقال: يا أمه، خفت أن يهلكنى كثرة مالي، قالت: يا بنى أنفق.
وعن الزهري، قال: تصدق عبد الرحمن على عهد رسول الله -ﷺ- بشطر ماله أربعة آلاف، ثم بأربعين ألفا، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم تصدق بخمسمائة فرس في سبيل الله، ثم بخمسمائة راحلة، وكان عامة ماله التجارة.
وفي كتاب الترمذي أن عبد الرحمن بن عوف أوصلا لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال عروة بن الزبير: أوصى عبد الرحمن بخمسين ألف دينار في سبيل الله تعالى. وقال الزهري: أوصى عبد الرحمن لمن بقى ممن شهد بدرا لكل
[ ٧ / ٦٦١ ]
رجل بأربعمائة دينار، وكانوا مائة فأخذوها، وأخذها عثمان فيمن أخذ، وأوصى بألف فرس في سبيل الله. ولما توفى قال على بن أبي طالب، ﵁: اذهب يا ابن عوف، أدركت صفوها، وسبقت كدرها. وكان سعد بن أبي وقاص فيمن حمل جنازته وهو يقول: واجبلاه.
وخلف مالا عظيما من ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدى الرجال منها، وترك ألف بعير ومائة فرس، وثلاثة آلاف شاة ترعي، وكان له أربع نسوة صالحت امرأة منهن عن نصيبها بثمانين ألفا.
وكان أبيض مشربا حمرة، حسن الوجه، رقيق البشرة، أعين، أهدب الأشفار، أقني، له جمة، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، لا يغير شعره. توفى سنة ثنتين وثلاثين، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، وهو ابن ثنتين وسبعين، وقيل: خمس وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، ودفن بالبقيع.
قال ابن قتيبة: ولد عبد الرحمن: محمد، وإبراهيم، وحميد، وزيد، أمهم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأبو سلمة الفقيه أمه تماضر، ومصعب أمه يمانية، وسهيل أمه يمانية، وعثمان، والمسور، وعمر، وغيرهم، وبنات (^١)].
قوله: "إن الله ﷿ يقول: من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه" الحديث، صلوات الله ﷿ رحمته المترادفة وسلامه تحيته أو تسليمه إياه من كل مكروه فهو السلام ومنه السلام قاله الطوفي (^٢).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٠٠ - ٣٠٢ ترجمة ٣٥٧).
(٢) التعيين (ص ٦ - ٧).
[ ٧ / ٦٦٢ ]
قوله -ﷺ-: "فسجدت لله شكرًا" لربي فيما أبلاني في أمتي أي فيما أنعم علي والإبلاء الأنعام، وفي سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي -ﷺ- قال: سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا شكرا لربي ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدا شكرا لربي ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدا لربي (^١)، وروي البيهقي بإسناد صحيح أن النبي -ﷺ- خر ساجدا لما جاءه كتاب من اليمن بإسلام همدان (^٢)، وفي المسند عن أبي بكرة أن النبي -ﷺ- كان إذا أتاه أمر يسره خر ساجدا شكرًا لله تعالى (^٣)، وسجد أبو بكر الصديق عند فتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب وسجد عمر عند فتح اليرموك وسجد علي -﵁- عند رؤية ذي الثدية قتيلا بالنهروان، وسجد أيضًا -ﷺ- شكرا لله تعالى حيث جاءته رأس أبي جهل وذلك في غزوة بدر وكانت بعد قدوم النبي -ﷺ- المدينة بمدة وسجد كعب بن مالك حين جاءته البشرى بتوبة الله تعالى عليه، قال العلماء: يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم لحدوث ولد أو جاه أو مال أو نصر على الأعداء وقدوم غائب أو شفاء مريض أو حدوث مطر عند
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٧٥) عن سعد بن أبي وقاص. وضعفه الألباني في الإرواء (٤٧٤).
(٢) أخرجه الروياني (٣٠٤)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٥١٦ - ٥١٧ رقم ٣٩٣٢) والمعرفة (٤٧٤٤). قال البيهقي: وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه. وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٣٩٤)، وأبو داود (٢٧٧٤)، والترمذي (١٥٧٨). وحسنه الألباني في الإرواء (٤٧٤)، الروض النضير (٧٢٤)، صحيح أبي داود (٢٤٧٩).
[ ٧ / ٦٦٣ ]
القحط أو زواله عند خوف التأذي به سواء كان خاصا به أو عاما، ويستحب أيضا سجود الشكر عند اندفاع النقم كنجاة من غرق أو عدو ونحو ذلك، واحترز بتجدد النعمة عن استمرارها فإنه لا يسجد لها لاستمرار النعيم لأنها لا تنقطع فيؤدي ذلك إلى استغراق العمر في ذلك (^١)، ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وهو مذهب الليث بن سعد والجمهور ونقل شارح المنظومة عن الإمام أبي حنيفة أن سجود الشكر ليس بقربة بل هو مكروه لا يثاب عليه وتركه أولي، وعن الإمام مالك روايتان أشهرهما الكراهة، والثانية: أنه ليس بسنة (^٢) وذكر بعضهم أن ذلك منسوخ ولو كان ذلك منسوخا لم يخف على هؤلاء الأكابر كأبي بكر وعلي وغيرهما الذين سجدوا للشكر والصحابة أعرف بتفسير الحديث من غيرهم والذي قاله [] ويفتقر سجود الشكر إلى شروط الصلاة من الطهارة واستقبال القبلة وغير ذلك من الشروط، وحكمه حكم سجود التلاوة خارج الصلاة، واتفق العلماء على تحريم سجود الشكر في الصلاة فإن سجد فيها بطلت صلاته بلا خلاف، ولو قرأ آية سجدة ليسجد بها للشكر ففي جواز السجود وجهان أصحهما يحرم وتبطل به صلاته وهما كالوجهين فيمن قصد المسجد في وقت النهي ليصلي التحية لا لغرض آخر والله أعلم.
_________________
(١) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٠ - ٢٨١).
(٢) انظر المجموع (٤/ ٧٠).
[ ٧ / ٦٦٤ ]
قال البغوي: لو تصدق من تجدد له نعمة أو اندفعت عنه نقمة أو صلى شكرا لله تعالى كان حسنا أي مع فعله سجدة الشكر، كذا قاله النووي (^١) والظاهر أن مراد البغوي خلافه (^٢).
فائدة: لو خضع فتقرب لله بسجدة واحدة من غير سبب فالأصح أنه حرام قال النووي ومن هذا فعل كثير من الجهلة الضالين من السجودين بين يدي المشايخ فإن ذلك حرام قطعا بكل حال سواء كان إلى القبلة أو لغيرها سواء قصد السجود بين يدي المشايخ فإن ذلك حرام قطعًا بكل حال سواء كان إلى القبلة أو لغيرها وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر (^٣) والله أعلم.
قوله: "فدخل حائطا من حيطان الأسواف (الأسواف) " والحائط: البستان، والأسواف: بالسين المهملة والواو والفاء اسم لحرم المدينة الذي حرمه رسول الله -ﷺ- لما روى الإمام أحمد في مسنده والطبراني في معجمه أن زيد بن ثابت رأى شرحبيل بن سعد وقد صاد نهسا بالأسواف فأخذه من يده وأرسله (^٤)، والنهاس: طائر يشبه الصرد يديم تحريك ذنبه ويصيد العصافير
_________________
(١) المجموع (٤/ ٦٩).
(٢) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٤).
(٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤).
(٤) أخرجه أحمد ٥/ ١٨١ (٢١٥٧٦)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٥١ رقم ٤٩١١). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٣٠٣: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وشرحبيل، وثقه ابن حبان، وضعفه الناس.
[ ٧ / ٦٦٥ ]
وإنما أرسله لأن صيد المدينة حرام كمكة والله أعلم.
قوله: وفيه موسى بن عبيدة الربذي، هو بفتح الراء والباء الموحدة وبكسر الذال المعجمة نسبة إلى الربذة وهي قرية من قرى المدينة بها قبر أبي ذر الغفاري.
٢٥٦٤ - وَعَن أبي بردة بن نيار -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ من أمتِي صَلَاة مخلصا من قلبه صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشر صلوَات وَرَفعه بهَا عشر دَرَجَات وَكتب لَهُ بهَا عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ بهَا عشر سيئات رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار (^١).
قوله: وعن أبي بردة بن نيار -﵁-، واسم أبي بردة هانئ بن نيار وهو من الطبقة الأولى من الأنصار وهو خال البراء بن عازب [شهد] المشاهد كلها مع رسول الله -ﷺ-، روي عن رسول الله -ﷺ- أحاديث حفظها عنه، أسند عن رسول الله -ﷺ- الحديث أخرج له الإمام أحمد ستة أحاديث منها حديث واحد متفق عليه، ومنها حديث الدابة وليس في الصحابة من اسمه هانئ بن نيار غيره، فأما أبو بردة فثلاثة أحدهم صاحب هذه الترجمة والثاني أبو بردة أخو أبو موسى الأشعري واسمه عامر، والثالث: أبو بردة الظفري من بني كعب بن مالك أ. هـ.
_________________
(١) النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٩٢)، والبزار (٣١٦٠)، والطبراني، كما في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه البزار ورجاله ثقات، ورواه الطبراني، غلا أنه قال: "ما صلى علي عبد من أمتي صادقا بها في قلب نفسه" وزاد، "وكتب له عشر حسنات". وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٧٢)، رواته ثقات.
[ ٧ / ٦٦٦ ]
قوله -ﷺ-: "من صلى علي من أمتي صلاة مخلصا من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات" الحديث، المخلص [هو المتصف بالإخلاص وهو إفراد الحق ﷾ في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنُّعٍ لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالي].
٢٥٦٥ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ -﵄- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول ثمَّ صلوا عَليّ فَإِنَّهُ من صلى عَليّ صَلَاة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا ثمَّ سلوا لي الْوَسِيلَة فَإِنَّهَا منزلَة من الْجنَّة لَا تنبغي إِلَّا لعبد من عباد الله وَأَرْجُو أَن أكون أَنا هُوَ فَمن سَأَل الله لي الْوَسِيلَة حلت لَهُ الشَّفَاعَة رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).
٢٥٦٦ - وَعنهُ -﵁- قَالَ من صلى على النَّبِي -ﷺ- وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ وَمَلَائِكَته سبعين صَلَاة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^٢).
قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة" تقدم الكلام على هذا الحديث في الأذان وعلى الوسيلة وأنها منزلة في الجنة أ. هـ.
_________________
(١) مسلم (٣٨٤)، وأبو داود (٥٢٣)، والترمذي (٣٦١٤)، وأحمد (٦٥٦٨)، وابن حبان (١٦٩٠)، وابن خزيمة (٤١٨).
(٢) أحمد (٦٧٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٠)، وإسناده حسن.
[ ٧ / ٦٦٧ ]
قوله: "من صلى على النبي -ﷺ- واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة" تقدم الكلام على ذكر السبعين في كلام العرب، والمراد بها التكثير وتضعيف الأجر والله أعلم.
٢٥٦٧ - وَعَن أبي طَلْحَة الْأَنْصَارِيّ -﵁- قَالَ أصبح رَسُول الله -ﷺ- يَوْمًا طيّب النَّفس يرى فِي وَجهه الْبشر قَالُوا يَا رَسُول الله أَصبَحت الْيَوْم طيب النَّفس يرى فِي وَجهك الْبشر قَالَ أجل أَتَانِي آتٍ من رَبِّي ﷿ فَقَالَ من صلى عَلَيْك من أمتك صَلَاة كتب الله لَهُ بهَا عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرفع لَهُ عشر دَرَجَات ورد عَلَيْهِ مثلهَا رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ (^١).
وَفِي رِوَايَة لأحمد أَن رَسُول الله -ﷺ- جَاءَ ذَات يَوْم وَالسُّرُور يرى فِي وَجهه فَقَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّا لنرى السرُور فِي وَجهك فَقَالَ إِنَّه أَتَانِي الْملك فَقَالَ يَا مُحَمَّد أما يرضيك أَن رَبك ﷿ يَقُول إِنَّه لَا يُصَلِّي عَلَيْك أحد من أمتك إِلَّا صليت عَلَيْهِ عشرا وَلَا يسلم عَلَيْك أحد من أمتك إِلَّا سلمت عَلَيْهِ عشرا قَالَ بلَى وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِ هَذِه (^٢).
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَلَفظه قَالَ دخلت على رَسُول الله -ﷺ- وأسارير وَجهه تبرق فَقلت يَا رَسُول الله مَا رَأَيْتُك أطيب نفسا وَلَا أظهر بشرا من يَوْمك هَذَا قَالَ وَمَا
_________________
(١) أحمد (١٦٣٥٢)، والنسائي (٣٨٤٤)، وفي الكبرى (١٢٠٦)، والحاكم (٢٨٤٢٠)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٧٢)، رواته ثقات.
(٢) أحمد (١٦٣٦٣)، وابن حبان (٩١٥)، والطبراني (٤٧٢٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧١).
[ ٧ / ٦٦٨ ]
لي لَا تطيب نَفسِي وَيظْهر بشري وَإِنَّمَا فارقني جِبْرِيل -﵇- السَّاعَة فَقَالَ يَا مُحَمَّد من صلى عَلَيْك من أمتك صَلَاة كتب الله لَهُ بهَا عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرَفعه بهَا عشر دَرَجَات وَقَالَ لَهُ الْملك مثل مَا قَالَ لَك فَقلت يَا جِبْرِيل وَمَا ذَاك الْملك قَالَ إِن الله ﷿ وكل ملكا من لدن خلقك إِلَى أَن يَبْعَثك لَا يُصَلِّي عَلَيْك أحد من أمتك إِلَّا قَالَ وَأَنت صلى الله عَلَيْك (^١).
قوله: وعن أبي طلحة الأنصاري، واسم أبي طلحة زيد بن سهل.
قوله: "أجل" هو حرف من حروف الإيجاب وهو تصديق للخبر ومعناه نعم قاله الكرماني.
قوله: دخلت على رسول الله -ﷺ- وأسارير وجهه تبرق، والأسارير الخطوط التي تجتمع في الوجه والجبهة والكف وتتكسر جمع سدر على وزن عنب، وسر يقال أيضًا الأسرة، والقصور، وأما التي في الراحة فواحدها والجمع سرر مثل سدرة وسدر ويقال [فيه] أيضا الأسرة على غير قياس ويقال فيها أسرار وسرر قال الجوهري: السرر واحد أسرار الكف والجبهة وهي خطوطها (^٢) أ. هـ قاله في شرح الإلمام (^٣).
قوله "تبرق" قال أهل اللغة تبرق بفتح التاء وضم الراء أي تضيء وتستنير
_________________
(١) الطبراني في الكبير (٤٧٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦١)، وفي الرواية الأولى إبراهيم في الوليد، وفي الثانية حماد بن عمرو، ولم أعرفهما، وبقية رجالهما ثقات.
(٢) الصحاح (٢/ ٦٨٣).
(٣) رياض الأفهام (٥/ ٦٩).
[ ٧ / ٦٦٩ ]
من السرور والفرح أ. هـ، وقال في النهاية (^١): أي تلمع وتستنير كالبرق وكان إذا سرا استنار وجهه والسرور ضد الحزن.
٢٥٦٨ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَكْثرُوا الصَّلَاة عَليّ يَوْم الْجُمُعَة فَإِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيل آنِفا عَن ربه ﷿ فَقَالَ مَا على الأَرْض من مُسلم يُصَلِّي عَلَيْك مرّة وَاحِدَة إِلَّا صليت أَنا وملائكتي عَلَيْهِ عشرا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن أبي ظلال عَنهُ وَأَبُو ظلال وثق وَلَا يضر فِي المتابعات (^٢).
قوله: وعن أنس تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "أكثروا الصلاة على يوم الجمعة فإنه أتاني جبريل -﵇- آنفا عن ربع ﷿" الحديث، آنفا أي قريبا، قول جبريل -ﷺ-: "ما على الأرض من مسلم يصلي عليك مرة واحدة إلا صليت أنا وملائكتي عليه عشرا" تقدم الكلام على تفسير الصلاة وأنها من الله بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار مبسوطا في أماكن هذا التعليق.
٢٥٦٩ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا ملك مُوكل بهَا حَتَّى يبلغنيها رَوَاهُ الطَّبَرَانيّ فِي الْكَبِير (^٣).
_________________
(١) النهاية (١/ ١٢٠).
(٢) الأصبهاني في الترغيب (١٦٧٨)، وعزاه المنذري وكذلك السخاوي في القول البديع (٣١٧). ذكره في صحيح الجامع (١٢٠٩)، مختصرا وقال: حسن.
(٣) الطبراني في الكبير (٧٦١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٢)، فيه موسى بن عمير القرشي، وهو ضعيف جدا.
[ ٧ / ٦٧٠ ]
قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ملك وكل بها حتى يباغيها" وتقدم أيضا الكلام على الصلاة.
فائدة فيها بشرى: وروي أبو نعيم عن علي قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من صلى علي يوم الجمعة مائة مرة جاء يوم القيامة ومعه نور لو قسم ذلك النور بين الخلق كلهم لوسعهم" والله أعلم.
٢٥٧٠ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن لله مَلَائِكَة سياحين يبلغوني عَن أمتِي السَّلَام رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).
قوله: وعن ابن مسعود -﵁-، تقدم الكلام عليه
قوله -ﷺ-: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" السايحون هم الذين لا وظيفة لهم.
تنبيه: من الصغائر أن يسمع ذكر النبي -ﷺ- فلا يصلي عليه وقد أوجب قوم الصلاة على النبي -ﷺ- كلما ذكر قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (^٢) وهو الاحتياط، أ. هـ.
_________________
(١) النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٩٤)، وابن حبان (٩١٤)، وأحمد (٣٦٦٦)، وأبو يعلى (٥٢١٣)، والطبراني في الكبير (١٠٥٢٨)، وابن المبارك في الزهد (١٠٢٨)، والبزار (٨٤٥)، والحاكم (٢/ ٤٢١)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢١٧٤).
(٢) التفسير (١٤/ ٢٣٣).
[ ٧ / ٦٧١ ]
وقد اختلف العلماء في ذلك فقيل تجب في العمر مرة واحدة وهو الأكثر، وقيل: تجب كلما ذكر وسيأتي الكلام على من قال بذلك من أئمة المذاهب الأربعة، وقد عد منهم قوم ترك الصلاة عليه كلما ذكر من الكبائر وليس ببعيد فإن الوعيد على ذلك شديد، وفي شرف النبي -ﷺ- وتأكيد حقه على الأمة ما هو أعظم من ذلك قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١)، وروي ابن السني بإسناد جيد عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من ذكرت عنده فلم يصل علي فقد شقي".
فائدة فيها بشرى: في الخبر إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله -ﷺ- بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي -ﷺ- بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت فيقول أنا نبيك محمد وهذه صلواتك علي التي كنت تصلي قد وفيتك إياها أحوج ما تكون إليها ذكره القشيري (^٢) والله أعلم.
تتمة: وقال مقاتل إن لله تعالى ملكا تحت العرش على رأسه ذؤابة قد أحاط بالعرش ما من شعرة على رأسه إلا مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله -ﷺ- فإذا صلى العبد على النبي لم تبق شعرة إلا استغفرت لصاحبها (^٣) قاله في التاريخ.
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٣٣٩).
(٢) تفسير القرطبي (٧/ ١٦٧).
(٣) شرف المصطفى (٥/ ٨٠ رقم ٢٠٢٥)، والقول البديع (ص ١٢٢).
[ ٧ / ٦٧٢ ]
٢٥٧١ - وَعَن الْحسن بن عَليّ -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ حَيْثُمَا كُنْتُم فصلوا عَليّ فَإِن صَلَاتكُمْ تبلغني رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن (^١).
قوله: وعن الحسن بن علي -﵄-، هو: أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي سبط رسول الله -ﷺ- وريحانته وابن فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- سيدة نساء العالمين ولد -﵁- في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة روى له عن رسول الله -ﷺ- أحاديث توفي -﵁- مسموما سنة تسع وأربعين وقيل سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين، ودفن بالبقيع وقبره فيه مشهور وصلى عليه سعد بن العاصي وولاي الخلافة بعد قتل أبيه علي -﵁- وكان قتل علي -﵁- لثلاث عشرة بقيت من رمضان سنة أربعين وبقى نحو سبعة أشهر خليفة بالحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك ثم سار إليه معاوية من الشام وسار هو إلى معاوية فلما تقاربا علم أنه لن تغلب إحدى الطائفتين فأرسل إلى معاوية يدل له تسليم الأمر إليه على أن تكون له الخلافة بعده وعلى أن لا يطلب أحد من أهل الحجاز والعراق بشيء مما كان في أيام أبيه وغير ذلك من القواعد فأجابه معاوية إلى ما طلب فاصطلحا على ذلك.
قوله -ﷺ-: "حيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني".
_________________
(١) الطبراني في الكبير (٢٧٢٩)، وفي الأوسط (٣٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٢)، وفيه حميد بن أبي زينب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣١٦٤).
[ ٧ / ٦٧٣ ]
٢٥٧٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ بلغتني صلَاته وَصليت عَلَيْهِ وَكتب لَهُ سوى ذَلِك عشر حَسَنَات رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ (^١).
٢٥٧٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا من أحد يسلم عَليّ إِلَّا رد الله إِلَيّ روحي حَتَّى أرد -﵇- رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد (^٢).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد -﵇-" الحديث، ويؤخذ من هذا الحديث أن النبي -ﷺ- حي على الدوام وذلك أنه محال عادة أن يخلو الوجود كله من واحد يسلم على النبي -ﷺ- في ليل أو نهار (^٣).
فإن قلت: قوله -﵇-: "إلا رد الله علي روحي" لا يلتئم مع كونه ﵊ حيا على الدوام بل يلزم أن تتعدد حياته ووفاته في أقل من ساعة إذ الوجود لا يخلو من مسلم يسلم عليه كما تقدم.
فالجواب: أن المراد بالروح هنا النطق مجازا فكأنه قال -﵇- إلا رد الله علي نطقي وهو حي على الدوام كما تقدم لكن لا يلزم من حياته نطقه فالله ﷾ يرد عليه النطق عند سلام كل مسلم وعلاقة المجاز أن النطق
_________________
(١) الطبراني في الأوسط (١٦٤٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٢)، وفيه راوٍ لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(٢) أحمد (١٠٨١٥)، وأبو داود (٢٠٤١)، والطبراني في الأوسط (٣٠٩٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٨١)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٧٩).
(٣) القول البديع (ص ١٧١ - ١٧٢).
[ ٧ / ٦٧٤ ]
من لازمه وجود الروح بالفعل أو بالقوة فعبر -﵇- عن أحد المتلازمين بالآخر ومما يحقق ذلك أن عود الروح لا يكون إلا مرتين عملا بقوله ﵎: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (^١) (^٢) ويحتمل أن يراد بالروح هنا السرور مجازا فإن هذا اللفظ قد يطلق ويراد به السرور والانتعاش (^٣) والله أعلم.
تنبيه: قال سليمان بن نعيم رأيت النبي -ﷺ- في النوم فقلت يا رسول الله هؤلاء يأتونك ويسلمون عليك أتفقه منهم قال: نعم وأرد عليهم ذكره ابن قيم الجوزية (^٤).
٢٥٧٤ - وَعَن عمار بن يَاسر -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن الله وكل بقبري ملكا أعطَاهُ الله أَسمَاء الْخَلَائق فَلَا يُصَلِّي عَليّ أحد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا أبلغنيِ باسمه وَاسم أَبِيه هَذَا فلَان بن فلَان قد صلى عَلَيْك رَوَاهُ الْبَزَّار (^٥).
وَأَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن لله ﵎ ملكا أعطَاهُ أَسمَاء الْخَلَائق فَهُوَ قَائِم على قَبْرِي إِذا مت فَلَيْسَ أحد يُصَلِّي عَليّ صَلَاة
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ١١.
(٢) قاله تاج الدين الفاكهانى كما في الفجر المنير (ص ١٤ - ١٥).
(٣) كشف الأسرار (لوحة ٦٤).
(٤) الروح (ص ١٢).
(٥) البزار (٣١٦٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٢)، وفيه ابن الحميري، واسمه عمران، يأتي الكلام عليه بعده، ونعيم بن ضمضم ضعفه بعضهم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
[ ٧ / ٦٧٥ ]
إِلَّا قَالَ يَا مُحَمَّد صلى عَلَيْك فلَان بن فلَان قَالَ فَيصَلي الرب ﵎ على ذَلِك الرجل بِكُل وَاحِدَة عشرا (^١). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِنَحْوِهِ.
قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم عَن نعيم بن ضَمْضَم وَفِيه خلاف عَن عمرَان بن الْحِمْيَرِي وَلَا يعرف.
قوله: وعن عمار بن ياسر، كنيته: أبو اليقظان عمار بن ياسر العنسي الشامي الدمشقي كان من السابقين إلى الإسلام، أسلم قديما هو وصهيب في وقت واحد حين كان رسول الله -ﷺ- في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وأسلم بعد بضعة وثلاثين رجلا، وأمه: سمية كان هو وأبوه وأمه يعذبون في الله ﷿ فيمر بهم رسول الله -ﷺ- فيقول: "صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة" (^٢) وروي الإمام أحمد في مسنده عن علقمة عن خالد بن الوليد قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من أبغض عمارا أبغضه الله" (^٣) وهو منقطع فإن علقمة لم يدرك خالد بن الوليد، روي له عن رسول الله -ﷺ- اثنان وستون حديثا اتفقا على
_________________
(١) ابن حبان، كما في القول البديع (ص ٢٤٦).
(٢) أخرجه الحارث كما في المطالب (٤٠٠٢)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٠٣ رقم ٧٦٩) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٠) عن عثمان بن عفان. قال الهيثمي في المجمع ٩/ ٢٩٣: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم. وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصبر (٤٦) عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا.
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ٨٩ (١٦٨١٤) و٤/ ٩٠ (١٦٨٢١) والفضائل (١٦٠٤)، والبخاري في التاريخ الكبير ٣/ ١٣٦، والنسائي في الكبرى (٨٢١١) والحاكم ٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في المشكاة (٦٢٥٦).
[ ٧ / ٦٧٦ ]
حديثين منها وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث قتل عمار -﵁- بصفين مع علي -﵁- في شهر ربيع الأول وقيل الآخر سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وقيل أربع وتسعين سنة، فأوصى أن يدفن بثيابه فدفنه علي بن أبي طالب بثيابه ولم يغسله وثبت في الصحيحين أن رسول الله -ﷺ- قال: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية" (^١) وكانت الصحابة -﵃- يوم صفين ويتبعونه حيث توجه لعلمهم بأنه مع الفئة العادلة بهذا الحديث، قالوا: وكان عمار -﵁- أول من بنى مسجدا لله تعالى في الإسلام بنى مسجد قباء وشهد قتال اليمامة في زمن أبي بكر الصديق فأشرف على صخرة ونادي يا معاشر المسلمين: أمن الجنة تفرون إلي إلي أنا عمار بن ياسر وقطعت أذنه وهو يقاتل أشد القتال -﵁- ومناقبه كثيرة (^٢).
قوله -ﷺ-: "إن الله وكل بقبري ملكا أعطاه الله أسماء الخلائق فلا يصلي عليَّ أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان بن فلان قد صلى عليك" الحديث.
فائدة: في تاريخ ابن الفرات قال -ﷺ-: "من صلى علي صلاة تعظيما لحقي خلق الله ﵎ من ذلك القول ملكا جناحه بالمشرق وجناحه الآخر بالمغرب ورجلاه مغروزتان في الأرض السابعة السفلى وعنقه ملتوية تحت العرش يقول الله ﷿: صلي على عبدي كما يصلي على نبي فهو يصلي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٧) و(٢٨١٢) عن ابن عباس، ومسلم (٧٠ - ٢٩١٥) عن أبي سعيد.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٧ ترجمة ٤٦٥).
[ ٧ / ٦٧٧ ]
عليه إلى يوم القيامة" (^١) أ. هـ.
وحكي الشيخ الإمام العلامة ولي الله تقي الدين الحصني في سير السلوك قال: أخبرني السيد الجليل أبو عبد الله المعروف ببولاد في الأسير ببيت المقدس وكان من الأخيار وكثير الذكر والإيثار وحج ماشيا ما يزيد على ثلاثين حجة من بيت المقدس وغيره، قال لي: إذا جاءوا الحج هاج بي الشوق إلى تلك المعاهد الشريفة وإلى زيارة سيد الأولين والآخرين والرحمة للعالمين فآخذ زادي على ظهري واضعا ماء وأسير مع الناس وأنا مشغول بحالي، قال: فاتفق لي أني تذاكرت أنا وخادم والضريح المكرم مواهب الله ﷿ لسيد الأولين والآخرين فقال لي: يا شيخ محمد إني أخدم هذا الضريح نحو ستين سنة فاتفق في يوم حار أني سمعت السرير يصرصر وسمعت صوته ﵊ وهو يقول وعليك السلام يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان وسمي ثمانية أنفس، قال الخادم فقمت من ساعتي وجئت الضريح فإذا بشخص كان أن يموت من الهزال جالسا عند الضريح فسلمت عليه وقلت له ما اسمك؟ فقال فلان بن فلان لأحد الثمانية فقلت له وأين رفقتك فقال هم عند باب الحرم قد عجزوا عن الوصول إلى الضريح قال: فعمدت إليهم فاستسميتهم فإذا ثلاثة من الذين سماهم رسول الله -ﷺ- فقلت وأين بقيتكم؟ فقالوا: فارقناهم من وراء تلك الأكمة قال فأخذت ما أحملهم عليه وأخذت ماء وشيئا من الأكل ومضيت فوجدت
_________________
(١) بستان الواعظين (ص ٢٨٨).
[ ٧ / ٦٧٨ ]
الأربعة قد قضوا نحبهم قال فجهزتهم ورجعت إلى الأربعة فأخذتهم وكرمتهم وسألتهم من أين وردتم فقالوا من بلاد شاسعة بعيدة المشقة تعاقدنا وتعاهدنا على زيارة سيد الأولين والآخرين وأن لا نرجع عن ذلك ولو ذهبت أنفسنا فأما نحن فقد أعطانا الله ﷿ مرأدنا وأما إخاوننا الذين ماتوا عند الأكمة فنرجو من الله ﷿ أن لا يخيب مساعهم وقال سفيان الثوري: بينا أنا أطوف وإذا برجل يرفع قدما ولا يضع أخرى إلا وهو يصلي على النبي -ﷺ- فقال له يا هذا إنك تركت التسبيح والتهليل وأقبلت على النبي -ﷺ- فهل عندك من هذا شيء؟ فقال: من أنت عافاك الله تعالى قلت أنا سفيان الثوري، فقال: لولا أنك غريب في أهل زمانك لما أخبرتك عن حالي ولا اطلعت على سري ثم قال: خرجت أنا ووالدي حاجين إلى بيت الله ﷿ الحرام حتى إذا كنت في بعض المنازل مرض والدي فعالجته فلما مات اسود وجهه فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون وغطيت وجهه ثم غلبتني عيناي فنمت فإذا أنا برجل لم أرى أجمل منه ولا أنظف ثوبا منه ولا أطيب ريحا منه فدنى من والدي وكشف عن وجهه وأمر يده عليه فعاد وجهه أبيض ثم ذهب فتعلقت بثوبه وقلت له يا عبد الله من أنت الذي من الله ﷿ علي وعلى والدي في الغربة فقال: أما تعرفني أنا محمد بن عبد الله صاحب القرآن أما إن والدك كان مسرفا على نفسه ولكن كان كثير الصلاة علي فلما نزل به ما نزل استغاث بي وأنا غياث من أكثر الصلاة علي فانتبهت فإذا وجه والدي قد ابي فانظر وفقك الله ﷿ لإجلاله وتعظيمه كيف أغاثة من استغاث به حتى
[ ٧ / ٦٧٩ ]
في البرزخ (^١)، [وقال الشيخ تقي الدين (كذا شطب المصنف هذه الألفاظ كما ترى)] وكنت بدمشق في بعض الجوامع فأقبل علي ثلاثة من السالكين فقصصت عليهم قصة هذا الميت فقال أحدهم كنت في البقاع فطلب واليها رجلا وأراد منه شيئا وهدده بأمور من العقوبات فقال له الرجل أنا أتشفع إليك بسيد الأولين والآخرين أن لا تتعرض إلي ما لا يحل لك فلم يلتفت إليه ولا إلى قوله فلما أصبح الصباح طلب الوالي ذلك الرجل وأكرمه بعد أن عك عنه الطلب فقيل له في ذلك فقال إني رأيت البارحة رسول الله -ﷺ- ونهرني وهم بي وقال: يستشفع بي ولا تقبل فوالله لا يتشفع به أحد إلي في شيء إلا قبلت شفاعته فإني خفت على نفسي الهلكة ومثل هذا كثير ولا ينكر هذه الأمور إلى من في قلبه زندقة قد أراد الله هلاكه هلاك الأبد ببدعته التي كتمها فأظهرها الله ﷿ أ. هـ.
قوله: رووه كلهم عن نعيم بن ضمضم [نعيم بن ضمضم، العامري قال الدارقطني: نعيم ضعيف].
٢٥٧٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن أولى النَّاس بِي يَوْم الْقِيَامَة أَكثَرهم عَليّ صَلَاة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة مُوسَى بن يَعْقُوب الزمعِي (^٢).
_________________
(١) بستان الواعظين (ص ٢٩٩).
(٢) الترمذي (٤٨٤)، وقال: حديث حسن غريب، وابن حبان (٩١١)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٨٢١).
[ ٧ / ٦٨٠ ]
قوله: وعن ابن مسعود -﵁-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة" الحديث أي: أولاهم بشفاعتي وأقربهم مني مجلسا وأحقهم بالإفاضة من أنواع الخيرات ودفع المكروهات قاله في الحدائق.
وقوله: "أكثرهم علي صلاة" الحديث يستحب الإكثار من الصلاة والتسليم على محمد -ﷺ- فإن الصلاة عليه تفضل سائر نوافل الطاعات، وفي صحيح مسلم ما يقتضي تفضيلها على صلاة النافلة وقال القاضي عياض في كتابه الشفا: إنها أفضل من عتق الرقاب، قيل: والمعنى فيه أنه -ﷺ- قال: "من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها شهرا ومن صلى الله عليه ذكره، ومن ذكره الله تعالى نال الرفعة وقال الله تعالى ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ﴾ " (^١).
فائدة: قول الناس عقب الصلاة في المساجد والجوامع والمرابط السلام عليك يا رسول الله فلم ترد هذه الصيغة بهذه الكيفية في الرواية لكنها سنة حسنة بل جاء الكتاب العزيز بها بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (^٢) الآية، فيكره إفراد الصلاة عن السلام وإفراد السلام عن الصلاة لأن فيه ترك ما أمر الله به وقولهم الصلاة عليك بمنزلة قولهم السلام عليك فالصلاة تحية كما أن السلام تحية وفي ذلك الجمع بين تحقيق والصلاة والسلام خبر معناه الدعاء والمعنى جعل الله الصلاة والسلام عليك
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٥.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.
[ ٧ / ٦٨١ ]
يا رسول الله، وهذا كقول المصلي سمع الله لمن حمده فإنه خبر معناه الدعاء أي قيل الله حمد من حمده قاله ابن العماد في شرح العمدة.
تنبيه: ومن العلماء: من أوجب الصلاة على النبي -ﷺ- كلما ذكر واختاره الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعي وابن المواز من المالكية وابن الخباز من الحنابلة، وذكر صاحب الواقعات من الحنفية أن الله تعالى يحب تسبيحه وذكره كلما ذكر قال لأنه إذا وجبت الصلاة على النبي -ﷺ- كلما ذكر فوجوب ذكر الله تعالى أولى وإذا قلنا بوجوب ذكره كلما ذكر فلم يصل فينبغي وجوب القضاء ويحتمل خلافه كما أن سجود التلاوة يفوت بطول المجلس ولذلك رد السلام إذا تأخر عن الفور لا يسقط الواجب والله أعلم.
٢٥٧٦ - وَعَن عَامر بن ربيعَة عَن أَبِيه -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يخْطب وَيَقُول من صلى عَليّ صَلَاة لم تزل الْمَلَائِكَة تصلي عَلَيْهِ مَا صلى عَليّ فَلْيقل عبد من ذَلِك أَو ليكْثر رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو بكر بن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه (^١). كلهم عَن عَاصِم بن عبيد الله عَن عبد الله بن عَامر عَن أَبِيه وَعَاصِم وَإِن كَانَ واهي الحَدِيث فقد مَشاهُ بَعضهم وَصحح لَهُ التِّرْمِذِيّ وَهَذَا الحَدِيث حسن فِي المتابعات وَالله أعلم.
قوله: وعن عامر بن ربيعة عن أبيه -﵁-[هو أبو عبد الله، عامر بن ربيعة
_________________
(١) أحمد (١٥٦٨٠)، وابن ماجه (٩٠٧)، وابن المبارك في الزهد (١٠٢٦)، والطيالسي (١٢٣٨)، وأبو يعلى (٧١٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٨٠)، والبيهقي في الشعب (١٥٥٧).
[ ٧ / ٦٨٢ ]
بن عامر بن مالك بن ربيعة بن حجير بن سلامان بن مالك بن ربيعة بن رفيدة بن عنز بن وايل بن قاسط العنزي. وفي نسبه خلاف كثير غير هذا. وهو حليف بني عدي بن كعب، ولذلك يقال له: العدوي. هاجر الهجرتين، وشهد بدرا، والمشاهد كلها. وكان أسلم قديما، روى عنه ابنه عبد الله، وابن عمر، وابن الزبير، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس].
قوله -ﷺ-: "من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى عليّ" وتقدم تفسير الصلاة وتقدم أيضًا معنى صلاة الملائكة.
٢٥٧٧ - وَعَن أبي بن كَعْب -﵁- قَالَ كَانَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا ذهب ربع اللَّيْل قَامَ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اذْكروا الله اذْكروا الله جَاءَت الراجفة تتبعها الرادفة جَاءَ الْمَوْت بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْت بِمَا فِيهِ قَالَ أبي بن كَعْب فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي أَكثر الصَّلَاة فكم أجعَل لَك من صَلَاتي قَالَ مَا شِئْت قَالَ قلت الرّبع قَالَ مَا شِئْت وَإِن زِدْت فَهُوَ خير لَك قَالَ فَقلت فثلثين قَالَ مَا شِئْت فَإِن زِدْت فَهُوَ خير لَك قلت النّصْف قَالَ مَا شِئْت وَإِن زِدْت فَهُوَ خير لَك قَالَ أجعَل لَك صَلَاتي كلهَا قَالَ إِذا يكفى همك وَيغْفر لَك ذَنْبك رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح (^١).
وَفِي رِوَايَة لأحمد عَنهُ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن جعلت صَلَاتي
_________________
(١) أحمد (٢١٢٤١)، والترمذي (٢٤٥٧)، والحاكم (٢/ ٤٢١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٨٦٣).
[ ٧ / ٦٨٣ ]
كلهَا عَلَيْك قَالَ إِذا يَكْفِيك الله ﵎ مَا أهمك من دنياك وآخرتك وَإسْنَاد هَذِه جيد (^١).
قَوْله أَكثر الصَّلَاة فكم أجعَل لَك من صَلَاتي مَعْنَاهُ أَكثر الدُّعَاء فكم أجعَل لَك من دعائي صَلَاة عَلَيْك.
قوله: وعن أبي بن كعب -﵁-، تقدم الكلام عليه.
قوله: كان رسول الله -ﷺ- إذا ذهب ربعُ الليل قام فقال يا أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة" الحديث، الرجفة النفحة الأولى التي يموت لها الخلائق، والرادفة النفخة الثانية التي يحيي الخلق منها، وأصل الرجفة الحركة والاضطراب ومنه حديث المنبعث فرجع يرجف بها فؤاده، قاله النهاية.
قوله: فقلت يا رسول الله: إني أكثر الصلاة فكم أجعل لك من صلاتي" الحديث، معناه أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك، كذا قاله المنذري، الراجفة والرادفة زلزلة الساعة وأراد منها الموت بأهواله.
قوله: "جاء الموت بما فيه" أي مع أحوال القبر والقيامة، قال غيره: معناه أكثر الدعاء في زماني ادعوا فيه لنفسي فكيف أصرف من ذلك الزمان في الدعاء لك أي فكم أجهل لك من صلاتي أي من دعائي وأورادي في الأوقات المعينة الراتبة.
قوله: "وإن زدت فهو خير لك" هذا دليل على أن الصلاة على النبي -ﷺ-
_________________
(١) أحمد (٢١٢٤٢).
[ ٧ / ٦٨٤ ]
أفضل للرجل من الدعاء لنفسه وإنما كان كذلك لأن الصلاة على النبي -ﷺ- ذكر الله وتعظيمه رسوله -ﷺ- وقد قال النبي -ﷺ-: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين".
قوله: "إذا يكفى همك" والهم ما يقصده الإنسان من أمر الدنيا والآخرة أي إذا صرفت جميع زمانك في دعائك في الصلاة علي أعطيت مراد الدنيا والآخرة. أ. هـ.
٢٥٧٨ - وَعَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان عَن أَبِيه عَن جده -﵁- أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله -ﷺ- أجعَل ثلث صَلَاتي عَلَيْك قَالَ نعم إِن شِئْت قَالَ الثُّلثَيْنِ قَالَ نعم إِن شِئْت قَالَ فصلاتي كلهَا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا يَكْفِيك الله مَا أهمك من أَمر دنياك وآخرتك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (^١).
قوله: وعن محمد بن يحيى بن حبان عن أبيه عن جده -﵁-، تقدم الكلام عليه في باب من يا رزق بالليل أو يفرغ.
قوله: أن رجلا قال يا رسول الله -ﷺ- أجعل ثلث صلاتي عليك قال نعم إن شئت، وتقدم تفسير الصلاة وأن المراد بها الدعاء كذا في اللغة.
٢٥٧٩ - وَرُوِيَ عَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من صلى عَليّ فِي يَوْم ألف مرّة لم يمت حَتَّى يرى مَقْعَده من الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو حَفْص بن شاهين (^٢).
_________________
(١) الطبراني في المعجم الأوسط (٣٥٧٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٠)، وإسناده حسن.
(٢) ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (١٩).
[ ٧ / ٦٨٥ ]
قوله: وروي عن أنس -﵁-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من صلى علي في يوم ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة.
٢٥٨٠ - وَرُوِيَ عَن أبي كَاهِل -﵁- قَالَ قَال لي رَسُول الله -ﷺ- يَا أَبَا كَاهِل من صلى عَليّ كلّ يَوْم ثَلَاث مَرَّات وكل لَيْلَة ثَلَاث مَرَّات حبا وشوقا إِلَيّ كَانَ حَقًا على الله أَن يغْفر لَهُ ذنُوبه تِلْكَ اللَّيْلَة وَذَلِكَ الْيَوْم رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَالطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث طَوِيل إِلَّا أَنه قَالَ حَقًا على الله أَن يغْفر لَهُ بِكُل مرّة ذنُوب حول وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظ مُنكر وَأَبُو كَاهِل أحمسي وَقيل بجلي يُقَال اسْمه عبد الله بن مَالك وَقيل قيس بن عَائِد وَقيل غير ذَلِك وَالله أعلم (^١).
قوله: وروي عن أبي كاهل -﵁-، وأبو كاهل يقال اسمه عبد الله بن مالك وهو أحمسي، وقيل: بجلي قاله المنذري وأحمس بالحاء والسين المهملتين وأحمد الحمس وهم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس سموا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا.
٢٥٨١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ أَيّمَا رجل مُسلم لم يكن عِنْده صَدَقَة فَلْيقل فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك وصل على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَالْمُسْلِمين وَالْمُسلمَات فَإِنَّهَا زَكَاة وَقَالَ لَا يشْبع مُؤمن خيرا حَتَّى يكون منتهاه الْجنَّة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي
_________________
(١) ابن أبي عاصم في فضل الصلاة، كما في القول البديع (ص ٢٥٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ رقم ٩٢٨)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٥٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٩)، وفيه الفضل بن عطاء، ذكره الذهبي وقال: إسناده مظلم.
[ ٧ / ٦٨٦ ]
صَحِيحه من طَرِيق دراج عَن أبي الْهَيْثَم (^١).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري واسم أبي سعيد بن مالك بن سنان وتقدم.
قوله: "اللهم صل على محمد عبدك ورسولك" الحديث الصلاة من الله تكون بمعنى الرحمة وبمعنى الإحسان وبمعنى التعظيم وإظهار الشرف وبمعنى المغفرة فينبغي للمصلي أن ينوي في صلاته طلب هذه المعاني كلها والصلاة من الملائكة استغفار وقال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (^٢) وقال الله تعالى إخبارا عن الملائكة عليهم الصلاة والسلام ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣) ومن المؤمنين تضرع ودعاء، فأما قولنا اللهم صل على محمد فمعناه عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وفي إبقاء شريعته وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته وقيل المعنى لما أمر الله ﷾ عليه ولم تبلغ قدر الواجب من ذلك أحلناه على الله وقلنا اللهم صل أنت على محمد لأنك أعلم بما يليق به وهذا الدعاء قد اختلف فيه هل يجوز إطلاقه على غير النبي -ﷺ- أم لا والصحيح أنه خاص له فلا يقال لغيره (^٤)، وقال الخطابي: الصلاة التي بمعنى التعظيم
_________________
(١) ابن حبان (٩٠٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٤٠)، والحاكم (٤/ ١٣٠)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وأبو يعلى (١٣٩٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٧)، وإسناده حسن.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣.
(٣) سورة الشوري، الآية: ٥.
(٤) النهاية (٣/ ٥٠).
[ ٧ / ٦٨٧ ]
والتكريم لا تقال لغيره والتي بمعنى الدعاء والتبريك تقال لغيره ومنه الحديث اللهم صل على آل أبي أوفى أي ترحم وبرك، وقيل خاص له ولكنه هو أثر به غيره وأما سواءه فلا يجوز له أن يخص به أحدا وفيه من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة عشرا أي دعت له وبركت قاله في النهاية (^١).
قوله -ﷺ-: "لا يشبع مؤمن خيرا حتى يكون منتهاه الجنة" الحديث أي لا يقنع المؤمن بشيء قليل من العلم بل يجتهد في اكتساب العلم حتى يصير علمه سببا لدخول الجنة وقال بعضهم أيضا في المعنى يقول: لا يشبع المؤمن من سماع العلم ولا يقنع بما علم منه إلى آخر عمره فيموت في طلبه فيدخل الجنة بثوابه فمن شبع فليس بمؤمن وناهيك به منفرا من القناعة من العلم وسره ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (^٢) (^٣) أ. هـ.
٢٥٨٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَكْثرُوا عَليّ من الصَّلَاة كل يَوْم الْجُمُعَة فَإِنَّهُ مشهود تشهده الْمَلَائِكَة وَإِن أحدا لن يُصَلِّي عَليّ إِلَّا عرضت عَليّ صلَاته حَتَّى يفرغ مِنْهَا قَالَ قلت وَبعد الْمَوْت قَالَ إِن الله حرم على الأَرْض أَن تَأْكُل أجساد الْأَنْبيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد (^٤).
_________________
(١) النهاية (٣/ ٥٠).
(٢) سورة طه، الآية: ١١٤.
(٣) المفاتيح (١/ ٣٢٠)، وحدائق الأولياء (١/ ٦٩).
(٤) ابن ماجه (١٦٣٧)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٥٤٥)، هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع في موضعين، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١١٦).
[ ٧ / ٦٨٨ ]
قوله: وعن أبي الدرداء -﵁-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "أكثروا علي من الصلاة كل يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة" أي تحضره.
قوله: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" تقدم الكلام عليه في يوم الجمعة.
٢٥٨٣ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَكْثرُوا عَليّ من الصَّلَاة فِي كل يَوْم الْجُمُعَة فَإِن صَلَاة أمتِي تعرض عَليّ فِي كل يَوْم جُمُعَة فَمن كَانَ أَكْثَرهم عَليّ صَلَاة كَانَ أقربهم مني منزلَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن إِلَّا أَن مَكْحُولًا قيل لم يسمع من أبي أُمَامَة (^١).
قوله: وعن أبي أمامة -﵁-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "أكثروا علي من الصلاة في كل يوم الجمعة فإن صلاة أمتي تعرض عليّ في كل يوم جمعة" الحديث فهذا من شرف المصلي عليه صلوات الله وسلامه عليه وإنما ترعض على روحه المقدس.
قوله: إلا أن مكحولا، قيل: لم يسمع من أبي أمامة [هو أبو أمامة صدي، بضم الصاد وفتح الدال المهملتين وتشديد الياء، ويقال: الصدى بالألف واللام، كالعباس، وعباس، ولم يذكره الحاكم أبو أحمد في كتابه الكنى إلا بالألف واللام. وهو صدى بن عجلان بن والبة، بالموحدة، ابن رياح، بكسر الراء، ابن الحارث بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان،
_________________
(١) البيهقي (٣/ ٢٤٩)، وفي حياة الأنبياء (١٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١١٥).
[ ٧ / ٦٨٩ ]
بالعين المهملة، ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ويقال في إملاء نسبه غير هذا، وهو منسوب إلى باهلة، وهو من مشهورى الصحابة.
روى له عن رسول الله -ﷺ- مائتا حديث وخمسون حديثا، روى له البخاري منها خمسة، ومسلم ثلاثة. روى عنه رجاء بن حيوة، وخالد بن معدان، ومحمد بن زياد، وسليمان بن حبيب، وسليم بن عامر، وشرحبيل بن مسلم، وشداد أبو عمار، وأبو سلام ممطور الحبشي، والقاسم أبو عبد الرحمن الدمشقي، وسالم بن أبي الجعد، وأبو إدريس الخولاني، وغيرهم. سكن مصر، ثم حمص، وبها توفى سنة إحدى وثمانين، وقيل: ست وثمانين، وقيل: هو آخر من توفى من الصحابة بالشام، ﵁، وعامة حديثه عند الشاميين (^١)].
٢٥٨٤ - وَعَن أَوْس بن أَوْس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة فِيهِ خلق آدم وَفِيه قبض وَفِيه النفخة وَفِيه الصَّفْقَة فَأَكْثْرُوا عَليّ من الصَّلَاة فِيهِ فَإِن صَلَاتكُمْ معروضة عَليّ قَالُوا يَا رَسُول الله وَكَيف تعرض صَلَاتنَا عَلَيْك وَقد أرمت يَعْنِي بليت فَقَالَ إِن الله ﷿ حرم على الأَرْض أَن تَأْكُل أجساد الْأَنْبِيَاء رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ (^٢).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٧٦ ترجمة ٧١٨).
(٢) أحمد (١٦١٦٢)، وأبو داود (١٠٤٧)، وابن ماجه (١٠٨٥)، وابن حبان (٩١٠)، والحاكم (١/ ٢٧٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٧٧)، والطبراني في الكبير =
[ ٧ / ٦٩٠ ]
أرمت بِفَتْح الْهمزَة وَالرَّاء وَسكُون الْمِيم وَرُوِيَ بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء.
٢٥٨٥ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من قَالَ جزى اللّه عَنَّا مُحَمَّدًا مَا هُوَ أَهله أتعب سبعين كَاتبا ألف صباح رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (^١).
قوله: وروي عن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "من قال جزى اللّه عنا محمدا ما هو أهله أتعب سبعين كاتبا ألف صباح".
تتمة: ذكر الغزالي في الإحياء عن فاطمة - ﵂ - أنها قالت قال رسول اللّه - ﷺ -: "من صلى ست ركعات يقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب وقل اللهم مالك الملك إلى آخر الآية، فإذا فرغ قال: جزى اللّه عنا محمدا ما هو أهله سبعين مرة غفرت له ذنوب سبعين سنة وقضيت له سائر حوائجه" وهذا لم يخرجه من خرج أحاديث الإحياء (^٢) قاله في الديباجة (^٣).
_________________
(١) = (٥٨٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٩٧٦)، وابن خزيمة (١٧٣٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٢١٢).
(٢) الطبراني في الكبير (١١٥٠٩)، وفي الأوسط (٣٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٠/ ١٦٣)، وفيه هانئ بن المتوكل وهو ضعيف.
(٣) الإحياء (١/ ٢٠٠). وقال العراقى: حديث فاطمة من صلى ست ركعات أي ليلة الأربعاء الحديث أخرجه أبو موسى المديني بسند ضعيف جدًّا.
(٤) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجة، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.
[ ٧ / ٦٩١ ]
٢٥٨٦ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك - ﵁ - عَن رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ مَا من عَبْدَيْنِ متحابين يسْتَقْبل أَحدهمَا صَاحبه ويصليان على النَّبِيّ - ﷺ - لم يَتَفَرَّقَا حَتَّى يغْفر لَهما ذنوبهما مَا تقدم مِنْهُمَا وَمَا تَأَخّر رَوَاهُ أَبُو يعلى (^١).
٢٥٨٧ - وَعَن رويفع بن ثَابت الانصَارِيّ - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من قَالَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وأنزله المقعد المقرب عنْدك يَوْم الْقِيَامَة وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَبَعض أسانيدهم حسن (^٢).
قوله: وعن رويفع بن ثابت الأنصاري - ﵁ -[هو رويفع بن ثابت بن سكن بن عدي بن حارثة، من بني مالك بن النجار الأنصاري. عداده في المصريين. وأمره معاوية على طرابلس الغرب سنة ست وأربعين، فغزا إفريقية سنة سبع وأربعين. ومات ببرقة، وقيل: بالشام.
روى عنه حنش بن عبد اللّه الصنعاني، وشيبان بن أمية القتباني].
قوله: "اللهم صل على محمد وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة" قال أهل اللغة يقال رجل محمد ومحمود إذا كثرت خصاله المحمودة،
_________________
(١) أبو يعلى (٢٩٥١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٩٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٩٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧٥)، رواه أبو يعلي، وفيه درست بن حمزة، وهو ضعيف.
(٢) البزار (٣١٥٧)، والطبراني في الكبير (٤٤٨٠)، وفي الأوسط (٣٣٠٩)، وأحمد (١٦٩٩١)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (٥٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٣١٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٣)، رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير وأسانيدهم حسنة.
[ ٧ / ٦٩٢ ]
واختلف العُلماء أيما أبلغ أحمد أو محمد؟ والأصح أن أحمد أبلغ لأن معناه أمه أحمد البرية لربه، قال ابن فارس: سمي نبينا محمدا - ﷺ - لعلم اللّه تعالى بكثرة خصاله المحمودة (^١)، ألهم اللّه تعالى أهله تسبيحه بذلك واللّه أعلم.
قوله - ﷺ -: "وجبت له شفاعتي" أي حلت.
٢٥٨٨ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ إِذا صليتم على رَسُول اللّه - ﷺ - فَأحْسنُوا الصَّلَاة فَإِنَّكُم لا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِك يعرض عَلَيْهِ قَالَ فَقَالُوا لَهُ فَعلمنَا قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ اجْعَل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد الْمُرْسلين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وَخَاتم النَّبِيين مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك إِمَام الْخَيْر وقائد الْخَيْر وَرَسُول الرَّحْمَة اللَّهُمَّ ابعثه مقَاما مَحْمُودًا يغبطه فِيهِ الأَولونَ وَالْآخرُونَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبراهِيم وعَلى آل إِبراهِيم إِنَّك حميد مجيد اللَّهُمَّ بَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على إِبراهِيم وعَلى آل إِبراهِيم إِنَّك حميد مجيد رَوَاهُ ابْن مَاجَة مَوْقُوفا بِإِسْنَاد حسن (^٢).
قوله: وعن ابن مسعود - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.
قوله: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك" الحديث، المراد بالصلوات الأدعية التي يراد بها تعظيم اللّه ﷾ هو مستحقها لا
_________________
(١) مجمل اللغة (ص ٢٥٠).
(٢) ابن ماجة (٩٠٦)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣١١)، هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن المسعودي اختلط بأخرة، ولم يتميز حديثه الأول بالآخر، فاستحق الترك، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة.
[ ٧ / ٦٩٣ ]
تليق بأحد سواه واجب الصيغ في الصلاة على النبي - ﷺ - ما نقله الرافعي في كتاب الإيمان اللهم صل على محمد كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون، وصحح النووي أن الأحب [أحب الصيغ] ما علمه رسول اللّه - ﷺ - لنا وهو اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد إلى آخره (^١).
قوله: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" أمر ظاهره الوجوب وقد اتفق العُلماء على فرضية الصلاة على النبي - ﷺ - لكن اختلفوا فأكثرهم على وجوبها في العمر مرة واحدة، وقال بعضهم تجب كلما ذكر النبي - ﷺ - اختيار الطحاوي من الحنفية وأبي عبد اللّه الحليمي من الشافعية وتقدم.
وقال الشافعي وأحمد هي واجبة في التشهد الأخير عقب السَّلام وهذا مروي عن عمر بن الخطاب وابن عبد اللّه وهو قول الشعبي وإسحاق وليس في الحديث تعرض لإيجابها في الصلاة لكن في الرِّواية الأخرى كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا فقال - ﷺ -: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" واختلف العُلماء في آل النبي - ﷺ - المأمور بالصلاة عليهم على ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح في المذهب أنهم بنو هاشم ثم بنو المطلب هذا هو الذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور العُلماء، والثاني: أنهم عترته الذين ينسبون إليه - ﷺ - وهم أولاد فاطمة ونسلهم أبدًا حكاه
_________________
(١) الأذكار (ص ٦٦ - ٦٧).
[ ٧ / ٦٩٤ ]
الأزهري وآخرون.
والثالث: أنهم كلّ المسلمين التابعين له - ﷺ - إلى يوم القيامة (^١).
قوله: "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد".
سؤال: فإن قيل: ما الحكمة في أن اللّه ﷿ أشرك إبراهيم مع محمد - ﷺ - في الصلاة عليه في قوله "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم" الحديث، فالجواب: عنه من وجوه أحدها: إن اللّه ﷿ اتخذ إبراهيم خليلا واتخذ محمدا - ﷺ - حبيا فلما أشرك بينهما في المحبة أشرك بينهما في الصلاة، الثاني: أن إبراهيم دعا لهذه الأمة وهم معدومون وسأل إن يرسل إلى هذه الأمة رسولا فقال: ربنا وابعث فيهم منهم الآية، فلما دعا لهذه الأمة أراد اللّه تعالى أن هذه الأمة تكافيه بالدعاء فقال لهم: دعا اللّه لكم في حال عدمكم فكافئوه في حال عدمه [وقد دعا لنا رسولان فكافأهما اللّه عنا: أحدهما نوح حيث قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (^٢) الآية، فجعل اللّه مكافأته السَّلام بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ (^٣) وإبراهيم دعا لنا فقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ (^٤) فكافأه اللّه لما أمرنا بالصلاة عليه وقال: ضموه مع النبي - ﷺ - في الصلاة لأنه كان خليل اللّه ومحمد حبيب اللّه فقرن اسمهما في
_________________
(١) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣٠)، وشرح النووي على مسلم (٤/ ١٢٤)، والتعيين (ص ٥٦).
(٢) سورة نوح، الآية: ٢٨.
(٣) سورة الصافات، الآية: ٧٩.
(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٤١.
[ ٧ / ٦٩٥ ]
الصلاة لأن الحبيب يحب أن يذكر أحباءه وأخلائه]، حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه عن بعض أصحابنا وأختاره الأزهري وآخرون وهو قول سفيان الثوري وغيره من المتقدمين ورواه البيهقي عن جابر بن عبد اللّه وغيره وروى عن واثلة بن الأسقع قال: جئت أطلب عليا فلم أجده فقالت فاطمة انطلق إلى رسول اللّه - ﷺ - فدعوه فجاء مع رسول اللّه - ﷺ - فدخلا ودخلت معهما فدعا رسول اللّه - ﷺ - حسنا وحسينا فأجلس كلّ واحد منهما على فخذه وأدنى فاطمة من حجره وزوجها ثم لف عليهم ثوبه وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (^١) اللهم هؤلاء أهلي قال واثلة: قلت يا رسول اللّه وأنا من أهلك قال: "وأنت من أهلي"؛ الثالث: أشرك إبراهيم مع محمد عليهما الصلاة والسلام لما روي أن إبراهيم رأى في المنام جنة عريضة مكتوب على أشجارها لا إله إلا اللّه محمدٌ رسول اللّه فسأل جبريل - ﵇ - عن محمد وأمته فأخبره جبريل عن حاله فقال: يا رب أجر ذكر على لسان أمة محمد فاستجاب اللّه دعاءه وضمه بالصلاة مع النبي - ﷺ -؛ الرابع: أمرنا أن نصلي على إبرأهيم لأن قبلتنا ومناسكنا مناسكه وشريعتنا شريعته وملتنا ملته ومنه قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (^٢) فلما كان هو المتبوع [لعله بضم التاء وتشديد الباء جمع تابع كذلك، قاله كاتبه] [قال واثلة: إنها لمن أرجى ما أرجوا قال البيهقي هذا إسناد صحيح قال: وهو إلى تخصيص واثلة أقرب من تصميم الأمة كلها وكانه رأى واثلة في حكم
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٣.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٥.
[ ٧ / ٦٩٦ ]
الأهل تشبيها لمن يستحق هذا الاسم لا تحقيقا أ. هـ، واحتج الشافعي ثم البيهقي والأصحاب لمذهبهم وهو أن الآل هم بنو هاشم وبنو المطلب فقوله - ﷺ - إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا آل محمد] وكنا نتبعه في الدين والملة أمرنا بالصلاة عليه، الخامس: أمرنا بالصلاة عليه مع النبي - ﷺ - لأن للّه تعالى مناديين مناد للدين ومناد للشريعة فمنادي الدين محمد - ﷺ - قوله ﵎: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (^١) الآية، ومنادي الشريعة مثل إبراهيم ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (^٢) فلذلك جمع بينهما في الصلاة (^٣).
قوله - ﷺ -: "اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم" ومعنى بارك على محمد: أي اثبت وأدم له ما أعطيته من التشريف والكرامة ومعنى البركة هاهنا الزيادة من الخير [والكرامة] وقيل: هو بمعنى [التطهير] والتركية وأصل البركة اجتماع الخيرات ومنه يقال للبعير برك لاجتماع قوله بعضها إلى بعض.
قوله: "وآل محمد" قال النووي في شرح مسلم واختلف العُلماء في آل النبي - ﷺ - على أقوال أظهرها وهو اختيار الزهري وغيره من المحققين أنهم جميع الأمة (^٤).
قوله: "إنك حميد مجيد" حميد بمعنى هو محمود ورد بصيغة المبالغة أي
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٩٣.
(٢) سورة الحج، الآية: ٢٧.
(٣) كشف الأسرار (لوحة ٢٦ و٢٧).
(٤) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٢٤).
[ ٧ / ٦٩٧ ]
مستحق لأنواع المحامد ومجيد مبالغة في ماجد والمجد الشرف وفي ذلك مناسبة لزيادة الاتصال والإعطاء لما يزاد من الأمور العظام والبركة والزيادة من الثمر والخير واللّه أعلم.
٢٥٨٩ - وَعَن عَليّ - ﵁ - قَالَ كلّ دُعَاء مَحْجُوب حَتَّى يصلى على مُحَمَّد - ﷺ - رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط مَوْقُوفًا وَرُوَاته ثِقَات (^١). وَرَفعه بَعضهم وَالْمَوْقُوف أصح (^٢).
قوله: وعن علي تقدم الكلام عليه.
قوله: كلّ دعاء محجوب حتى يصلي عليه محمد - ﷺ -، الحديث.
وقوله أيضًا في رواية الترمذي "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلى على نبيك محمد - ﷺ -".
اعلم أن العُلماء أجمعوا على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد والثناء ثم الصلاة على رسول اللّه - ﷺ - وكذلك يختم الدعاء بهما.
سؤال: ما الحكمة في أن الدعاء لا يرفع إلا بالصلاة على النبي - ﷺ - قبل الطلب والنبي - ﷺ - هو سيلتنا إلى اللّه تعالى كما كان وسيلة أبينا على اللّه في استجاب دعوته والتوبة عليه حين توسل إلى اللّه تعالى بمحمد - ﷺ - وإنما استجيب للداعي دعوته بالصلاة على النبي - ﷺ - لأن معنى قول القائل اللهم
_________________
(١) الطبراني في المعجم الأوسط (٧٢١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٧٥).
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (١٥٧٦)، وأبو الشيخ، كما في كنز العمال (٣٢١٥)، والقول البديع (ص ٤٢١).
[ ٧ / ٦٩٨ ]
صل على محمد اللهم استجب لمحمد دعوته في أمته كما استجبت لإبراهيم دعوته وهي معنى: كما صليت على إبراهيم وآلط إبراهيم، ومن المعلوم أن الدعاء للنبي - ﷺ - بالوسيلة لا يرد فكذلك ما كان مقرونا به من الدعاء وأيضًا لما صلى الداعي على النبي - ﷺ - كافأه اللّه تعالى بإستجابة دعوته لأن الجزاء من جنس العمل قاله في كشف الأسرار (^١).
فائدة: فإن قيل: تقرر أن نبينا - ﷺ - أفضل الأنبياء فكيف نسأل أن يصلي عليه عليه كإبراهيم - ﵇ -؟ فالجواب: أن الكلام تم عند قوله اللهم صل على محمد واستأنف وعلى آل محمد إلى آخره، أي: وصل على آل محمد فالمسئول له إبراهيم وآله أمة محمد - ﷺ - لا نفسه - ﷺ -، وقيل: طلب له ولآله وليسوا بأنبياء منازل إبراهيم ولم تجمع الرحمة والبركة لنبي غيره قال اللّه تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (^٢) وإبراهيم بالسريانية معناه أب رحيم.
تنبيه: قوله (وآل إبراهيم) يدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا يدخل في آل النبي نبي بطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد وهو محمد - ﷺ - بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء ﵈.
_________________
(١) كشف الأسرار (لوحة ٦٣).
(٢) سورة هود، الآية: ٧٣.
[ ٧ / ٦٩٩ ]
٢٥٩٠ - وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن أبي قُرَّة الْأَسدي عَن سعيد بن الْمسيب عَن عمر بن الْخطاب مَوْقُوفا قَالَ إِن الدُّعَاء مَوْقُوف بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لا يصعد مِنْهُ شَيْء حَتَّى تصلي على نبيك - ﷺ - (^١).
٢٥٩١ - وَعَن كعْب بن عجْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - احضروا الْمِنْبَر فحضرنا فَلَمَّا ارْتقى دَرَجَة قَالَ آمين فَلَمَّا ارْتقى الدرجَة الثَّانِيَة قَالَ آمين فَلَمَّا ارْتقى الدرجَة الثَّالِثَة قَالَ آمين فَلَمَّا نزل قُلْنَا يَا رَسُول اللّه لقد سمعنَا مِنْك الْيَوْم شَيْئا مَا كنَّا نَسْمَعهُ قَالَ إِن جِبْرِيل عرض لي فَقَالَ بعد من أدْرك رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ قلت آمين فَلَمَّا رقيت الثَّانِيَة قَالَ بعد من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَقلت آمين فَلَمَّا رقيت الثَّالِثَة قَالَ بعد من أدْرك أَبَوَيْهِ الْكبر عِنْده أَو أَحدهمَا فَلم يدْخلَاهُ الْجنَّة قلت آمين رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^٢).
قوله: وعن كعب بن عجرة، روي له عن رسول اللّه - ﷺ - سبعة وأربعون حديثًا، ونزل قوله تعالى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٣) روى عنه ابن عمر وابن عباس، توفي بالمدينة سنة إحدى وخمسين وله سبع وسبعون سنة.
قوله: فلما ارتقى درجة، الارتقاء هو الصعود.
_________________
(١) الترمذي (٤٨٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
(٢) الحاكم (٤/ ١٥٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٧٥)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (١٩). أشار الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٧٢)، إلى أنه جيد.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
[ ٧ / ٧٠٠ ]
قوله - ﷺ -: "فلما رقيت الثانية، قال: بعد من ذُكرتَ عنده فلم يصل عليك" الحديث.
سؤال: فإن قيل: ما الحكمة في أن اللّه ﷿ أمرنا بالصلاة عليه ثم جعل في ذلك الحوالة عليه فتقول اللهم صل على محمد.
الجواب: عنه أن يقال إنا اقتدينا في ذلك بالنبي - ﷺ - حيث أمره بالصلاة علينا فقال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (^١) وقال - ﷺ -: "اللهم صل على آل أبي أوفى فجعل الحوالة إليه فافتدينا به في ذك، وقد روي أن رجلًا قال له: كيف نصلي عليك فقد أمرنا بالصلاة عليه فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" فقد أمرنا بهذه اللفظة وبهذه الحوالة لأن صلاته مع التوقير وصلاتنا مع التقصير؛ الثاني: أن الصلاة مدحه بما هو أهله ولا يقدر أحد من أمته على مدحته بالاستحقاق فلذلك أحالنا إلى اللّه تعالى حتى يثنى عليه بما يستحقه (^٢).
سؤال آخر له تعلق بالصدقة على النبي - ﷺ -: كان محله أن يكون في الصدقات لكن حصل ذهول عن وضعه هناك وفي كلّ خير: وإنما حرمت الصدقة عليه - ﷺ - ليوافق نعته سائر الكتب لأن في سائر الكتب من صفته ونعته أن الصدقة محرمة عليه وأيضًا الصدقة من أوساخ الناس فلم يرد أن يأكلها وأيضًا الصدقة عن رحمة الدافع لمن يتصدق عليه فلم يرد اللّه أن يكون نبيه
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.
(٢) كشف الأسرار (لوحة ٧).
[ ٧ / ٧٠١ ]
- ﷺ - مرحوم غيره وأيضًا فلأنه كان يأمرنا بالصدقة فلو قبلها ربما حصلت تهمة أنه كان يأمر بها لأجل نفسه فأبعده اللّه عن موضع التهم وإنما رباه يتيما [لأن أساس كلّ كبير صغير وعقبى كلّ خطير حقير، وأيضًا لينظر - ﷺ - إذا وصل إلى مدارج عزه إلى أوائل أمره فيعلم أن العزيز من أعزه اللّه، وأن قوته ليست من الآباء والأمهات ولا من المال بل قوته من اللّه تعالي، وأيضًا ليرحم الفقراء والأيتام دل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ (^١) (^٢) أ. هـ.
وأما صدقة التطوع فللشافعي ﵀ تعال فيها ثلاثة أقوال: أصحها أنها تحرم على رسول اللّه وتحل لآله، والثاني: أنه تحرم عليه وعليهم، والثالث: أنها تحل له وهلم وأما موالي بني هاشم وبني المطلب فهل تحرم عليه الزكاة فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما تحرم، والثاني: تحل وبالتحريم قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين وبعض المالكية وبالإباحة وقال مالك وادعى ابن بطال المالكي أن الخلاف إنما هو في موال بني هاشم والأصح عند أصحابنا تحريمها على بني هاشم وبني المطلب ولا فرق بينهما (^٣) واللّه أعلم.
_________________
(١) سورة الضحى، الآيات: ٦ - ١١.
(٢) كشف الأسرار (لوحة ٧ و٨).
(٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٧٦).
[ ٧ / ٧٠٢ ]
٢٥٩٢ - وَعَن مَالك بن الْحسن بن مَالك بن الْحُوَيْرِث عَن أَبِيه عَن جدّه - ﵁ - قَالَ صعد رَسُول اللّه - ﷺ - الْمِنْبَر فَلَمَّا رقي عتبَة قَالَ آمين ثمَّ رقي أُخْرَى فَقَالَ آمين ثمَّ رقي عتبَة ثَالِثَة فَقَالَ آمين ثمَّ قَالَ أَتَانِي جِبْرِيل - ﵇ - فَقَالَ يَا مُحَمَّد من أدْرك رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ فَأَبْعَده اللّه فَقلت آمين قَالَ وَمن أدْرك وَالِديهِ أَو أَحدهمَا فَدخل النَّار فَأَبْعَده اللّه فَقلت آمين قَالَ وَمن ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَأَبْعَده اللّه قل آمين فَقلت آمين رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).
قوله: وعن مالك بن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جدّه - ﵁ -.
تنبيه: ابن بطال كنيته أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي أرخ البخاري، وفاته سنة تسع وأربعين وأربعمائة وهو أحد شيوخ أبي عمر بن عبد البر قاله الكرماني.
قوله: وعن مالك بن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جدّه - ﵁ -[هو أبو سليمان مالك بن الحويرث، ويقال: مالك بن الحارث. وقال شعبة: مالك بن حويرثة، وهو ليثي، ويختلفون في كيفية نسبه إلى بنى ليث، واتفقوا على أنه من بنى ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة، وهو معدود في البصريين.
_________________
(١) ابن حبان (٤٠٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ رقم ٦٤٩). أشار الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٧٢)، إلى أنه جيد.
[ ٧ / ٧٠٣ ]
توفى بالبصرة سنة أربع وسبعين. روى له عن رسول اللّه - ﷺ - خمسة عشر حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث. روى عنه أبو قلابة، ونصر بن عاصم، وغيرهما. وثبت في الصحيحين أنه قدم على رسول اللّه - ﷺ - في شببة متقاربين، فأقاموا عند النبي - ﷺ - عشرين ليلة، ثم أذن لهم في الرجوع إلى أهلهم، وأمرهم أن يعلموهم (^١)].
قوله: صعد رسول اللّه - ﷺ - المنبر فلما رقي عتبة، قال: "آمين"، وفي حديث كعب بن عجرة الذي قبله وغيره فلما رقيت الدرجة الثانية وفي الثالثة كذلك، "رقيت" بكسر القاف فيهما يقال رقيت المنبر ورقيت في السلم ومنه الحديث الآخر "رقيت على بيت حفصة" بكسر القاف وروي "صعدت" وحكي فتحها على اللغة الطائية وحكي في المطالع فتح القاف بالهمز أ. هـ، بخلاف الماضي من رقية اللسعة والعين فإنه بفتح القاف في الماضي وبكسرها في المضارع، قاله الكرماني (^٢)، قال القاضي وقد جاء بالروايتين في مسلم والموطأ في غير هذا الموضع (^٣).
٢٥٩٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ -، أَن النَّبِيّ - ﷺ - ارْتقى على الْمِنبر فأمن ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ لم أمنت قلت اللّه وَرَسُوله أعلم قَالَ جَاءَنِي جِبْرِيل - ﵇ - فَقَالَ إِنَّه من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَأَبْعَده اللّه وأسحقه قلت آمين
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٨٠ ترجمة ٥٤٢).
(٢) الكواكب الدراري (٢/ ١٧٢) و(٤/ ٧٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٢ - ٤٣).
[ ٧ / ٧٠٤ ]
قَالَ وَمن أدْرك أَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا فَلم يَبرهُمَا دخل النَّار فَأَبْعَده اللّه وأسحقه قلت آمين وَمن أدْرك رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ دخل النَّار فَأَبْعَده اللّه وأسحقه فَقلت آمين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لين (^١).
قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.
قوله: "من ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده اللّه وأسحقه".
قوله - ﷺ -: "ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما دخل النار" يبرهما بفتح الياء والباء.
٢٥٩٤ - وَرُوِيَ عَن عبد اللّه بن الْحَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - دخل الْمَسْجِد وَصعد الْمِنبر فَقَالَ آمين آمين آمين فَلَمَّا انْصرف قيل يَا رَسُول اللّه رَأَيْنَاك صنعت شَيْئًا مَا كنت تَصنعهُ فَقَالَ إِن جِبْرِيل تبدى لي فِي أول دَرَجَة فَقَالَ يَا مُحَمَّد من أدْرك وَالِديهِ فَلم يدْخلَاهُ الْجنَّة فَأَبْعَده اللّه ثمَّ أبعده فَقلت آمين ثمَّ قَالَ لي فِي الدرجَة الثَّانِيَة وَمن أدْرك شهر رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ فَأَبْعَده اللّه ثمَّ أبعده فَقلت آمين ثمَّ تبدى لي في الدرجَة الثَّالِثَة فَقَالَ وَمن ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَأَبْعَده اللّه ثمَّ أبعده فَقلت آمين رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانيّ (^٢).
_________________
(١) الطبراني في المعجم الكبير (١٢٥٥١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٥)، وفيه إسحاق بن عبد اللّه بن كيسان، وفيه ضعيف، قال البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١٧٨) منكر الحديث، وأشار الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١٧٢) إلى أنه جيد.
(٢) البزار (٣١٦٧)، والطبراني كما في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه البزار والطبراني بنحوه، وفيه من لم أعرفهم.
[ ٧ / ٧٠٥ ]
قوله: وروي عن عبد اللّه بن الحارث بن جزء الزبيدي - ﵁ -[هو أبو الحارث، عبد اللّه بن الحارث بن جزء بن عبد اللّه بن معدي كرب بن عمرو من بني عمرو بن زبيد الزبيدي، حليف بني وداعة السهمي. سكن مصر، وشهد بدرا.
روى عنه يزيد ابن أبي حبيب، وجماعة من المصريين مات سنة خمس، وقيل: ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان وثمانين بمصر].
قوله: فقال "آمين"، تقدم الكلام على آمين ومعناها في الصلاة.
قوله: "إن جبريل - ﵇ - تبدى لي في أول درجة" تبدي أي ظهر لي.
٢٥٩٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - أَن رَسُول اللّه - ﷺ - صعد الْمِنْبَر فَقَالَ آمين آمين آمين قيل يَا رَسُول اللّه إِنَّك صعدت الْمِنْبَر فَقلت آمين آمين آمين فَقَالَ إِن جِبْرِيل - ﵇ - أَتَانِي فَقَالَ من أدْرك شهر رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ فَدخل النَّار فَأَبْعَده اللّه قل آمين فَقلت آمين وَمن أدْرك أَبَوَيْهِ أَو أَحدهمَا فَلم يَبرهُمَا فَمَاتَ فَدخل النَّار فَأَبْعَده اللّه قل آمين فَقلت آمين وَمن ذكرت عِنْده فَلم يصل عَلَيْك فَمَاتَ فَدخل النَّار فَأَبْعَده اللّه قل آمين فَقلت آمين رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ (^١).
٢٥٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - رغم أنف رجل ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ وَرَغمَ أنف رجل دخل عَلَيْهِ رَمَضَان ثمَّ انْسَلَخَ
_________________
(١) ابن خزيمة (١٨٨٨)، وابن حبان (٩٠٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٤٦)، والبزار (٣١٦٩)، والطبراني في الأوسط (٨٩٩٤)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (١٨).
[ ٧ / ٧٠٦ ]
قبل أَن يغْفر لَهُ وَرَغمَ أنف رجل أدْرك عِنْده أَبَوَاهُ الْكبر فَلم يدْخلَاهُ الْجنَّة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).
رغم بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة أَي لصق بالرغام وَهُوَ التُّرَاب ذلا وَهَوَانًا وَقَالَ ابْن الأعرَابِي هُوَ بِفَتْح الْغَيْن وَمَعْنَاهُ ذل.
قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه وعلى معنى الحديث.
قوله: وعن أبي هريرة أيضًا تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ" أي لصق بالرغام وهو التراب ذلا وهوانا، وقال ابن الأعرابي: هو بفتح العين ومعناه ذل هكذا ضبطه الحافظ وفسره، وقال في حدائق الأولياء أي أنه يدعو عليه أو يخبر عنه بلزوم ذل وصغار لا يطاق انتهى (^٢).
وقال في النهاية (^٣): يقال أرغمه اللّه أنفه أي ألصقه بالرغام وهو التراب هذا هو الأصل ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كُره، ومنه الحديث "وإن رغم أنف أبي الدرداء" أي: وإن ذل، وقيل: وإن كره ومنه حديث معقل بن يسار "رغم أنفي لأمر اللّه" أي ذل وانقاد والأحاديث كثيرة في هذا المعنى أ. هـ.
_________________
(١) الترمذي (٣٥٤٥)، وأحمد (٧٤٥١)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (١٦)، والحاكم (١/ ٥٩)، وابن حبان (٩٠٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٥١٠).
(٢) حدائق الأولياء (١/ ١٩).
(٣) النهاية (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
[ ٧ / ٧٠٧ ]
قوله: "دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له" يعني فإن لم يتب فه من الذنوب ولم يبالغ في طاعة اللّه حتى يجد الغفران [هذا الكلام محله في حديث "ومن أدرك والديه" ثم وقع الذهول فيها للمصنف نفعنا اللّه به عنه واللّه أعلم] ولذلك لحقه ترك تعظيم اللّه تعالى وأمه لم يخدمها في جميع الأحوال وخاصة عن الكبر أحوج إلى أن يخدمه أحد، أ. هـ.
٢٥٩٧ - وَعَن حُسَيْن بن عَليّ - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من ذكرت عِنْده فخطئ الصَّلَاة عَليّ خطئ طَرِيق الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوِيَ مُرْسلا عَن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة، وكيره، وهو أشبه (^١).
٢٥٩٨ - وَفِي رِوَايَة لابْنِ أبي عَاصِم عَن مُحَمَّدًا ابْن الْحَنَفِيَّة قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من ذكرت عِنْده فنسي الصَّلَاة عَليّ خطئ طَرِيق الْجنَّة (^٢).
قوله: وعن حسين بن علي - ﵄ -، حسين بضم الحاء بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد اللّه سبط رسول اللّه - ﷺ - وريحانته وهو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، ولد الحُسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة قاله الزبي بن بكار وغيره، وروينا في كتاب الترمذي عن
_________________
(١) الطبراني في المعجم الكبير (٢٨٨٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٤)، وفيه محمد بن بشير الكندي، وهو ضعيف، والرواية المرسلة عند ابن أبي عاصم، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ -، كما في القول البديع (ص ٢٩٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٤٥).
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (١٥٧٣)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (٤٤).
[ ٧ / ٧٠٨ ]
يعلى بن مرة قال: قال رسول اللّه - ﷺ - "حسين مني وأنا من حسين، أحب اللّه من أحب حسينا" سبط من الأسباط (^١).
فائدة: أكثر الناس يقولون: روينا بفتح الواو ومخففة من روى يروي إذا نقل عن غيره مثل رمى يرمي والأجود روينا بضم الراء وكسر الواو مشددة أي روانا مشايخنا أي نقلوا لنا فسمعنا كذا حرر هذه اللفظة بعض أئمة الحديث، قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٢) واللّه أعلم.
وروينا في الترمذي عن علي - ﵁ - قال: الحسن أشبه برسول اللّه - ﷺ - ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه برسول اللّه - ﷺ - ما كان أسفل من ذلك، قال الترمذي: حديث حسن، قال الزبير بن بكار: وحدّثني مصعب قال: حج الحُسين خمسا وعشرين حجة ماشيا قالوا: وكان الحُسين فاضلًا كثير الصلاة والصوم والحج والصدقة وأفعال الخير قتل يوم الجمعة وقيل يوم السبت يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء من أرض العراق وقبره مشهور ويتبرك به وحزن الناس عليه كثيرًا وأكثروا فيه المراثي والسيحن أولا علي الأكبر وعلي الأصغر وفاطمة وسكينة وروينا في تاريخ دمشق أن سكينة اسمها ميمونة وقيل أمينة وقيل أمة، قدمت دمشق مع أهلها ثم خرجت إلى المدينة ويقال: إنها عادت إلى دمشق وأن قبرها بها والصحيح وقول الأكثرين أنها تركت بالمدينة يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٦٢ - ١٦٣ ترجمة ١٢٣).
(٢) التعيين (ص ١٤ - ١٥).
[ ٧ / ٧٠٩ ]
سنة سبع عشرة ومائة، وكانت من سيدات السناء وأهل الجود وأهل الفضل - ﵂ - عن أبيها، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (^١).
قوله - ﷺ -: "من ذكرت عنده فخطئ الصلاة علي خطئ طريق الجنة"رواه الطبراني وروي مرسلا عن محمد ابن الحنفية، والمرسل عن مالك وأصحابه نجب به الحجة ويلزمه به العمل كما تجب بالمسند سواء، وقال في التنقيح: مذهب الفقهاء وجماعة من المحدّثين [أنه] ما انقطع سنده كالمنقطع وقال جماعة من المحدّثين أو أكثرهم لا يسمى مرسلا إلا ما أخبرنا التابعي فيه عن النبي - ﷺ -، وذهب جماهير المحدّثين أن المرسل لا يحتج به ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يحضده احتج به وبان بذلك صحته وذلك بأن يروي مسندا ومرسلا من جهة أخرى أو يعمل به بعض الصحابة أو أكثر العُلماء سواء في هذا مرسل سعيد بن المسيب وغيره هذا هو الصحيح عنده وهذا في مرسل غير الصحابي أما مرسله وهو روايتُه لما لم يدركه أو يحضره لقول عائشة - ﵂ -: كان أول ما بدئ به رسول اللّه - ﷺ - الرؤيا الصالحة، فمذهب الشافعي والجماهير أنه حجة وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: ليس بحجة إلا أن يقول: لا أروي إلا عن صحابي لأنه قد يروي عن تابعي والصواب الأول، ولو روى الحديث متصلا ومرسلا ومرفوعا وموقوفا فالذي عليه الفقهاء وأهل الأصول وجماعة من المحدّثين أن الحكم الوصل والرفع وقيل للإرسال والوقف ونقله الخطيب عن الأكثرين (^٢).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٦٢ - ١٦٣ ترجمة ١٢٣).
(٢) تنقيح التحقيق (١/ ٥٧).
[ ٧ / ٧١٠ ]
قوله: وفي رواية عن محمد بن الحنفية قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: "من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة" الحديث، فإن قيل: هذا الحديث إن حمل على ظاهره أشكل فإن الظاهر أنه ذم الناسي والنسيان لا يترتب عليه ذلك كحديث الحسن المشهور: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ولما تقرر من أن الناسي غير مكلف وغير المكلف لا لوم عليه، الجواب: أن المراد بالناسي التارك كقوله تعالى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ و(^١) وكقوله: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (^٢) قال الهروي: في الأول معناها تركوا أمر اللّه تعالى فتركهم [من رحمته] وكذلك اليوم تنسى أي تترك [في] النار، قال اللّه تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (^٣) [قال السدى أي نتركهم من الرحمة كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، التارك لها لا صلاة له والصلاة عماد الدين من تركها حق له ذلك، يقال: خطئ في دينه خطأه إذا أثم فيه والخطأ الذنب والإثم وأخطأ تتخطئ إذا سلك سبيل الخطأ عمدا أو سهوا ويقال: خطئ بمعنى أخطأ أيضًا وقيل خطئ إذا تعمد وأخطأ إذا لم يتعمد (^٤) واللّه أعلم قاله في الديباجة (^٥).
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٦٧.
(٢) سورة طه، الآية: ١٢٦.
(٣) سورة الجاثية، الآية: ٣٤.
(٤) النهاية (٢/ ٤٤).
(٥) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجة، لا يزال مخطوطًا كما سبق الإشارة إلى هذا.
[ ٧ / ٧١١ ]
قوله: محمد بن الحنفية: ومحمد بن الحنفية هو محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بابن الحنفية واسم أمه خولة من سبي بني حنيفية ويقال بل كانت أمه من سبي اليمامة فصارت إلى علي - ﵁ -، قالت أسماء بنت أبي بكر: رأيتُ أم محمد بن الحنفية [سندية] سوداء وكانت أمة [لبني] حنيفة وهي خولة بنت جعفر اليمامي بن قيبر بن مسلم بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة كنية محمد هذا أبو القاسم ويقال أبو عبد اللّه، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر وهو من كبار التابعين دخل على عمر بن الخطاب، وسمع عثمان وأباه روي عنه بنوه الحسن وعبد اللّه وإبراهيم وعون وجماعات من التابعين وروينا عنه عن أبي قال: قلت: يا رسول اللّه إن ولد لي مولود بعدك أسميه وأكنيه بكنيتك قال: "نعم"، قال محمد بن الحنفية: من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر، وقال اللّه ﷿: جعل الجنة ثمنا لأنفسكم فلا تبيعوها بغيرها، مات بها سنة إحدى وثمانين وله خمس وستون سنة، ودفن - ﵁ - آل بالبقيع (^١).
تنبيه: يقال لمحمد هذا محمد ابن الحنفية ويقال محمد بن علي ابن الحنفية فينسب إلى أبيه وأمه جميعا فعلى يشترط أن ينون ويكتب ابن الحنفية بالألف ويكون إعرابه إعراب محمد لأنه وصف لمحمد لا لعلي ولهذا نظائر كثيرة، أفردت في جزء منها عبد اللّه بن مالك بن بحينة مالك أبوه وبحينة أمه، أ. هـ، قاله النووي (^٢).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٨٨ ترجمة ٢٠).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٨٩).
[ ٧ / ٧١٢ ]
٢٥٩٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ -. قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - من نسي الصَّلَاة عَليّ خطئ طَرِيق الْجنَّة رَوَاهُ ابْن مَاجَة وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا عَن جبارَة بن الْمُغلس وَهُوَ مُخْتَلف فِي الاحْتِجَاج بِهِ وَقد عد هَذَا الحَدِيث من مَنَاكِيره (^١).
قوله: "من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة".
وقوله: رواه الطبراني [وفيه] [جبارة] بن المُغَلِّس الكوفي، قال ابن نمير: صدوق ما هو ممن يكذب، وقال البخاري: مضطرب الحديث، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين وهو في عشر المائة. أ. هـ.
٢٦٠٠ - وَعَن حُسَيْن - ﵁ - عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ الْبَخِيل من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَزَاد فِي سَنَده عَليّ بن أبي طَالب وَقَالَ حَدِيث حسن صحِيح غَرِيب (^٢).
قوله: وعن حسين - ﵁ -، تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" الحديث أي لأنه سيد الأحباب وذكر المحبوب يؤذن بالإقبال فالمعرض عنه مؤذن بالبخل وعدم الاتصال في، قاله في الحدائق (^٣).
_________________
(١) ابن ماجة (٩٠٨)، والطبراني في الكبير (١٢٨١٩)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٣١٣)، هذا إسناد ضعيف لضعف جبارة بن المُغَلِّس، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٥٦٨).
(٢) النسائي (٨١٠٠)، وابن حبان (٩٠٩)، والترمذي (٣٥٤٦)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٨٤)، والحاكم (١/ ٤٥٩)، وأحمد (١٧٣٦)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٨٧٨).
(٣) حدائق الأولياء (١/ ٢٠).
[ ٧ / ٧١٣ ]
تنبيه: روي محمد بن حمدان المروزي من حديث ابن مسعود مرفوع من لم يصل علي فلا دين له، قاله في الحدائق أيضًا (^١)، قال الترمذي: ويروي عن بعض أهل العلم قال: "إذا صلى الرجل على النبي - ﷺ - مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس" قاله في الأذكار (^٢).
٢٦٠١ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - قَالَ خرجت ذَات يَوْم فَأتيت رَسُول اللّه - ﷺ - قَالَ أَلا أخْبركم بأبخل النَّاس قَالُوا بلَى يَا رَسُول اللّه قَالَ من ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ فَذَلِك أبخل النَّاس رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب الصَّلَاة من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم (^٣).
قَالَ الْحَافِظ المملي من هَذَا الْكتاب أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة وَتَأْتِي أَبْوَاب آخر إِن شَاءَ اللّه فَتقدم مَا يَقُوله من خَافَ شَيْئا من الرِّيَاء فِي بَاب الرِّيَاء وَمَا يَقُوله بعد الْوضُوء فِي كتاب الطَّهَارَة وَمَا يَقُوله بعد الأذَان وَمَا يَقُوله بعد صَلَاة الصُّبْح وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء فِي كتاب الصَّلَاة وَمَا يَقُول حِين يأوي إِلَى فرَاشه فِي كتاب النَّوَافِل وَكَذَلِكَ مَا يَقُول إِذا اسْتَيْقَظَ من اللَّيْل وَمَا يَقُول إِذا أصبح وَأمسى وَدُعَاء الْحَاجة فِيهِ أَيْضًا.
وَيَأْتِي إِن شَاءَ اللّه فِي كتاب الْبيُوع ذكر اللّه فِي الْأَسْوَاق ومواطن الْغَفْلَة وَمَا يَقُوله الْمَدْيُون والمكروب والمأسور وَفِي كتاب اللبَاس مَا يَقُوله من لبس
_________________
(١) حدائق الأولياء (١/ ٢١).
(٢) الأذكار (ص ١٣٣).
(٣) ابن أبي عاصم في الصلاة، كما في القول البديع (ص ٣٠٤)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (٣٧).
[ ٧ / ٧١٤ ]
ثوبا جَدِيدا وَفِي كتاب الطَّعَام التَّسْمِيَة وَحمد اللّه بعد الْأَكل وَفِي كتاب الْقَضَاء مَا يَقُوله من خَافَ ظَالِما وَفِي كتاب الأدَب مَا يَقُول من ركب دَابَّته وَمن عثرت بِهِ دَابَّته وَمن نزل منزلا وَدُعَاء الْمَرْء لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب وَفِي كتاب الْجَنَائز الدُّعَاء بالعافية وَمَا يَقُوله من رأى مبتلى وَمَا يَقُوله من آلمه شَيْء من جسده وَمَا يدعى بِهِ للْمَرِيض وَمَا يَدْعُو بِهِ الْمَرِيض وَمَا يَقُول من مَاتَ لَهُ ميت وَفِي كتاب صفة الْجنَّة وَالنَّار سُؤال الْجنَّة والاستعاذة من النَّار من اللّه نسْأَل التَّيْسِير والإعانة.
قوله: وعن أبي ذر - ﵁ -، تقدم الكلام عليه، وتقدم لفظ الحديث أيضًا.
* * *
[ ٧ / ٧١٥ ]