٣٤٧٦ - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من رأى مِنْكُم مُنْكرا فَغَيره بِيَدِهِ فقد برئ وَمن لم يسْتَطع أَن يُغَيِّرهُ بِيَدِهِ فَغَيره بِلِسَانِهِ فقد برئ وَمن لم يسْتَطع أَن يُغَيِّرهُ بِلِسَانِهِ فَغَيره بِقَلْبِه فقد برئ وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان (^١).
قوله: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - واسمه: سعد بن مالك تقدمت ترجمته.
قوله - ﷺ -: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" الحديث.
فقوله - ﷺ -: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده" المنكر ما لا يجوز في الشرع، والمنكر ضد المعروف وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر والمعروف خلافه (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٨ و٧٩ - ٤٩)، وابن ماجه (١٢٧٥) و(٤٠١٣)، وأبو داود (١١٤٠) و(٤٣٤٠)، والترمذي (٢١٧٢)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٥٣٩ (٥٠٥٢) و٧/ ٥٤٠ (٥٠٥٣)، وأبو عوانة (١٦٦)، وابن حبان (٣٠٦) و(٣٠٧).
(٢) النهاية (٥/ ١١٥)، وعمدة القارى (١٣/ ١٢) و(١٥/ ١٦٦).
[ ١٠ / ٢٣ ]
وقال بعضهم أيضًا: المنكر ما كان مستقبحًا عقلًا أو شرعًا، والمعروف ما كان مستحسنًا عقلًا أو شرعًا (^١).
وقوله: "من رأى منكم منكرا فليغيره" هو خطاب للأمة جميعا حاضرها حينئذ بمشافهته بالأمر وغائبها ممن يأتي لقوله ﵊ حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو لأن الحاضر يضمن الغائب (^٢).
وقوله: "رأى" يحتمل أنه من رؤية العين ثم يقاس عليه ما علمه وما لم يره فيجب تغيره مع القدرة لأن المقصود دفع مفسدة المنكر ولا فرق بين ما ابصره أو علمه ولم يره ويحتمل أن رأى من رؤية القلب أي من عمل منكم منكرا فليغيره فهو أعم مما أبصره أو علمه وهو أشبه في النظر وإن كانت لفظ رأى ظاهرا في الإبصار، أ. هـ قاله الطوفي (^٣).
وأما صفة النهي ومراتبه فقد قال النبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه معناه فليكرهه بقلبه وليس ذلك بإزالة وتغير منه للمنكر لكنه هو الذي في وسعه فالإنكار بالقلب هو كراهة تلك المعصية وبغضها فإن كان المنكر مما يغير باليد بادر إلى تغييره كإخراجه من المسجد إذا كان جنبًا أو قد أكل بصلا أو ثوما أو فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة يتأذي بها الإنسان، ففي صحيح
_________________
(١) تفسير الزمخشرى (١/ ٤٧٢)، وتفسير النسفى (١/ ٣٣١) وتفسير النيسابورى (٢/ ٣٥٢).
(٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٨٧).
(٣) المصدر السابق (ص ٢٨٧ - ٢٨٨).
[ ١٠ / ٢٤ ]
مسلم أن النبي - ﷺ - كان إذا وجد من الرجل في المسجد ريح البصل أو الثوم أمر به فأخرج إلى البقيع (^١) وان لم يخرج إلا بجره فليجره بيده ونحوها دون ذقنه وشعر رأسه وإن أمكنه أن لا يباشر شيئًا من ذلك بيده ويوليه غيره فليفعل وقال بعض أهل العلم: إنكار باليد للأمراء وباللسان للعلماء وبالقلب للفقراء، أ. هـ رواه النسائي ولفظه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من رأى منكم منكرا فغيره بيده فقد برء" الحديث، أي فقد برئ من الإثم بإنكاره، وفيه الدليل الواضح على أن من استطاع الإنكار فلم ينكر أنه غير برئ من الإثم بل هو شريك فيه وفيه التصريح الشافي بأن من أنكر بلسانه فلم يرجع إليه مع إمكان إنكاره باليد لا يسقط عنه الإثم وإنما يسقط عنه الإثم إذا لم يستطع الإنكار باليد وفيه أنه لا يقتصر على الإنكار بالقلب إلا من ضعف إيمانه سواء استطاع الإنكار باليد واللسان أو لم يستطع إلا أنه عند عدم الاستطاعة يسقط عنه الإثم وإن كان ضعيف الإيمان قاله ابن النحاس في تنبيهه (^٢).
قوله - ﷺ -: "وذلك أضعف الإيمان" معناه والله أعلم أي أضعف أفعال أهل الإيمان وهذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان فدل على أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان كان أفضل ممن تركها عجزا عنها ويدل على ذلك أيضًا قوله - ﷺ - في حق النساء: "أما نقصان دينها فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي شيئًا إلى أيام الحيض" مع أنها
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٨ - ٥٦٧) عن عمر بن الخطاب.
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٦)
[ ١٠ / ٢٥ ]
ممنوعة عن الصلاة حينئذ وقد جعل ذلك نقصا في دينها فدل على أن من قدر على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه وإن كان معذورا في تركه والله أعلم قاله ابن رجب الحنبلي (^١).
فائدة: روي عن الحسن - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أمر بمعروف أو نهى عن منكر فهو خليفة الله وخليفة رسول الله - ﷺ - وخليفة كتابه" ذكره القرطبي في تفسيره (^٢).
قوله: في الحديث: "من رأى منكم منكرًا فليغيره" وهذا أمر إيجاب بإجماع الأمة وهو أيضًا من النصيحة الواجبة التي هي الدين وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة والإجماع ولم يخالف في ذلك إلا الرافضة ولم يعتد بخلافهم (^٣)، فالأمر بالمعروف والنهي
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٣/ ٩٥٩ - ٩٦٠).
(٢) التفسير (٤/ ٤٧). والحديث رواه علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية ثنا بقية ابن الوليد الحمصي عن حسان بن سليمان عن أبي نضرة عن الحسن كما في تخريج الكشاف (١/ ٢١٣) للزيلعى. وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (٢٤٥) من طريق بقية بن الوليد، عن عبد الله بن نعيم المعافري، قال: سمعت المشيخة فذكره. وأخرجه ابن عدى في الكامل (٧/ ٢٣٠) عن عبادة. وقال ابن عدى: ولكادح غير ما أمليت أحاديث وأحاديثه عامة ما يرويه غير محفوظة، ولا يتابع عليه في أسانيده، ولا في متونه ويشبه حديثه حديث الصالحين فإن أحاديثهم يقع فيها ما لا يتابعهم عليه أحد. وأخرجه النسفى في القند (١/ ٣٦٢) من طريق بقية بن الوليد، عن أبي المتوكل القشيري، عن حميد، عن أنس. وإنما هو متوكل بن يحيى القشيرى ومنهم من قال أبو المتوكل القتسرينى الشامى. وحميد هو ابن العلاء وكلاهما مجهول. والحديث ضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٤٠).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٢١).
[ ١٠ / ٢٦ ]
عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين وإذا تركه الجميع أثم كل من يمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم أنه قد يتعين كما إذا كان بموضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته سواه وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين وما على الرسول إلا البلاغ، ومثل العلماء هذا بمن يرى إنسانا في الحمام أو غيره مكشوف العورة أو بعضها أو نحو ذلك، قال العلماء: ولا يشترط في الأمر ولا في الثاني أن يكون كامل الحال ممتثلا لما أمر به مجتنبا لما نهي عنه بل عليه الأمر وإن كان مخللا بأن يأمر به أو كان متلبسا بما ينهي عنه فإنه يجب عليه شيئان أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك ثابت لأحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين لهم وترك توبيخهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية ثم إنه لا يأمر ولا ينهى من كان عالما بما يأمر به وينهي عنه وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها وإن كان دقائق الأقوال والأفعال ومما يتعلق بالاجتهاد ولم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكار بل ذلك للعلماء ولا ينكر إلا ما أجمع عليه لا ما
[ ١٠ / ٢٧ ]
اختلف فيه لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق به ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب فقد قال الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سار فقد نصحه ومن وعظه علانية فقد فضحه، وكأنه مما يتساهل أكثر الناس فيه من هذا الباب ما إذا رأى إنسانا يبيع متاعا معيبا أو نحوه وأنهم لا ينكرون ذلك ولا يعلمون المشتري بعيبه وهذا خطأ ظاهر، وقد نص العلماء على أنه يحب على من علم ذلك أن ينكر على البائع وأن يعلم المشتري وأما صفة النهي ومراتبه قد قال النبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح: "فليغيره بيده" الحديث، فهذه صفة النهي ومراتبه والإنكار بالقلب هو كراهته لأنه الذي في وسعه وكان أضعف الإيمان لقلة ثمرته فحق عليه أن يغير بكل ما يمكنه قولا كان أو فعلا (^١)، أ. هـ
قال القاضي: هذا الحد [يث أصل في صفة] التغيير فحق على أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولا أو فعلا فيكسر آلات الباطل ويريق المكسر بنفسه أو يأمر من يفعله وينزع المغصوب ويردها إلى أصحابها بنفسه أو يأمره إذا أمكنه [ويرفق] في التغيير جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف شره إذ ذاك أدعى إلى قبول قوله كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى [ويغلظ] على المتمادي في غيه والمسرف في بطالته وليس من الأمر بالمعروف البحث والتجسس واقتحام الدور بالظنون،
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٢٢ - ٢٥).
[ ١٠ / ٢٨ ]
بل إن عثر على منكر غيره جهده، وقال الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات (^١)، أ. هـ.
وقال الماوردي (^٢) في الروضة: ولا يكفي الوعظ لمن أمكنه أن يغير بيده ولا كراهة القلب لمن قدر على النهي باللسان، وأما قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٣) فليس مخالفا لما ذكرنا لأن المذهب الصحيح في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به وأمرتم بالمعروف ثم عجزتم عن إزالة المنكر فلا يضركم ضلالهم وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٤) (^٥).
وقوله - ﷺ -: "فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم" أي من أنكر بقدر استطاعته سلم من الإثم ومن لم يستطع إنكارًا أو كره تلك المعصية بقلبه فقد برئ من الإثم، قاله الحافظ الدمياطي.
٣٤٧٧ - وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - ﵁ - قَالَ بَايعنَا رَسُول الله - ﷺ - على السّمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر والمنشط وَالْمكْره وعَلى أَثَرَة علينا وَأَن لَا ننازع الْأَمر أَهله إِلَّا أَن تروا كفرا بواحا عنْدكُمْ من الله فِيهِ برهَان وعَلى أَن نقُول بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَاف فِي الله لومة لائم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^٦).
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٢٥ - ٢٦).
(٢) كذا هو بالأصل وإنما هو كلام النووي.
(٣) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.
(٥) روضة الطالبين (١٠/ ٢٢٠) وشرح مسلم (٢/ ٢٢) للنووى.
(٦) أخرجه البخاري (٧٠٥٥ و٧٠٥٦)، ومسلم (٤١ و٤٢ - ١٧٠٩)، وابن ماجه (٢٨٦٦)، =
[ ١٠ / ٢٩ ]
قوله: وعن عبادة بن الصامت - ﵁ - تقدم الكلام عليه.
قوله: بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان" الحديث، المراد بالمبايعة المعاهدة وهي مأخوذة من البيع لأن كل واحد من المتبايعين كان يمد يده إلى صاحبه وكذا هذه البيعة تكون بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم الله تعالى من عظيم الجزاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^١) الآية (^٢).
قوله: بايعت رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، يعني: المحبوب والمكروه وهما مصدران (^٣)، وفي لفظ: "في الحزن والسهل" (^٤) والحزن هو الذي فيه عنف وغلظ، والسهل هو الذي فيه رفق ولين والله أعلم (^٥)، وقيل (^٦): المنشط مفعل من النشاط وهو الأمر الذين ينشط له ويخف إليه ويؤثر فعله وهو مصدر معنى النشاط.
_________________
(١) = والنسائي في المجتبى ٦/ ٥٩٥ (٤١٨٧) و٦/ ٥٩٦ (٤١٨٨) و(٤١٨٩) و٦/ ٥٩٧ (٤١٩٠) و٦/ ٥٩٨ (٤١٩١) و(٤١٩٢)، وابن حبان (٤٥٦٢) و(٤٥٦٦).
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١١.
(٣) إكمال المعلم (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٤) النهاية (٤/ ١٦٩)، وكشف المناهج (٣/ ٢٦٧).
(٥) لم أعثر على هذه الرواية.
(٦) كشف المناهج (١/ ١١٠).
(٧) النهاية (٥/ ٥٧)، وعمدة القارى (٢٤/ ٤٠٣).
[ ١٠ / ٣٠ ]
قوله: "وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله" الأثرة بفتح الهمزة والثاء المثلثة على مثال شجرة، ويقال: بضم الهمزة وإسكان الثاء، وبكسر الهمزة وإسكان الثاء على مثال غرفة وعلى مثال مرية ثلاث لغات حكاهن في المشارق وغيره (^١) وهو استيثار الأمراء بأموال بيت المال (^٢)، وقال النووي: وهو الاستيثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم (^٣)، قال الأزهري: وهو الاستيثار أي يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل عليكم غيركم نفسه ولا يجعل لكم في الأمر نصيب (^٤). اهـ. ومعنى الحديث: أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال سببها اجتماع كلمة المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم (^٥).
قوله - ﷺ -: "إلا أن تروا كفرا بواحا" هكذا هو في معظم الروايات وفي معظم النسخ بواحا بالواو، وفي بعضها براحا بالراء والباء مفتوحة فيهما ومعناهما كفرا ظاهر والمراد بالكفر هنا المعاصي (^٦).
_________________
(١) مشارق الأنوار (١/ ١٨)، ومطالع الأنوار (١/ ١٩٤) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٣٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٥)
(٤) تفسير الخازن (٤/ ٣٧١)، والتوضيح (١٥/ ٣٨٣)، وفتح الباري (١/ ٧٥).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٥).
(٦) المصدر السابق (١٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
[ ١٠ / ٣١ ]
رواية أكثر الشيوخ هنا بالواو وعند أبي جعفر وبعضهم براحا بالراء وهو بمعنى الأول أي بينا ظاهر مشتهرًا والمعنى جهارًا، وقال عياض: أي بيانًا لا تأويل فيه ولا خفاء به ومن رواه بواحا بالواو فهو من باح بالشيء إذا أظهره أي ظاهرا معناه لا عن ظن ولا إلزام (^١)، أ. هـ والمراد بالكفر هنا المعصية لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٢) وكقوله - ﷺ -: "لا ترجعوا بعدي كفارًا" (^٣) أي عصاة وقيل لابسي السلاح، وقيل: من الكفر على الحقيقة أي لا يكفر بعضهم بعضًا (^٤)، وفي الحديث أن الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم على بعض بالسيوف فأنزل الله ﷿: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ (^٥) وليس المراد به الكفر بالله، وفي الحديث أيضًا: "من أيضًا: "من أتى حائضا فقد كفر ومن أتى امرأة في دبرها فقد كفر" (^٦).
وفيه أيضًا "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (^٧)، ومعنى: "عندكم من الله
_________________
(١) إكمال المعلم (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، وتحفة الأبرار (٢/ ٥٤٤).
(٢) سورة المائدة، الآية: ٤٤.
(٣) أخرجه: البخاري (٤٤٠٢)، ومسلم (١١٩ و١٢٠ - ١٦) عن ابن عمر.
(٤) مشارق الأنوار (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٥٥).
(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٠١.
(٦) أخرجه ابن ماجه (٦٣٩)، وأبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، والنسائي في الكبرى (٨٩٦٧) و(٨٩٦٨) عن أبي هريرة. وصححه الألباني في صَحِيح الْجَامِع: ٥٩٣٩، الصَّحِيحَة: ٣٣٨٧، صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: ٣٠٤٤.
(٧) أخرجه البخاري (٤٨) و(٦٠٤٤) و(٧٠٧٦)، ومسلم (١١٦ و١١٧ - ٦٤) عن ابن مسعود.
[ ١٠ / ٣٢ ]
الله فيه برهان" أي تعلمونه من دين الله تعالى، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمر في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم (^١).
قوله: "اسمعوا وأطيعوا" قال العلماء: يجب طاعة الأمراء فيما يشق وتكرهه النفوس مما ليس بمعصية فإن كان معصية فلا سمع ولا طاعة (^٢).
قوله - ﷺ -: "وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" معناه: نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان الكبار والصغار لا نداهن فيه أحدا ولا نخافه ولا نلتفت إلى لائميه، ففيه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجمع العلماء على أنه فرض كفاية فإن خاف من ذلك على نفسه أو ماله أو غيره سقط الإنكار بيده ولسانه ووجب كراهته بقلبه وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير وحكى القاضي عياض عنا عن بعضهم أنه ذهب إلى الإنكار مطلقا في هذه الحالة وغيرها قاله النووي في شرح مسلم (^٣).
٣٤٧٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - على كل ميسم من الْإِنْسَان صَلَاة كل يَوْم فَقَالَ رجل من الْقَوْم هَذَا من أَشد مَا أنبأتنا بِهِ قَالَ أَمرك
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٩).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٤).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٣٠).
[ ١٠ / ٣٣ ]
بِالْمَعْرُوفِ ونهيك عَن الْمُنكر صَلاة وحملك عَن الضَّعِيف صَلَاة وإنحاؤك القذى عَن الطَّرِيق صَلَاة وكل خطْوَة تخطوها إِلَى الصَّلَاة صَلَاة رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (^١).
قوله: وعن ابن عباس - ﵄ -، تقدم الكلام على ابن عباس.
قوله - ﷺ -: "على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم" الحديث، الميسم العلامة وتقدم الكلام على هذا الحديث في أوائل هذا التعليق.
٣٤٧٩ - وَعَن أبي ذَر - ﵁ - أَن أُنَاسًا قَالُوا يَا رَسُول الله ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ يصلونَ كمَا نصلي وَيَصُومُونَ كمَا نَصُوم وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُول أَمْوَالهم قَالَ أَو لَيْسَ قد جعل الله لكم مَا تصدقُونَ بِهِ إِن بِكُل تَسْبِيحَة صَدَقَة وَبِكُل تَكْبِيرَة صَدَقَة وَبِكُل تَحْمِيدَة صَدَقَة وَبِكُل تَهْلِيلَة صَدَقَة وَأمر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة وَنهي عَن مُنكر صَدَقَة رَوَاهُ مسلم وَغَيره (^٢).
_________________
(١) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٨٠٦)، والبزار كما في الكشف (٩٢٦)، وأبو يعلى (٢٤٣٤)، وابن خزيمة (١٤٩٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٩٦ رقم ١١٧٩١). قال البزار: لا نعلمه، عن ابن عباس إلا عن سماك، عن عكرمة عنه. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠٤: رواه أبو يعلى، والبزار، والطبراني في الكبير، والأوسط، والصغير بنحوه، وزاد فيها: "ويجزي من ذلك كله ركعتا الضحى". ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٧٦)، وضعيف الترغيب (١٠٧٦) و(١٣٨٦) و(١٧٦٤).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣ - ١٠٠٦)، وابن ماجه (٩٢٧)، وابن حبان (٨٣٨) و(٣٣٧٧). ولم يدرج المصنف تحته شرحًا.
[ ١٠ / ٣٤ ]
٣٤٨٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ فضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان أَو أَمِير جَائِر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كلهم عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَنهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب (^١).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم الكلام عليه.
قوله: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر" الحديث، ففي هذا الحديث والأحاديث بعده دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الجهاد المفترض على المسلمين وأنه في الأئمة الجائرين والأمراء الظالمين أفضل أنواعه لأنه يعرض نفسه فيه للقتل ويجود بها لله تعالى (^٢)، ولهذا جاء في المستدرك من حديث جابر عن النبي قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" (^٣) وخرج البزار
_________________
(١) أخرجه الحميدي (٧٦٩)، وأحمد ٣/ ١٩ (١١٣١٢) و٣/ ٦١ (١١٧٦٥)، وعبد بن حميد (٨٦٤)، وابن ماجه (٤٠١١)، وأبو داود (٤٣٤٤)، والترمذي (٢١٧٤)، وأبو يعلى (١١٠١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه ابن جدعان، صالح الحديث. وصححه الألباني في الصحيحة (٤٩١) وصحيح الترغيب (٢٣٠٥)، والمشكاة (٣٧٠٥ - ٣٧٠٦)، والروض النضير (٩٠٩).
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٨).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١١٩ - ١٢٠) و(٣/ ١٩٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ٥٠١ - ٥٠٢ رقم ٩٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٧). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه حفيد الصفار، لا يدرى من هو؟ قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٦٨): فيه حكيم بن زيد، قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله وثقوا. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٧٤) وصحيح الترغيب (٢٣٠٨).
[ ١٠ / ٣٥ ]
عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله ﷿ قال: "رجل قام إلى وال جار فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله" (^١).
قال الشيخ شهاب الدين بن النحاس، قلت: وإنما كان أكرم الشهداء لأن الشرط في الشهيد في سبيل الله أن يبذل نفسه لتكون كلمة الله هي العليا وهذا قد بذل نفسه لذلك غير أن الأول قد شفي نفسه ببسط يده إلى العدو فقتل عزيزا وهذا قد تعرض للقتل مع كف يده فقتل ذليلا فجازاه الله تعالى على ذله فيه بإكرامه له هذا ما يظهر والله أعلم أ. هـ (^٢).
وقال الخطابي (^٣): إنما صار هذا أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو وكان مترددا بين رجاء وخوف لا يدرني هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمر بالمعروف فقد تعرض للتلف [وأهدف] نفسه للهلاك فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف.
لطيفة: اتفق الشيخ نور الدين البكري على بن يعقوب [بن جبريل] وكان ورعا علامة صالحا نظارا متصوفا نظارا أوصي إليه ابن الرفعة أن يكمل ما
_________________
(١) أخرجه البزار (١٢٨٥)، والطبراني في الشاميين (٣٥٤١). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله - ﷺ - بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، عن أبي عبيدة، ولا نعلم له طريقا، عن أبي عبيدة غير هذا الطريق، ولم أسمع أحدا سمى أبا الحسن الذي روى عنه محمد بن حمير. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٧٢: رواه البزار، وفيه ممن لم أعرفه اثنان.
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٨ - ٢٩).
(٣) معالم السنن (٤/ ٣٥٠).
[ ١٠ / ٣٦ ]
بقي من شرحه على الوسيط وهو من صلاة الجمعة إلى البيع لما علمه من أهليته لذلك دون غيره فلم يتفق له ذلك لما غلب عليه من التخلي والانقطاع غالبا بالأعمال الجيزية بسبب ما اتفق له مع الملك الناصر محمد بن قلاوون أنه دخل عليه فقال له قال رسول الله: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" وأنت جائر ظالم لم تفعل كذا وكذا، فأمر السلطان بقطع رأسه فحصل للشيخ جزع، فشفع فيه الحاضرون، فقال السلطان: والله ما أردت بهذا القول إلا تجربته هل هو مخلص في أمره ثم رسم أن لا يقيم بالقاهرة ولا بمصر فأقام بالجيزة إلى أن مات سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ومن شعره:
كن يا علي على الطريق الأقوم وأذعن بخلاف الأنام وسلم
ودع النفس والعوى عنك بمعزل والوجه منك أقم لدين قيم (^١)
٣٤٨١ - وَعَن أبي عبد الله طَارق بن شهَاب البَجلِيّ الأحمسي أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي - ﷺ - وَقد وضع رجله فِي الغرز أَي الْجِهَاد أفضل قَالَ كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢) الغرز بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة
_________________
(١) شذرات الذهب (٦/ ٦٤)، الدرر الكامنة (٣/ ٢١٤ - ٢١٥)، وحسن المحاضرة (١/ ٤٢٣ - ٤٢٤).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣١٤ (١٩١٣٠) و٤/ ٣١٥ (١٩١٣٢)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٣٧ (٤٢٤٧)، وفي الكبرى (٧٧٨٦)، والدولابي في الكنى والأسماء (٤٢٧)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٦٨ رقم ٧١٧٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٠٦)، الصحيحة (٤٩١)، المشكاة (٣٧٠٥).
[ ١٠ / ٣٧ ]
وَسُكُون الرَّاء بعدهمَا زَاي هُوَ ركاب كور الْجمل إِذا كَانَ من جلد أَو خشب وَقيل لَا يخْتَص بهما.
قوله: وعن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي (^١)، هو: أبو عبد الله طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة الكوفي البجلي الأحمسي بالحاء والسين المهملتين منسوب إلى أحمس بن الغوث بن أنمار أدرك الجاهلية وصحب النبي - ﷺ - وغزا في زمن أبي بكر وعمر ثلاثًا وثلاثين أو ثلاثًا وأربعين غزوة روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة وروى عنه جماعة من التابعين سكن الكوفة وتوفي سنة ثلاث وثمانين وتقدم الكلام عليه مبسوطًا.
قوله: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - وقد وضع رجله في الغرز، فذكر الحديث، الغرز ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: لا يختص بهما وقيل هما للكور مطلقا مثل الركاب للسرج (^٢).
٣٤٨٢ - وعن أبي أمامة - ﵁ - قال: "عَرَضَ لرسول الله - ﷺ - رجلٌ عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أيُّ الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سألهُ، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجلهُ في الغَرْزِ ليركب. قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: كلمة حق تُقالُ عند ذي سُلطان جائرٍ" رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (^٣).
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٥١ ترجمة ٢٦٨).
(٢) مجمل اللغة (١/ ٦٩٣)، ومشارق الأنوار (٢/ ١٣١)، والنهاية (٣/ ٣٥٩).
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥١ (٢٢٥٨٨) و(٢٢٦٣٧) و٥/ ٢٥٦ (٢٢٧٣٥)، والفاكهى في أخبار مكة (٢٦٤١)، وابن ماجه (٤٠١٢)، والرويانى (٢/ ٢٧٠ و٢٧٢)، والطبراني في الأوسط =
[ ١٠ / ٣٨ ]
قوله: وعن أبي أمامة يعني الباهلي، تقدم الكلام عليه.
قوله: عرض لرسول الله - ﷺ - رجل عند الجمرة الأولى، فذكر الحديث إلى أن قال فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب، الحديث، جمرة العقبة هي حد منى من الغرب وليست من منى وهي التي بايع النبي - ﷺ - الأنصار عندها على الإسلام والهجرة، قال الشافعي ﵀: الجمرة مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى فمن رمى في المجتمع اجزأه أو رمى في السائل فلا ذكره النووي في تحريره (^١).
٣٤٨٣ - وَعَن جَابر - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ سيد الشُّهَدَاء حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَرجل قَامَ إلَى إِمَام جَائِر فَأمره وَنَهَاهُ فَقتله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).
قوله: وعن حذيفة، تقدم الكلام عليه.
_________________
(١) = (٢/ ١٦٦ رقم ١٥٩٦) و(٧/ ٥٢ رقم ٦٨٢٤)، والكبير (٨/ ٢٨٢ رقم ٨٠٨١)، والبغوى في الجعديات (٣٣٢٦)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (١٠١٠)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٦٧ رقم ٧١٧٤)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٨٦). وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٣٠٧) والصحيحة (٤٩١)، والروض النضير (٩٠٩).
(٢) المجموع شرح المهذب (٨/ ١٧٦)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٥٦).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١١٩ - ١٢٠) و(٣/ ١٩٥)، والطبراني في الأوسط (١/ ٥٠١ - ٥٠٢ رقم ٩٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٧). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه حفيد الصفار، لا يدرى من هو؟ قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٦٨): فيه حكيم بن زيد، قال الأزدي: فيه نظر، وبقية رجاله وثقوا. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٧٤) وصحيح الترغيب (٢٣٠٨).
[ ١٠ / ٣٩ ]
قوله: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه" فيه الترغيب في الإقدام على القتل والتعرض له وهو أمر مندوب إليه كما تقدم لكنه إذا خاف شيئًا من ذلك وغلب على ظنه وقوعه سقط عنه الوجوب ونقل الاستحباب وهي رتبة لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، ولا ينالها إلا من جاد بنفسه لله الكريم وقد اختار جماعة من السلف العزلة والانفراد خوفا من عجزهم عن تغيير ما يشاهدونه من المنكرات في الخلطة (^١).
وقد روى عن أبي بكر الصديق حديث غريب وهو أنه قال: يا رسول هل من جهاد غير قتال المشركين فقال رسول الله - ﷺ -: "نعم يا أبا بكر إن لله ﷿ مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء أحياء يرزقون يمشون على الأرض يباهي الله بهم ملائكة السماء وتزين لهم الجنة" فقال أبو بكر - ﵁ -: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمتحابون في الله والمبغضون في الله" ثم قال: "والذي نفسي بيده إن العبد منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء للغرفة منها ثلاث مائة باب منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور وإن الرجل منهم ليتزوج ثلاثمائة حوراء قاصرات الطرف عين كلما التفت إلى واحدة منهن لينظر إليها فتقول له أتذكر يوم كذا أمرت بمعروف ونهيت عن منكر، كلما التفت إلى واحدة منهن ذكرت له كل مقام أمر فيه بالمعروف أو نهي فيه عن المنكر" (^٢)، أ. هـ فدلت الآيات والأخبار على فضل الأمر
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ١٠٧).
(٢) قال العراقى في تخريج الإحياء (ص ٧٨٦): لم أقف له على أصل، وهو منكر.
[ ١٠ / ٤٠ ]
بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى محله وعلى الترغيب في القيام به وعلى شرف أهله وعلى أنه واجب على كل مسلم استطاع سواء كان الآمر رجلًا أو امرأة أو عبدا كما عليه إجماع الأمة ولذلك كان السلف - ﵃ - لا تأخذهم في الله لومة لائم ذكره ابن النحاس في تنبيهه (^١).
٣٤٨٤ - وَعَن النُّعْمَان بن بشير - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ مثل الْقَائِم فِي حُدُود الله وَالْوَاقِع فِيهَا كَمثل قوم استهموا على سفينة فَصَارَ بَعضهم أَعْلَاهَا وَبَعْضهمْ أَسْفَلهَا فَكَانَ الَّذين فِي أَسْفَلهَا إِذا استقوا من المَاء مروا على من فَوْقهم فَقَالُوا لَو أَنا خرقنا فِي نصيبنا خرقا وَلم نؤذ من فَوْقنَا فَإِن تركوهم وَمَا أَرَادوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِن أخذُوا على أَيْديهم نَجوا ونجوا جَمِيعًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ (^٢).
قوله: وعن النعمان بن بشير - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها" الحديث.
قوله: "القائم في حدود الله" هو القائم في إزالتها ودفعها وإنكارها (^٣).
قوله: "مثل قوم استهموا" أي: اتخذ كل واحد منهم سهما، أي: نصيبا من السفينة بالقرعة (^٤).
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٢٨ - ٢٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٩٣) و(٢٦٨٦)، والترمذي (٢١٧٣)، وابن حبان (٢٩٧ و٢٩٨ و٣٠١).
(٣) رياض الصالحين (ص ٨٣).
(٤) اللامع الصبيح (٧/ ٥١١).
[ ١٠ / ٤١ ]
قوله: "فكان الذين في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها" يمر بالماء أي بالبول والغائط في أعلاها ليطرحها على البحر فيؤذيهم به (^١).
قوله: "وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا" يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عنهما يريد أن يفعله كأنك أمسكت يده قاله ابن الأثير (^٢).
أي منعوهم من الخرق نجي الآخذون ونجى المأخوذون وهكذا إن أقيم الحدود فتحصل النجاة للكل وإلا هلك العاصي بالمعصية وغيرهم بترك الإقامة وفيه تعذيب العامة بذنوب الخاصة واستحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه أنه يجب على الجار أن يصبر على شيء من أذى جاره خوف ما هو أشد منه قاله الكرماني (^٣). ومعنى الحديث: أن القوم إذا كان فيهم من يأتي المنكر فتركوه مع ما أراد هلك وهلكوا جميعا وإذا أقاموا العدل ونهوا عن الفساد خلصوا وخلص المفسدون فالهلاك هو السكوت والمداهنة والنجاة في الدنيا والآخرة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فانظر كيف كان الأخذ على أيدي المفسدين والإنكار عليهم ومنعهم ما أراده سببًا لنجاتهم أجمعين وقس على هذا فإنما ضرب الله ورسوله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون (^٤).
_________________
(١) شرح المصابيح (٥/ ٣٦٤).
(٢) النهاية (١/ ٢٨).
(٣) الكواكب الدرارى (١١/ ٥٩).
(٤) تنبيه الغافلين (ص ٢٣).
[ ١٠ / ٤٢ ]
واعلم أن في تمثيل النبي - ﷺ - هذا في الحديث جملة من الفوائد منها أن المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة كاشتراك أهل الدنيا في السفينة التي آلة النجاة في الدنيا وكما أن سكوت شركاء السفينة عن السفينة الذي أراد فسادها سبب هلاكهم في الدنيا كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة بل وفي الدنيا كما في الأحاديث.
ومنها أنه كما لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد إنما أفسد فيما يخصني كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر إنما أجنى على ديني لا على دينكم وعليكم أنفسكم ولي عملي ولكم عملكم ونحو هذا الكلام فيما يجري على ألسنة الجاهلين لأن شؤم فعله وسوء عاقبة فساده يشملهم أجمعين.
ومنها أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من خرقها كان سببا لنجاة أهل السفينة كلهم كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائما بفرض الكفاية عنهم وكان سببا لنجاة المسلمين جميعا من الإثم وله عند الله الأجر الجزيل على ذلك. ومنها: أنه إذا أنكر منكر من أهل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها فاعترض عليه معترض منهم نسب ذلك المعترض إلى الحمق وقلة العقل والجهل بعواقب هذا الفعل إذ المنكر ساع في نجاة المعترض وغيره فذلك كذلك لا يعترض على منكر المنكر إلا من عظم حمقه وقل عقله وجهل عواقب المعصية وشؤمها إذا المنكر قائم
[ ١٠ / ٤٣ ]
بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره وهو ساع لسبب نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج.
ومنها: أن من سكت عن خرق الشريك للسفينة مع استطاعته حتى غرقت أثم فيما نزل به ومات عاصيا بإهلاك نفسه.
ومنها: أن شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياه في الهلاك سواء ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره ولا الصالح منهم من الطالح كذا إذا سكت الناس عن تغيير المنكر عمهم العذاب ولم يتميز بين مرتكب الإثم وغيره ولا بين الصالح منهم وغيره.
ومنها: أنه لا يقدم أحد من الشركاء على خرق السفينة إلا من هو أحمق يستحسن ما هو في الحقيقة قبيح ويجهل عاقبة فعله الشنيع كذلك لا يقدم على المعصية إلا من استحسنها لنفسه وجهل ما فيها من عظيم الإثم وأليم العقاب إذ لو علم حق العلم أنه يفعل في دينه بمعصيته من الفساد ما يفعله خارق السفينة فيها لما قدم على المعصية أبدا.
ومنها: أنه لا يقدم على خرق السفينة إلا من آمن يقينا ما في خرقها من هلاكه إذ لا يقدم على هلاك نفسه إلا من جهل أو شك فيه، كذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وعيد الله له وأليم عذابه على الزنا ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وهذه قريبة من التي قبلها والله أعلم (^١)، أ. هـ.
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٨٨ - ٨٩).
[ ١٠ / ٤٤ ]
٣٤٨٥ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمة قبلي إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بسنته ويقتدون بأَمْره ثمَّ إِنَّهَا تخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَا لَا يؤمرون فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل رَوَاهُ مُسلم الْحوَاري هُوَ النَّاصِر للرجل والمختص بِهِ والمعين والمصافي (^١).
قوله: وعن ابن مسعود - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره" أي: ما من رسول من الرسل المتقدمة ويعني بذلك غالب الرسل لا كلهم بدليل الحديث الآخر "يأتي النبي ومعه الرجل والرجلان ويأتي النبي وليس معه أحد" فهذا العموم وإن كان مؤكدا بمن بعد النفي فهذا مخصص بما ذكرناه (^٢)، أ. هـ. الحواري: هو الناصر للرجل والمختص به والمعين والمصافي، أ. هـ قاله المنذري.
وقال الأزهري وغيره: الحواريون هم أصفياء الأنبياء وقيل هم أنصارهم وقيل هم المجاهدون وقيل الحواري المخلص في حب نبيه الخالص من كل عيب وحواري الدقيق النقي الذي تنخل، وقال ابن الأنباري: هم المختصون المفضلون وقيل غير ذلك (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٠ - ٥٠)، وابن حبان (١٧٧) و(٦١٩٣).
(٢) المفهم (٢/ ١).
(٣) إكمال المعلم (١/ ٢٩١)، والنهاية (١/ ٤٥٨)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ٢٨).
[ ١٠ / ٤٥ ]
قوله: "يأخذون بسنته ويقتدون بأمره" والسنة هي الطريقة والسيرة.
قوله: "ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون" الحديث.
قوله: "ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف" الرواية "إنها" بهاء التأنيث وهي عائدة إلى الأمة أو الطائفة، ويحتمل الضمير في أنها هو الذي تسميه النحويون ضمير الشأن والقصة ومعنى تخلف تحدث وهي بضم اللام وأما الخلوف بضم الخاء فهو جمع خلف بفتح الخاء وسكون اللام وهو القرن بعد القرن واللاحق بعد الأسبق وقيل هو الخالف بشر ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ (^١) وأما الخلف بفتح اللام فهو الخالف بخير وهذا هو الأشهر وجوز بعضهم في كل واحد منهم الفتح والإسكان (^٢)، أ. هـ.
يقال خلف فلان فلانا إذا كان خليفته وأخلفه أي جاء بعده ومنه سمي الخليفة لأنه يخلف غيره ويقوم مقامه قاله عياض (^٣)، والمراد به ها هنا الخلف بعد السلف والخلوف الحضور والمتخلفون وذكر في النهاية الخلف بالتحريك والسكون كل من يجيء بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالسكون في الشر كما تقدم ومن السكون حديث ابن مسعود ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف انتهى (^٤).
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٦٩.
(٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ٢٨).
(٣) مشارق الأنوار (١/ ٢٣٨).
(٤) النهاية (٢/ ٦٥ - ٦٦).
[ ١٠ / ٤٦ ]
فاختر يا هذا لنفسك إما أن تكون خلف الحواريين والأنبياء فتكون رفيقهم في دار القرار أو خلف الفاسقين والأشقياء فترد معهم دار البوار إذ الساكت عن المنكر مع إمكان الإنكار شريك في الاسم يرد مع شريكه النار، قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).
قوله: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" الحديث، معناه: أن أدنى مراتب أهل الإيمان أن تضطرب قلوبهم لظهور المنكر ويكون منه (في جهد) وعناء حتى لا يستقر ولا ينقطع النزاع عنها، فإن استقرت على ذلك وانقطع عنها النزاع الذي هو حق الإيمان وسمة المؤمنين فسمتهم أذنت بأنها خالية عن القوى الإيمانية عرية عن الصفات النورانية (^٢).
ففي هذا الحديث الحث البالغ على اتباع السنة والتمسك بها والنهي العظيم عن مخالفة القول العمل لما فيه من الجرأة على المخالفة مع العلم، وقد جاء "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" (^٣).
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٢٤).
(٢) الميسر (١/ ٨٤ - ٨٥).
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٢٢ (١٤٥) و١/ ٤٤ (٣١٦)، وعبد بن حميد (١١)، والبزار (٣٠٥)، والفريابي في صفة المنافق (٢٤ و٢٥ و٢٦) والبيهقي في الشعب (٣/ ٣٧٢ رقم ١٦٤١) عن عمر. وقال الدارقطني في العلل (٢٤٦): والموقوف أشبه بالصواب والله أعلم. وقال الذهبي: هذا حديث مقارب الإسناد لم يخرجوه في الكتب الستة وميمون فيه لين. وأخرجه البزار (٣٥١٤)، وابن حبان (٨٠)، والطبراني (١٨/ ٢٣٧ رقم ٥٩٣) عن عمران =
[ ١٠ / ٤٧ ]
وقوله: "ليس من وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" محمول على المبالغة الشديدة في ترك جهادهم وفي ذلك دليل على تفاوت درجات الإيمان وهو الذي اختاره النووي والمحققون. أ. هـ.
٣٤٨٦ - وَعَن زَيْنَب بنت جحش - ﵂ - أَن النَّبِي - ﷺ - دخل عَلَيْهَا فَزعًا يَقُول لا إِلَه إِلَّا الله ويل للْعَرَب من شَرّ قد اقْترب فتح الْيَوْم من ردم يَأْجُوج وَمَأْجُوج مثل هَذِه وَحلق بَين أصبعيه الْإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا فَقلت يَا رَسُول الله أنهلك وَفينَا الصالحون قَالَ نعم إِذا كثر الْخبث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).
قوله: وعن زينب بنت جحش - ﵂ - أن النبي - ﷺ - دخل عليها فزعا يقول لا إله إلا الله" وروى الجماعة إلا أبا ذر من حديث زينب أيضًا قالت: خرج رسول الله - ﷺ - يوما فزعا محمرا وجهه يقول: "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب"، زينب بنت حجش بن [رئاب الأسدية (^٢)، تكنى أم الحكم، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ -، وكانت زينب قديمة الإسلام، ومن المهاجرات مع رسول الله - ﷺ -، تزوجها رسول الله - ﷺ - في سنة خمس من الهجرة، قاله قتادة، والواقدي، وبعض أهل المدينة وقال ابن
_________________
(١) = بن حصين. قال البزار: وهذا الكلام لا نحفظه إلا عن عمر بن الخطاب - ﵁ - واختلفوا في رفعه عن عمر فذكرناه، عن عمران إذ كان يختلف في رفعه عن عمر، وإسناد عمر إسناد صالح، فأخرجناه عن عمر، وأعدناه عن عمران لحسن إسناد عمران. وصححه الألباني في الصحيحة (١٠١٣) وصحيح الترغيب (١٣٢ و١٣٣ و٢٣٣٠).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٦) و(٣٥٩٨) و(٥٢٩٣) و(٧٠٥٩) و(٧١٣٥)، ومسلم (١ و٢ - ٢٨٨٠)، والترمذي (٢١٨٧)، وابن ماجه (٣٩٥٣)، وابن حبان (٣٢٧).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٦ ترجمة ١١٦٥).
[ ١٠ / ٤٨ ]
المسيب، وأبو عبيدة، وخليفة بن خياط: تزوجها رسول الله - ﷺ - سنة ثلاث. وروى ابن سعد أنه تزوجه لهلال ذى القعدة سنة خمس من الهجرة، وهى بنت خمس وثلاثين سنة، وكانت قبل رسول الله - ﷺ - تحت زيد بن حارثة مولى رسول الله - ﷺ -، ثم طلقها فاعتدت، ثم زوجها إليه ﷾ رسول الله - ﷺ -، فأنزل فيها: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (^١)، وكانت تفتخر على نساء رسول الله - ﷺ - وتقول: زوجنى الله ﷿ من السماء. وكانت امرأة صناعا تعمل بيدها وتتصدق به في سبيل الله ﷿، وعن عائشة قالت: يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، أن الله ﷿ زوجها نبيه - ﷺ - في الدنيا، ونطق به القرآن، إن رسول الله - ﷺ - قال لنا ونحن حوله: "أسرعكن بى لحوقا أطولكن باعا"، فبشرها رسول الله - ﷺ - بسرعة لحوقها به - ﷺ -، وهى زوجته في الجنة. قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد رسول الله - ﷺ - نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، رحمها الله تعالى، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي - ﷺ - إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله. ومناقبها كثيرة.
توفيت سنة عشرين وهى بنت ثلاث وخمسين سنة، ذكره ابن سعد، وأجمع أهل السير أنها أول نساء رسول الله - ﷺ - موتًا بعده، ودفنت بالبقيع فيما بين دار عقيل ودار ابن الحنفية، قاله ابن سعد، وصلى عليها عمر بن
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٧.
[ ١٠ / ٤٩ ]
الخطاب، ﵄، ونزل في قبرها أسامة بن زيد، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش، ومحمد بن طلحة بن عبد الله، وهو ابن أختها حمنة، فكلهم محارم لها، ﵂، وهى أول امرأة جعل عليها النعش، أشارت به أسماء بنت عميس، كانت رأته في الحبشة، وكان عمر، ﵁، يطلع إلى شيء يسترها، فأشارت به أسماء. روى لها عن رسول الله - ﷺ - أحد عشر حديثًا، والمشهور الذي عليه الجمهور أنها توفيت سنة عشرين. وقال خليفة بن خياط: سنة إحدى وعشرين].
قوله - ﷺ -: "ويل للعرب من شر قد اقترب" المراد بالويل هنا الحزن قاله ابن عرفة (^١)، وقال أبو هريرة: ويل لهم من إمارة الصبيان يحكمون فيهم بالهوى ويقتلون بالغضب" (^٢) وإنما خصص العرب بالذكر لأن معظم مفسدتهم راجع إليهم وقد وقع ما أخبر به حيثما يقال إن يأجوج هم الترك وقد أهلكوا الخليفة المعتصم وجرى ما جرى ببغداد (^٣).
فأخبر ﵊ بما يكون بعده من أمر العرب وما يستقبلهم من الويل والحرب وقد وجد ذلك بما استؤثر عليهم به من الملك والدولة والأموال والإمارة وصار ذلك في غيرهم من الترك والعجم وتشتتوا في البوادي بعد أن كان العز والملك والدنيا لهم ببركته عليه الصلاة
_________________
(١) التذكرة (ص ١٠٦٢).
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (١٠٢٠) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤).
(٣) الكواكب الدرارى (١٤/ ٩).
[ ١٠ / ٥٠ ]
والسلام وما جاء به من الدين والإسلام فيما لم يشكروا والنعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضا وسلب بعضهم أموال بعض سلبها الله منهم ونقلها إلى غيرهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (^١) (^٢).
قوله: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بين أصبعيه الإبهام والتي تليها" الحديث، والردم السد الذي بناه ذو القرنين يقال ردمت الثلمة ردما إذا سددته (^٣).
قول: "مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها" هذا إخبار وتفسير من الصحابة الذين شاهدوا إشارة النبي، ثم إن الرواة بعدهم عبروا بإصطلاح الحساب فقال سفيان: وعقد بيده عشرة أي جعل إصبعيه كالحلقة وعقد وهيب بيده تسعين وعقد التسعين أو العشرة من موضوعات الحساب وهو أن يجعل رأس الإصبع السبابة في وسط رأس الإبهام وبضمها حتى لا يبين بينهما إلا خلل يسير وهذا تقريب في العبارة (^٤).
والحاصل أن الذي فتحوه قليل وهم مع ذلك لا يلهمهم الله تعالى أن يقولوا غدا نفتحه إن شاء الله تعالى فإذا قالوا خرجوا، روى البزار من حديث يوسف بن مريم الحنفي قال: بينا أنا قاعد مع أبي بكرة - ﵁ - إذ جاء رجل فسلم عليه فقال: أما تعرفني فقال أبو بكرة: ومن أنت؟ قال: تعلم رجلا أتى
_________________
(١) سورة محمد، الآية: ٣٨.
(٢) التذكرة (ص ١٠٦٢).
(٣) النهاية (٢/ ٢١٦)، والكواكب الدرارى (١٤/ ٩)، وعمدة القارى (١٥/ ٢٣٨).
(٤) إكمال المعلم (٨/ ٤١٢ - ٤١٣)، والنهاية (١/ ٤٢٧ و٢/ ٢١٦).
[ ١٠ / ٥١ ]
النبي فأخبره أنه رأى الردم فقال له أبو بكرة: أنت هو! قال: نعم، فقال: اجلس حدثنا قال: انطلقت إلى ليس لأهلها إلا الحديد يعملونه فدخلت بيتا فاستلقيت فيه على ظهري وجعلت رجلي على جداره فلما كان عند غروب الشمس سمت صوتا لم أسمع مثله، فرعت فقال لي رب البيت لا تذعرن فإن هذا لا يضرك شيء، هذا صوت قوم منصرفون هذه الاسعة عند هذا السد، قال: فيرك ان تراهم، قلت: نعم قال: فغدوت إليه قال: فإذا لبنة من حديد كل واحد مثل الصخرة وإذا كانه البرد المحبر وإذا مسامير مثل الجذوع فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته فقال لي: "صف لي" فقلت: كأنه البرد المحبر فقال رسول الله - ﷺ -: "من سره أن ينظر على رجل قد أتى الردم فلينظر إلى هذا" قال أبو بكرة صدق (^١). أ. هـ.
وروى الإمام محمد بن الربيع الجيزي، في مسند من دخل مصر من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كنت عند رسول الله - ﷺ - أخدمه، فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب، فقالوا: استأذن لنا على رسول الله - ﷺ -، فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم فقال - ﷺ -: "ما لي ولهم يسألونني عما لا أدري إنما أنا عبد لا
_________________
(١) أخرجه البزار (٣٦٦٨). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه عن رسول الله - ﷺ - إلا أبو بكرة، ولا نعلم له طريقا عن أبي بكرة غير هذا الطريق. وقال الهيثمي في المجمع: رواه البزار، عن شيخه عمرو بن مالك، تركه أبو زرعة وأبو حاتم، ووثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويغرب، وفيه من لم أعرفه. وقال الألباني في الضعيفة (١٠٧٠): ضعيف جدًا.
[ ١٠ / ٥٢ ]
علم لي إلا ما علمني ربي ﷿" ثم قال - ﷺ -: "ابغني وضوءا" فتوضأ. ثم قام إلى مسجد في بيته فركع ركعتين، فلم ينصرف حتى عرفت السرور في وجهه والبشر. ثم قال - ﷺ -: "اذهب فأدخلهم ومن وجدت من أصحابي بالباب فأدخله معهم" قال: فأدخلتهم، فلما رفعوا إلى رسول الله - ﷺ - قال: "إن شئتم أخبرتكم عما أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلموا، وإن شئتم تكلموا به وأخبركم". فقالوا: بل أخبرنا قبل أن نتكلم قال - ﷺ -، قال: "جئتم تسألونني عن ذي القرنين، وسأخبركم عما تجدونه مكتوبا عندكم إن أول أمره أنه غلام من الروم أعطي ملكا، فسار حتى بلغ ساحل أرض مصر، فابتنى عنده مدينة يقال لها الاسكندرية، فلما فرغ من بنائها، أتاه ملك فعرج به حتى استقله، فرفعه ثم قال له: انظر ماذا ترى تحتك، قال: أرى مدينتي وأرى مدائن معها، ثم عرج به وقال: انظر ماذا تحتك قال: قد اختلطت مدينتي مع المدائن فلا أعرفها، ثم زاد فقال: انظر فقال: أرى مدينتي وحدها لا أرى معها غيرها فقال له الملك: إنما تلك الأرض كلها، والذي ترى محيطا بها هو البحر. وإنما أراد ربك ﷿ أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا. وسوف يعلم الجاهل ويثبت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدين، وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء، فبنى السد، ثم جاء يأجوج ومأجوج ثم قطعهم فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قطعهم فوجد قوما قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى فوجد أمة من الغرانيق
[ ١٠ / ٥٣ ]
يقاتلون القوم القصار، ثم مضى فوجد أمة من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المحيط بالأرض" فقالوا: نشهد أن أمره كان هكذا كما ذكرت وإنا نجده هكذا في كتبنا (^١)، أ. هـ.
قوله: "يأجوج ومأجوج" الحديث يأجوج ومأجوج فيهما لغتان الهمز والبدل قرئ في السبع بالوجهين الجمهور بترك الهمز فمن همزها جعلهما من أجيج النار وهو ضوءها وحرارتها وسموا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين (^٢)، قال مقاتل هم ولد يافث بن نوح وقال الضحاك من الترك وقال أيضًا وهب بن منبه هم جيل من الترك وقيل هم من ولد آدم من غير حواء (^٣) وعن عبد الصمد بن معقل قال: سمعت ابن منبه يقول: إن سام بن نوح [أبو العرب وفارس والروم، وإن حام أبو السودان، وأن يافث أبو الترك وأبو يأجوج ومأجوج، وهو بنو عم الترك] (^٤)، وقال كعب: احتلم آدم - ﵇ - فاختلط ماؤه
_________________
(١) أخرجه ابن عبد الحكم فتوح مصر ٥٨ - ٦٠، ويحيى بن سلام في تفسيره (١/ ٢٠٦٩)، وأبو الشيخ في العظمة (٩٦٧)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦) من طرق عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، عن سعد بن مسعود التجيبي، عن شيخين من قومه عن عقبة بن عامر. وذكره الدميرى في حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٢٤٩).
(٢) معاني القرآن (٣/ ٣١٠)، وتهذيب اللغة (١١/ ١٥٩ - ١٦٠)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٩٨)، والمفهم (٢٣/ ٦٢)، ولسان العرب (٢/ ٢٠٧)، والتوضيح (١٩/ ٣٤٨)، وفتح الباري (١٢/ ١٠٦)، وعمدة القارى (١٥/ ٢٣٢)، وحياة الحيوان (٢/ ٥٥٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٨).
(٤) تاريخ الطبري (١/ ٢٠١).
[ ١٠ / ٥٤ ]
بالتراب فأسف فخلق الله منها يأجوج ومأجوج وفيه نظر لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يحتلمون (^١) وقال في شرح مشارق الأنوار: يأجوج ومأجوج من أولاد يافث وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم (^٢)، قيل: كانوا يأكلون الناس ويخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئًا أخضر إلا أكلوه ويمرون بالدجلة فيشربونها حتى تصير يابسة فيمر بها الذين من بعدهم فيقولون لقد كان بهذا المكان ماء مرة وهم على صنفين طوال مفرطو الطول وقصار مفرطو القصر، وروي يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ويظهرون على الأرض ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم يبعث الله نغفا في أقفائهم أي دودا فيدخل في آذنهم فيموتون (^٣) انتهى.
واختلف في يأجوج ومأجوج هل أرسل إليهم أم لا وهل هم من ذرية آدم أم لا الصحيح أنه لم يرسل إليهم وأنهم من ذرية آدم بدليل الحديث الذي ورد أن الله تعالى يوم القيامة يا آدم أخرج بعث النار فيقول يا رب ومن بعث النار فيقول من ذريتك يأجوج ومأجوج من كل ألف من الآدميين واحد ومن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعين، فهذا بعث النار، ولو لم يكونوا من ذريته لما أمر بإخراجهم إذ لا ولاية له على غير ذريته والله أعلم، روى الطبراني من حديث حذيفة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "يأجوج أمة لها أربعمائة أمير وكذلك يأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى فارس من ولده
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٨)، وحياة الحيوان (٢/ ٥٥٤).
(٢) الكشاف (٢/ ٧٤٦).
(٣) الكشاف (٢/ ٧٤٦ - ٧٤٨).
[ ١٠ / ٥٥ ]
[صنف منهم كالأرز] طولهم مائة وعشرون ذراعا وصنف منهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم مقدمتهم بالشام وساقتهم بخارسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية ويمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس" وقال علي - ﵁ -: صنف منهم في طول الشبر وصنف منهم مفرط الطول، لهم مخالب الطير، وأنياب كأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعورهم تقيهم الحر والبرد، ولهم آذان عظام إحداهما وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، يحفرون السد الذي بناه ذو القرنين، حتى إذا كادوا ينقبونه يعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غدا إن شاء الله، فينقبونه ويخرجون وتتحصن الناس منهم بالحصون، فيرمون إلى السماء فيرد إليهم السهم ملطخا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم. والنغف هو الدود الذي يكون في أنوف الإبل، وفي رواية: إن يأجوج ومأجوج فيهم من طوله الشبر والشبران وفيهم من هو أطول من ذلك ومنهم من له ذنب وقرن وأنياب بارزة ومنهم من مشيته وتب ويأكلون سائر اللحوم نية بغير شيء ولا صلق ويأكلون لحوم الناس من بني آدم وجميع خشاش الأرض وكانوا بل ذلك يغيرون على الحصون والمدن حتى إذا أخربوها حتى سد عليهم ذو القرنين وسيفتحونه آخر الزمان كما أخبر الله ﷿ ويأكل بعضهم بعضا والزلازل عندهم كثير، أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر (^١)، وسئل شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى: هل يأجوج ومأجوج من ولد حواء ﵍، وكم ثبت أنه يعيش كل واحد
_________________
(١) كنز الدرر (٢/ ٨٩ - ٩٠).
[ ١٠ / ٥٦ ]
منهم؟ فأجاب: هم ولد حواء ﵉ عند أكثر العلماء، وقيل: إنهم من ولد آدم غير حواء فيكونون إخواننا من الأب ولم يثبت في قدرهما شيء، أ. هـ، وقد نقل الحافظ أبو عمر بن عبد البر مكن الإجماع على أنهم من ولد يافث بن نوح وأن النبي - ﷺ - سئل عن يأجوج ومأجوج هل بلغتهم دعوتك يا رسول الله فقال: "جزت ليلة أسري بي فدعوتهم فلم يجيبوا فهم جل أهل النار" روى الشيخان والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: "يقول الله تعالى يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك" قال: "يقول: أخرج بعث النار" قال: "وما بعث النار؟ " قال: "من ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة، فذلك حين يشب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى" الآية، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل، فقال: "أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم رجل" (^١) الحديث، قال العلماء: إنما خص آدم بالذكر دون غيره لأنه أب للجميع (^٢)، أ. هـ.
فائدة: روى أبو نعيم (^٣) عن كعب الأحبار قال: يمكث الناس بعد يأجوج ومأجوج في الرخاء والخصب والدعة عشر سنين حتى أن الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة بينهما ويحملان العنقود الواحد من العنب فيمكثون
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٤٨) و(٤٧٤١) و(٦٥٣٠)، ومسلم (٣٧٩ و٣٨٠ - ٢٢٢)، والنسائي في الكبرى (١١٢٧٦).
(٢) حياة الحيوان (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥).
(٣) حلية الأولياء (٦/ ٢٤ - ٢٥).
[ ١٠ / ٥٧ ]
على ذلك عشر سنين ثم يبعث الله ريحا طيبة فلا تدع مؤمنا ولا مؤمنة إلا قبضت روحه ثم يبقى الناس بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر في المروج حتى يأتي أمر الله والساعة وهم على ذلك وقالت العرب: هم يتهارجون تهارج الحمر أي يتسافدون والهرج كثرة النكاح يقال: بات يهرجها ليله جميعًا (^١).
قولها: فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون، قال: "نعم إذا كثر الخبث" أنهلك بكسر اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكي فتحها وهو ضعيف أو فاسد ذكره النووي في شرح مسلم (^٢).
قوله - ﷺ -: "قال: نعم إذا كثر الخبث" الحديث، والخبث بفتح الخاء والباء وبالثاء المثلثة، وفسره الجمهور بالفسوق والفجور، والفجور الميل إلى الفساد وقيل: الانبعاث في المعاصي وهو جامع للشرور قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ (^٣) وقيل: المراد الزنا خاصة وقيل المراد أولاد الزنا (^٤) وبهذا القول جزم ابن بطال في شرح البخاري في أول كتاب الفتن فقال: وفسر العلماء الخبث بأولاد الزنا (^٥)، ثم قال: فإذا ظهر ظهرت المعاصي ولم [تغير] وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها فإن لم يفعلوا فقد تعرضوا للهلاك إلا [أن] الهلاك
_________________
(١) حياة الحيوان (١/ ٣٥٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٣).
(٣) سورة الانفطار، الآية: ١٤.
(٤) حياة الحيوان (٢/ ٥٥٥).
(٥) شرح ابن بطال (٨/ ٤٧٤) و(١٠/ ٦).
[ ١٠ / ٥٨ ]
طهاة للمؤمنين ونقمة على الفاسقين، وبهذا قال السلف، وروي ابن وهب عن مالك أنه قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها واحتج بفعل أبي الدرداء في خروجه من أرض معاوية حين أعلن [بالربا] وهو من الكبائر وأجاز بيع سقاته الذهب بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، فقال معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض [أنت بها] (^١)، قال النووي: وقولها: "أنهلك وفينا الصالحون" تقدم ذكره ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون (^٢).
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (^٣) وقال القرطبي: في هذا الحديث تنبيه على الاختلاف والفتن والهرج الواقع في العرب وأول ذلك قتل عثمان ولذلك أخبر عنه بالقرب ثم لم يزل ذلك كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمة كالقصعة بين الأكلة كما في الحديث الآخر: "أوشك أن يتداعي عليكم الأمم كما تتداعي الأكلة على قصعتها" (^٤) قال: ذلك مخاطبا للعرب.
_________________
(١) المصدر السابق (١٠/ ٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ٤).
(٣) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.
(٤) أخرجه أبو داود (٤٢٩٧) عن ثوبان. وصححه الألباني في المشكاة (٥٣٦٩)، الصحيحة (٩٥٨).
[ ١٠ / ٥٩ ]
وقال لهم أيضًا: "إني لأرى مواقع الفتن في بيوتكم كمواقع القطر" (^١).
والظاهر والله أعلم أن المراد بالخبث المعاصى مطلقا، ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون، قلت: هذه سنة الله الماضية في خلقه أن العذاب إذا نزل يعم ولا يميز ولهذا أمر الله تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالخروج من بين قومهم قبل نزول العذاب مع لاح القدرة لنجاتهم وإن قعدوا ولكن لا تبديل لسنة الله تعالى، ولذا جاء في الصحيح أن النبي - ﷺ - لما مر بالحِجْر (ديار ثمود) قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أن يصيبكم مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي (^٢)، أي رفع رأسه إلى السماء حيرة وتعوذا مما جرى عليهم أو أطرق رأسه فلم يلتفت في كلتا الحالتين يمينا وشمالا لئلا يقع بصره عليها وقيل قنع رأسه أي سترها بقناع كالطيلسان والله أعلم (^٣).
في قوله "أنهلك وفينا الصالحون" الحديث دليل على أن البلاء قد يرفع عن غير الصالحين إذا كثر الصالحون فأما إذا كثر المفسدون وقل الصالحون
_________________
(١) المفهم (٢٣/ ٦١ - ٦٢). والحديث أخرجه البخاري (١٨٧٨) و(٢٤٦٧) و(٣٥٩٧) و(٧٠٦٠)، ومسلم (٩ - ٢٨٨٥) عن أسامة بن زيد.
(٢) أخرجه البخاري في الصلاة (٤٣٣) و(٣٣٨٠ و٣٣٨١) و(٤٤١٩ و٤٤٢٠) و(٤٧٠٢)، ومسلم (٣٨ و٣٩ - ٢٩٨٠) عن ابن عمر.
(٣) تحفة الأبرار (٢/ ٢٨١)، وكشف المناهج (٤/ ٣٥٤)، وشرح المصابيح (٥/ ٣٥٩) لابن ملك.
[ ١٠ / ٦٠ ]
هلك المفسدون والصالحون معهم إذا لم يأمروا ولم يكرهوا وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (^١) [بل يعم] شؤمها من تعاطاها ورضيها هذا بفساده وهذا برضاه وإقراره، فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٢) و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ (^٣): ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (^٤) وهذا يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب أحد وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب؟ فالجواب: أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على من رآه أن يغيره إما بيده فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك إذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطيع سوى ذلك أما إذا كره الصالحون ما صنع المفسدون وأخلصوا كراهيتهم لله تعالى وتبرأوا من ذلك حسب ما يلزمهم ويجب لله عليهم غير معتدين سلموا قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ (^٥) الآية، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ (^٦) الآية، وقال ابن عباس: قد أخبرنا الله ﷿ عن هذين ولم يخبرنا عن الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.
(٣) سورة المدثر، الآية: ٣٨.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٥) سورة هود، الآية: ١١٦.
(٦) سورة الأعراف، الآية: ١٦٥.
[ ١٠ / ٦١ ]
مُهْلِكُهُمْ﴾ (^١) الآية، فالصالحون هم الذين أطاعوا الله وعملوا بما أمرهم وانتهوا عما نهاهم، أ. هـ قاله القرطبي (^٢).
تتمة: في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: "أن الله تعالى إذا أنزل بقوم العذاب أصاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم" وفي رواية: "على نياتهم" (^٣) قال ابن بطال (^٤): هذا الحديث يبين حديث زينب بنت جحش لما قالت: "أنهلك وفينا الصالحون" فيكون هلاك الناس عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي ويكون ذلك العذاب العام طهرة للمؤمنين ونقمة للفاسقين، أ. هـ.
وخرج الإمام أحمد عن خرشة بن الحارث عن النبي - ﷺ - قال: "لا تشهد قتيلًا لعله أن يكون مظلومًا فتصيبه السخطة" وفي الحديث الآخر: "فتنزل السخطة عليهم فتصيبه معه" (^٥) فهذه الأحاديث تدلك على أن العذاب إذا
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٦٤.
(٢) التذكرة (ص ١٠٦٢ - ١٠٦٤).
(٣) أخرجه البخاري (٧١٠٨)، ومسلم (٨٤ - ٢٨٧٩).
(٤) شرح الصحيح (١٠/ ٥٣).
(٥) أخرجه أحمد ٤/ ١٦٧ (١٧٥٢٢)، والبزار (٣٣٣٧ - كشف الأستار)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢١٨ رقم ٤١٨١)، وابن منده في معرفة الصحابة (ص ٥٣٢) وأبو نعيم (٢٥٤٩) عن خرشة بن الحارث. قال البزار: لا نعلم روى خرشة إلا هذا الحديث بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٨٤: رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: "فعسى أن يقتل مظلوما؛ فتنزل السخطة عليهم، فتصيبه معهم". وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجالهما رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٥٠٥).
[ ١٠ / ٦٢ ]
نزل عم الصالح والطالح (^١)، أ. هـ.
٣٤٨٧ - وَعَن عَائِشَة - ﵂ - قَالَت قلت يَا رَسُول الله إِن الله أنزل سطوته بِأَهْل الأَرْض وَفِيهِمْ الصالحون فيهلكون بهلاكهم فَقَالَ يَا عَائِشَة إِن الله ﷿ إِذا أنزل سطوته بِأَهْل نقمته وَفِيهِمْ الصالحون فيصيرون مَعَهم ثمَّ يبعثون على نياتهم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).
قوله: وعن عائشة - ﵂ -، تقدم الكلام عليها.
قوله: قالت: قلت يا رسول الله إن الله أنزل سطوته بأهل الأرض وفيهم الصالحون فيهلكون بهلاكهم، فقال: "يا عائشة إن الله ﷿ إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون فيصيرون معهم ثم يبعثون على نياتهم" وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قيل يا رسول الله: "أتهلك القرية وفيها الصالحون" قال: "نعم"، قيل: بم يا رسول الله؟ قال: "يتهاونهم وسكوتهم عن معاصي الله تعالى".
قوله: وعن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أوحى الله تعالى إلى ملك من الملائكة أن أقلب مدينة كذا وكذا على أهلها فقال يا رب إن فيهم عبدك فلانًا لم يعصك طرفة عين" فقال: أقلبها عليه
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٩٠).
(٢) أخرجه ابن حبان (٧٣١٤)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٢٤٢)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٧٨ رقم ٧١٩٣). وقال الألباني: صحيح لغيره - "الصحيحة" (١٦٢٢ و٢٦٩٣)، وصحيح الترغيب (٢٣١٢)، وصحيح الجامع (١٧١٠).
[ ١٠ / ٦٣ ]
وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط" (^١).
٣٤٨٨ - وَعَن حُذَيْفَة - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليوشكن الله يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا مِنْهُ ثمَّ تَدعُونَهُ فَلَا يستجيب لكم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).
قوله: وعن حذيفة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله يبعث عليكم عقابا منه" الحديث، ليوشكن معناه ليسرعن.
٣٤٨٩ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يحقرن أحدكُم نَفسه قَالُوا يَا رَسُول الله وَكَيف يحقر أَحَدنَا نَفسه قَالَ يرى أَن عَلَيْهِ مقَالا ثمَّ لَا يَقُول فِيهِ فَيَقُول الله ﷿ يَوْم الْقِيَامَة مَا مَنعك أَن تَقول فِي كذَا وَكَذَا فَيَقُول خشيَة النَّاس فَيَقُول فإياي كنت أَحَق أَن تخشى رَوَاهُ ابْن مَاجَه
_________________
(١) أخرجه ابن الأعرابى في المعجم (٢٠١٦)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٣٦ رقم ٧٦٦١)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٧٤ رقم ٧١٨٩). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عمار بن سيف، تفرد به: عبيد بن إسحاق العطار. وقال الهيثمي ٧/ ٢٧٠: رواه الطبراني في الأوسط من رواية عبيد بن إسحاق العطار عن عمار بن سيف، وكلاهما ضعيف، ووثق عمار بن سيف ابن المبارك وجماعة، ورضي أبو حاتم عبيد بن إسحاق. وقال الألباني: ضعيف جدًا الضعيفة (١٩٠٤).
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٨ (٢٣٧٧٥) و٥/ ٣٩١ (٢٣٨٠٢)، والترمذي (٢١٦٩)، وابن خزيمة في أحاديث إسماعيل بن جعفر (٣٧٨)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٩ - ١٦٠ رقم ٢٠١٩٩) والشعب (١٠/ ٥٤ رقم ٧١٥٢)، والبغوي (٤١٥٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣١٣)، والمشكاة (٥١٤٠).
[ ١٠ / ٦٤ ]
وَرُوَاته ثِقَات (^١).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - تقدم.
قوله: "فيقول الله ﷿ يوم القيامة ما منعك أن تقول في كذا وكذا، فيقول: خشية الناس فيقول [فإياي] كنت أحق أن تخشى" الحديث.
وفي حديث أبي سعيد الخدري وفي آخره فبكى أبو سعيد، وقال: قد رأينا أشياء فهبنا، فهذا الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة دون الخوف المسقط للإنكار (^٢).
فإن قدر على إنكار المنكر لكن خاف على نفسه ضررا من هلاك أو غيره
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (٢٣٢٠)، وأحمد ٣/ ٣٠ (١١٤٢٧) و٣/ ٤٧ (١١٦١٦) و٣/ ٧٣ (١١٨٧٨) و٣/ ٩١ (١٢٠٤٨)، وعبد بن حميد (٩٧١ و٩٧٢)، وابن ماجه (٤٠٠٨)، والأصم في مجموعه (٤١٤)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٣٧ - ١٣٨ رقم ٤٨٨٧) و(٥/ ٢٤٠ رقم ٥١٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٤)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٥ رقم ٢٠١٨٤) والشعب (١٠/ ٦٢ رقم ٧١٦٤). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عبد الله المرادي إلا شريك، تفرد به: إسحاق الأزرق. وقال في الموضع الثاني: لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أبي أنيسة إلا عبيد الله بن عمرو. وقال الدارقطني في العلل (٢٣٣٦): يرويه عمرو بن مرة، عن أبي البختري، واختلف عنه؛ فرواه زبيد اليامي، وعمرو بن قيس الملائي، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد. وخالفهما شعبة، فرواه عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن رجل لم يسمه عن أبي سعيد. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨٧٢) وضعيف الترغيب (١٣٨٧).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ٩٥٤).
[ ١٠ / ٦٥ ]
ففيه احتمالان أحدهما: لا يجب لقوله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^١) فإذا جاز النطق بكلمة الكفر عند الخوف والإكراه وهو في معنى ترك إنكار المنكر لذلك، والثاني: يجب لعموم قوله "فليغيره" ولقوله ﵊ "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقول الله ﷿: "ما منعك إذا رأيت كذا وكذا أن تنكره فيقول يا رب خشيت الناس فيقول الله ﷿: أنا كنت أحق أن تخشى" وهذا يقتضي أن لا يسقط الإنكار عند الخوف وإن أمن على نفسه (^٢).
٣٤٩٠ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يُؤمن عبد حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَلَده ووالده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره (^٣).
قوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" وفي الحديث أيضًا "حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين".
اعلم أن محبة الشخص إما لاتصافه بالصفات الحميدة وإما لاشتماله على محاسن خلقته كالحسن والجمال وإما لقرابة ككونه والدا أو ولدا وقد اجتمع ذلك كله في النبي - ﷺ -.
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ١٠٦.
(٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٨٨ - ٢٨٩).
(٣) أخرجه البخاري (١٥)، ومسلم (٦٩ و٧٠ - ٤٤)، وابن ماجه (٦٧)، وابن حبان (١٧٩).
[ ١٠ / ٦٦ ]
وقال ابن بطال وغيره: المحبة ثلاثة أقسام محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس فجمع - ﷺ - أصناف المحبة، فمن استكمل الإيمان علم أن حق النبي - ﷺ - آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين (^١).
قال الكرماني: إنما خصص الولد والوالد بالذكر لكونهما أعز خلق الله تعالى على الرجل غالبا وربما يكونان أعز من نفس الرجل فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل وكأنه قال حتى أكون أحب إليه من أعزته فإن قلت: فهل يتناول لفظ الوالد الأم كما أن لفظ الولد يتناول الذكر والأنثى فمعنى لا يؤمن حتى يؤثر رضاي على هوى الوالدين وإن كان فيه هلاكه (^٢).
واعلم أن محبة الرسول - ﷺ - إرادة فعل طاعته وترك مخالفته وهي من واجبات الإسلام قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ (^٣) (^٤) أ. هـ.
وقال أبو سليمان الخطابي: لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه فمعناه لا تصدق في حبي حتى تفدي في طاعتي نفسك وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك (^٥).
_________________
(١) شرح الصحيح (١/ ٦٦) لابن بطال، وإكمال المعلم (١/ ٢٨٠)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٥).
(٢) الكواكب الدرارى (١/ ٩٧ - ٩٨).
(٣) سورة التوبة، الآية: ٢٤.
(٤) الكواكب الدرارى (١/ ٩٨).
(٥) أعلام الحديث (٤/ ٢٢٨٢)، وشرح السنة (١/ ٥١)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٥).
[ ١٠ / ٦٧ ]
وعن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي - ﷺ - وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال: "ومن نفسك يا عمر" فقال: ومن نفسي، فقال النبي - ﷺ -: "الآن يا عمر" (^١) [فمحبة رسول الله - ﷺ - آكد على الإنسان من حق أبيه وابنه والناس أجمعين لأن به - ﷺ - استنقذنا من النار فهدانا من الضلال] (^٢) وهذا كله تصريح بأن هذه المحبة ليست باعتقاد تعظيم بل ميل إلى المعتقد تعظيمه ويعلق القلب به فتأمل هذا الفرق فإنه صحيح ومع ذلك فقد خفي على كثير من الناس وعلى هذا فمعنى الحديث والله أعلم: أن من لم يجد من نفسه ذلك الميل وأرجحيته للنبي - ﷺ - لم يكمل إيمانه هذا كلام القاضي (^٣)، قال الإمام القرطبي: على أني أقول: إن كل من صدق بالنبي - ﷺ -، وآمن به إيمانا صحيحا، لم يخل عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبي - ﷺ -؛ غير أنهم في ذلك متفاوتون:
فمنهم: من أخذ من تلك الأرجحية بالحظ الأوفى؛ كما قد اتفق لعمر - ﵁ - حين قال: ومن نفسي، ولهند امرأة أبي سفيان حين قالت للنبي - ﷺ -: لقد كان وجهك أبغض الوجوه كلها إلي، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي. . . الحديث، وكما قال عمرو بن العاص: لقد رأيتني وما أحد أحب إلي من رسول الله - ﷺ -، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه؛
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٩٤) و(٦٢٦٤) و(٦٦٣٢).
(٢) شرح الصحيح (١/ ٦٦).
(٣) هذه عبارة القرطبي كما في المفهم (١/ ١٤١)، والتوضيح (٢/ ٥٢١).
[ ١٠ / ٦٨ ]
إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه، ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولا شك في أن حظ أصحابه من هذا المعنى أعظم؛ لأن معرفتهم بقدره أعظم؛ فالمحبة ثمرة المعرفة، فتقوى وتضعف بحسبها.
ومن المؤمنين: من يكون مستغرقًا بالشهوات، محجوبا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثر الأوقات؛ فهذا بأخس الأحوال، لكنه إذا ذكر بالنبي [- ﷺ - أو بشيء من] فضائله، اهتاج لذكره، واشتاق لرؤيته، بحيث يؤثر رؤيته، بل رؤية قبره ومواضع آثاره، على أهله وماله وولده، ووالده، ونفسه والناس أجمعين، فيخطر له هذا ويجده وجدانا لا شك فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة الشهوات، وتوالي الغفلات؛ ويخاف على من كان هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبة، حتى لا يوجد منها حبة، فنسأل الله الكريم، رب العرش العظيم: أن يمن علينا بدوامها وكمالها، وألا يحجبنا عنها قاله الإمام القرطبي (^١) أحمد بن عمر.
قال القاضي عياض: ومن محبته - ﷺ - نصر سنته والذب عن شريعته وتمني حضور حياته فيبذل ماله ونفسه دونه قال: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبي - ﷺ - ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومفضل ومن لم يعتقد هذا أو اعتقد ما سواه فليس بمؤمن هذا كلام القاضي (^٢).
_________________
(١) المفهم (١/ ١٤٢).
(٢) إكمال المعلم (١/ ٢٨٠ - ٢٨١).
[ ١٠ / ٦٩ ]
٣٤٩١ - وَعَن جرير - ﵁ - قَالَ بَايَعت النَّبِي - ﷺ - على السّمع وَالطَّاعَة فلقنني فِيمَا اسْتَطَعْت والنصح لكل مُسلم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَتقدم حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الدّين النَّصِيحَة قَالَه لَهُ ثَلَاثًا قَالَ قُلْنَا لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لَهُ (^١).
٣٤٩٢ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن أول مَا دخل النَّقْص على بني إِسْرَائِيل أَنه كَانَ الرجل يلقى الرجل فَيَقُول يَا هَذَا اتَّقِ الله ودع مَا تصنع بِهِ فَإِنَّهُ لا يحل لَك ثم يلقاه من الْغَد وَهُوَ على حَاله فَلَا يمنعهُ ذَلِك أَن يكون أكيله وشريبه وقعيده فَلَمَّا فعلوا ذَلِك ضرب الله قُلُوب بَعضهم بِبَعْض ثمَّ قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ (^٢) ثمَّ قَالَ كلا وَالله لتأمرن
_________________
(١) أما حديث جرير: أخرجه البخاري (٥٧)، ومسلم (٩٧ و٩٨ و٩٩ - ٥٥) والنسائي في المجتبى ٦/ ٦١٢ (٤٢١٢) و٦/ ٦١٣ (٤٢١٣) و(٤٢١٤) و٦/ ٦١٤ (٤٢١٥). وأما حديث تميم الدارى: أخرجه مسلم (٩٥ و٩٦ - ٥٥)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٦٢٨ (٤٢٣٥) و(٤٢٣٦)، وابن حبان (٤٥٧٤) و(٤٥٧٥). ولم يدرج المصنف تحتهما شرحًا.
(٢) سورة المائدة، الآيات: ٧٨ - ٨١.
[ ١٠ / ٧٠ ]
بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر ولتأخذن على يَد الظَّالِم ولتأطرنه على الْحق أطرا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وَلَفظه قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لما وَقعت بَنو إِسْرَائِيل فِي الْمعاصِي نَهَاهُم علماؤهم فَلم ينْتَهوا فجالسوهم فِي مجَالِسهمْ وواكلوهم وشاربوهم فَضرب الله قُلُوب بَعضهم بِبَعْض ولعنهم على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون فَجَلَسَ رَسُول الله - ﷺ - وَكَانَ مُتكئا فَقَالَ لَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ حَتَّى تأطروهم على الْحق أطرا قَالَ الْحَافِظ روينَاهُ من طَرِيق أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود وَلم يسمع من أَبِيه وَقيل سمع وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي عَبيدة مُرْسلا تأطروهم أَي تعطفوهم وتقهروهم وتلزموهم بِاتِّبَاع الْحق (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٣٩١ (٣٧٨٩)، وابن ماجه بإثر (٤٠٠٦)، وأبو داود (٤٣٣٦) و(٤٣٣٧)، والترمذي (٣٠٤٧) وبإثر (٣٠٤٨)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٤ و٢٠) والعقوبات (١٢)، وأبو يعلى (٥٠٣٥) و(٥٠٩٤)، والطحاوى في المشكل (١١٦٤)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٦٦ رقم ٥١٩)، والكبير (١٠/ ١٤٥ رقم ١٠٢٦٤) و(١٠/ ١٤٦ رقم ١٠٢٦٥ و١٠٢٦٦ و١٠٢٦٧ و١٠٢٦٨)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٩ رقم ٢٠١٩٦) والشعب (١٠/ ٤٤ - ٤٥ رقم ٧١٣٩). وأخرجه ابن ماجه (٤٠٠٦) والترمذي (٣٠٤٨)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٤٣ رقم ٧١٣٨). قال أبو داود: رواه المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، ورواه خالد الطحان، عن العلاء، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وقد روي هذا الحديث عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - نحوه، وبعضهم يقول: عن أبي عبيدة، عن النبي - ﷺ - مرسل. قال البيهقي: هكذا رواه سفيان الثوري، ورواه يونس بن راشد، وشريك، عن علي بن =
[ ١٠ / ٧١ ]
قوله: وعن ابن مسعود - ﵁ - تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع به فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده" الحديث، الأكيل والشريب الذي يصاحبك في الأكل والشرب، فعيل بمعنى مفاعل والقعيد الذي يصاحبك في قعودك (^١).
ففي هذا الحديث غاية التشديد ونهاية التهديد لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين الله ﷾ أن السبب في لعنهم هو ترك التناهي عن المنكر وبين أن ذلك عصيان منهم واعتداء وأن ذلك بئس الفعل فاعتبروا يا أولي الألباب (^٢). ولا شك أن من رأى أخاه على منكر ولم ينهه عنه فقد أعانه عليه بالتخلية بينه وبين ذلك المنكر وعدم الاعتراض عليه وليس هذا من الدين في شيء إذ لا يؤمن الرجل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وإنما الدين النصيحة ومن رأى إنسانا يهوي في النار ولم ينصحه فإنما إثمه عليه (^٣).
_________________
(١) = بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود وقد ذكرنا إسنادهما في كتاب السنن، وروي من وجه آخر عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٠٥)، المشكاة (٥١٤٨)، وضعيف الترغيب (١٣٨٨).
(٢) النهاية (٤/ ٨٦).
(٣) تنبيه الغافلين (ص ٨٣).
(٤) المصدر السابق (ص ٨٤).
[ ١٠ / ٧٢ ]
قوله - ﷺ -: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم" الحديث، الأخذ على يد الظالم منعه من الظلم.
قوله: "ولتأطرنه على الحق أطرا" وفي رواية الترمذي: "حتى تأطروهم على الحق أطرا" الحديث، تأطروهم بالهمز وبالطاء المهملة المكسورة في المضارع الساكنة في المصدر، قال الجوهري (^١): آطرت القوس آطرها أطرا إذا حنيتها وتأطر الرمح تثني وقد فسره الحافظ فقال: تأطروهم أي تعطفوهم وتقهروهم وتلزموهم باتباع الحق، أ. هـ.
قال ابن النحاس ﵀: قلت يعني لا يخلصون من العذاب حتى تأطروهم والأطر الإمالة والتحريف من جانب إلى جانب يعني حتى تمنعوا الظلمة والفسقة عن الظلم والفسق وتميلوهم عن الباطل إلى الحق (^٢).
قوله: "فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم بعض" الحديث يعني سود الله قلوب من لم يعص بشؤم من عصى فصارت قلوب الجميع قاسية بعيدة عن الحق من قبول الخير والرحمة بسبب المعاصي وبسبب مخالطة بعضهم بعضا (^٣)، أ. هـ.
قال ابن النحاس ﵀: قلت في حديث ابن مسعود هذا دليل على أن من لا يستطيع غير لسانه إذا أمر أحدا بمعروف أو نهاه عن منكر ولم يرجع إليه وجب عليه أن يهجره في الله تعالى ولا يؤاكله ولا يشاربه فإذا فعل ذلك
_________________
(١) الصحاح (٢/ ٥٨٠).
(٢) هذا كلام المظهرى كما في المفاتيح (٥/ ٢٦٩).
(٣) شرح المصابيح (٥/ ٣٧٥) لابن ملك.
[ ١٠ / ٧٣ ]
فقد وقى ما عليه وبرئ من الإثم وأما من استطاع التغيير باليد فلا يخرج من عهدة الوجوب بالهجر والله تعالى أعلم (^١).
وذكر في بعض الكتب أن الله تعالى أوحى إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بالأخيار قال: "إنهم لم يغضبوا لغضبي وواكلوهم وشاربوهم" (^٢).
وقال ابن سعد: إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها وإذا أعلنت فلم تغير ضرت بالعامة (^٣).
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (^٤) وعن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الله لا يعذب العامة بذنوب الخاصة حتى يرى المنكرين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروا فلم ينكروا" (^٥).
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ١٠٢) لابن النحاس.
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٩٤) للسمرقندي، والتمهيد (٢٤/ ٣١٠)، وإحياء علوم الدين (٢/ ١٥١ و٢/ ٣١١).
(٣) الزهد (١٣٣٠) لابن المبارك وابن سعد هو بلال بن سعد.
(٤) سورة الأنفال، الآية: ٢٥.
(٥) أخرجه أحمد ٤/ ١٩٢ (١٧٧٢٠) و(١٧٧٢٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٣١)، والدولابى في الكنى (٢٦٥)، والطحاوي في معاني الآثار (١١٧٥)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٣٨ رقم ٣٤٣)، والبغوى في شرح السنة (٤١٥٥) عن عدى بن عميرة وعند الطبراني والطحاوى عن العرس بن عميرة. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٧: رواه أحمد من طريقين، إحداها هذه، والأخرى عن عدي بن عدي حدثني مولى لنا وهو الصواب، وكذلك رواه الطبراني، وفيه رجل لم يسم، =
[ ١٠ / ٧٤ ]
٣٤٩٣ - وَعَن جرير بن عبد الله - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من رجل يكون فِي قوم يعْمل فيهم بِالْمَعَاصِي يقدرُونَ على أَن يُغيرُوا عَلَيْهِ وَلَا يغيرون إِلَّا أَصَابَهُم الله مِنْهُ بعقاب قبل أَن يموتوا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أبي إِسْحَاق قَالَ أَظُنهُ عَن ابْن جرير عَن جرير وَلم يسم ابْنه وَرَوَا ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه والأصبهاني وَغَيرهم عَن أبي إِسْحَاق عَن عبيد الله بن جرير عَن أَبِيه (^١).
قوله: وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - تقدم الكلام عليه، وتقدم أيضًا الكلام على معنى الحديث.
٣٤٩٤ - وَعَن أبي بكر الصّديق - ﵁ - قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنَّكُم تقرؤون هَذِه الْآيَة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٢).
وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول: إِن النَّاس إِذا رَأَوْا الظَّالِم فَلم يَأْخُذُوا على يَدَيْهِ أوشك أَن يعمهم الله بعقاب من عِنْده رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ
_________________
(١) = وبقية رجال أحد الإسنادين ثقات. وقال في ٧/ ٣٦٨: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وقال الحافظ في الفتح (١٣/ ٤): أخرجه أحمد بسند حسن. وقال في الإصابة ٧/ ١٧٣: ورواته ثقات لكن المولى لم يسم ولا يعرف وضعفه الألباني في الضعيفة (٣١١٠).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣٦١ (١٩٤٠٦) و٤/ ٣٦٣ (١٩٤٢٩) و٤/ ٣٦٤ (١٩٤٤٣) و٤/ ٣٦٦ (١٩٤٦٦) و(١٩٤٦٧) و(١٩٤٦٩) و(١٩٤٧٠)، وأبو داود (٤٣٣٩)، وابن ماجه (٤٠٠٩)، وأبو يعلى (٧٥٠٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (١١٧٤)، وابن حبان (٣٠٠) و(٣٠٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٩٧). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣١٦) وصححه في الصحيحة (٣٣٥٣).
(٣) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.
[ ١٠ / ٧٥ ]
حَدِيث حسن صَحِيح وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظ النَّسَائِيّ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول إِن الْقَوْم إِذا رَأَوْا الْمُنكر فَلم يغيروه عمهم الله بعقاب وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول مَا من قوم يعْمل فيهم بِالْمَعَاصِي ثمَّ يقدرُونَ على أَن يُغيرُوا ثم لَا يُغيرُوا إِلَّا يُوشك أَن يعمهم الله مِنْهُ بعقاب (^١).
قوله: وعن أبي بكر الصديق - ﵁ - تقدم الكلام عليه.
قوله: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٢)، ومعنى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ أي بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قاله سعيد بن المسيب (^٣).
اعلم أن هذه الآية الكريمة مما يغتر بها كثير من الجاهلين ويحملونها على غير وجهها بل الصواب في معناها والله أعلم أنكم إذا فعلتم ما أمرتم به فلا يضركم إضلال من ضل، وفي جملة ما أمروا به الأمر بالمعروف والنهي عن
_________________
(١) أخرجه الحميدي (٣)، وأحمد ١/ ٢ (١) وفي ١/ ٥ (١٦) وفي ١/ ٧ (٢٩) وفي ١/ ٧ (٣٠) وفي ١/ ٩ (٥٣) وعبد بن حميد (١)، وأبو داود (٤٣٣٨)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، والترمذي (٢١٦٨) و(٣٠٥٧)، والنسائي في الكبرى (١١٥٩٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (١١٦٥ و١١٦٦ و١١٦٧ و١١٦٨ و١١٦٩ و١١٧٠)، وابن حبان (٣٠٤ و٣٠٥). وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٦٤) وصحيح الترغيب (٢٣١٧).
(٢) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.
(٣) تفسير الطبري (٩/ ٥٠)، وكذلك قال حذيفة بن اليمان كما في تفسير الطبري في الموضع السابق.
[ ١٠ / ٧٦ ]
المنكر والآية قريبة المعنى من قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (^١) وقد جاء عن أبي عبيد أنه قال: ليس في كتاب الله تعالى جمعت بين الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية، قال بعض أهل العلم: الناسخ فيها: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ والهدى هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال ابن المبارك: في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هو خطاب لجميع المؤمنين أي عليكم أهل دينكم كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٢) فكأنه قال: ليأمر بعضكم بعضا ولينه بعضكم بعضا بالمعروف وبالنهي عن المنكر ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين من أهل الكتاب، وقد روي معنى هذا عن سعيد بن جبير والله أعلم (^٣).
قوله - ﷺ -: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب" الحديث، تقدم أن الآخذ على اليد عبارة عن المنع تقدم أيضًا معنى أوشك.
٣٤٩٥ - وَعَن أبي كثير السحيمي عَن أَبِيه قَالَ سَأَلت أَبَا ذَر قلت دلَّنِي على عمل إِذا عمل العَبْد بِهِ دخل الْجنَّة قَالَ سَأَلت عَن ذَلِك رَسُول الله - ﷺ - قَالَ تؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر قلت يَا رَسُول الله إِن مَعَ الْإِيمَان عملا قَالَ يرْضخ مِمَّا رزقه الله قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن كانَ فَقِيرا لَا يجد مَا يرْضخ بِهِ قَالَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن كانَ عييا لَا يَسْتَطِيع أَن يَأْمر
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٩٩.
(٢) سورة النساء، الآية: ٢٩.
(٣) تنبيه الغافلين (ص ٩٣ - ٩٤).
[ ١٠ / ٧٧ ]
بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر قَالَ يصنع لأخرق قلت أَرَأَيْت إِن كَانَ أخرق أَن يصنع شَيْئا قَالَ يعين مَغْلُويًا قلت أَرَأَيْت إِن كانَ ضَعِيفا لَا يَسْتَطِيع أَن يعين مَغْلُويًا قَالَ مَا تُرِيدُ أَن يكون فِي صَاحبك من خير يمسك عَن أَذَى النَّاس فَقلت يَا رَسُول الله إِذا فعل ذَلِك دخل الْجنَّة قَالَ مَا من مُسلم يفعل خصْلَة من هَؤُلَاءِ إِلَّا أخذت بِيَدِهِ حَتَّى تدخله الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ وَرُوَاته ثِقَات وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).
قوله: وعن أبي كثير السحيمي [اسمه يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة وهو من رجال مسلم وهو الذي يقال له الأعمى].
قوله: "تؤمن بالله واليوم الآخر" الإيمان في اللغة التصديق.
قوله: "يرضغ مما رزقه الله" الرضخ العطية القليلة.
قوله: "يصنع لأخرق" الأخرق تقدم معناه أنه الذي لا يتقن صنعة من الصنائع.
٣٤٩٦ - وَرُوِيَ عَن درة بنت أبي لَهب - ﵂ - قَالَت قلت يَا رَسُول الله من خير النَّاس قَالَ أَتْقَاهُم للرب ﷿ وأوصلهم للرحم وَآمرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وأنهاهم عَن الْمُنكر رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب الثَّوَاب وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (٣٧٣) واللفظ له، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٣)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٢ - ٣٣ رقم ٣٠٥٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ١٦١ (٣٠٣٣٦) والإيمان (٧٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٦٧: ١٦٥٠) ومكارم الأخلاق (٩٨)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢٨٧) من طريق عكرمة بن عمار عن أبي زميل، عن مالك بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر. وقال الألبانى: صحيح لغيره - "الصحيحة" (٢٦٦٨) وصحيح الترغيب (٢٣١٨).
[ ١٠ / ٧٨ ]
الْكَبِير وَغَيره (^١).
قوله: وروي عن درة بنت أبي لهب - ﵂ -[هي درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية بنت عم النبي - ﷺ - وهاجرت إلى المدينة، وكانت عند الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فولدت له عقبة والوليد وأبا مسلم (^٢)] تقدم الحديث.
٣٤٩٧ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - يَا أَيهَا النَّاس مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر قبل أَن تدعوا الله فَلَا يستجيب لكم وَقبل أَن تستغفروه فَلَا يغْفر لكم إِن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لَا يدْفع رزقا وَلَا يقرب أَجَلًا وَإِن الْأَحْبَار من الْيَهُود والرهبان من النَّصَارَى لما تركُوا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لعنهم الله على لِسَان أَنْبِيَائهمْ ثمَّ عموا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٢١٨ (٢٥٣٩٧) و٧/ ٥٠٤ (٣٧٨٥٠) وعنه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (١١٨٣) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣١٦٦)، وأحمد ٦/ ٤٣١ - ٤٣٢ (٢٨٠٧٧)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٢٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٣١٦٧)، والخرائطى في مكارم الأخلاق (٢٧١)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٥٧ رقم ٦٥٧)، والبيهقي في الزهد (٨٧٧) والشعب (١٠/ ٣٢١ رقم ٧٥٧٨)، والشجرى في الأمالى (٢/ ١٧٦). وقال الهيثمى في المجمع ٧/ ٢٦٣: رواه أحمد وهذا لفظه والطبراني، وزاد: قالت: كنت عند عائشة، فجيء برجل إلى النبي - ﷺ - كأنه ناداه وهو على المنبر فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قالت: فأتى الرجل فأخذ فقال: يا رسول الله، ليس لي ذنب أمرني فلان، والباقي بنحوه. ورجالهما ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٩٣) وضعيف الترغيب (١٣٨٩) و(١٤٩٢).
(٢) أسد الغابة (٧/ ١٠٣).
[ ١٠ / ٧٩ ]
بالبلاء رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ (^١).
قوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.
قوله في الحديث: "وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم" الحديث، الربانيون هم علماء النصارى والأحبار هم العلماء جمع حبر بالفتح والكسر وكان يقال لابن عباس الحبر والبحر لعلمه وسعته والأحبار هم علماء اليهود قاله الحسن (^٢)، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وبخ الله ﷾ علماء اليهود في تركهم نهيهم فقال: ليس ما كانوا يصنعون كما وبخ من يسارع في الإثم في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٣) ودلت الآية الكريمة على أن تارك النهي عن المنكر كم ركب المنكر والآية توبيخ للعلماء في ترك الْأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر (^٤)، أ. هـ.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٤٤) ومن طريقه المقدسي في الأمر بالمعروف (٦٦)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٩٥ - ٩٦ رقم ١٣٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٨٧)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب (٣٠٦). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد إلا إسحاق بن إبراهيم الجحدري، تفرد به: ابن دنوقا. قال أبو حاتم في العلل (١٩٠٨) و(٢٨٠٠): هذا حديث منكر. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لم أعرفهم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٩٢) وضعيف الترغيب (١٣٩٠).
(٢) تفسير القرطبي (٦/ ٢٣٧).
(٣) سورة المائدة، الآية: ٦٢.
(٤) المصدر السابق في نفس الموضع.
[ ١٠ / ٨٠ ]
٣٤٩٨ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لَا تزَال لَا إِلَه إِلَّا الله تَنْفَع من قَالهَا وَترد عَنْهُم الْعَذَاب والنقمة مَا لم يستخفوا بِحَقِّهَا قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا الاستخفاف بِحَقِّهَا؟ قَالَ يظْهر الْعَمَل بمعاصي الله فَلَا يُنكر وَلَا يُغير رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ أَيْضا (^١).
قوله: وروي عن أنس بن مالك -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها" الحديث، فإن قلت: لم كان ترك الإنكار والتغيير استخفافا بحق لا إله إلا الله؟ قلت: لأن سبب تركها وإن اختلفت المقاصد فيه يرجع إلى خوف أو رجاء ومن تحقق أن لا إله إلا لم يرج أحدا غير الله ولم يخف سواه ولم يخش إلا إياه لأنه لم يشهد فاعلا في الكون غير مشيئة الله ولا محركا في الوجود غير يد قدرته ولا فعلا وإن دق خارجا عن إرادته فيتكلم بالحق أينما كان لم يخف في الله لومة لائم ومن كان توحيده مشوبا برؤية الأغيار وشهود أفعالهم في الوجود وتأثير إرادتهم في الكون ألقى الشيطان عنده أنواع الوساوس وعظم في عينه أقل الناس ورجاه من هو جدير في الدنيا والآخرة بالإفلاس فترك التغيير وأعرض عن المنكر وداهن في دين الله فأسلمه ذلك إلى سوء المصير ولم يمنعه من عذاب الله لقلقة لسانه بلا إله إلا الله لأنه استخف بحقها ومقتضاها وأشرك في التصريف مع الله إلها فوحد
_________________
(١) أخرجه الأصبهاني في الترغيب (٣٠٧)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٢٩٧١). وضعفه جدا الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٩١).
[ ١٠ / ٨١ ]
بلسانه وأشرك بقلبه، ولو أوفى الكلمة حقها لأنكر المنكر ولم يخف غير ربه ﵎ والله أعلم قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).
٣٤٩٩ - وَعَن حُذَيْفَة -﵁- قَالَ: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول: تعرض الْفِتَن على الْقُلُوب كالحصير عودًا عودًا فَأَي قلب أشربها نكتت فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاء وَأي قلب أنكرها نكتت فِيهِ نُكْتَة بَيْضَاء حَتَّى تصير على قلبين على أَبيض مثل الصَّفَا فَلَا تضره فتْنَة مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لَا يعرف مَعْرُوفًا وَلَا يُنكر مُنْكرًا إِلَّا مَا أشْرب من هَوَاهُ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره قَوْله مجخيًا هُوَ بميم مَضْمُومَةً ثمَّ جِيم مَفْتُوحَة ثمَّ خاء مُعْجمَة مَكْسُورَة يَعْنِي مائلا وَفَسرهُ بعض الروَاة بِأَنَّهُ المنكوس وَمعنى الحَدِيث أَن الْقلب إِذا افْتتن وَخرجت مِنْهُ حُرْمَة الْمعاصِي والمنكرات خرج مِنْهُ نور الْإِيمَان كَمَا يخرج المَاء من الْكوز إِذا مَال أَو انتكس (^٢).
قوله: وعن حذيفة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا" الحديث والفتن جمع فتنة، قال أبو الحسن بن سراج: ومعنى تعرض الفتن أنها تلصق بعرض القلوب أي جانبها كما تلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه شدة
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٩٨ - ٩٩).
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٣٨٦ (٢٣٧٥٢) و٥/ ٤٠٥ (٢٣٩٢٢)، ومسلم (٢٣١ - ١٤٤)، والبزار (٢٨٤٤)، وأبو عوانة (٢١٣ و٢١٤)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ و٤/ ٣٦٩ - ٣٧٠ والمستخرج (٣٦٧ و٣٦٨ و٣٦٩)، والحاكم ٤/ ٤٦٨. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
[ ١٠ / ٨٢ ]
التصاقها به، قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان والاختبار، قال القاضي عياض: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، وقال أبو زيد فتن الرجل يفتن فتونا إذا وقع في الفتنة وتحول من حالة حسنة إلى سيئة والله أعلم، قال أبو الحسن بن سراج: ومعنى تعرض الفتن أنها تلصق بعرض القلوب أي جانبها كما تلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه شدة التصاقها به (^١).
وقيل: تحيط بالقلوب يقال حصر به القوم أي أطافوا به وقيل هو عرق يمتد معترضا جنب الدابة إلى ناحية بطنها فشبه الفتن بذلك (^٢).
وقيل: هو ثوب مزخرف منقوش إذا نشر أخذ القلوب بحسن صنعته فكذلك الفتنة تزين وتزخرف للناس، وعاقبة ذلك إلى غرور، قاله في النهاية (^٣)، وقال فيها أيضًا: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير" أي: توضع عليها وتبسط كما تبسط الحصير، وقيل: هو من عرض الجند بين يدي السلطان لإظهارهم واختبار أحوالهم (^٤)، أ. هـ.
وقوله: "عودًا عودًا" هذان الحرفان مما اختلف في ضبطهما على ثلاثة أوجه أظهرها وأشهرها عودًا عودًا بضم العين وبالدال المهملة وهو أحد العيدان يعني ما ينسج به الحصير من طاقاته، والثاني: بفتح العين وبالدال
_________________
(١) إكمال المعلم (١/ ٤٥١ - ٤٥٢).
(٢) غريب الحديث (٢/ ٣٣٤) للخطابي، وإكمال المعلم (١/ ٤٥٣)، والنهاية (١/ ٣٩٥).
(٣) النهاية (١/ ٣٩٥).
(٤) المصدر السابق (٣/ ٢١٥).
[ ١٠ / ٨٣ ]
المهلمة أيضًا والرواية بالفتح أي مرة بعد أخري، والثالث: بفتح العين وبالذال المعجمة كأنه استعاذ من الفتن ولم يذكر صاحب التحرير غير الأول (^١)، قال القاضي عياض: واختار شيخنا أبو الحسن بن سراج فتح العين والدال المهملة وقال معنى عَودًا عَودًا أي تعاد وتكرر على القلب والعود تكرير الشيء شيئًا بعد شيء، قال ابن سراج: ومن رواه بالذال المعجمة فمعناه سؤال الاستعاذة منها كما يقال غفر غفرًا وغفرانك أي نسألك أن تعيذنا من ذلك وأن تغفر لنا (^٢).
وقوله: "كالحصير" أي كما ينسج الحصير عودًا عودًا وشظية بعد أخري، قال القاضي عياض: وعلى هذا يترجح رواية ضم العين وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عودًا أخذ آخر ونسجه نسبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد، قال القاضي عياض: وهذا معنى الحديث عندي وهو الذي يدل عليه سياق لفظه وصحة تشبيهه والله أعلم (^٣).
قوله -ﷺ-: "فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء" الحديث، ومعنى اشربها أي دخلت فيه دخولًا تامًّا وألزمها وحلت منه محل الشراب ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧١ - ١٧٢).
(٢) إكمال المعلم (١/ ٤٥٢).
(٣) المصدر السابق (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣).
[ ١٠ / ٨٤ ]
الْعِجْلَ﴾ (^١) أي حب العجل ومنه قولهم ثوب مشرب بحمرة أي خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها ومعنى "نكتت فيه نكتة سوداء" النكتة بالتاء المثناة فوق أي نقط فيه نقطة كالوسخ في المرآة (^٢).
قوله: "وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء" ومعنى أنكرها ردها (^٣). وقوله: "حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض" الحديث، الصفا بالقصر الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء وإنما ضرب به المثل لأن الحجر إذا لم يكن معدنيًا لم يتغير بطول الزمان ولم يدخله لون آخر لا سيما النوع الذي ضرب به المثل فإنه أبدًا على البياض الخالص (^٤).
قوله: "والآخر أسود مربادًّا" بتشديد الدال هكذا هو في هذا الحديث، وفي بعض طرق الحديث "مربدًا" والمربد بضم الميم وفتح الباء وتشديد الدال من الربدة وهي لون الرماد قاله جار الله العلامة (^٥)، ويريد أربد القلب من حيث المعنى لا الصورة فإن لون القلب إلى السواد ما هو قاله في النهاية (^٦).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٩٣.
(٢) إكمال المعلم (١/ ٤٥٣)، وشرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٢) والمجموع المغيث (٣/ ٣٤٩) والنهاية (٥/ ١١٤).
(٣) كشف المناهج (٤/ ٤٤٦).
(٤) الميسر (٤/ ١١٣٨).
(٥) الفائق (٢/ ٤١٨).
(٦) النهاية (٢/ ١٨٢).
[ ١٠ / ٨٥ ]
قوله: "كالكوز مجخيا" أي: منكوسًا كذا فسر في الحديث.
قوله: "لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه" الحديث، المجخي قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: هو المائل وفسره بعض الرواة بأنه منكوس.
وقال غيره: المجخي: المائل عن الاستقامة والاعتدال يقال: جخي الليل إذا مال ليذهب، وجخي الشيخ إذا حناه الكبر قال: لا خير في الشيخ إذا ما جخي، وفي بعض طرق هذا الحديث أن حذيفة أمال كفه عند التحدث بقوله "مجخيا" وفيه إشارة إلى ما أريد به من المعنى وهو أن القلب يخلو عما أودع فيه من المعارف، ومحاسن الأخلاق والأدب (^١)، أ. هـ.
قال الحافظ: ومعنى الحديث أن القلب إذا افتتن وخرجت منه حرمة المعاصي والمنكرات خرج منه نور الإيمان كما يخرج الماء من الكوز إذا مال أو انتكس، أ. هـ، وقال غيره: شبه القلب الذي لا يعي خيرًا بالكوز المائل لا يثبت فيه شيء (^٢).
٣٥٠٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: إِذا رَأَيْت أمتِي تهاب أَن تَقول للظالم يَا ظَالِم فقد تودع مِنْهُم رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).
_________________
(١) الميسر (٤/ ١١٣٨).
(٢) النهاية (١/ ٢٤٢).
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٣ (٦٥٢١) و٢/ ١٨٩ (٦٧٧٦) و٢/ ١٩٠ (٦٧٨٤)، والترمذي في العلل (٧١٦)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٣) والعقوبات (٤٧)، والبزار (٢٣٧٤) و(٢٣٧٥)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٩٠)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٥٤ - =
[ ١٠ / ٨٦ ]
قوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم" الحديث، أي: أسلموا إلى ما استحقوه من النكير عليهم وتركوا وما استحبوه من المعاصي حتى يكثروا منها فيستوجبوا العقوبة (^١).
ومعنى هذا الحديث والله أعلم: أن الأمة إذا خلت عن القائم بكلمة الحق للظالم وغيره فقد عطلوا فرضًا أوجبه الله عليهم واشتركوا في الإثم فاستحقوا ما ذكره النبي -ﷺ- في الأحاديث من عظيم العقاب وأليم العذاب في الدنيا والآخرة ولا يدفع ذلك عنهم مجرد الإيمان باللسان والله أعلم (^٢).
_________________
(١) = ٤٥٥ رقم ١٤٣١٤) و(١٣/ ٤٨٢ رقم ١٤٣٥١)، وابن الأعرابي في معجمه (٧٤)، وأبو الشيخ في أحاديث أبي الزبير (١٦ و٢٠)؛ والحاكم في المستدرك (٤/ ٩٦)، والبيهقي في السنن (٦/ ٩٥)، وفي شعب الإيمان (٧١٤٠). وقال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث قلت له: أبو الزبير سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه. وقال البزار: وهذا الحديث عن الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير هو الصواب عندي. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٢: رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد، إلا أنه وقع فيه في الأصل غلط فلهذا لم أذكره. وقال ٧/ ٢٧٠: رواه أحمد والبزار والطبراني، وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح، وكذلك إسناد أحمد إلا أنه وقع فيه في الأصل غلط. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٧٧) و(١٢٦٤) وضعيف الترغيب (١٣٩٢).
(٢) إكمال المعلم (٣/ ٢٦٤)، وغريب الحديث (٢/ ٤٥٩) لابن الجوزي، والنهاية (٥/ ١٦٦).
(٣) تنبيه الغافلين (ص ٩٨).
[ ١٠ / ٨٧ ]
٣٥٠١ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ: أَوْصَانِي خليلي -ﷺ- بخصال من الْخَيْر أَوْصَانِي أَن لَا أَخَاف فِي الله لومة لائم وأوصاني أَن أَقُول الْحق وَإِن كَانَ مرًّا مُخْتَصرًا رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ (^١).
٣٥٠٢ - وَعَن عرس بن عميرَة الْكِنْدِيّ -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِذا عملت الْخَطِيئَة فِي الْأَرْض كَانَ من شَهِدَهَا وكرهها وَفِي رِوَايَة فأنكرها كمن غَابَ عَنْهَا وَمن غَابَ عَنْهَا فرضيها كَانَ كمن شَهِدَهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُغيرَة
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٢٩)، وأحمد ٥/ ١٥٩ (٢١٨١٤) و٥/ ١٧٣ (٢١٩١٧) والزهد (٤٠١)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٤٢)، والحارث (٤٦٧)، والبزار (٣٩٦٦)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٢٧٣)، وابن حبان (٤٤٩)، والطبراني في الدعاء (١٦٤٨ و١٦٤٩ و١٦٥٠ و١٦٥١ و١٦٥٢) والأوسط (٧/ ٣٦٤ - ٣٦٥ رقم ٧٧٣٩) والصغير (٢/ ٤٨ رقم ٧٥٨) والكبير (٢/ ١٥٦ رقم ١٦٤٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٥٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٥٥ - ١٥٦ رقم ٢٠١٨٦ و٢٥١٨٧) والشعب (٥/ ١٠٤ - ١٠٥ رقم ٣١٥٦ و٣١٥٧) و(٧/ ٢١ رقم ٤٥٩٢) و(١٠/ ٦٨ - ٦٩ رقم ٧١٧٦). قال البزار: ولا نعلم أسند إسماعيل بن أبي خالد، عن بديل بن ميسرة إلا هذا الحديث، وبديل لم يسمع من عبد الله بن الصامت، وإن كان قديما. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عمر بن فرقد إلا علي بن حميد الدهكي، تفرد به: يعقوب الحضرمي. وقال أبو نعيم: غريب من حديث محمد بن واسع لم يوصله إلا سلام أبو المنذر. وقال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٦٣: رواه أحمد، والطبراني في الأوسط بنحوه، وأحد إسنادي أحمد ثقات. وقال ٧/ ٢٦٥: رواه الطبراني في الصغير والكبير بنحوه، وزاد: "وأن لا أسأل الناس شيئا"، ورجاله رجال الصحيح غير سلام أبي المنذر وهو ثقة، ورواه البزار. وقال الألباني: صحيح - "الصحيحة" (٢١٦٦) وصحيح الترغيب (٢٢٣٣) و(٢٣٢٠) و(٢٥٢٥) و(٢٨٦٨). ولم يدرج تحته في هذا الموضع شرحا.
[ ١٠ / ٨٨ ]
ابن زِيَاد الْموصِلِي (^١).
قوله: وعن عرس بن عميرة الكندي -﵁- بضم العين المهملة وإسكان الراء وهما اثنان هذا والعرس بن قيس الكندي وهما صحابيان ذكرهما الحافظ أبو عمر ولم يرو له من أصحاب الستة إلا أبو داود روى له هذا الحديث خاصة والله أعلم (^٢).
قوله: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها" وفي رواية "فأنكرها كمن غاب عنها" الحديث، فمن شهد الخطيئة فكرهها بقلبه كان كمن لم يشهد إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده ومن غاب عنها فرضيها كما كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها لأن الرضى بالخطايا من أقبح الحرمات ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب وهو فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في حال ممن الأحوال انتهي، قاله ابن رجب الحنبلي (^٣)، وفي روايه: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من حضرها وكرهها" الحديث، ومعنى قوله "حضرها" أي حضرها لضرورة أو رآها اتفاقا لأن حضور الحاضر موضعًا يرى فيه المنكر قصدًا من غير ضرورة ممنوع، ولا
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٤٥)، وابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ٣٠٩، والطبراني في الكبير ١٧/ ١٣٩ (٣٤٤ = ٣٤٥)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٣٩١، والهروي في ذم الكلام (٣١١)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣١٣). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٢٣)، المشكاة (٥١٤١).
(٢) الاستيعاب (٣/ ١٠٦٢).
(٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ٩٥١).
[ ١٠ / ٨٩ ]
يسلم الحاضر من الإثم وإن كرهه بقلبه، أ. هـ والله أعلم (^١).
٣٥٠٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: الْإِسْلَام أَن تعبد الله لَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وتسليمك على أهلك فَمن انْتقصَ شَيْئا مِنْهُنَّ فَهُوَ سهم من الْإِسْلَام يَدعه وَمن تركهن فقد ولى الْإِسْلَام ظَهره رَوَاهُ الْحَاكِم وَتقدم حَدِيث حُذَيْفَة عَن النَّبِي -ﷺ- الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم الْإِسْلَام سهم وَالصَّلَاة سهم وَالزَّكَاة سهم وَالصَّوْم سهم وَحج الْبَيْت سهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ سهم وَالنَّهْي عَن الْمُنكر سهم وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله سهم وَقد خَابَ من لَا سهم لَهُ رَوَاهُ الْبَزَّار (^٢).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان" الحديث، تقدم تفسير هذه الألفاظ وتقدم حديث حذيفة: "الإسلام ثمانية أسهم الإسلام سهم والصلاة سهم" إلى قوله:
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٣١).
(٢) أخرجه أبو عبيد في الإيمان (٣)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٤٠٥)، والطبراني في مسند الشاميين (٤٢٩)، وابن السنى في اليوم والليلة (١٦٠)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٤٨٧)، والحاكم (١/ ٢١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٢١٧ - ٢١٨)، والبيهقي في الشعب (١١/ ٢٣٠ - ٢٣١ رقم ٨٤٥٨)، والشجرى في الأمالى (١/ ٥٠). وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٢٤) والصحيحة (٣٣٣). وحديص حذيفة مر.
[ ١٠ / ٩٠ ]
"والأمر بالمعروف سهم" فانظر أيها الأخ إلى هذا السهم من الدين فقد تركه أكثر الناس واضجروا فيه مدهنين لا يلفتون وجوههم إليه ولا ويعولون في دينهم عليه كأنهم عنه لا يسألون إنا لله وإنا إليه راجعون قاله ابن النحاس (^١).
٣٥٠٤ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت دخل عَليّ النَّبِي -ﷺ- فَعرفت فِي وَجهه أَن قد حَفَزَهُ شَيْء فَتَوَضَّأ وَمَا كلم أحدًا فلصقت بالحجرة أستمع مَا يَقُول فَقعدَ على الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن الله يَقُول لكم مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر قبل أَن تدعوا فَلَا أُجِيب لكم وتسألوني فَلَا أُعْطِيكُم وتستنصروني فَلَا أَنْصُركُمْ فَمَا زَاد عَلَيْهِنَّ حَتَّى نزل رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه كِلَاهُمَا من رِوَايَة عَاصِم بن عمر بن عُثْمَان عَن عُرْوَة عَنْهُمَا (^٢).
قوله: وعن عائشة -﵂-، تقدم الكلام عليها.
قولها: قالت: قد دخل عليَّ رسول الله -ﷺ- فعرفت في وجهه أن قد حفزه
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٢٧).
(٢) أخرجه إسحاق (٨٦٤) و(١٧٩٥)، وأحمد ٦/ ١٥٩ (٢٥٨٩٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ١٧٨)، وابن ماجه (٤٠٠٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثاني (٣٨٣٠)، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (٧) والعقوبات (٣٦)، والبزار كما في الكشف (٣٣٠٤)، وابن حبان (٢٩٠)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٧٦ - ٣٧٧ رقم ٦٦٦٥)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٦٠ رقم ٢٠٢٠٠). قال البزار: لا نعلم روى عاصم بن عمر بن عثمان عن عروة إلا هذا. قال الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٦: رواه أحمد والبزار، وفيه عاصم بن عمر أحد المجاهيل. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٩٢)، وحسنه في صحيح الترغيب (٢٣٢٥) دون قوله وتسألونى فلا أعطيكم.
[ ١٠ / ٩١ ]
شيء، الحديث، أي: أعجله والاحتفاز الاستيفاز (^١).
٣٥٠٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَيْسَ منا من لم يرحم صَغِيرنَا ويوقر كَبِيرنَا وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وينه عَن الْمُنكر رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه. قوله -ﷺ-: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" الحديث، قيل: معناه ليس مثلنا أو ليس على طريقتنا فلا يصير بذلك خارجا عن الملة إلا أن يستحل ذلك.
٣٥٠٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: كُنَّا نسْمع أَن الرجل يتَعَلَّق بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ لَا يعرفهُ فَيَقُول لَهُ مَا لَك إِلَيّ وَمَا بيني وَبَيْنك معرفَة فَيَقُول كنت تراني على الْخَطَإِ وعَلى الْمُنكر وَلَا تنهاني ذكره رزين وَلم أره (^٣).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
_________________
(١) المجموع المغيث (١/ ٤٦٨)، والنهاية (١/ ٤٠٧).
(٢) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٧ (٢٣٦٦)، وعبد بن حميد (٥٨٦)، وأبو زرعة الدمشقي كما في الفوائد المعللة (١٣٨)، والترمذي كما في تحفة الأشراف (٥/ ١٦٥ رقم ٦٢٠٧)، والبزار كما في الكشف (١٩٥٥ و١٩٥٦)، وابن حبان (٤٥٨) و(٤٦٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٧٢ رقم ١١٠٨٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٢٠٣)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٥٥)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥ رقم ١٠٤٧٤)، والبغوي في شرح السنة (٣٤٥٢). وقال الترمذي: غريب. وقال البزار: وهذا بلفظ هذا لا نعلمه يروى إلا عن ابن عباس بهذا الإسناد وإسناد آخر. وقال في الآخر: ولا نعلم أسند نسير عن عكرمة غير هذا. وقال البغوي: هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٠) و(١٣٦٧) و(١٣٩٣).
(٣) لم نعثر عليه في الكتب. وذكره الألباني في ضعيف الترغيب (١٣٩٤).
[ ١٠ / ٩٢ ]
قوله: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه، فذكره إلى أن قال: كنت تراني على الخطإ وعلى المنكر ولا تنهاني، الحديث، وقد ورد أن موسى ﵊ مر على قرية وقد أهلكها الله تعالى فقال يا رب أهكلتهم وكنت أعرف فيهم رجلا صالحا فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إنه لم يغر لي، فأفاد لنا هذا الخبر أنه لو غير عليهم ما هلك ولا هلكوا، والحكمة في ذلك هو أنه مأمور بالتغيير عليهم كما أنهم مأمورون بترك ما أحدثوا من المخالفات، فلما أن وقعوا في المخالفات وسكت هو كان ذلك وقوعا منه لأنه ارتكب ما نهى عن من السكوت عند رؤية المخالفات فاستوى معهم في ارتكاب المنهيات فالواجب على كل مسلم أن ينصح أخاه المسلم ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضراتها ولأن صديق الإنسان حقيقة من أرشد صديقه إلى عمارة آخرته وإن كان فيها خراب دنياه وعدوه من أرشده إلى نقص في آخرته وإن كان فيه زيادة دنياه قاله ابن النحاس في تنبيهه (^١).
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٨٤).
[ ١٠ / ٩٣ ]