٣٥١٩ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: من نفس عَن مُسلم كربَة من كرب الدُّنْيَا نفس الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة وَمن ستر على مُسلم ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).
قوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة" في هذا الحديث فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زلاته ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه أو مساعدته والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن هو ليس معروفا بالأذى والفساد فأما المستحب بذاك فيستحب أن لا يستر عليه بل يرفع قصته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله هذا كله في ستر
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٨ - ٢٦٩٩)، وأبو داود (٤٩٤٦)، والترمذي (١٤٢٥) و(١٩٣٠) و(٢٩٤٥)، وابن ماجه (٢٢٥) و(٢٤١٧)، والنسائي في الكبرى (٧٢٤٤ - ٧٢٥٠)، وابن حبان (٥٣٤) و(٥٠٤٥).
[ ١٠ / ١١٠ ]
معصية وقعت وانقضت أما معصية رأى عليها وهو متلبس بها فتجب المبادرة لإنكارها عليه منعه منها على من قدر على ذلك ولا يحل تأخيرها فإن عجز لزدمه دفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ضلك مفسدة وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوه فيجب جرحهم عند الحاجة ولا يحل الستر إذا رأى ما يقدح في أهليتهم وليس هذا من الغيبة المحرمة بل النصيحة الواجبة وهذا مجمع عليه قال العلماء في القسم الأول الذي يستر فيه هذا الستر مندوب في رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بالإجماع لكن هذا خلاف الأولى وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه (^١)، أ. هـ.
تنبيه: من أسمائه تعالى الساتر والستار ولم يأتيا في أحاديث الأسماء إلا أن الفعل منهما وارد في غير حديث من ذلك حديث النجوى الذي رواه الشيخان عن ابن عمر أنه له رجل ما سمعت النبي -ﷺ- يقول في النجوي قال: سمعته يقول: "يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه ويستره ويقرره بذنوبه فيقول له هل تعرف ذنب كذا" فيقول رب أعرف قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطي صحيفة حسناته" (^٢) الحديث [قوله: "يدني منه المؤمن" يريد به يقربه] [من] كرامة الله تعالى ويضع عليه كنفه أي عطفه ورعايته وأصل الستر في اللغة التغطية يقال سترت
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٤١) و(٤٦٨٥) و(٦٠٧٠) و(٧٥١٤)، ومسلم (٥٢ - ٢٧٦٨)، وابن ماجه (١٨٣) عن ابن عمر.
[ ١٠ / ١١١ ]
الشيء أستره إذا غطيته فأنا ساتر [واستتر هو وتستر أي تغطى فالله] ساتر ذنوب [عباده] بالتوبة الصادقة [منهم] ويجب على [العبد] أن يستتر بمعصيته عن الناس (^١) لقوله -ﷺ- "من [أصاب منكم من] هذه القاذورات [فليستتر] بستر الله" (^٢) رواه مالك وفي البخاري عن أبي هريرة مرفوعا: "كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره الله ويصبح يكشف ستر الله" (^٣)، أ. هـ.
قوله -ﷺ-: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
٣٥٢٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْر -﵄- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يُسلمهُ من كَانَ فِي حَاجَة أَخِيه كَانَ الله فِي حَاجته وَمن فرج عَن مُسلم كربَة فرج الله عَنهُ بهَا كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة وَمن ستر مُسلما ستره الله يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب من حَدِيث ابْن عمر (^٤).
_________________
(١) الأسني في شرح أسماء الله الحسنى (١/ ١٦٧ - ١٦٨).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢٣٨٦) عن زيد بن أسلم مرسلا. وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٩١)، وابن المقرئ في المعجم (٨٣١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٤) و(٤/ ٣٨٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحى (٦٦٣) وصحيح الترغيب (٢٣٩٥).
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم (٥٢ - ٢٩٩٠) عن أبي هريرة.
(٤) أخرجه البخاري (٢٤٤٢) و(٦٩٥١)، ومسلم (٥٨ - ٢٥٨٠)، وأبو داود (٤٨٩٣)، والترمذي (١٤٢٦)، والنسائي في الكبرى (٧٢٥١)، وابن حبان (٥٣٣).
[ ١٠ / ١١٢ ]
قوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.
واعلم أن العبادلة أربعة عبد الله بن عمر هذا، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، هكذا قالهم الإمام أحمد بنة حنبل وسائر المحدثين وغيرهم، فقيل لأحمد فابن مسعود قال: ليس هو منهم، قال البيهقي: لأنه تقدمت وفاته وهؤلاء عاشوا طويلا حتى احتيج إليهم وإلى علمهم فإذا تفقوا على شيء قالوا: هذا قول العبادلة أو فعلهم ويلتحق بابن مسعود هذا سائر المسلمين عبد الله من الصحابة وهم نحو مائتين وعشرين، وأما قول الجوهري في صحاحه أن ابن مسعود أحد العبادلة الأربعة وخرج عبد الله بن عمرو بن العاصي فغلط ظاهر نبهت عليه لئلا يغتر به والله أعلم. قاله النووي في تهذيب الأسماء (^١) وتقدم الكلام على ذلك في أوائل هذا التعليق في حديث الغار.
قوله: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" سيأتي الكلام على ذلك وتقدم الكلام على بقية ألفاظ هذا الحديث في الحديث قبله.
٣٥٢١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لَا يستر عبد عبدا فِي الدُّنْيَا إِلَّا ستره يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ مُسلم (^٢).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره يوم القيامة" تقدم الكلام على الستر.
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٧).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٨٨ (٩٠٤٥) و٢/ ٤٠٤ (٩٢٤٨)، ومسلم (٧١ و٧٢ - ٢٥٩٠).
[ ١٠ / ١١٣ ]
٣٥٢٢ - وَرُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يرى مُؤمن من أَخِيه عَورَة فيسترها عَلَيْهِ إِلَّا أدخلهُ الله بهَا الْجنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالصَّغِير (^١).
قوله: وروي عن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا أدخله الله بها الجنة" المراد بالعورة ها هنا كل أمر قبيح أو زلة أو خطيئة أو شيء من جميع المناهي.
٣٥٢٣ - وَعَن دخين أبي الْهَيْثَم كَاتب عقبَة بن عَامر قَالَ قلت لعقبة بن عَامر إِن لنا جيرانا يشربون الْخمر وَأَنا دَاع لَهُم الشَّرْط ليأخذوهم قَالَ لَا تفعل وعظهم وهددهم قَالَ إِنِّي نهيتهم فَلم ينْتَهوا وَأَنا دَاع لَهُم الشَّرْط ليأخذوهم فَقَالَ عقبَة وَيحك لَا تفعل فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من ستر عَورَة فَكَأَنَّمَا استحيا موءودة فِي قبرها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِذكر الْقِصَّة وبدونها وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ رجال أسانيدهم ثِقَات وَلَكِن اخْتلف فِيهِ على إِبْرَاهِيم بن نشيط اخْتِلَافا كثيرا
_________________
(١) أخرجه عبد بن حميد (٨٨٥)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٤١٧)، والدينوري في المجالسة (١٦٧٩)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٣١ رقم ١٤٨٠) و(٩/ ١٧٠ رقم ٩٤٤٢) والصغير (٢/ ٢٥٣ رقم ١١١٨)، والبغوي (٣٥١٩). قال الطبراني في الموضع الأول: لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به: معلى. وقال في الثاني: لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به خالد بن إلياس. قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٤٦: رواه الطبراني في الأوسط والصغير بنحوه، وإسنادهما ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٠٠).
[ ١٠ / ١١٤ ]
ذكرت بعضه فِي مُخْتَصر السّنَن الشَّرْط بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء هم أعوان الْوُلَاة والظلمة وَالْوَاحد مِنْهُ شرطي بِضَم الشين وَسُكُون الرَّاء (^١).
قوله: وعن دخين أبي الهيثم كاتب عقبة بن عامر [دخين بمعجمة بعد أوله مصغر ابن عامر الحجري بفتح المهملة وسكون الجيم أبو ليلى المصري عن عقبة بن عامر وعنه بكر بن سوادة وثقه ابن حبان قال ابن يونس قتله الروم سنة مائة (^٢)].
قوله: إن لنا جيرانا يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط ليأخذوهم قال لا تفعل وعظهم وهددهم، الحديث، الشرط بضم الشين المعجمة وفتح الراء هم أعوان الولاة والظلمة والواحد منهم شرطي بضم الشين وسكون الراء، أ. هـ. ذكره الحافظ المنذري.
قوله: فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول "من ستر عورة فكأنما استحيا موءودة في قبرها" الحديث، تقدم الكلام على العورة في الحديث قبله، والموءودة: هي البنت التي تدفن حية كما كانوا يفعلون في الجاهلية ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ (^٣) فمن رأى
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (١٠٩٨)، وأحمد ٤/ ١٤٧ (١٧٣٣٢) و٤/ ١٥٣ (١٧٣٩٥) و٤/ ١٥٨ (١٧٤٤٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٥٨)، وأبو داود (٤٨٩١) و(٤٨٩٢)، والنسائي في الكبرى (٧٢٨٣)، وابن حبان (٥١٧)، والحاكم ٤/ ٣٨٤. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٦٥) وضعيف الترغيب (١٤٠١).
(٢) تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ١٧٩٦)، وتهذيب التهذيب: ٣/ ٢٠٧.
(٣) سورة التكوير، الآية: ٨ - ٩.
[ ١٠ / ١١٥ ]
رجلًا على معصية أو زلة فستر عليه ونهاه فزجره ولم يفضحه كان كمن أحيا موءودة (^١)، وتقدم الكلام على الموءدة أبسط من هذا في كتاب النكاح في أحاديث البنات.
٣٥٢٤ - وَعَن يزِيد بن نعيم أَن ماعزا أَتَى النَّبِي -ﷺ- فَأقر عِنْده أَربع مَرَّات فَأمر برجمه وَقَالَ لهزال لَو سترته بثوبك كَانَ خيرا لَك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ قَالَ الْحَافِظ ونعيم هُوَ ابْن هزال وَقيل لَا صُحْبَة لَهُ وَإِنَّمَا الصُّحْبَة لِأَبِيهِ هزال وَسبب قَول النَّبِي -ﷺ- لهزال لَو سترته بثوبك مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَن هزالًا أَمر ماعزًا أَن يَأْتِي النَّبِي -ﷺ- وروى فِي مَوضِع آخر عَن يزِيد بن نعيم بن هزال عَن أَبِيه قَالَ كَانَ مَاعِز بن مَالك يَتِيِما فِي حجر أبي فَأصَاب جَارِيَة من الْحَيّ فَقَالَ لَهُ أبي ائْتِ رَسُول الله -ﷺ- فَأخْبرهُ بِمَا صنعت لَعَلَّه يسْتَغْفر لَك وَذكر الحَدِيث فِي قصَّة رجمه وَاسم الْمَرْأَة الَّتِي وَقع عَلَيْهَا مَاعِز فَاطِمَة وَقيل غير ذَلِك وَكَانَت أمة لهزال (^٢).
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٣٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٦٤٨) والمصنف ٥/ ٥٤٠ (٢٨٧٨٤) وعنه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٣٩٣)، وأحمد ٥/ ٢١٦ (٢١٨٩٠) و٥/ ٢١٧ (٢١٨٩٢) و(٢١٨٩٣) و(٢١٨٩٤)، وأبو داود (٤٣٧٧)، النسائي في الكبرى (٧٢٣٤) و(٧٢٣٥) و(٧٢٣٦) و(٧٢٣٨) و(٧٢٤٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٠١ - ٢٠٢ رقم ٥٣٠ و٥٣١)، والحاكم (٤/ ٣٤٣)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣٨٢ رقم ١٦٩٥٨) و(٨/ ٥٧٣ رقم ١٧٦٠٥) و(٨/ ٥٧٣ - ٥٧٤ رقم ١٧٦٠٦) و(٨/ ٥٧٤ رقم ١٧٦٠٧) والشعب (١٢/ ١٥٧ رقم ٩٢٠٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ١٢٥ و١٢٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤٦٠) وصحيح الترغيب (٢٣٣٥).
[ ١٠ / ١١٦ ]
قوله: وعن يزيد بن نعيم، وفي موضع آخر: عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه أن ماعزا أتى النبي -ﷺ- فأقر عنده أربع مرات فأمر برجمه، أي: وسأتي الحديث بتمامه، وقال لهزال: "لو سترته بثوبك كان خيرًا لك"، قال الحافظ المنذري ﵀ ونعيم هو ابن هزال وقيل لا صحبة له وإنما الصحبة لأبيه هزال، وسبب قول النبي -ﷺ- لهزال "لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك" إنما قال ذلك حبا لإخفاء الفضيحة وكراهة إشاعتها بين الناس (^١) وفي الحديث أيضًا: "إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر" (^٢) أي: من شأنه وإرادته حب الستر والصون (^٣) وإنما قال النبي -ﷺ- ذلك لهزال لأنه هو الذي أمر ماعزا أن يأتي النبي -ﷺ- فيقر عنده بالزنا، فإن ماعزا كان يتيما في حجر هزال فأصاب جارية من الحي فقال له هزال ائت رسول الله -ﷺ- فأخبره بما صنعت لعله يستغفر له، واسم هذه الجارية التي وقع عليها ماعز فاطمة، وقيل: غير ذلك وكانت أمة لهزال كذا قاله المنذري، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله وهو في المسجد فناداه فقال يا رسول الله إني زنيت فأعرض عني فتنحي تلقاء وجهه فقال له يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فما شهد على نفسه أربع
_________________
(١) النهاية (٢/ ٣٤١).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢٤ (١٧٩٧٠)، وأبو داود (٤٠١٢)، والنسائي في المجتبي ١/ ٢١٩ (٤١١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠ رقم ٦٧٠). وصححه الألباني في الإرواء (٢٣٣٥)، والمشكاة (٤٤٧).
(٣) النهاية (٢/ ٣٤١).
[ ١٠ / ١١٧ ]
شهادات دعاه رسول الله -ﷺ- فقال: "أبك جنون" قال: ل، قال: "فهل أحصنت؟ " قال: نعم، فقال رسول الله -ﷺ-: "اذهبوا به فارجموه" وفي رواية أن النبي -ﷺ- قال لماعز "أحق ما بلغني عنك" قال: وما بلغك عني، قال: "بلغني عنك أنك واقعت بجارية آل فلان" قال: نعم، فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم (^١) هكذا وقع في هذه الرواية.
والمشهور في باقي الروايات أنه أتى النبي -ﷺ- فقال: طهرني، قال العلماء: لا تناقض بين الروايات فيكون قد [جيء به إلي] النبي -ﷺ- من غير استدعاء من النبي -ﷺ-، وقد جاء في غير مسلم أن قومه أرسلوه إلى النبي -ﷺ- فقال النبي للذي أرسله: "لو سترته بثوبك يا هزال لكان خيرا لك" وكان ماعز عند هزال فقال النبي -ﷺ- لماعز بعد أن ذكر له الذين حضروا معه ما جرى له: "أحقٌ ما بلغني عنك" الحديث (^٢)، وفي رواية: جاء ماعز إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله طهرني، فقال: "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه" فرجع غير بعيد فقال: يا رسول الله، طهرني، الحديث؛ ومثله في حديث العامرية التي جاءت النبي -ﷺ- وهي حبلى من الزنى فقالت: طهرني، قال: "ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه" وسيأتي ذلك في كتاب التوبة، واحتج أبو حنيفة وسائر [العلماء] وأحمد وموافقوهما بهذا الحديث، يعني حديث ماعز في أن الإقرار بالزنا لا يثبت ويرجم به المقر حتى يقر أربع مرات، وقال مالك
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٧١ و٥٢٧٢) و(٦٨١٥ و٦٨١٦) و(٦٨٢٥ و٦٨٢٦) و(٧١٦٧)، ومسلم (١٦ - ١٦٩١).
(٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٩٧).
[ ١٠ / ١١٨ ]
والشافعي وآخرون: يثبت الإقرار به بمرة واحدة ويرجم، واحتجوا بقوله -ﷺ-: "واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" ولم يشترطوا عددا، وحديث العامرية ليس فيه إقرارها أربعا واشترط ابن أبي ليلى وغيره من العلماء إقراره أربع مرات في أربع مجالس (^١).
وقوله: طهرني، لم يذكر في الحديث مماذا يطهر، وإنما أراد به من إثم الزنى بإقامة الحد، ويؤيده رواية "فمما أطهرك" قال: من الزني، وهو في جميع النسخ بالفاء والميم وهو صحيح (^٢).
وقوله: "أبك جنون؟ " قال النووي (^٣): إنما قاله ليتحقق من حاله فإن الغلب أن الإنسان لا يصر على الإقرار بما يقتضي قوله من غير سؤال مع أن له طريقا إلى سقوط الإثم بالتوبة وفيه إشارة إلى إقرار المجنون باطل وأن الحدود لا تجب عليه وهذا كله مجمع عليه.
وفيه مؤاخذة الإنسان بإقراره وفيه جواز ستر الإمام على الزاني ما لم يتحقق السبب فإذا تحقق السبب الي يترتب عليه الحد فلا بد من إقامته كما ذكره [مالك في الموطأ] من مراسيل ابن شهاب عن النبي -ﷺ- فإنه من يبدو لنا صفحته نقم عليه كتاب الله (^٤).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٩٢ - ١٩٣).
(٢) المفهم (١٦/ ١١).
(٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٩٣).
(٤) المفهم (١٦/ ١٢).
[ ١٠ / ١١٩ ]
وقوله: حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، هو: بتخفيف النون أي كرره أربعا وفيه التعريض للمقر بالزنا بأن يرجع وحينئذ يقبل رجوعه بلا خلاف وهذه حكمة الإعراض عنه (^١).
فهذا دليل على أن الحد يكفر ذنب المعصية التي يحد لها وقد جاء ذلك صريحا في حديث عبادة بن الصامت وهو قوله -ﷺ-: "ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته" ولا نعلم في هذا خلافا، وفي هذا الحديث دليل على سقوط إثم المعاصي الكبائر بالتوبة وهو بإجماع المسلمين فإن قيل: فما بال ماعز والعامرية والتوبة محصلة لغرضهما وهو سقوط الإثم بل أصر على الإقرار واختار الرجم؟ فالجواب: أن تحصيل البراءة بالجد وسقوط الإثم متيقن على كل حال لا سيما وإقامة الحد بأمر النبي، وأما التوبة فيخاف أن لا تكون نصوحا وأن يُخلَّا بشيء من شروطها فتبقى المعصية وإثمها دائما عليهما فأرادا حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يتطرق إليه احتمال، والله أعلم (^٢).
تنبيه: هذا المرجوم المذكور في الحديث الذي أقر عند النبي -ﷺ- أربع مرات أنه زنى هو ماعز بن مالك الأسلمي، قيل: يكني أبا عبد الله لولد كان له وفي الصحابة أيضا ماعز التميمي هو غير منسوب لأب ويقال: هذا المكنى بأبي عبد الله (^٣) فكان ماعز هذا تحت حجر هزال بن رباب أبي نعيم الأسلمي فوقع
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١١/ ١٩٣).
(٢) المصدر السابق (١١/ ١٩٩).
(٣) أسد الغابة (٥/ ٥ ترجمة ٤٥٥٤ و٥/ ٦ ترجمة ٤٥٥٥).
[ ١٠ / ١٢٠ ]
على جارية هزال فجاء به إلى النبي -ﷺ- فقال له: "هلا سترته ولو بثوبك" قال ابن حبان: وليست له رواية والله أعلم، وفي سنن أبي داود في حديث ماعز من حديث خالد بن الجلاح أنه لما رجم جاء رجل يسئل عن المرجوم فانطلقنا به إلى النبي فقلنا: هذا جاء يسئلك عن الخبيث؟ فقال رسول الله: "لهو أطيب عند الله من ريح المسك" فإذا هو أبوه فأعناه على غسله وتكفينة ودفنه، قال: ما أدري والصلاة عليه أم لا (^١)، وفيه دليل على أن المرجوم يغسل ويكفن ويصلي عليه، وفي معناه كل من قتل في حد من حدود المسلمين (^٢).
فائدة: قال العلماء: يصلي على كل مسلم مذنب ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنى وعن مالك وأحمد أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد لنا في الحديث أن النبي -ﷺ- لم يصل على ماعز وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق وزجرا لهم، وعن الزهري لا يصلي على المرجوم ويصلي على المقتول في قصاص، وقال أبو حنيفة: لا يصلي على محارب ولا قتيل الفئة الباغية، وقال قتادة: لا يصلي على ولد الزني، وعن الحسن: لا يصلي على من ماتت في نفاسها من زنى ولا على ولدها، قاله في شرح الإلمام والله أعلم (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٢٩ - ٤٣٠)، وأحمد ٣/ ٤٧٩ (١٥٩٣٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢٥٠)، وأبو داود (٤٤٣٥ و٤٤٣٦)، والنسائي في الكبرى (٧١٤٦) و(٧١٤٧)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٢١٩ - ٢٢٠ (٤٨٨ و٤٨٩ و٤٩٠). وحسنه الألباني.
(٢) المفهم (١٦/ ١٨).
(٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ٤٧ - ٤٨).
[ ١٠ / ١٢١ ]
والأحاديث في فضل ستر المؤمن كثيرة جدا ومحل الستر فيما إذا لم تصل الحدود إلى الحكام فإذا وصلت إليهم بالطريق الشرعي لم يجز ستره وتحرم الشفاعة فيه (^١).
ويشترط أن يكون المنكر ظاهرا بغير تجسس فكل من ستر معاصيه في داره وأغلق عليهم فإنه لا يجوز لأحد أن يتجسس عليه، وقد روى أن أمير المؤمنين عمر -﵁- تسلق دارا رجل فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه، فقال: يا أمير المؤمنين: إن كنت عصيت الله من وجه فقد عصيته من ثلاثة أوجه، فقال: وما هي؟ فقال الرجل: قد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (^٢) وقد تجسست، وقال تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (^٣) وقد تسورت من السطح، وقال الله سبحانه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (^٤) فتركه عمر -﵁- وشرط عليه التوبة، فإن ظهر لمن هو خارج الدار ما في الدار من المنكر كصوت المزامير والأوتار إذا ارتفعت وصوت المرأة وكلامها بالرفث والفحش عند العزب ونحو ذلك فمن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر آلات الملاهي وإخراج المرأة وكذلك إذا ارتفعت أصوات السكارى بالأصوات بالغناء والكلمات المألوفات بينهم
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٣٩).
(٢) سورة الحجرات، الآية: ١٢.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٩.
(٤) سورة النور، الآية: ٢٧.
[ ١٠ / ١٢٢ ]
بحيث يسمعها أهل الشوارع فهذا أيضا إظهار يوجب الإنكار، أ. هـ، الظاهر أن هذا من كلام ابن النحاس في تنبيهه (^١).
٣٥٢٥ - وَعَن مَكْحُول أَن عقبَة بن عَامر -﵁- أَتَى مسلمة بن مخلد فَكَانَ بَينه وَبَين البواب شَيْء فَسمع صَوته فَأذن لَهُ فَقَالَ إِنِّي لم آتِك زَائِرًا وَلَكِن جئْتُك لحَاجَة أَتَذكر يَوْم قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من علم من أَخِيه سَيِّئَة فسترها ستر الله عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ نعم قَالَ لهَذَا جِئْت رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^٢).
قوله: وعن مكحول أن عقبة بن عامر -﵁- أتى مسلمة بن مخلد (^٣) [هو مسلمة بن مخلد بن الصامت الأنصاري الخزرجي، أبو معن، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو معاوية، ويقال أبو معمر، له صحبة ورواية. قال: توفي رسول الله -ﷺ- ولي عشر سنين روى عنه: أبو أيوب الأنصاري مع جلالته، ومحمود بن لبيد، ومحمد بن سيرين، ومجاهد، وعلي بن رباح، وأبو قبيل
_________________
(١) تنبيه الغافلين (ص ٤٠).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٠٤ (١٦٩٦٠) ومن طريقه الطبراني في الكبير ١٩/ ٤٣٩ (١٠٦٧)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٧٢ رقم ٥٨٢٧) والكبير ١٧/ ٣٤٩ (٩٦٢) والشاميين (٣٥٠٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٣٤: رواه الطبراني في الكبير هكذا، وفي الأوسط عن محمد بن سيرين قال: خرج عقبة بن عامر - فذكره مختصرا، ورجال الكبير رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٣٦).
(٣) تاريخ الإسلام (٢/ ٧١٦ - ٧١٧) والاستيعاب: ٣/ ١٣٩٧، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ٤٢٤، والإصابة ٣/ الترجمة ٧٩٨٩.
[ ١٠ / ١٢٣ ]
حيي بن هانئ، وعبد الرحمن بن شماسة، وشيبان بن أمية وآخرون، وكان من أمراء معاوية يوم صفين، كان على أهل فلسطين، وقيل: لم يفد على معاوية إلا بعد انقضاء صفين، ولى إمرة مصر لمعاوية وليزيد. وذكر أن له صحبة جماعة؛ منهم: ابن سعد، وأبو سعيد بن يونس، والدارقطني وقال ابن مهدي، ومعن بن عيسي، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن مسلمة: قدم رسول الله -ﷺ- المدينة، وأنا ابن أربع سنين، وتوفي وأنا ابن أربع عشرة، وقال وكيع: عن موسى بخلاف ذلك، عن أبيه، عن مسلمة، فقال: ولدت حين قدم رسول الله -ﷺ- المدينة، ورجح الإمام أحمد في ذلك إلى قول ابن مهدي، وقال: هو أقرب عهدا بالكتاب، وقال الليث بن سعد: وفي سنة سبع وأربعين نزع عقبة بن عامر عن مصر، وولي مسلمة، فبقي عليها إلى أن مات، وقال مجاهد: صليت خلف مسلمة بن مخلد، فقرأ بسورة البقرة، فما ترك واوا ولا ألفا، وقال الليث: توفي سنة اثنتين وستين، وقال ابن يونس: في ذي القعدة بالإسكندرية].
قوله: "من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة" المراد بالسيئة ذنبًا، تقدم الكلام على الستر على المؤمن في الأحاديث قبله.
٣٥٢٦ - وَعَن رَجَاء بن حَيْوَة قَالَ سَمِعت مسلمة بن مخلد -﵁- يَقُول بَينا أَنا على مصر فَأتى البواب فَقَالَ إِن أَعْرَابِيًا على الْبَاب يسْتَأْذن فَقلت من أَنْت قَالَ أَنا جَابر بن عبد الله قَالَ فَأَشْرَفت عَلَيْهِ فَقلت أنزل إِلَيْك أَو تصعد قَالَ لَا تنزل وَلَا أصعد حَدِيث بَلغنِي أَنَّك ترويه عَن رَسُول الله -ﷺ- فِي ستر الْمُؤمن
[ ١٠ / ١٢٤ ]
جِئْت أسمعهُ قلت سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من ستر على مُؤمن عَورَة فَكَأَنَّمَا أَحْيَا موءودة فَضرب بعيره رَاجعا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة أبي سِنَان الْقَسْمَلِي (^١).
قوله: وعن رجاء بن حيوة (^٢) [هو أبو المقدام، ويقال: أبو نصر، رجاء بن حيوة بن جندل، ويقال: جنزل، ويقال: جرول بن الأحنف بن السمط الكندى الفلسطيني، ويقال: الأردني، بضم الهمزة والدال وتشديد النون، التابعى الإمام، روى عن معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبى سعيد الخدري، وجابر، والمسور، وابن عمرو بن العاص، وأبى أمامة، ومحمود بن الربيع، وغيرهم من الصحابة، ﵃، وعن خلائق من التابعين. روى عنه جماعات من التابعين منهم الزهري، وابن عون، والحكم، وقتادة، وحميد الطويل، وابن عجلان، وخلائق غيرهم، وقال مطر: ما رأيت شاميا أفقه من رجاء بن حيوة. وقال ابن سعد: كان ينزل الأردن، وكان ثقة، عالما، فاضلا، كثير العلم. قال أبو مسهر: كان رجاء من نيسان، ثم انتقل إلى فلسطين. وقال مسلمة بن عبد الملك: في كندة
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ١١٤ رقم ٨١٣٣). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن رجاء بن حيوة إلا أبو سنان، تفرد به: ابن عائشة. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٣٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو سنان القسملي، وثقه ابن حبان وابن خراش في رواية، وضعفه أحمد والبخاري ويحيى بن معين. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٣٧).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٩٠ ترجمة ١٦٧).
[ ١٠ / ١٢٥ ]
ثلاثة رجال إن الله لينزل الغيث بهم وينصر بهم على الأعداء: رجاء بن حيوة، وعبادة بن نسئ، وعدى بن عدى. وقال مكحول: رجاء شيخنا وسيدنا، وسيد أهل الشام. ومناقبه كثيرة مشهورة، قال البخاري: قيل لرجاء: ما لك لا تأتى السلطان؟ وكان يقعد عنهم، فقال: يكفينى الذى تركتهم له، يعنى رب العالمين ﷾. قالوا: وكان رجاء قاضيا. وأجمعوا على جلالته وعظم فضله في نفسه وعلمه. وتوفى سنة ثنتى عشرة ومائة، ﵀].
قوله -ﷺ-: "من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موءودة في قبرها" تقدم.
قوله: رواه الطبراني في الأوسط من رواية أبي سنان القسملي [هو عيسى بن سنان أبو سنان القسملى الفلسطيني سكن البصرة في القسامل فنسب إليهم وثقه العجلى وابن حبان وابن خراش في رواية، وضعفه أحمد والبخاري ويحيى بن معين].
٣٥٢٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من ستر عَورَة أَخِيه ستر الله عَوْرَته يَوْم الْقِيَامَة وَمن كشف عَورَة أَخِيه الْمُسلم كشف الله عَوْرَته حَتَّى يَفْضَحهُ بهَا فِي بَيته رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (^١).
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٤٦). قال البوصيري في الزجاجة ٣/ ١٠٤: هذا إسناد فيه مقال محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي قال فيه أبو حاتم منكر الحديث ضعيف الحديث وقال الدارقطني ليس بقوي وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٣٨)، والصحيحة (٢٣٤١).
[ ١٠ / ١٢٦ ]
قوله: "من ستر عورة أخيه ستر الله عورته" والعورة سوءة الإنسان وكل ما يستحيى منه، والجمع عورات سميت بذلك لقبح ظهورها والعورة الكلمة القبيحة وأصلها في اللغة النقص والخلل وفي الشرع: ما [يجب ستره] من البدن (^١).
٣٥٢٨ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ صعد رَسُول الله -ﷺ- الْمِنْبَر فَنَادَى بِصَوْت رفيع فَقَالَ يَا معشر من أسلم بِلِسَانِهِ وَلم يفض الْإِيمَان إِلَى قلبه لَا تُؤْذُوا الْمُسلمين وَلَا تتبعوا عَوْرَاتهمْ فَإِنَّهُ من تتبع عَورَة أَخِيه الْمُسلم تتبع الله عَوْرَته وَمن تتبع الله عَوْرَته يَفْضَحهُ وَلَو فِي جَوف رَحْله وَنظر ابْن عمر إِلَى الْكَعْبَة فَقَالَ مَا أعظمك وَمَا أعظم حرمتك وَالْمُؤمن أعظم حُرْمَة عِنْد الله مِنْك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ يَا معشر من أسلم بِلِسَانِهِ وَلم يدْخل الْإِيمَان قلبه لَا تُؤْذُوا الْمُسلمين وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَطْلُبُوا عثراتهم الحَدِيث (^٢).
قوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام على ابن عمر.
_________________
(١) كفاية النبيه (٢/ ٤٥٠)، والنجم الوهاج (٢/ ١٩٠).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٠٣٢)، وابن حبان في صحيحه (٥٧٦٣)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٩٣)، وأبو بكر الإسماعيلي -كما في تفسير ابن كثير (٧/ ٣٦١) - ومن طريقه البغوي في تفسيره (٤/ ٢٠٨)، وشرح السنة (٣٥٢٦). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد، وروى إسحاق بن إبراهيم السمرقندي، عن حسين بن واقد، نحوه، وروي عن أبي برزة الأسلمي، عن النبي -ﷺ- نحو هذا. قال أبو حاتم في العلل (٢٤٢٩): لا يعرف أوفى عن نافع، ولا أدري ما هو؟. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٣٣٩)، المشكاة (٥٠٤٤).
[ ١٠ / ١٢٧ ]
قوله: "لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم" الحديث.
واعلم أن الناس على ضربين، أحدهما: من كان مستورا لا يعرف بشيء من المعاصي فإذا وقعت منه هفوة أو زلة فإنه لا يجوز كشفها ولا هتكها ولا التحدث بها لأن ذلك غيبة محرمة وهذا هو الذي وردت فيه هذه النصوص ومثل هذا لو جاء تائبا نادما وأقر بحد ولم يفسره لم يستفسر ويؤمر بأن يرجع ويستر نفسه كما أمر النبي ماعزا والغامدية وكما لم يستغفر الذي قال له أصبت حدًا فأقمه علي ومثل هذا لو أخذ بجريمته ولم يبلغ الإمام فإنه يشع له حتى لا يبلغ الإمام وفي مثله جاء الحديث عن النبي -ﷺ- "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" خرجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة، والثاني: من كان مشتهرًا بالمعاصي معلنا بها ولا يبالي بما ارتكب منها ولا بما قيل له فهذا هو الفاجر المعلن وليس له غيبة كما نص على ذلك الحسن البصري وغيره ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره ليقام عليه الحد، وصرح بذلك بعض أصحابنا واستدل عليه بقوله -ﷺ-: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ ولو لم يبلغ السلطان بل يترك حتى يقام عليه الحد لينكف شره ويرتدع به أمثاله، قال مالك ﵀: من لم يعرف منه أذى للناس وإنما كان منه زلة فلا بأس بأن يشفع له ما لم يبلغ السلطان وأما من عرف بشر أو فساد فلا أحب أن يشفع له أحد ولكن يترك حتى يقام عليه الحد، حكاه ابن المنذر قاله ابن رجب الحنبلي (^١)، أ. هـ.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠١١ - ١٠١٣).
[ ١٠ / ١٢٨ ]
قوله: "ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله" الرحل منزل الإنسان سواء كان من حجر أو مدر أو خشب أو شعر أو صوف أو وبر وغير ذلك، وفي رواية ابن حبان: "لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تطلبوا عثراتهم" أي: سقطاتهم وزلاتهم [يريد عيوبهم] (^١).
فائدة: من الكبائر تتبع عورات المسلمين كذا عده ابن قيم الجوزية من الكبائر واستدل عليه بهذا الحديث (^٢).
٣٥٢٩ - وَعَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يَا معشر من آمن بِلِسَانِهِ وَلم يدْخل الْإِيمَان قلبه لَا تَغْتَابُوا الْمُسلمين وَلَا تتبعوا عَوْرَاتهمْ فَإِنَّهُ من اتبع عَوْرَاتهمْ تتبع الله عَوْرَته وَمن تتبع الله عَوْرَته يَفْضَحهُ فِي بَيته رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن سعيد بن عبد الله بن جريج عَنهُ وَرَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث الْبَراء (^٣).
_________________
(١) مشارق الأنوار (٢/ ٦٧).
(٢) تنبيه الغافلين (ص ١٩٨ - ١٩٩).
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ٤٢٠ (١٩٧٧٦) و٤/ ٤٢٤ (١٩٨٠١)، وأبو داود (٤٨٨٠)، وأبو يعلى (٧٤٢٣ و٧٤٢٤)، والروياني (١٣١٢)، والطبري في صريح السنة (٤١)، والخرائطي في المساوئ (١٩٠) والمكارم (٤٢٧)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٨٩)، والمخلص في المخلصيات (٢٣٧٤)، واللالكائي في أصول السنة (١٤٩٧ و١٤٩٨)، والقضاعى في مسند الشهاب (٩٣٣)، والبيهقي في الآداب (١١٧) والأربعون الصغرى (١٠٥) والكبرى (١٠/ ٤١٨ رقم ٢١١٦٤) والشعب (٩/ ٧٤ - ٧٥ رقم ٦٢٧٨). وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٣٤٠)، المشكاة (٥٠٤٤/ التحقيق الثاني).
[ ١٠ / ١٢٩ ]
قوله: وعن أبي برزة الأسلمي -﵁- أبو برزة الأسلمي اسمه [نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد الله. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد اللهبن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول الله -ﷺ- عبد الله، وقال: نيار شيطان].
قوله -ﷺ-: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم" تقدم الكلام على ذلك في أحاديث الباب.
قوله: رواه أبو داود عن سعيد بن عبد الله بن جريج.
٣٥٣٠ - وَعَن مُعَاوِيَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِنَّك إِن اتبعت عورات الْمُسلمين أفسدتهم أَو كدت تفسدهم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).
قوله: وعن معاوية -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم" اتبعت معناه تجسست [أفسدتهم لأن الإنسان قلما يخلو من
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٤٨)، وأبو داود (٤٨٨٨)، وأبو يعلى (٧٣٨٩)، والخرائطي في المكارم (٤٢٦)، وابن حبان (٥٧٦٠)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٦٥ رقم ٨٥٩) و(١٩/ ٣٧٩ رقم ٨٩٠) والشاميين (٤٧٣) و(١٨٧١)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٩٨)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥٧٨ رقم ١٧٦٢٣) والشعب (١٢/ ١٥٩ - ١٦٠ رقم ٩٢١٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٢٣ و٢٤). وقال النووي في رياض الصالحين (١٥٧١): حديث صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٤٢).
[ ١٠ / ١٣٠ ]
صغيرة أو زلة، فلو آذاهم بكل فعل وقول لشق الحال عليهم، بل ينبغي أن يستر عليهم عيوبهم ما أمكن].
٣٥٣١ - وَعَن شُرَيْح بن عبيد عَن جُبَير بن نفير وَكثير بن مرّة وَعَمْرو بن الْأسود والمقدام بن معد يكرب وَأبي أُمَامَة -﵃- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الْأَمِير إِذا ابْتغى الرِّيبَة فِي النَّاس أفسدهم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم جُبَير بن نفير أدْرك النَّبِي -ﷺ- وَهُوَ مَعْدُود فِي التَّابِعين وَكثير بن مرّة نَص الْأَئِمَّة على أَنه تَابِعِيّ وَذكره عَبْدَانِ فِي الصَّحَابَة وَعَمْرو بن الْأسود عنسي حمصي أدْرك الْجَاهِلِيَّة وروى عَن عمر بن الْخطاب ومعاذ وَابْن مَسْعُود وَغَيرهم (^١).
قوله: وعن شريح بن عبيد عن جبير بن نفير وكثير بن مرة وعمرو بن الأسود والمقدام بن معد يكرب.
قوله -ﷺ-: "إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم" ابتغى: معناه طلب والريبة التهمة أي إذا اتهمهم وجاهرهم بسوء الظن فيهم أداهم ذلك إلى
_________________
(١) أخرجه أحمد ٦/ ٤ (٢٣٨١٥)، وأبو داود (٤٨٨٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (٢٤٤٩) و(٢٨٣٢) و(٢٨٣٤ و٢٨٣٥) والسنة (١٠٧٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (٨٨ و٨٩ و٩٠)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٥٩ رقم ٧٩٦٠) والكبير (٨/ ١٠٨ رقم ٧٥١٥ و٧٥١٦) و(١٧/ ١٢٢ رقم ٣٠٢) و(٢٠/ ٢٥٨ رقم ٦٠٧) و(٢٠/ ٢٧٥ رقم ٦٥١) و(٢٠/ ٢٧٦ رقم ٦٥٣) والشاميين (١٦٦٠)، والحاكم (٤/ ٣٧٨)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥٧٨ رقم ١٧٦٢٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ٢٤). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢١٥: حديث أبي أمامة رواه أبو داود، ورواه أحمد، والطبراني ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٤٣).
[ ١٠ / ١٣١ ]
ارتكاب ما ظن بهم ففسدوا، وفي حديث فاطمة: "يريبني ما يريبها" أي: يسيئني ما يسوءها ويزعجني ما يزعجها يقال: رابني هذا الأمر وأرابني إذا رأيت منه ما تكره ومعنى الحديث: يعني لو طلب الأمير عيوب الناس وتجسس أحوالهم لأهلكهم فإن الإنسان قلما يخلو من صغيرة [أو زلة] فلو آذاهم بكل ما يقولون ويفعلون [لاشتدت] عليهم الأحوال بل ينبغي أن يستر ويغفر ما استطاع والله أعلم (^١)، قال الحافظ: جبير بن نفير أدرك النبي -ﷺ- وهو معدود في التابعين، أ. هـ، وقيل: إنه أسلم في خلافة أبي بكر فهو معدود كما ذكر، وكثير بن مرة قال الحافظ: نص الأئمة على أنه تابعي وذكره عبدان في الصحابة، أ. هـ، ولم يذكره ابن عبد البر فيهم، وعمرو بن الأسود عنسي حمصي أدرك الجاهلية وروى عن عمر بن الخطاب ومعاذ وابن مسعود وغيره كذا قاله الحافظ والله أعلم.
_________________
(١) المفاتيح (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
[ ١٠ / ١٣٢ ]