٢٥٤٧ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ أقرب مَا يكون العَبْد من ربه ﷿ وَهُوَ ساجد فَأَكْثرُوا الدُّعَاء رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^١).
قوله: عن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "أقرب ما يكون العبد من ربه ﷿ وهو ساجد" معناه من رحمة ربه وهو ساجد، وتقدم الكلام على ذلك في كثرة السجود.
قوله: "فأكثروا فيه من الدعاء" الصلاة كلها عند علمائنا محل الدعاء غير أنه يكره الدعاء في الركوع وأقربه إلى الإجابة السجود كما هو مذكور في الحديث، ويجوز الدعاء في الصلاة بكل دعاء سواء كان بألفاظ الكتاب أو السنة أو بغير ذلك خلافا لمن منع ذلك إذا كان بألفاظ الناس وهو الإمام أحمد وأبو حنيفة (^٢). أ. هـ.
٢٥٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الآخر فَيَقُول من يدعوني فأستجيب لَهُ من يسألني فَأعْطِيه من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم (^٣).
_________________
(١) مسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، وأحمد (٩٤٦١)، والطبراني في الدعاء (٦١٣).
(٢) المفهم (٢٢/ ٩٠).
(٣) البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨)، ومالك في الموطأ (٥٧٠)، والبخاري في الأدب المفرد =
[ ٧ / ٦٣٧ ]
وَفِي رِوَايَة لمُسلم إِذا مضى شطر اللَّيْل أَو ثُلُثَاهُ ينزل الله ﵎ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول هَل من سَائل فَيعْطى هَل من دَاع فيستجاب لَهُ هَل من مُسْتَغْفِر يغْفر لَهُ حَتَّى ينفجر الصُّبْح (^١).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا" النزول والصعود والحركة والسكون من صفات الأجسام والله يتعالى عن ذلك ويتقدس، والمراد به نزول الرحمة والإلطاف الإلهية وقربها من العباد (^٢)، وقال المحاسبي: قوله "ينزل ربنا" الحديث أي: يعفوا عن المذنبين كما يقال نزل فلان عن حقه إذا عفا عنه، ويحتمل أن ينزل ملك بأمر الله كما أن الملائكة تكتب بأمر الله فأضاف الكتابة إليه تعالى ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ (^٣) فافهمه (^٤).
_________________
(١) = (٧٥٣)، والترمذي (٣٤٩٨)، وأبو داود (١٣١٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣١٤)، وابن ماجه (١٣٦٦)، وأحمد (٧٥٩٢)، وأبو يعلى (٦١٥٥)، وابن حبان (٩١٩).
(٢) مسلم (٧٥٨).
(٣) النهاية (٥/ ٤٢). وهذا تأويل مخالف لمذهب السلف قال الخطابي كما في أعلام الحديث (١/ ٦٣٧): هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها. قال ابن الجوزي في كشف المشكل (٣/ ٣٧٩): وقد حكى أبو عيسى الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، فهذه كانت طريقة عامة السلف.
(٤) سورة النساء، الآية: ٤١.
(٥) انظر عارضة الأحوذي (٥/ ٤٨)، وإكمال المعلم (٣/ ١٠٩)، والمفهم (٧/ ٢٠).
[ ٧ / ٦٣٨ ]
قوله: "حين يبقى ثلث الليل الآخر" وفي رواية "حتى يمضي ثلث الليل الأول" وفي رواية: "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه" قال القاضي عياض (^١): رواية "حين يبقى ثلث الليل الآخر" [الآخر: بالرفع صفة للثلث] كذا قال شيوخ الحديث، وهو الذي تظاهرت عليه الأخبار بلفظه ومعناه، قال النووي (^٢): يحتمل أن يكون -ﷺ- أعلم بأحد الأمرين في وقت فأخبر به ثم اعلم بالآخر في وقت آخر فأخبر به وسمع أبو هريرة الحديثين فنقلهما [جميعا] وسمع أبو سعيد الخدري خبر الثلث الأول فقط فأخبر به مع أبي هريرة كما رواه مسلم في الرواية الأخري، وهذا لفظ ظاهر، وفيه رد لما أشار إليه القاضي من تضعيف رواية الثلث الأول كيف يضعفها وقد رواها مسلم في صحيح بإسناد لا يطعن فيه عن صحابيين أبي سعيد وأبي هريرة والله أعلم.
ولما ثبت بالقواطع العقلية والنقلية أنه ﵎ منزه عن الجسمية والتحيز والحلول امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه بل المعنى على ما ذكره أهل الحق دنو قدرته ورحمته ورأفته بعباده وعطفه عليه واستجابة دعائهم وقبول معذرتهم كما هو دأب الملوك الكرماء والسادة الرحماء إذا نزلوا بقرب محتاجين (^٣)، وسئل بعض
_________________
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ١١١).
(٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٧).
(٣) تحفة الأبرار (١/ ٣٦٤)، وشرح المشكاة (٤/ ١٢٠٤).
[ ٧ / ٦٣٩ ]
السلف عن النزول المذكور في الحديث فقال: قولي فيه الإيمان به ونفي الكيفية عنه وإنما خص ذلك بالدليل وبالثلث أو الثلثين لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عمن يتعرض للنفحات وعند ذلك تكون النية الخالصة والرغبة إلى الله تعالى وافرة وذلك مظنة القبول والإجابة (^١) والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل على امتداد وقت الرحمة واللطف التام إلى إضاءة الفجر، وفيه: الحث على الدعاء والاستغفار في جميع الوقت المذكور إلى إضاءة الفجر، وفيه: تنبيه على أن آخر الليل أفضل من أوله (^٢) والله أعلم.
قوله: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" هذه الأفعال منصوبة بالفاء في جواب الاستفهام هذا من الله وعد حق وقول صدق ومن أوفى بعهده من الله.
٢٥٤٩ - وَعَن عَمْرو بن عبسة -﵁- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول أقرب مَا يكون العَبْد من الرب فِي جَوف اللَّيْل فَإِن اسْتَطَعْت أَن تكون مِمَّن يذكر الله فِي تِلْكَ السَّاعَة فَكُن رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^٣).
قوله: وعن عمرو بن عبسة -﵁-، تقدم الكلام عليه.
_________________
(١) النهاية (٥/ ٤٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٧ - ٣٨).
(٣) أبو داود (١٢٧٧)، والترمذي (٣٥٧٩)، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، والحاكم (١/ ٣٠٩)، وابن خزيمة (١١٤٧) وصححه الألباني في صحيح الجامع (١١٧٣).
[ ٧ / ٦٤٠ ]
قوله -ﷺ-: "أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل" سيأتي الكلام على جوف الليل في الحديث بعده.
٢٥٥٠ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قيل يَا رَسُول الله أَي الدُّعَاء أسمع قَالَ جَوف اللَّيْل الْأَخير ودبر الصَّلَوَات المكتوبات رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (^١).
قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه.
قوله: وعن أبي أمامة -﵁-، تقدم الكلام عليه.
قوله: قيل يا رسول الله: أي الدعاء أسمع، أي: أقرب بالإجابة، قال: جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات، قد قيل: عن جوف الليل إذا أطلق فالمراد به وسطه وجوف الليل فرضي بالرفع والنصب، والرفع أكثر ومن رفع جعل المضاف إليه مكان المضاف المحذوف في الإعراب، التقدير: دعاء جوف الليل، ومن نصب فعلى الظرفية أي الدعاء جوف الليل ويجوز الجر على ترك المضاف إليه في إعرابه وكذلك الآخر بالثلاث والآخر صفة جوف والله أعلم.
_________________
(١) الترمذي (٣٤٩٩)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٩٣٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
[ ٧ / ٦٤١ ]