٣٠٣٩ - عَن سعد بن أبي وَقاص -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من ادّعى إِلَى غير أَبِيه وَهُوَ يعلم أَنه غير أَبِيه فالجنة عَلَيْهِ حرَام رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه عَن سعد وَأبي بكرَة جَمِيعًا (^١).
قوله: عن سعد بن أبي وقاص -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: -ﷺ- قال "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه" الحديث الإدعاء على غير الأب هو الانتساب إلى غيره واتخاذه أبا وقد كانوا يفعلونه في الجاهلية فنهى النبي -ﷺ- عنه وجعل الولد للفراش ثم أذن في الإدعاء إلى غير الأب مع العلم بأنه حرام وهذا تقييد لا بد منه فإن الإثم إنما يكون في حق العالم بالشيء فمن اعتقد إباحة ذلك كفر وحرم عليه الجنة ومن لم يعتقد إباحته ففي كفره وجهان أحدهما أن فعله هذا قد أشبه فعل الكفار والثاني أنه كافر نعمة الله والإحسان وحق الله تعالى وحق أبيه وليس المراد الكفر الذي يخرجه من ملة الإسلام وهذا كما قال النبي -ﷺ- يكفرن (^٢) ثم فسره بكفرانهن الإحسان وكفران العشير أي الزوج فعلى هذا الوجه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٣٢٦ و٤٣٢٧) و(٦٧٦٦ و٦٧٦٧)، ومسلم (١١٤ و١١٥ - ٦٣)، وابن ماجه (٢٦١٠)، وأبو داود (٥١١٣)، والبزار (١٢٢١)، وأبو يعلى (٧٠٠) و(٧٠٦)، وابن خزيمة في التوحيد (ص ٨٣٧ - ٨٤٠) و(ص ٨٤٣) عن سعد وأبي بكرة.
(٢) أخرجه البخاري (٢٩) و(١٠٥٢) و(٥١٩٧)، ومسلم (١٧ - ٩٠٧) عن ابن عباس.
[ ٩ / ١٢ ]
قوله -ﷺ-: "فالجنة عليه حرام" للزجر والتغليظ أو أنها حرام قبل العقوبة لا بعدها ومعنى حرام ممنوعة ثم إنه قد يجازي فيمنعها أولا عند دخول الفائزين وأهل السلامة ثم يدخلها وقد لا يجازي بل يعفو الله عنه.
٣٠٤٠ - وَعَن أبي ذَر -﵁- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَيْسَ من رجل ادّعى بِغَيْر أَبِيه وَهُوَ يعلم إِلَّا كفر وَمن ادّعى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ منا وليتبوأ مَقْعَده من النَّار وَمن دَعَا رجلا بالْكفْر أَو قَالَ عَدو الله وَلَيْسَ كَذَلِك إِلَّا حَار عَلَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم حَار بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالرَّاء أَي رَجَعَ عَلَيْهِ مَا قَالَ (^١).
قوله: وعن أبي ذر -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ- يقول: "ليس من رجل ادعى بغير أبيه وهو يعلم إلا كفر" الإدعاء إلى غير الأب مع العلم به حرام كما تقدم فمن اعتقد إباحة ذلك كفر ومن لم يعتقد إباحته فمعنى كفر أنه كافر نعمة الله تعالى لا كفران الملة وإنما عبر بالكفر لأنه نقيض الشكر كما أن نقيض الحمد الذم فإن الله تعالى قد أوجب على العبد الشكر للأب كما أوجبه لنفسه قال: الله تعالى أن أشكر لي ولوالديك فمن انتفى من أبيه فقد جحد النعمة وترك الشكر ومن ترك الشكر اتصف بنقيضه وهو الكفر أي كفر النعمة وكما أن الإيمان ينقسم على بضع وسبعين شعبة كذلك الكفر ينقسم إلى أقسام كثيرة قاله ابن حبان في صحيحه (^٢) ا. هـ قاله في شرح الإلمام ففي الحديث دليل على تحريم الانتفاء
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٥٠٨)، ومسلم (١١٢ - ٦١).
(٢) صحيح ابن حبان (٤/ ٣٢٣) و(٤/ ٣٢٨) و(١٣/ ٢٦٨).
[ ٩ / ١٣ ]
من النسب المعروف والاعتزاء إلى نسب غيره وكذلك يدل على تحريم الانتفاء وإن لم ينتسب إلى غيره الأب ولا شك في كونه من الكبائر لما يتعلق به من المفاسد العظيمة من تغير أحكام المواريث والأنكحة وغيرها وشرط الرسول -ﷺ- لذلك أن يكون عالما بذلك فإن غلب على ظن الولد أنه ليس من الأب بأن أخبرته أمه بأنها كانت زنت وأن أباه لم يطأها وعلم الولد الصدق جاز له أن يبتدأ من أمه على ما فيه من النظر لأن اعتراف الأم بذلك لا يقطع حق الأب والأب لو كان حيا وادعت الأم ذلك لم يسمع منها بل لو اتفق الأب والأم على أن الولد ليس منهما لم يقبل ذلك منهما مراعاة لحق الولد لكن الولد ها هنا قد بلغ واعترف بإسقاط حقه فلينظر في ذلك.
قوله: وهو يعلمه محمول على العلم الأعم ليدخل فيه من انتفى من أبيه الذي قد عرف نسبه منه فيدخل فيه الولد المشتبه (فإذا بلغ) ومال طبعه إلى أحدهما فإنه يجب عليه أن ينتسب إلى من يميل طبعه إليه منهما ومفهوم الخبر أنه إذا كان لا يعلم له أبا فيجوز أن ينتسب إلى غيره ولكن مشروط بمن يميل طبعه إليه أو كان قافة أو أخبره قافة فإذا صدق من انتسب إليه ثبت النسب والله أعلم.
قوله: "ومن ادعى ما ليس له فليس منا" قال: العلماء معناه ليس على هدينا وجميل طريقتنا كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله لست مني.
قوله -ﷺ-: "وليتبوأ مقعده من النار" ومعنى يتبوأ مقعده من النار لينزل منزلة منها أو فليتخذ منزلا لها ظاهره أمرًا ومعناه خبر في أظهر القولين أي أن
[ ٩ / ١٤ ]
الله يبوأه منها يقال تبوأ الدار اتخذها مسكنا ومعنى الحديث هذا جزاؤه إن جوزي وقد يعفى عنه بتوفيقه للتوبة فيسقط عنه ذلك وفي هذا الحديث يحرم دعوى ما ليس له في كل شيء سواء كان فيه حق لغيره أم لا وفيه أنه لا يحل له أن يأخذ ما يحكم به الحاكم إذا كان لا يستحقه ا. هـ.
قوله -ﷺ-: "ومن دعا رجلًا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه" الحديث حار عليه أي رجع عليه ما قال هكذا ذكره الحافظ وفي رواية أخرى إذا أكفر الرجل أخاه فقد باء به أحدهما وفي رواية أخر "أيما رجل قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما" هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث أن ظاهره غير مراد وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنى وكذا قوله: لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام وإذا عرف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه أحدها: أنه محمول على المستحل لذلك وهذا يكفر فعلى هذا معنى باء بها أي بكلمة الكفر وكذا حار عليه وهو بمعنى رجعت عليه أي رجع عليه الكفر فباء وحار ورجع بمعنى واحد.
والوجه الثاني: بمعناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره.
والثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهذ الوجه نقله القاضي عياض (^١) عن الإمام مالك بن أنس وهو ضعيف لأن المذهب
_________________
(١) إكمال المعلم (١/ ٣١٨). ومراد مالك إثم تكفيرهم لا كفرهم قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٨/ ٣٤١ - ٣٤٢): قال أي مالك: أرى ذلك في الحرورية. فقلت له: أتراهم =
[ ٩ / ١٥ ]
الصحيح المختار الذي قاله المحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع.
والوجه الرابع: معناه أن ذلك يؤول إلى الكفر وذلك أن المعاصي كما قالوا بريد الكفر. والوجه الخامس: معناه فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافرا فكأنه نفسه إما لأنه كفر بين هو مثله وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام والله أعلم ذكره في شرح الأحكام (^١).
قوله: "إلا حار عليه" الحديث (فهذا) الاستثناء قيل أنه واقع على المعنى وتقديره ما يدعوه أحد إلا حار عليه ويحتمل أن يكون معطوفا على الأول وهو قوله -ﷺ-: "ليس من رجل" فيكون الاستثناء جاريا على اللفظ.
وقوله: "عدو الله" وجهان النصب والرفع والنصب أرجح على النداء أي يا عدو الله وأحسن من تكلم على هذا ابن الأثير.
_________________
(١) = بذلك كفارا؟ قال لا أدري ما هذا. قال ابن رشد: وقول مالك أرى ذلك في الحرورية يحتمل أن يريد بذلك أن الحرورية التي تكفر المسلمين بالذنوب من القول تبوء بذلك إما بالكفر على التأويل الأول إن كانت تعتقد أن الإيمان الذي عليه المسلمون كفر؛ وإما بالإثم على التأويل الثاني إن كانت لا تعتقد إيمان المسلمين كفرا، وهذا هو الأظهر؛ ويحتمل أن يريد أن من يكفر الحرورية من المسلمين يبوء بإثم ذلك إن لم يكونوا كفارا بما يعتقدونه. وقد قال مالك في هذه الرواية لما قيل له أتراهم بذلك كفارا؟ قال لا أدري ما هذا. وبالله التوفيق.
(٢) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٨/ ٥٠٤ - ٥٠٥) لابن الملقن، وقد سبقه إلى ذلك النووي في شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٠).
[ ٩ / ١٦ ]
يقال: قوله -ﷺ-: "لا ترجعوا بعدي كفار يضرب بعضكم رقاب بعض" قيل أراد لابسي السلاح يقال كفر فوق درعه فهو كافر إذا لبس فوقها ثوبا كأنه أراد بذلك النهي عن الحرب وقيل معناه لا تعتقدوا تكفير الناس كما تعتقده الخوارج (^١).
قوله: "من قال: لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما" لأنه إما أن يصدق عليه أو يكذب فإن صدق فهو كافر وإن كذب عاد الكفر إليه بتكفيره أخاه المسلم والكفر صنفان أحدهما الكفر بأصل الإيمان والأخر الكفر بفرع من فروع الإسلام (^٢).
٣٠٤١ - وَعَن يزِيد بن شريك بن طَارق التَّمِيمِي قَالَ رَأَيْت عليا -﵁- على الْمِنْبَر يخْطب فَسَمعته يَقُول لَا وَالله مَا عندنَا من كتاب نقرؤه إِلَّا كتاب الله وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة فنشرها فَإِذا فِيهَا أَسْنَان الْإِبِل وَأَشْيَاء من الْجِرَاحَات وفيهَا قَالَ رَسُول الله -ﷺ- الْمَدِينَة حرَام مَا بَين عير إِلَى ثَوْر فَمن أحدث فِيهَا حَدثا أَو آوى مُحدثا فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة عدلا وَلَا صرفا وَذمَّة الْمُسلمين وَاحِدَة يسْعَى بهَا أَدْنَاهُم فَمن أَخْفَر مُسلما فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة عدلا وَلَا صرفا وَمن ادّعى إِلَى غير أَبِيه أَو انْتَمَى إِلَى غير موَالِيه فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة عدلا وَلَا صرفا رَوَاهُ
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٨٥).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٨٥ - ١٨٦).
[ ٩ / ١٧ ]
البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ (^١).
قوله: وعن يزيد بن شريك بن طارق التيمي (تيم الرباب الكوفي، والد إبراهيم التيم يسكن الكوفة، روى عن عمر، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وحذيفة، وغيرهم وعنه ابنه إبراهيم وإبراهيم النخعي وجواب التيمي والحكم بن عتيبة وهمام بن عبد الله التيمي الكوفيون قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. قلت: وقال ابن سعد: كان ثقة وكان عريف قومه وله أحاديث وقال أبو موسى المديني في الذيل: يقال أنه أدرك الجاهلية).
قوله: رأيت عليا بن أبي طالب -﵁- على المنبر يخطب" تقدم الكلام على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في مواضع من هذا التعليق.
قول: أمير المؤمنين "لا والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة" أي الكتاب وكانت معلقة (بقبضة) سيفه أما احتياطا واستظهارا وإما لكونه منفردا بسماع ذلك والظاهر أنه سبب اقتران الصحيفة بالسيف الإشعار بأن مصالح الدين ليست بالسيف وحده ولكن بالقتل تارة وبالدية تارة وبالعفو أخرى فلا يوضع السيف في موضع الندى بل يوضع كل في موضعه واستثنائه ما في الصحيفة احتياط لاحتمال أن يكون فيها ما لا يكون
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٧٠) و(٣١٧٢) و(٣١٧٩) و(٦٧٥٥) و(٧٣٠٠)، ومسلم (٤٦٧ - ١٣٧٠) و(٢٠ - ١٣٧٠)، وأبو داود (٢٠٣٤)، والترمذي (٢١٢٧)، والنسائي في الكبرى (٤٢٦٤)، وابن حبان (٣٧١٦) و(٣٧١٧).
[ ٩ / ١٨ ]
عند غيره فيكون منفردا بالعلم بها أ. هـ قاله الكرماني (^١) مثله حديث أبي هريرة في الصحيحين لما فتح الله على رسوله مكة قتلت هذيلا رجلا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية وفي آخر الحديث اكتبوا لأبى شاه (^٢) فهذا تصريح بجواز كتابة العلم غير القرآن وجاءت أحاديث بالنهي عن كتابة غير القرآن فمن السلف من منع كتابة العلم وقال: جمهور السلف بجوازه ثم أجمعت الأمة بعدهم على استحبابه وأجابوا عن أحاديث النهي بجوابين أحدهما أنها منسوخة وكان النهي في أول الأمر قبل اشتهار القرآن لكل أحد فنهي عن كتابته خوفا من اختلاطه واشتباهه فلما اشتهر وأمنت تلك المفسدة أذن فيه.
والثاني أن النهي نهي تنزيه لمن وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة والإذن لمن لم يوثق بحفظه قاله النووي نقله ابن العماد عنه في شرحه لعمدة الأحكام (^٣) ا. هـ.
قوله: "فنشرها" الحديث هذا تصريح من علي س بإبطال ما يزعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من قولهم أن عليًّا س أوصى إليه النبي -ﷺ- بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة وأنه -ﷺ- خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم وهذه دعاوي باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفي في إبطالها قول علي س هذا وفيه دليل
_________________
(١) الكواكب الدرارى (٢/ ١١٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٣٤) و(٦٨٨٠)، ومسلم (٤٤٧ و٤٤٨ - ١٣٥٥) عن أبي هريرة.
(٣) العدة شرح العمدة (٣/ ١٤٢٧).
[ ٩ / ١٩ ]
على جواز كتابة العلم والله أعلم.
قوله: "فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات" أي سن الإبل التي تجب الزكاة فيها وما يجب في الجراحات من الديات.
قوله: "وفيها" أي في الصحيفة قال رسول الله -ﷺ-: "المدينة حرام ما بين عير إلى ثور" وهما جبلان قال القاضي عياض (^١): قال مصعب الزبيري ليس بالمدينة عير ولا ثور وفي هذا اختلاف كثير قال الإمام المازري (^٢): قال بعض العلماء: ثور هنا وهم من الراوي وإنما ثور بمكة قال: والصحيح ما بين عير إلى أحد هذا ما حكاه القاضي (^٣) قال النووي (^٤): قلت ويحتمل أن ثور كان اسما لجبل هناك إما أحد وإما غيره فخفي اسمه واعلم أنه جاء في هذه الرواية ما بين عير إلى ثور أو إلى أحد وفي رواية أنس اللهم إني أحرم ما بين جبليها وفي رواية ما بين لابتيها والمراد باللابتين الحرتان والأحاديث كلها متفقة بين لابتيها بيان لحد حرمها من جهة المشرق والمغرب (^٥) وتقدم شيء من ذلك في سكنى المدينة والمراد أنه -ﷺ- حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور بمكة وتقدم الكلام على هذا الجبال في كتاب الحج في بناء الكعبة.
قوله -ﷺ-: "فمن أحدث فيها حدثًا".
_________________
(١) مشارق الأنوار (١/ ١٣٦).
(٢) المعلم (٢/ ١١٧).
(٣) إكمال المعلم (٤/ ٤٨٩).
(٤) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤٣).
(٥) وزاد النووي: وما بين جبليها بيان لحده من جهة الجنوب والشمال والله أعلم.
[ ٩ / ٢٠ ]
قوله: "فيها" أي في المدينة والحدث الأمر الحادث (المنكر) الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة يعني أحدث فيها ما يخالف الشرع من معصية أو ظلم أو بدعة والبدعة في اصطلاح العلماء ما خالف الكتاب والسنة كما قال -ﷺ-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (^١) أي مردود على فاعله.
قوله: "أو آوى" قال القاضي عياض (^٢): يقال آوى بالمد والقصر في الفعل اللازم والمتعدي جميعا لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح والمد في المتعدي أشهر وأفصح والله أعلم.
قوله: "محدثا" والمحدث المبتدع أي ضمه إليه منعه فمن له عليه حق وإيوائه نصرته وأن يجار من خصمه أو يحتال بينه وبينه أن يقتص منه قال القاضي عياض (^٣): لم يرو هذا الحرف وهو محدثا بكسر الدال ثم قال: وقال: الإمام المازري يروي بوجهين كسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول قال: فمن فعل فعليه لعنة الله" فتح الدال أراد الإحداث نفسه أي أراد الأمر المبتدع نفسه ومن كسر أراد فاعل الحدث فمعنى الكسر من نصر خائنا وأواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه فإنه إذا رضي بالبدعة وأقره عليها ولم ينكرها عليه فقد أواه وهذا وعيد شديد لمن ارتكب في المدينة إثما.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧ و١٨ - ١٧١٨) عن عائشة.
(٢) مشارق الأنوار (١/ ٥٢) وإكمال المعلم (٤/ ٤٨٦).
(٣) إكمال المعلم (٤/ ٤٨٦)، وشرح النووي على مسلم (٩/ ١٤٠)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٥١).
[ ٩ / ٢١ ]
قوله: "فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" لعنة الله طرده للملعون وإبعاده عن رحمته ولعنة الملائكة والناس الإبعاد والدعاء بالإبعاد وهؤلاء هم اللاعنون كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (^١) ومعناه أن الله تعالى يلعنه وكذلك تلعنه الملائكة والناس أجمعون وهذا مبالغة في إبعاده عن رحمة الله تعالى فإن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد قالوا والمراد باللعن هو العذاب الذي يستحقه على ذنبه والطرد عن الجنة أول الأمر وليس هي كلعنة الكفار الذين يبعدون عن رحمة الله تعالى كل الإبعاد وجاء في الدارقطني فعليه لعنة الله المتتابعة ومعناه المتوالية أي التي لا تفارقه حتى يتصل بعذاب الأخرة إلا أن يتوب أو يعفو الله عنه نعم إن استحل ذلك كفر وخلد في العذاب أبدا قال القاضي رحمة الله (^٢): واستدلوا بهذا على أن ذلك من الكبائر لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة ذكره في مشارق الأنوار.
قوله: "لا يقبل الله منه يوم القيامة عدلا ولا صرفا" فيه أقوال كثيرة تقدم ذكرها في سكنى المدينة من جملتها أنه فقال الجمهور الصرف الفريضة والعدل النافلة وقال: يونس الصرف الاكتساب والعدل الفدية ومعنى الفدية ها هنا أن لا يجد في القيامة فداء يفتدى به بخلاف غيره من المؤمنين الذين جاء من تفضل الله ﵎ عليهم بأن يفديهم من النار باليهود والنصارى ومن شاء الكفار.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٨.
(٢) إكمال المعلم (٤/ ٤٨٦) وعزوه للمشارق وهم والله أعلم.
[ ٩ / ٢٢ ]
وقيل هو من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ (^١) أي وإن تفد كل فداء وقيل توبة وأما التوبة فإنه إن فعل ذلك مستحلا أحبط الكفر أعماله ولا تصح توبته إلا برجوعه إلى الإسلام لا بإقلاعه عن ذلك الذنب وحده وقيل المراد ها هنا لا تقبل توبته في الأخرة وهو مفسر في الحديث لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا أي لا يعفى عن ذنبه هذا في الآخرة وأما توبة الدنيا فمقبولة إن شاء الله تعالى من كل ذنب وقيل لا يقبل منه قبول رضي وإن قبلت قبول جزاء وقد يكون القبول هنا قبول عبارة عن تكفير السيئات والذنب بها ذكره المنذري في الحواشي على مختصر السنن (^٢).
قوله -ﷺ-: "وذمة المسلمين واحدة" الحديث المراد بالذمة هنا العهد والأمان سمي بها لأنه يذم متعاطيها عن إضاعتها ومعناه أن أمان المسلمين للكافر صحيح فإذا أمن أحدهم حربيا فهو آمن لا يجوز لأحدهم أن ينقض ذمته أي عقد من المسلمين أمانا أو عهد لأحد من الدعم وحرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم.
تنبيه: وللأمان شروط قال النووي في الروضة تبعا للرافعي (^٣): ينعقد الأمان بكل لفظ يعيد الغرض صريح كناية فالصريح أجرتك أو أنت مجارا
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٧٠.
(٢) مختصر السنن (٨/ ١٣).
(٣) روضة الطالبين (١٠/ ٢٧٩).
[ ٩ / ٢٣ ]
أو أمنتك أو أنت آمن أو في آماني أو لا بأس عليك أو لا خوف عليك أو لا تخف أو لا تفزع أو قال بالعجمية مترس وكناية أنت على ما تحب أو كن كيف شئت وينعقد بالكتاب والرسالة سواء كان الرسول مسلما أو كافرا أو بالإشارة المفهمة من قادر على العبارة.
فصل الإشارة بأمان إلى مشرك أمان عند مالك والشافعي -﵄- ذكره ابن النحاس في كتاب الجهاد (^١).
قوله: "يسعى بها أدناهم" أي أقلهم منزلة في الدنيا وأضعفهم والمعنى أن ذمة المسلمين واحدة أي إذا أعطى واحدا لجيش العدو أمانا جاز ذلك على جميع المسلمين وليس لهم أن يخفروه ولا أن ينقضوا عليه عهده وقد أجاز عمر أمان عبد على جميع الجيش سواء صدرت من واحد أو كثير شريف أو وضيع وقد أجاز عمر أمان عبد وهو حجة لمذهب الشافعي وموافقيه أن أمان المرأة والعبد صحيح لأنهما أدنى من الذكور الأحرار.
قوله -ﷺ-: "فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله" الحديث معناه من نقض أمان مسلم فتعرض لكافر أمنه مسلم قال: أهل اللغة يقال أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وخفرته بغير ألف فالهمزة للإزالة فليحذر أمير الجيش وغيره من الغدر ونقض العهد فإنه من أقبح ما اتصف به الرجال وهو مع ما فيه من الإثم العظيم سريع الوبال فظيع النكال وليس من صفات المؤمنين وقال: أنس س "ما خطبنا رسول الله -ﷺ- إلا قال: لا إيمان لمن له لا أمانة له ولا دين
_________________
(١) مشارع الأشواق (ص ١٠٦١).
[ ٩ / ٢٤ ]
لمن لا عهد له" رواه أحمد والبزار والطبراني وابن حبان في صحيحه (^١).
قوله -ﷺ-: "ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه" الحديث هذا صريح في غلظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه أو انتماء العتيق إلى ولاء غير مواليه لما في ذلك من كفر النعمة وتضييع حقوق الإرث والولاء والعقل وغير ذلك وهذا حرام لتفويته حق المنعم ولأن الولاء كالنسب يحرم تضييعه كما يحرم الانتساب إلى غير أبيه وهذا من الكبائر العظيمة ويترتب عليه مفاسد كثيرة من الأنكحة الفاسدة وأخذ الأموال الباطلة واختلاط الأنساب وغير ذلك مع ما فيه من قطيعة الرحم والعقوق.
قوله: "فعليه لعنة الله" لعنة الله يحتمل أن يراد بها العذاب الذي يستوجبه على ذنبه والطرد من الجنان أولا ودخول النار حتى يخرجه الله تعالى ولا يكون هذا كلعنة الكفار الذين يبعدون من رحمة الله تعالى رأسًا ولعنة الملائكة والناس هنا ترك الدعاء لهم والاستغفار وإبعادهم عنه ذكره المنذري في الحواشي وتقدم الكلام على ذلك قبله أبسط من هذا وتقدم الكلام أيضا على الصرف والعدول.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ١٣٥ (١٢٣٨٣) و٣/ ١٥٤ (١٢٥٦٧) و٣/ ٢١٠ (١٣١٩٩) و٣/ ٢٥١ (١٣٦٣٧)، والبزار (٧١٩٦)، وابن حبان (١٩٤)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٩٨ رقم ٢٦٠٦ و٦/ ١٠٠ رقم ٥٩٢٦). وصححه الألباني في "تخريج الإيمان" رقم (٧)، "المشكاة" (٣٥)، "الروض" (٥٦٩).
[ ٩ / ٢٥ ]
٣٠٤٢ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كفى بامرئ تبرؤ من نسب وَإِن دق وادعاء نسب لَا يعرف رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير وَعَمْرو يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ (^١).
قوله: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "كفى بامرئ تبرؤ من نسب وإن دق وادعاء نسب لا يعرف" الحديث الإدعاء على غير الأب مع العلم به حرام كما تقدم فمن اعتقد إباحة ذلك كفر لمخالفته الإجماع ومن لم يعتقد إباحته ففي معنى كفره وجهان أحدهما أنه قد أشبه فعله فعل الكفار والثاني أنه كفر النعمة والإحسان وحق الله تعالى وحق أبيه وليس المراد الكفر الذي يخرجه من ملة الإسلام.
٣٠٤٣ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ادّعى إِلَى غير أَبِيه لم يرح رَائِحَة الْجنَّة وَإِن رِيحهَا ليوجد من قدر سبعين عَاما أَو مسيرَة سبعين عَاما رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه إِلَّا أَنه قَالَ وَإِن رِيحهَا ليوجد من
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ٢١٥ (٧١٤٠)، وابن ماجه (٢٧٤٤)، والطبراني في الصغير (٢/ ٢٢٦ رقم ١٠٧٢)، ومن طريقه أبو نعيم في تاريخ أصبهان ٢/ ٣١٦، والطبراني في الأوسط (٨/ ٤٧ - ٤٨ رقم ٧٩١٩)، وابن عدى في الكامل (٧/ ٥٤٢)، وابن المقرئ في المعجم (١١٠٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٩٧: رواه أحمد والطبراني في الصغير والأوسط إلا أنه قال: كفر بامرئ، وهو من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده. قال البوصيري في الزجاجة ٣/ ١٥٠: هذا إسناد صحيح وهو في بعض النسخ دون بعض ولم يذكره المزي في الأطراف وأظنه من زيادات أبي الحسن علي بن إبراهيم القطان. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٧٠) وصحيح الترغيب (١٩٨٧).
[ ٩ / ٢٦ ]
مسيرَة خَمْسمِائَة عَام ورجالهما رجال الصَّحِيح وَعبد الْكَرِيم هُوَ الْجَزرِي ثِقَة احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا قيل فِيهِ (^١).
قوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من ادعى إلى غير أبيه" تقدم الحديث الإدعاء الانتساب.
قوله -ﷺ-: "لم يرح رائحة الجنة" يرح بفتح الياء والراء لم يشم ريحا وسيأتي الكلام على ذلك في ذكر الجنة.
٣٠٤٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ادّعى إِلَى غير أَبِيه أَو تولى غير موَالِيه فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ" رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (٢٢٧٤)، وأحمد ٢/ ١٧١ (٦٧٠٣) و٢/ ١٩٤ (٦٩٥٣)، وابن ماجه (٢٦١١)، والبزار (٢٣٧٣) و(٢٣٨٣)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٤٣)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٧٩)، وأبو نعيم في صفة الجنة (١٩٦) والخطيب في تاريخ بغداد ٢/ ٣٤٧. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٩٨: رواه ابن ماجه إلا أنه قال: "من مسيرة خمسمائة عام". رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في الزجاجة ٣/ ١١٧ - ١١٨: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات لأن محمد بن الصباح هو أبو جعفر الجرجاني التاجر قال ابن معين لا بأس به وقال أبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد لا يسأل عن حالهم لشهرتهم. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٠٧) وصحيح الترغيب (١٩٨٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٨٣ (٢٦١١١)، وأحمد ١/ ٣٢٨ (٣٠٩٥)، وابن ماجه (٢٦٠٩)، وأبو يعلى (٢٥٤٠)، وابن حبان (٤١٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٦٢ رقم ١٢٤٧٥) والأوسط (١/ ١٧٧ رقم ٥٦١). قال البوصيري في الزجاجة ٣/ ١١٧: هذا إسناد فيه مقال ابن أبي الضيف اسمه محمد بن =
[ ٩ / ٢٧ ]
٣٠٤٥ - وَعَن عَائِشَة -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من تولى إِلَى غير موَالِيه فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).
٣٠٤٦ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من ادّعى إِلَى غير أَبِيه أَو انْتَمَى إِلَى غير موَالِيه فَعَلَيهِ لعنة الله المتتابعة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).
_________________
(١) = أبي الضيف لم أر من جرحه ولا من وثقه وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم. وصححه الألباني صحيح الترغيب (١٩٨٩).
(٢) أخرجه ابن حبان (٤٣٢٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٣٢). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.
(٣) أخرجه أبو داود (٥١١٥)، والطبري في تهذيب الآثار - مسند على (٣٣٤)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٣٦٠ رقم ٦٢١)، والدارقطني (٤٠٦٦) و(٤٠٦٧). لم يدرج المصنف تحته شرحا. قال الدارقطني في العلل (٢٤٥٣): يرويه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، واختلف عنه؛ فرواه عمر بن عبد الواحد، عن ابن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أنس. وخالفه الوليد بن مزيد، فرواه عن ابن جابر، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، شيخ بالساحل، قال: حدثني رجل من أهل المدينة، عن رسول الله -ﷺ-، وفيه: لا وصية لوارث، ومن تولى غير مواليه الحديث، وفيه: لا تنفق المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه ، وفيه طول. وقال ابن المبارك: عن ابن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، قال: حدثني من شهد خطبة النبي -ﷺ-. وقال الوليد بن مسلم: عن ابن جابر، عن جدته، عن بعض أصحاب النبي -ﷺ-. وقول ابن المبارك والوليد بن مزيد هو الصواب. قال ابن عبد الهادى في التنقيح (٤/ ٢٥٢) وحاشية الأطراف (١/ ٢٢٥): سعيد بن أبي سعيد راوي هذه الأحاديث عن أنس ليس هو المقبري أحد الثقات، وإنما هو الساحلي وهو غير محتج به كذلك جاء مصرحًا به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والظاهر أنه سعيد بن خالد الذي روى عنه محمد بن شعيب. =
[ ٩ / ٢٨ ]
قوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ- يقول: "من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه" أي اتخذهم أولياء الحديث ومعنى انتمى إلى غير مواليه انتسب إلى غيرهم وصار معروف بهم يقال نميت الرجل إلى أبيه نميا نسبته إليه وانتمى هو أ. هـ قاله في النهاية (^١).
٣٠٤٧ - وَعَن أبي بكر الصّديق -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من ادّعى نسبا لَا يعرف كفر بِالله أَو انْتَفَى من نسب وَإِن دق كفر بِالله رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة الْحجَّاج بن أَرْطَأَة وَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب يعضده (^٢).
_________________
(١) = وقال ابن حجر في النكت الظراف (١/ ٢٢٥): قلت: هو سعيد بن أبي سعيد الساحلي شامي، وأما المقبري فهو مدني وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٩٠) غاية المرام (٢٦٦)، صحيح الجامع (٥٩٨٧).
(٢) النهاية (٥/ ١٢١).
(٣) أخرجه الدارمي (٣٠٧٣)، والحارث (٣٠)، والمروزي في مسند أبى بكر (٩٠)، والبزار (٧٠)، والطبراني في الدعاء (١/ ٥٨٧ رقم ٢١٤٣) والأوسط (٣/ ١٦٧ رقم ٢٨١٨) و(٨/ ٢٦٠ رقم ٨٥٧٥) وابن عدي في الكامل (٥/ ٥٤). قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي -ﷺ- إلا عن أبي بكر عنه، ورواه عن أبي بكر قيس بن أبي حازم بهذا الإسناد، ورواه أبو معمر، عن أبي بكر، واختلفوا في رفع حديث أبي معمر فرواه جماعة عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن أبي معمر، عن أبي بكر، موقوفا وأسنده بعضهم، والذي أسنده فليس بالحجة في الحديث، والسري بن إسماعيل ليس بالقوي، وقد حدث عنه الزهري، وجماعة كثيرة واحتملوا حديثه. قال الدارقطني في العلل (٤٨): والموقوف أشبه بالصواب، والله أعلم. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ٩٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ورواه =
[ ٩ / ٢٩ ]
قوله: من رواية الحجاج بن أرطاة (^١) هو أبو أرطاة الحجاج بن أرطاة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل النخعي الكوفي أحد أئمة الحديث والفقه وهو من تابعي التابعين توفي بالري [ترغيب من مات له ثلاثة من الأولاد أو اثنان أو واحد فيما يذكر من جزيل الثواب].
٣٠٤٨ - عَن أنس -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلم يَمُوت لَهُ ثَلَاثة لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا أدخلهُ الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^٢) وَفِي رِوَايَة للنسائي أَن رَسُول الله صلى الله
_________________
(١) = البزار، وفيه السري بن إسماعيل، وهو متروك. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٧٠) وصحيح الترغيب (١٩٩١).
(٢) ترجمته: طبقات ابن سعد: ٦/ ٣٥٩، وتاريخ البخاري الكبير: ٢/ الترجمة ٢٨٣٥، وتاريخه الصغير: ٢/ ١١٠، والضعفاء الصغير، له، الترجمة ٧٥، وتهذيب الكمال ٥/ الترجمة ١١١٢، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ الترجمة ١١٢. وقال النووي في تهذيب الأسماء: واتفقوا على أنه مدلس، وضعفه الجمهور، فلم يحتجوا به، ووثقه شعبة وقليلون، وكان بارعًا في الحفظ والعلم. روينا عن سفيان الثوري أنه قال لطلبة العلم: عليكم بالحجاج، فما بقى أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه. قال: وما رأيت أحفظ منه. وعن حماد بن زيد، قال: الحجاج عندنا أقهر للحديث من الثوري، وكان قاضى البصرة. وقال هشيم: سمعت الحجاج يقول: استفتيت وأنا ابن ست عشرة سنة. وقال الحجاج: ما خاصمت قط أحدًا ولا جلست إلى قوم يختصمون، توفى بالري.
(٣) أخرجه أحمد ٣/ ١٥٢ (١٢٧٣٠)، والبخاري (١٢٤٨) و(١٣٨١) والتاريخ الكبير (٦/ ٤٢١)، وابن ماجه (١٦٠٥)، والبزار (٦٤٧٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٣ (١٨٨٨) و٤/ ٤٤ (١٨٨٩) والكبرى (٢٠١١) و(٢٠١٣)، وابن حبان (٢٩٤٣). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٠٢) وصحيح الترغيب (١٩٩٢) وقال في رواية النسائي الثانية صحيح لغيره وقال في رواية ابن حبان حسن صحيح.
[ ٩ / ٣٠ ]
عليه وسلم قَالَ من احتسب ثَلَاثَة من صلبه دخل الْجنَّة فَقَامَتْ امْرَأَة فَقَالَت أَو اثْنَان فَقَالَ أَو اثْنَان قَالَت الْمَرْأَة يَا لَيْتَني قلت وَاحِدَة وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مُخْتَصرا من احتسب ثَلَاثَة من صلبه دخل الْجنَّة الْحِنْث بكَسْر الْحَاء وَسُكُون النُّون هُوَ الْإِثْم والذنب وَالْمعْنَى أَنهم لم يبلغُوا السن الَّذِي تكْتب عَلَيْهِم فِيهِ الذُّنُوب.
قوله: عن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" الحديث.
قال الإمام أبو العباس القرطبي (^١): إنما خص الولد بثلاثة لأن الثلاثة أول مراتب الكثرة فتعظم المصائب فتكثر الأجور فأما إذا زاد على الثلاثة فقد يخف أمر المصيبة الزائدة لأنها كأنها صارت عادة وديدنا.
قوله -ﷺ-: "لم يبلغوا الحنث" الحنث هو الإثم والذنب والمعنى أنهم لم يبلغوا السن الذي يكتب عليهم فيه الذنوب ا. هـ قاله المنذري وقال في النهاية (^٢): لم يبلغوا الحنث مبلغ الرجال فيكتب عليهم الحنث وهو الإثم ويجرى عليهم الحكم.
قوله -ﷺ-: "إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" الضمير في رحمته يعود إلى المسلم الموصوف وهو الوالد ا. هـ.
_________________
(١) المفهم (٢٢/ ٧).
(٢) النهاية (١/ ٤٤٩) وعنده: ويجري عليهم القلم.
[ ٩ / ٣١ ]
قال ابن بطال (^١): وفى الحديث دلالة أن أولاد المسلمين في الجنة بخلاف من قال الأطفال في المشيئة.
فائدة: فعلى هذا لو مات ثلاثة أولاد بالغين معتوهين عرض لهم العته والجنون قبل البلوغ بحيث لم يجر عليهم تكليف ولم يكتب عليهم إثم فهل يكونون كغير البالغين هذا محتمل والأرجح إلحاقهم فهو وقد يدعى دخولهم قوله -﵇- لم يبلغوا الحنث وينبغي أن بيني ذلك على المعنين المتقدم ذكرهما فإن عللنا بما في الحديث كان حكم المجانين كذلك لأن الرحمة لهم واسعة كثيرة لعدم حصول الإثم منهم فساووا في ذلك الأطفال ا. هـ ذكره العراقي في شرح الأحكام (^٢) قوله: -ﷺ- في رواية النسائي أن رسول الله -ﷺ- قال "من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة" قال في النهاية (^٣): الاحتساب في الأعمال الصالحات وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على
_________________
(١) شرح الصحيح (٣/ ٢٤٦) ونقل إجماع أهل السنة على ذلك ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٤٨) فقال: وقد أجمع العلماء على ما قلنا من أن أطفال المسلمين في الجنة فأغنى ذلك عن كثير من الاستدلال ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافا إلا فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم في المشيئة وهو قول شاذ (مهجور) مردود بإجماع الجماعة وهم الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم ولا يجوز على مثلهم.
(٢) طرح التثريب (٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦) وتمام عبارته: وإن عللنا بما ذكره القرطبي لم يطرد ذلك في المجانين البالغين لأن محبتهم تخفف أو تزول، ويتمنى الأب موتهم لما بهم من العاهة والضرر فلا يحصل له بموتهم تفجع، ولا مشقة، والله أعلم.
(٣) النهاية (١/ ٣٨٢).
[ ٩ / ٣٢ ]
الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها والاحتساب من الحسب كالاعتداد من العدو وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه لأن له حينئذ أن يعتد بعمله فيجعل في حال مباشرته الفعل كأنه معتد به.
قوله: "فقامت امرأة فقالت أو اثنان فقال أو اثنان" قال ابن بطال (^١): ويحتمل أنه لما قالت المرأة أو اثنان نزل عليه الوحي أن يحسبها بقوله واثنان ولا يمتنع في أسرع من طرفة العين ا. هـ.
فائدة: في معجم الطبراني أن من دفن ثلاثة من الولد فصبر عليهم واحتسبهم وورد من مات له ولد فصبر واحتسب قيل له ادخل الجنة (^٢) فمن
_________________
(١) شرح الصحيح (٣/ ٢٤٦).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٦٣ رقم ٢٤٨٨) والكبير (٢/ ٢٤٥ رقم ٢٠٣٠) والقطيعي في جزء الألف دينار (١٧٥) عن جابر بن سمرة بلفظ: من دفن ثلاثة من الولد فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنة فقالت أم أيمن: أو اثنين؟ قال ومن دفن اثنين فصبر عليهما واحتسبهما وجبت له الجنة فقالت أم أيمن: وواحدا؟، فسكت أو أمسك، ثم قال يا أم أيمن من دفن واحدا فصبر عليه واحتسب وجبت له الجنة. وقال الهيثمي المجمع ٣/ ١٠: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه ناصح بن عبد الله أبو عبد الله، وهو ضعيف متروك. وقال الحافظ في الفتح (١٤/ ١٨): رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفي سندهما ناصح بن عبد الله وهو ضعيف جدًا. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٨٦١٠٠٣٤ و١٠٠٣٥) والأوسط (٦/ ٤٦ رقم ٥٧٥٣) وابن عدى في الكامل (٦/ ٢٢٥) عن ابن مسعود بلفظ: "من مات له ولد، ذكر أو أنثى، سلم أو لم يسلم، رضي أو لم يرضى، صبر أو لم يصبر لم يكن له ثواب إلا الجنة". قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن ابن مسعود إلا بهذا الإسناد، تفرد به عمرو الأودي. =
[ ٩ / ٣٣ ]
يحمل المطلق على المقيد يخص ذلك بالصابر دون الجازع وقد مشى على ذلك أبو العباس القرطبي (^١) والله أعلم.
٣٠٤٩ - وَعَن عتبَة بن عبد السّلمِيّ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من مُسلم يَمُوت لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا تلقوهُ من أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية من أَيهَا شَاءَ دخل رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن (^٢).
قوله: وعن عتبة بن عبد السلمي (^٣) -﵁- (كنيته: أبو الوليد، له صحبة، عداده في أهل حمص، يقال: كان اسمه عتلة، ويقال: نشبة، فسماه النبي -ﷺ-
_________________
(١) = قال ابن عدى: وأبو حفص الأعشى له غير ما ذكرت ورواياته بالأسانيد التي يرويها غير محفوظة. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ١٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عمرو بن خالد الأعشى، وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في الضعيفة (٦٠٠١): منكر.
(٢) المفهم (٢٢/ ٧).
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٣ (١٧٩١٤) و٤/ ١٨٤ (١٧٩١٩)، وابن ماجه (١٦٠٤)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٤٣)، ابن قانع في معجم الصحابة ٢/ ٢٦٦، والطبراني في الكبير ١٧/ ١١٩ (٢٩٤) و١٧/ ١٢٥ (٣٠٩) ومسند الشاميين (١٠٧٠) و(١٦٣١)، وأبو نعيم في صفة الجنة (١٧٠)، والبيهقي في البعث والنشور (ص / ١٦٨ رقم ٢٣٦)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٢٩١). قال البوصيري في الزجاجة ٢/ ٥١: هذا إسناد فيه شرحبيل بن شفعة ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو داود وشيوخ جرير كلهم ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٩٣).
(٤) ترجمته في: الاستيعاب ٣/ الترجمة ١٧٦٨، وأسد الغابة ٣/ الترجمة ٣٥٥٢، وتهذيب الكمال ١٩/ الترجمة ٣٧٨٠، والإصابة ٤/ الترجمة ٥٤٢٣.
[ ٩ / ٣٤ ]
عتبة، حديثه عند شريح بن عبيد، ولقمان بن عامر، وكثير بن مرة الحضرمي، وخالد بن معدان، وعبد الله بن ناصح، وعقيل بن مدرك، وحبيب بن عبيد الرحبي، وراشد بن سعد، وغيرهم).
قوله -ﷺ-: يقول "ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل" تقدم الكلام على قوله لم يبلغوا الحنث الحديث قبله.
٣٠٥٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يَمُوت لأحد من الْمُسلمين ثَلَاثَة من الْوَلَد فَتَمَسهُ النَّار إِلَّا تَحِلَّة الْقسم رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١) وَلمُسلم أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ لنسوة من الْأَنْصَار لَا يَمُوت لاحداكن ثَلَاثَة من الْوَلَد فتحتسبه إِلَّا دخلت الْجنَّة فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُنَّ أَو اثْنَان يَا رَسُول الله قَالَ أَو اثْنَان وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضا قَالَ أَتَت امْرَأَة بصبي لهَا فَقَالَت يَا نَبِي الله ادْع الله لي فَلَقَد دفنت ثَلَاَثة فَقَالَ أدفنت ثَلَاثَة قَالَت نعم، قَالَ لقد احتظرت بحظار شَدِيد من النَّار (^٢) الحظار بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالظاء الْمُعْجَمَة هُوَ الْحَائِط يَجْعَل حول الشَّيء كالسور الْمَانِع وَمَعْنَاهُ لقد احتميت وتحصنت من النَّار بحمى عَظِيم وحصن حُصَيْن.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٥١) و(٦٦٥٦)، ومسلم (١٥٠ - ٢٦٣٢)، وابن ماجه (١٦٠٣)، والترمذى (١٠٦٠)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٥ (١٨٩١) والكبرى (٢٠١٥) و(١١٢٥٨).
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٤٤) و(١٤٧)، ومسلم (١٥١ - ٢٦٣٢) و(١٥٥ و١٥٦ - ٢٦٣٦)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٦ (١٨٩٣) والكبرى (٢٠١٢)، وأبو يعلى (٦٠٩١).
[ ٩ / ٣٥ ]
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم" الحديث الولد يطلق على الذكر والأنثى وعلى المفرد والجمع وفيه إن المسلم إذا مات له ثلاثة من الولد لم يدخل النار إلا تحلة القسم الحديث ومن ضرورة ذلك دخول الجنة إذ لا منزلة بينهما.
وتحلة القسم بفتح التاء وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام قال: العلماء تحلة القسم ما ينحل به القسم وهو اليمين وجاء مفسرا في الحديث أن المراد به قوله الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^١) واختلف العلماء في معنى إلا تحلة القسم فقال الجمهور المراد قسم الله تعالى ورود جميع الخلق على النار فيردها بقدر ما يبر الله قسمه ثم ينجو أي لا يدخل النار ليعاقب بها ولكنه يجوز عليها قال: فإذا مر بها وجاوزها فقد أبر الله قسمه اختلف هؤلاء في هذا القسم فقال أبو عبيد والبخاري والجمهور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ والقسم مقدر أي والله إن منكم إلا واردها.
وقال الخطابي (^٢): القسم في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾ (^٣) وقال: الحسن وقتادة حتما مقضيا قسما واجبا وحكى عن ابن مسعود فهذه ثلاثة أقوال في
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٧١.
(٢) أعلام الحديث (١/ ٦٦٩).
(٣) سورة مريم، الآية: ٦٨.
[ ٩ / ٣٦ ]
موضع القسم من الآية وقال ابن قتيبة: ليس المراد بذلك قسما حقيقا ولكن هذا اللفظ يعبر به عن تقليل المدة فتقول العرب ما يقيم فلان عنه إلا تحلة القسم أي مدة يسيرة وكما يحلف الحالف على الشيء أن يفعله فيفعل المقدار الذي يبر قسمه مثل أن يحلف على النزول بمكان فلو وقع به وقعه حقيقة أجزأته فتلك تحلة قسمه فالمعنى لا تمسه النار إلا مسة يسيرة مثل تحلة قسم الحالف وشبهوه تلك المدة اليسيرة بمدة قول القائل إن شاء الله لأنه تحلل بها القسم فيقول القائل والله لا أكلم زيدا إن شاء الله فلا ينعقد يمينه فالمراد أنه إن دخل النار يكون مكثه فيها قليلا كمدة تحليل اليمين ثم ينجيه الله تعالى وقيل لا تمسه النار أصلا ولا قدرا يسيرا كتحلة القسم ومنه الحديث الآخر "من حرس ليلة من وراء المسلمين متطوعا لم يأخذه سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم" (^١) واختلف العلماء في الورود المذكور في الآية على أقوال أحدها أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (^٢)
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٣٧ (١٥٨٥٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٤٤٣)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٩٦، وأبو يعلى (١٤٩٠) والمفاريد (ص ٢٧)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٨٥ (٤٠٢ و٤٠٣)، وابن عدى (٤/ ٧٤). قال ابن عدى: ورشدين بن سعد له أحاديث كثيرة غير ما ذكرت وعامة أحاديثه عمن يرويه عنه ما أقل فيها ممن يتابعه أحد عليه، وهو مع ضعفه يكتب حديثه. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، وفي أحد إسنادي أحمد ابن لهيعة وهو أحسن حالا من رشدين. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٧٨٦).
(٢) سورة مريم، الآية: ٧١.
[ ٩ / ٣٧ ]
المرور على الصراط على الصحيح وهو جسر منصوب على ظهر جهنم عافانا الله الكريم منها حكى عن ابن مسعود وكعب الأحبار وهو رواية عن ابن مسعود ويدل لهذا القول ما رواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الرحمن بن بشير الأنصاري قال قال رسول الله -ﷺ-: "من مات له ثلاثة من الولد" (^١) فذكر الحديث إلى أن قال لم يرد النار إلا عابر سبيل يعني الجواز على الصراط.
الثاني: أنه الوقوف عندها حكاه النووي في شرح مسلم (^٢).
الثالث: أنهم يدخلونها حقيقة ولكن تكون عليهم بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم الخليل -﵇- حين ألقي في نار النمرود وحكى عن ابن عباس وجابر بن عبد الله (^٣).
الرابع: أن المراد بورودها ما يصيبهم في الدنيا من الحمى لقوله -ﷺ-: "إن الحمى من فيح جهنم" حكاه ابن بطال (^٤) عن مجاهد س واستشهد بحديث
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الصحابة (٤٦٤٧) عن الطبراني. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٦ - ٧: ورجاله موثقون خلا شيخ الطبراني أحمد بن مسعود المقدسي؛ ولم أجد من ترجمه. أحمد بن مسعود أبو الحسن وقيل: أبو عبد الله الخياط المقدسي ترجمه غير واحد قال الذهبي في السير (١٣/ ٢٤٤): المحدث الإمام آخر من حدث عنه الطبراني. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠١).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٨١).
(٣) شرح الصحيح لابن بطال (٣/ ٢٤٨).
(٤) شرح الصحيح (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
[ ٩ / ٣٨ ]
أبي هريرة قال: عاد رسول الله وأنا معه مريضا كان يتوعك فقال: أبشر فإن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من نار الأخرة ا. هـ ذكره العراقي (^١).
قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال القاضي عياض: وهو الجواز على الصراط وعليها وهي جامدة كالإهالة وقيل المراد سرعة الجواز عليه (^٢) ا. هـ.
قوله: وفي رواية مسلم أن رسول الله -ﷺ- قال "لنسوة من الأنصار لا يموت لأحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة" الحديث أما التقييد بقوله فتحتسبه فلعله إنما ذكر ذلك للنساء لقلة الصبر عندهن وكثرة الجزع فيهن مع إظهار التفجع بفعل ما لا يجوز من كثير منهن فردعهن عن ذلك بهذا الكلام ليحصل إنكفافهن عما يتعاطينه من الأمور المحرمة فكان فائدة هذا التقييد ارتداعهن عن ذلك لا تخصيص الحكم به وقد فهمت في الأصول أن شرط العمل بالمفهوم أن يظهر له فائدة سوى تخصيص الحكم ا. هـ ذكره العراقي أيضا (^٣).
قوله -ﷺ-: في رواية الأخرى قال: "أتت امرأة بصبي لها فقالت يا نبي الله ادع الله لي فلقد دفنت ثلاثة فقال أدفنت ثلاثة قالت نعم قال: لقد احتظرت بحظار شديد من النار" الحظار هو الحائط يجعل حول الشيء
_________________
(١) طرح التثريب (٣/ ٢٥٣).
(٢) مشارق الأنوار (١/ ١٩٦).
(٣) طرح التثريب (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
[ ٩ / ٣٩ ]
كالسور المانع ومعنى الحديث لقد احتميت وتحصنت من النار بحمى عظيم وحصن حصين قاله المنذري وقال: بعضهم معناه لقد احتميت بحمى عظيم من النار يقيك حرها ويؤمنك دخولها، الحظار المنع والحظار بكسر الحاء وفتحها ما يجعل حول البستان وغيره من قضبان وغيرها ا. هـ قال العلماء وفي هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة وقد نقل جماعة وفيه إجماع المسلمين وقال المازري (^١): أما أولاد الأنبياء صلوت الله عليهم وسلامه عليهم فالإجماع مختفي على أنهم في الجنة وأما أطفال من سواهم من المؤمنين فجماهير العلماء على القطع لهم بالجنة ونقل جماعة الإجماع في كونهم من أهل الجنة قطعا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (^٢) الآية وتوقف بعض المتكلمين فيها وأشار أنه لا يقطع لهم كالمكلفين وأما أولاد المشركين ففيهم ثلاثة مذاهب قال: الأكثرون هم في النار تبعا لأبائهم وتوقف طائفة فيهم والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة واستدل بأشياء منها حديث إبراهيم الخليل حين رآه النبي -ﷺ- في الجنة وحوله أولاد الناس قالوا يا رسول الله وأولاد المشركين قال أولاد المشركين ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٣) ولا يتوجه على المولود التكليف ولا يلزمه
_________________
(١) المعلم (٣/ ٣٠٧).
(٢) سورة الطور، الآية: ٢١.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٧٥.
[ ٩ / ٤٠ ]
قول الرسول حتى يبلغ وهذا متفق عليه وتقدم الكلام على شيء من ذلك في ترك الصلاة في حديث الخليل المطول والله أعلم.
٣٠٥١ - وَعَن أبي ذَر -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول مَا من مُسلمين يَمُوت بَينهمَا ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١) وَهُوَ فِي الْمسند من حَدِيث أم أنس بن مَالك وَفِي النَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَزَاد فِيهِ قَالَ يُقَال لَهُم ادخُلُوا الْجنَّة فَيَقُولُونَ حَتَّى تدخل آبَاؤُنَا فَيُقَال لَهُم ادخُلُوا الْجنَّة أَنْتُم وآباؤكم (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ١٥١ (٢١٧٣٦) و٥/ ١٥٣ (٢١٧٥٥) و٥/ ١٥٩ (٢١٨١٢) و٥/ ١٦٤ (٢١٨٥٣)، والبخاري في الأدب المفرد (١٥٠)، والبزار (٣٩٠٩)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٤ (١٨٩٠) والكبرى (٢٠١٤)، وأبو عوانة (٧٩٢٦) و(٧٩٢٧) و(٧٩٢٨)، وابن حبان (٢٩٤٠) و(٤٦٤٣)، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٨٦. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٩٥)، الصحيحة (٢٢٦٠)، صحيح الجامع (٥٧٧٦).
(٢) أما حديث أم أنس: أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ٣٦ (١١٨٨٢)، وإسحاق (٢١٦٢)، وأحمد ٦/ ٣٧٦ (٢٧٧٥٧) و٦/ ٤٣١ (٢٨٠٧٢)، والبخاري في الأدب المفرد (١٤٩)، والطبراني في الكبير ٢٥/ ١٢٦ (٣٠٥) و(٣٠٦). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٦ و٣/ ٨: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وفيه عمر بن عاصم الأنصاري، ولم أجد من وثقه ولا ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٩٦). وأما حديث أبى هريرة: أخرجه أحمد ٢/ ٥١٠ (١٠٧٧٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤٥ (١٨٩٢) والكبرى (٢٠١٦)، وأبو يعلى (٦٠٧٩)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ١١٣ رقم ٧١٤٤)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٢٩٢). وصححه الألباني في أحكام الجنائز ٢٣، صحيح الترغيب (١٩٩٧)، صحيح الجامع (٥٧٨٠).
[ ٩ / ٤١ ]
٣٠٥٢ - وَعَن أبي حسان -﵁- قَالَ قلت لأبي هُرَيْرَة إِنَّه قد مَاتَ لي ابْنَانِ فَمَا أَنْت محدثي عَن رَسُول الله -ﷺ- بِحَدِيث يطيب أَنْفُسنَا عَن مَوتَانا قَالَ نعم صغارهم دعاميص الْجنَّة يتلَقَّى أحدهم أَبَاهُ أَو قَالَ أَبَوَيْهِ فَيَأْخُذ بِثَوْبِهِ أَو قَالَ بِيَدِهِ كَمَا آخذ أَنا بصنفة ثَوْبك هَذَا فَلَا يتناهى أَو قَالَ يَنْتَهِي حَتَّى يدْخلهُ الله وأباه الْجنَّة رَوَاهُ مُسلم (^١) الدعاميص بِفَتْح الدَّال جمع دعموص بضَمهَا وَهِي دويبة صَغِيرَة يضْرب لَوْنهَا إِلَى السوَاد تكون فِي الغدران إِذا نشفت شبه الطِّفْل بهَا فِي الْجنَّة لصغره وَسُرْعَة حركته وَقيل هُوَ اسْم للرجل الزوار للملوك الْكثير الدُّخُول عَلَيْهِم وَالْخُرُوج لَا يتَوَقَّف على إِذن مِنْهُم وَلَا يخَاف أَيْن ذهب من دِيَارهمْ شبه طِفْل الْجنَّة بِهِ لِكَثْرَة ذَهَابه فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَ لَا يمْتَنع من بَيت فِيهَا وَلَا مَوضِع وَهَذَا قَول ظَاهر وَالله أعلم وصنفة الثَّوْب بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَالنُّون بعدهمَا فَاء وتاء تَأْنِيث هِيَ حَاشِيَته وطرفه الَّذِي لَا هدب لَهُ وَقيل بل هِيَ النَّاحِيَة ذَات الهدب.
قوله: وعن أبي حسان -﵁- (هو خالد بن غلاق القيسي، ويقال: العيشي أبو حسان البصري قال ابن سعد: وكان ثقة قليل الحديث ووثقه ابن حبان).
_________________
(١) أخرجه إسحاق (١٤٤)، وأحمد ٢/ ٤٤٨ (١٠٤٦٩) و(١٠٤٧٥) و٢/ ٥١٠ (١٠٧٧٠)، والبخاري في الأدب المفرد (١٤٥)، ومسلم (١٥٤ - ٢٦٣٥)، والبزار (٩٥٤٨)، وأبو عوانة (١١٥٠٣) و(١١٥٠٤) والبيهقي في الكبرى (٤/ ١١٢ - ١١٣ رقم ٧١٤٢ و٧١٤٣) والشعب (١٢/ ٢١٤ رقم ٩٢٩٦) والقضاء والقدر (٦٣٣). وصححه الألباني في الصحيحة (٤٣٢) وصحيح الترغيب (١٩٩٨).
[ ٩ / ٤٢ ]
قوله: "قلت لأبي هريرة إنه قد مات لي ابنان فما أنت محدثي عن رسول الله -ﷺ- بحديث يطيب أنفسنا عن موتانا قال نعم صغارهم دعاميص الجنة" الحديث هذا الحديث يدل أيضا على أن صغار أولاد المؤمنين في الجنة وهو قول أكثر العلم وهو مقتضى ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ (^١) وقد أنكر بعض العلماء الخلاف فيهم وهذا فيما عدا أولاد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فإنه قد تقرر الإجماع على أنهم في الجنة حكاه أبو عبد الله المازري وتقدم الكلام على ذلك في الحديث قبل قبله قوله: -ﷺ- "صغارهم دعاميص الجنة" أي صغار أهلها وأصل الدعموص دوييه تكون في الماء لا تفارقه أبدا أي أن هذا الصغير في الجنة لا يفارقها أبدا والدعاميص أيضا جمع دعموص دويبة صغيرة يضرب لونها إلى السواد تكون بالغدران إذا نشفت ا. هـ قاله المنذري وقال غيره الدعموص بضم الدال دويبة تغوص في الماء والجمع الدعاميص كبرغوث براغيث وقال: السهيلي (^٢) دعموص سمكة صغيره كحية الماء كذا جاء مستعارا في هذا الحديث وكذا استعارت عائشة -﵂- العصفور حين نظر على طفل صغير قد مات فقالت طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سواء فقال لها النبي -ﷺ- وما يدريك إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا وفي حديث آخر خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب
_________________
(١) سورة الطور، الآية: ٢١.
(٢) الروض الأنف (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢).
[ ٩ / ٤٣ ]
آبائهم" (^١) الأصلاب جمع صلب وهو الظهر وفي الحديث أن رجلا زنى فمسخه الله تعالى دعموصا.
وقال الجاحظ: إذا كبر الناموس صار دعاميص وهو يتولد من الماء الراكد وإذا كبد صار فراشا ولعل هذا هو عمدة جعل الجراد بحريا قال: الحافظ المنذري شبه الطفل بها في الجنة لصغره وسرعة حركته إلى آخره ودعميص اسم رجل كان كاهنا يقال هذا دعميص هذا الأمر أي عالم به (^٢) ا. هـ.
مسألة فقهية: في فتاوى القاضي حسين أن دود الماء لو انشق أو ذاب فخرج منه ماء كان ذلك الماء طهورا يجوز منه التوضؤ وعلله بأن هذا الدود ليس بحيوان بل هو ينعقد من دخان يصعد من الماء فيشبه الدود وهذا صريح في جواز شرب الدعميص في الماء لأنها ماء منعقد والظاهر أن هذا لا يوافق عليه والمشهور خلاف ما قاله تفسيرا وحكما أنه محرم الأكل لاستقذاره لأنه من الحشرات والله أعلم قاله الكمال الدميري في حياة الحيوان (^٣).
مسألة أيضا يحرم أكل الدود بجميع أنواعه لأنه مستخبث إلا ما تولد من مأكول ففيه عندنا ثلاثة أوجه أصحها جواز أكله معه لا منفردا والثاني يجب تمييزه ولا يؤكل أصلا والثالث يؤكل معه ومنفردا وعلى الأصح إطلاقهم أنه
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠ و٣١ - ٢٦٦٢)، وأبو داود (٤٧١٣)، وابن ماجه (٨٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٩٣ (١٩٦٣)، وابن حبان (١٣٨) و(٦١٧٣) عن عائشة.
(٢) حياة الحيوان (١/ ٤٦٨).
(٣) حياة الحيوان الكبرى (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩).
[ ٩ / ٤٤ ]
لا فرق بين أن يسهل تمييزه أو يشق ولا يجوز بيع الدود إلا القرمذ الذي يصبغ به وهو دود أحمر يوجد في شجر البلوط في بعض البلاد صدفي شبيه بالحلزون تجمعه نساء تلك البلاد بأفواههن وكذلك دود القز ويجب إطعامه ورق الفرصاد ويجوز تشميسه وإن هلك لتحصيل فائدته ويجوز بيع الفيلج وفي باطنه الدود الميت لأن بقاءه فيه من مصلحته فيباع وزنا وجزافا كما صرح به القاضي حسين وقال الإمام: إن باعه وزنا لم يجز وإن باعه جزافا جاز وهذا هو الصحيح المعتمد لأن الدود الذي فيه يمنع معرفة مقدارا ما فيه من المقصود وهو القز والله أعلم قاله الكمال أيضا في كتابه المذكور في المسألة (^١).
قوله: في الحديث "يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه" هذا شك من الراوي فيأخذ بثوبه أو قال بيده شك أيضا من الراوي "كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا" وصنفة الثوب هي حاشيته وطرفه الذي لا هدب له وقيل بل هي الناحية ذات الهدب قاله الحافظ وقيل الدعموص للرجل الزوار للملوك الكثير الدخول عليهم والخروج لا يتوقف على إذن منهم ولا يخاف أين ذهب من ديارهم شبه به لكثرة ذهابه في الجنة حيث شاء لا يمتنع من بيت فيها ولا موضع وهذا قول ظاهر والله أعلم انتهى.
وقال في النهاية (^٢): الدعموص أيضا الدخال في الأمور أي أنهم سياحون
_________________
(١) حياة الحيوان (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧).
(٢) النهاية (٢/ ١٢٠).
[ ٩ / ٤٥ ]
في الجنة دخالون في مناد لا يمنعون من موضع كما أن الصبيان في الدنيا لا يمنعون من الدخول على الحرم ولا يحتجب منهم أحد ا. هـ.
وقال القرطبي (^١): وقد سمعت من بعض من لقيه أن الدعموص يراد به الآذن على الملك المتصرف بين يديه وأنشأ لأميه بن أبي الصلت:
دعموص أبواب الملوك وجابر للخرق فاتح.
قوله: في الحديث يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه شك الراوي فيأخذ بثوبه أو قال: بيده شك أيضا من الراوي كما "كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا" وصنف الثوب هي حاشيته وطرفه الذي لا هدب له وقيل بل هي الناحية ذات الهدب قاله الحافظ
قوله: "فلا يتناهى أو قال ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة" يتناهي وينتهى بمعنى واحد أي لا يتركه ويكون التناهي أيضا من النهي.
٣٠٥٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- قَالَ جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فَقَالَت يَا رَسُول الله ذهب الرِّجَال بحديثك فَاجْعَلْ لنا من نَفسك يَوْمًا نأتك فِيهِ تعلمنا مِمَّا علمك الله قَالَ اجْتَمعْنَ يَوْم كَذَا وَكَذَا فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا فاجتمعن فأتاهن النَّبِي -ﷺ- فعلمهن مِمَّا علمه الله ثمَّ قَالَ مَا مِنْكُن من امْرَأَة تقدم ثَلَاثَة من الْوَلَد إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابا من النَّار فَقَالَت امْرَأَة واثنين فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- واثنين رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا (^٢).
_________________
(١) المفهم (٢٢/ ٩).
(٢) أخرجه البخاري (١٠١ و١٠٢) و(١٢٤٩) و(٧٣١٠)، ومسلم (١٥٢ و١٥٣ - ٢٦٣٣)، =
[ ٩ / ٤٦ ]
قوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: -ﷺ- "ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار" قال القاضي عياض (^١): أي ما يترك أخذه بأبيه وتعلقه به وروى ابن حبان في كتاب الضعفاء من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا بأن "المولود يقال له ادخل الجنة فيقف على باب الجنة أى ممتلئا غيظا وغضبا ويقول لا أدخل الجنة إلا وأبوي معي فيقال ادخلوا بأبويه معه" (^٢) ا. هـ.
قوله: قوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: -ﷺ- "ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار" تقدم الكلام على ذلك.
٣٠٥٤ - وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ: "من أثكل ثَلَاثَة من صلبه فاحتسبهم على الله فِي سَبِيل الله ﷿ وَجَبت لَهُ الْجنَّة" رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات (^٣).
_________________
(١) = وابن حبان (٢٩٤٤)، وأبو عوانة (١١٤٨٤)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩ رقم ٩٢٨٧).
(٢) إكمال المعلم (٨/ ١١٣).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ١٩/ ٤١٦ (١٠٠٤). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٥٨: رواه الطبراني، وفيه علي بن الربيع، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٢٩١).
(٤) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٤ (١٧٥٧١)، والروياني (٢٣٠)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٣٠٠ (٨٢٩)، والدمياطي في الاغتباط والتسلى (٦٠). وقال الدمياطي: إنه على رسم أبى داود والنسائي. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٥ - ٦: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجال الطبراني ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٢٩٦) وصحيح الترغيب (٢٠٠٠).
[ ٩ / ٤٧ ]
قوله: وعن عقبة بن عامر -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: -ﷺ- أنه قال "من أثكل ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على الله" الحديث الثكل فقدان المرأة ولدها كذلك الثكل بالتحريك وامرأة ثاكل وثكلى وثكلته أمه ثكلا وأثكله الله أمه قاله الجوهري في صحاحه (^١).
قوله: "فاحتسبهم في سبيل الله" تقدم الكلام على الاحتساب أن الاحتساب في الأعمال الصالحة هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر أو باستعماله أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها وتقدم.
٣٠٥٥ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن بشير الْأنْصَارِيّ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث لم يرد النَّار إِلَّا عَابِر سَبيل يَعْنِي الْجَوَاز على الصِّرَاط رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَله شَوَاهِد كَثِيرَة (^٢).
قوله وعن عبد الرحمن بشير الأنصاري (^٣) (هو عبد الرحمن بن بشير
_________________
(١) الصحاح (٤/ ١٦٤٧).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الصحابة (٤٦٤٧). وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٦ - ٧: ورجاله موثقون خلا شيخ الطبراني أحمد بن مسعود المقدسي؛ ولم أجد من ترجمه. أحمد بن مسعود أبو الحسن وقيل: أبو عبد الله الخياط المقدسي ترجمه غير واحد قال الذهبي في السير (١٣/ ٢٤٤ ترجمة ١٢٦): المحدث الإمام آخر من حدث عنه الطبراني. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠١).
(٣) ترجمته: الاستيعاب ٢/ الترجمة ١٣٩٣، وأسد الغابة ٣/ الترجمة ٣٢٧٧، والإصابة ٤/ الترجمة ٥١٠٢.
[ ٩ / ٤٨ ]
وقيل بشر، روى عن النبي -ﷺ- في فضل علي، روى عنه: الشعبي، وابن سيرين، وعبد الملك بن عمير).
قوله: -ﷺ- "من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل يعني الجواز على الصراط" تقدم الكلام على ذلك مبسوطا.
٣٠٥٦ - وَعَن أبي أُمَامَة عَن عَمْرو بن عبسة -﵁- قَالَ قلت لَهُ حَدثنَا حَدِيثا سمعته من رَسُول الله -ﷺ- لَيْسَ فِيهِ انتقاص وَلَا وهم قَالَ سمعته يَقُول من ولد لَهُ ثَلَاَثة أَوْلاد فِي الْإِسْلَام فماتوا قبل أَن يبلغُوا الْحِنْث أدخلهُ الله الْجنَّة برحمته إيَّاهُم وَمن أنْفق زَوْجَيْنِ فِي سَبِيل الله فَإِن للجنة ثَمَانِيَة أَبْوَاب يدْخلهُ الله من أَي بَاب شَاءَ من الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن (^١).
قوله: وعن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة -﵁- تقدم الكلام عليهما ﵄.
قوله: "قلت له حدثنى حديثا سمعته من رسول الله -ﷺ- ليس فيه انتقاص ولا وهم" الحديث يقال وهم الرجل إذا غلط في الشيء ووهم مفتوحة الهاء إذا ذهب وهمه إلى الشيء وأوهم بالألف إذا سقط من قراءته وكلامه شيئا ا. هـ ورأيت بعضهم ذكره بسكون الهاء والله أعلم.
قوله: -ﷺ- "من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة برحمته إياهم" تقدم الكلام على ذلك.
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور (٢٤١٩)، وأحمد ٤/ ٣٨٦ (١٩٧٤٧)، وعبد بن حميد (٢٩٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠٢).
[ ٩ / ٤٩ ]
قوله: -ﷺ- "ومن أنفق زوجين في سبيل الله فإن للجنة ثمانية أبواب يدخله الله من أي باب شاء من الجنة" الحديث قال الهروي صاحب الغريبين في تفسير هذا الحديث (^١): قيل وما زوجان قال فرسان أو عبدان أو بعيران قال أئمة اللغة الزوج ينطلق على المفرد ومنه قوله تعالى: ﴿كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (^٢) وينطلق على المثنى وقد بين في الحديث على ما ذكر الهروي أن المراد من الزوجين اثنان متجانسان كفرسين أو عبدين أو بعيرين ويقاس بهما الدرهمان والديناران.
وقال: بعضهم وكل شيء يقرن بصاحبه فهو زوج يقال زوجت بين الإبل إذا قرنت بعيرا ببعير وقيل درهم ودينار أو درهم وثوب.
وقال القاضي أبو الوليد الباجي (^٣): يحتمل أن يريد عملا من الأعمال كصلاتين وصيام يومين وقال الحسن البصري: يعني اثنين من كل شيء درهمين دينارين ثوبين وقال: غيره يريد شيئين درهما ودينارا درهما وثوبا خفا ولجاما ونحو هذا ا. هـ.
وقال بعضهم: ويحتمل أن يراد به تكرار الإنفاق ومرة بعد مرة لأنه إذا أنفق بعد الإنفاق أي يتعود ذلك ويتخذه دأبا وعادة كذا ذكره في كتاب الميسر (^٤).
_________________
(١) المعلم (٢/ ٢٦).
(٢) سورة هود، الآية: ٤٠.
(٣) المنتقى (٣/ ٢١٨) والمسالك (٥/ ١٢٤).
(٤) الميسر (٢/ ٤٤٢) للتوربشتي.
[ ٩ / ٥٠ ]
قوله: "في سبيل الله" المراد به الجهاد وقيل هو وعلى العموم في جميع وجوه الخير فيتناول جميع وجوه البر وهذا هو الأصح والأظهر وهو الذي رجحه القاضي عياض (^١) والله أعلم.
٣٠٥٧ - وَعَن حَبِيبَة أَنَّهَا كَانَت عِنْد عَائِشَة -﵂- فجَاء النَّبِي -ﷺ- حَتَّى دخل عَلَيْهَا فَقَالَ مَا من مُسلمين يَمُوت لَهما ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا جِيءَ بهم يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يوقفوا على بَاب الْجنَّة فَيُقَال لَهُم ادخُلُوا الْجنَّة فَيَقُولُونَ حَتَّى تدخل آبَاؤُنَا فَيُقَال لَهُم ادخُلُوا الْجنَّة أَنْتُم وآباؤكم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد حسن جيد (^٢).
قوله (وَعَن حَبِيبَة هى حبيبة بنت أبي سفيان، قاله أبان بن صمعة لم يرو عنها غير ابن سيرين، ولا تعرف لأبي سفيان بنت اسمها حبيبة، قال أبو عمر: والذي أظنه "حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان").
قوله: -ﷺ- "ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث"
_________________
(١) إكمال المعلم (٣/ ٥٥٥).
(٢) أخرجه إسحاق (٢٠٧٤)، وابن سعد في الطبقات ٨/ ٤٤٦، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٥٢)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (٣٣٠٤)، والطبراني في الكبير ٢٤/ ٢٢٤ (٥٧٠ و٥٧١) ومن طريقه الدمياطي في التسلي والاغتباط (٨٧ و٨٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٥٧٣). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٧: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح خلا يزيد بن أبي بكرة؛ وقد وثقه ابن حبان، وأعاده بإسناد آخر، ورجاله ثقات، وليس فيه يزيد بن أبي بكرة، والله أعلم. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤١٦) وصحيح الترغيب (٢٠٠٣).
[ ٩ / ٥١ ]
فائدة: فيها بشرى وفي خبر أخر أن الأطفال يجتمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب فيقال للملائكة اذهبوا بهؤلاء إلى الجنة فيقفون على بابها فيقال لهم مرحبا بذراري المسلمين ادخلوا لا حساب عليكم فيقولوا وأين آباؤنا وأمهاتنا فتقول الخزنة إن أبائكم وأمهاتكم ليسوا مثلكم إنهم كانت لهم ذنوب وسيئات فهم يحاسبون عليها ويطالبون فيضجون ويتضاغون على باب الجنة ضجة واحدة فيقول الله تعالى وهو أعلم بهم ما هذه الضجة فيقولون يا ربنا أطفال المسلمين قالوا لا ندخل الجنة إلا مع أبائنا فيقول الله ﵎ تخللوا الجمع فخذوا بأيدي أبائكم وأمهاتكم فأدخلوهم الجنة (^١) ا. هـ قاله في شرح الإلمام.
٣٠٥٨ - وَعَن زُهَيْر بن عَلْقَمَة -﵁- قَالَ جَاءَت امْرَأَة من الْأَنْصَار إِلَى رَسُول الله -ﷺ- فِي ابْن لهَا مَاتَ فَكَأَن الْقَوْم عنفوها فَقَالَت يَا رَسُول الله قد مَاتَ لي ابْنَانِ مُنْذُ دخلت فِي الْإِسْلَام سوى هَذَا فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- وَالله لقد احتظرت من النَّار بحظار شَدِيد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِإِسْنَاد صَحِيح وَتقدم معنى الحظار (^٢).
_________________
(١) قال العراقي في تخريج الإحياء (٤٦٢): لم أجد له أصلا.
(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٤٢٦)، وابن أبى خيثمة في التاريخ الكبير - السفر الثانى (١/ ٢٣٩ رقم ٨٢٤)، والبغوي في معجم الصحابة (٨٩٦)، وابن قانع (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٧٣ رقم ٥٣٠٧)، وأبو نعيم في معجم الصحابة (٣٠٧١ و٣٠٧٢ و٣٠٧٣). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٧: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (٨٥٨) وقال في اسم راويه زهير بن أبي =
[ ٩ / ٥٢ ]
قوله: عن زهير بن علقمة (^١) -﵁-: (زهير بن علقمة البجلي وقيل: النخعي، وقيل: زهير بن أبي علقمة، سكن الكوفة، روى إياد بن لقيط قال البخاري ليست له صحبة وقال البغوي: لا أعرف له صحبة، إلا أنهم أدخلوه في المسند، وقال ابن عبد البر وقد ذكره غيره في الصحابة).
قوله: فقال النبي -ﷺ- "لقد احتظرت من النار بحظار شديد" تقدم معنى الحظار.
٣٠٥٩ - وَعَن الْحَارِث بن أقيش -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلمين يَمُوت لَهما أَرْبَعَة أَوْلَاد إِلَّا أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته قَالَ رجل يَا رَسُول الله وَثَلَاثَة قَالَ وَثَلَاثَة قَالَ وَاثْنَانِ رَوَاهُ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد فِي زوائده وَأَبُو يعلى بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم وَلَفظه قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلمين يقدمان ثَلَاثَة لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم قَالُوا يَا رَسُول الله وذوا الْإِثْنَيْنِ قَالَ وذوا الْإِثْنَيْنِ إِن من أمتِي من يدْخل الْجنَّة بشفتاعته أَكثر من مُضر وَإِن من أمتِي من يستعظم للنار حَتَّى يكون إِحْدَى زواياها (^٢).
_________________
(١) = علقمة. قال البزار: لا نعلم أسند زهير إلا هذا. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٨: رواه البزار، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠٤).
(٢) ترجمته: الاستيعاب ٢/ الترجمة ٨٢٣، وأسد الغابة ٢/ الترجمة ١٧٧٥ و١٧٧٦، والإصابة ٢/ الترجمة ٢٨٤٠.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ٣٦ (١١٨٧٩)، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند ٥/ ٣١٢ =
[ ٩ / ٥٣ ]
قوله: وعن الحارث بن أقيش (^١) -﵁- أقيش بضم الهمزة وفتح القاف وبعدها شين معجمة ذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة وقال وقيش بالواو وفي أوله وبعدها قاف وشين والله أعلم.
قوله: "من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من مضر" اسم قبيلة من قبائل العرب.
٣٠٦٠ - وَعَن أبي برزة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ مَا من مُسلمين يَمُوت لَهما أَرْبَعَة أفراط إِلَّا أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته قَالُوا يَا رَسُول الله وَثَلَاثَة قَالَ وَثَلَاثَة قَالُوا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ قَالَ وَإِن من أتِي لمن يعظم للنار حَتَّى يكون أحد زواياها وَإِن من أمتِي من يدْخل الْجنَّة بِشَفَاعَتِهِ مثل مُضر رَوَاهُ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^٢) وَأرَاهُ حَدِيث الْحَارِث بن أقيش الَّذِي قبله وَيَأْتِي
_________________
(١) = (٢٣١٠٥)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (١٠٥٥)، وأبو يعلى (١٥٨١)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٧٤٢ و٧٤٣)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٦٤ رقم ٣٣٥٩) و(٣/ ٣٦٥ رقم ٣٣٦٠ و٣٣٦١ و٣٣٦٢)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٣٥٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٧١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٨: رواه عبد الله بن أحمد، والطبراني في الكبير، وأبو يعلى، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠٥) من طريق وبلفظ الحاكم وضعفه من الرواية الأولى في الضعيفة (٢١٢١) وضعيف الترغيب (١٢٣٣).
(٢) ترجمته: الاستيعاب ١/ ٣٨٩، وأسد الغابة ١/ ٨٤٤، وتهذيب الكمال ٥/ ١٠٠٩، والإصابة ١/ ١٣٦٧.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢١٢ (١٨١٣٩). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٨: رواه أحمد من حديث أبي برزة، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٢٣) وضعيف الترغيب (١٢٣٤).
[ ٩ / ٥٤ ]
بَيَان ذَلِك إِن شَاءَ الله.
قوله: وعن أبي برزة -﵁- (اسم أبى برزة الصحابي: نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه، ويقال: نضلة بن عمرو، ويقال: نضلة بن عبد الله. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور، وقيل: اسمه عبد الله بن نضلة، وقيل: نضلة بن نيار، قال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار، فسماه رسول الله -ﷺ- عبد الله، وقال: نيار شيطان، وأبو برزة هذا أسلمى من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة، أسلم أبو برزة قديمًا، وشهد مع رسول الله -ﷺ- فتح مكة. رُوي له عن رسول الله -ﷺ- ستة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. روى عنه سيار بن سلامة، وأبو عثمان النهدى، والأزرق بن قيس، وغيرهم، نزل البصرة، وولد بها، ثم غزا خراسان، وقيل: إنه رجع إلى البصرة فتوفي بها، وقيل: توفي بخراسان في خلافة معاوية أو يزيد، وقيل: توفي سنة ثنتين، وقيل: سنة أربع وستين. قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور: قيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: بمفازة بين سجستان وهراة، وقيل: بالبصرة، ﵁).
قوله: -ﷺ- قال "ما من مسلمين يموت لهما أربعة أفراط إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته" جمع فرط وهو الذي يدرك من الأولاد والذكور والإناث وسيأتي الكلام عليه مبسوطا.
[ ٩ / ٥٥ ]
٣٠٦١ - وَعَن أبي ثَعْلَبَة الْأَشْجَعِيّ -﵁- قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَاتَ لي ولدان فِي الْإِسْلام فَقَالَ من مَاتَ لَهُ ولدان فِي الْإِسْلَام أدخلهُ الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُمَا قَالَ فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك لَقِيَنِي أَبُو هُرَيْرَة فَقَالَ لي أَنْت الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُول الله -ﷺ- فِي الزائدين مَا قَالَ قلت نعم قَالَ لِأَن يكون قَالَه لي أحب إِلَيّ مِمَّا غلقت عَلَيْهِ حمص وفلسطين رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرانِيّ ورواة أَحْمد ثِقَات فلسطين بِكَسْر الْفَاء وَفتح اللَّام وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة كورة بِالشَّام وَقد تفتح الْفَاء (^١).
قوله: وعن أبي ثعلبة الأشجعي -﵁-: (أبو ثعلبة الأشجعي له صحبة، قاله البخاري، يعد في أهل الحجاز وقال البغوي: سكن المدينة).
قوله: قال "لأن يكون قاله لي أحب إلي مما غلقت عليه حمص وفلسطين" تقدم الكلام على حمص في باب الحمام وفلسطين
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢١٣)، وأحمد ٦/ ٣٩٦ (٢٧٨٦٣)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٠١)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثاني (١٣١١ و١٣١٢)، والدولابي في الكنى (١٣٨)، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٣٨٣ (٩٥٦) و٢٢/ ٣٨٤ (٩٥٧). قال الدارقطني في العلل (١١٦٦): يرويه ابن جريج، واختلف عنه؛ فرواه حماد بن مسعدة، وغيره، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن عمر بن نبهان، عن أبي ثعلبة. ورواه غيره، عن ابن جريج بهذا الإسناد، عن أبي هريرة. والقول قول حماد بن مسعدة، ومن تابعه، لأنه ذكر فيه أبا ثعلبة، وذكر أبا هريرة في آخره، ويقال: إن هذا أبو ثعلبة الأشجعي، وليس بالخشني. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٧: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٣٥).
[ ٩ / ٥٦ ]
كورة بالشام قاله المنذري وقال في التنقيح (^١): فلسطين كورة كبيرة من كور الشام فيها عدة مدن فيها البيت المقدس والرملة وعسقلان وغير ذلك ومن العرب من يقول فلسطون في الرفع وبالياء في غيره ومنهم من يجريها بالياء في كل حال ويعرب النون وفلسطين أيضا قرية بالعراق ا. هـ.
وقال في النهاية (^٢): فلسطين هي بكسر الفاء وفتح اللام الكورة المعروفة فيما بين الأردن وديار مصر وأم بلادها القدس ا. هـ.
٣٠٦٢ - وَعَن جَابر -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من مَاتَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد فاحتبسهم دخل الْجنَّة قَالَ قُلْنَا يَا رَسُول الله وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ قَالَ مَحْمُود يَعْنِي ابْن لبيد فَقلت لجَابِر أَرَاكُم لَو قُلْتُمْ وَاحِدًا لقَالَ وَاحِدًا قَالَ وَأَنا أَظن ذَلِك رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٣).
قوله: وعن جابر -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: يقول "من مات له ثلاثة من الولد فاحتبسهم دخل الجنة" أي احتسب الأجر بصبره على مصيبة به في جملة بلايا الله التي يثاب على الصبر عليها قاله في النهاية والاسم منه الحسبان بكسر الحاء والاحتساب.
_________________
(١) كشف المناهج والتناقيح (٣/ ٣٨٥).
(٢) النهاية (٣/ ٤٧١).
(٣) أخرجه أحمد ٣/ ٣٠٦ (١٤٥٠٦)، والبخاري في الأدب المفرد (١٤٦)، وابن حبان (٢٩٤٦)، والبيهقي في الآداب (ص ٣٠٣ رقم ٧٥٠) والشعب (١٢/ ٢١٠ رقم ٩٢٨٩). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٧: رجاله ثقات. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٠٠٦).
[ ٩ / ٥٧ ]
قوله: قال: محمود يعني ابن لبيد فقلت لجابر أراكم لو قلتم واحدا لقال واحدا" أراكم بضم الهمزة معناها أظنكم.
٣٠٦٣ - وَعَن قُرَّة بن إِيَاس -﵁- أَن رجلا كانَ يَأْتِي النَّبِي -ﷺ- وَمَعَهُ ابْن لَهُ فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- تحبه قَالَ نعم يَا رَسُول الله أحبك الله كَمَا أحبه فَفَقدهُ النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ مَا فعل فلَان بن فلَان قَالُوا يَا رَسُول الله مَاتَ فَقَالَ النَّبِي -ﷺ- لأبيه أَلا تحب أَن لَا تَأتي بَابا من أَبْوَاب الْجنَّة إِلَّا وجدته ينتظرك فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله أَله خَاصَّة أم لكلنا قَالَ بل لكلكم رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِاخْتِصَار قَول الرجل أَله خَاصَّة إِلَى آخِره وَفِي رِوَايَة للنسائي قَالَ كانَ نَبِي الله -ﷺ- إِذا جلس جلس إِلَيْهِ نفر من أَصْحَابه فيهم رجل لَهُ ابْن صَغِير يَأْتِيهِ من خلف ظَهره فيقعده بَين يَدَيْهِ فَهَلَك فَامْتنعَ الرجل أَن يحضر الْحلقَة لذكر ابْنه فَفَقدهُ النَّبِي -ﷺ- فَقَالَ مَا لي لَا أرى فلانا قَالُوا يَا رَسُول الله بنيه الَّذِي رَأَيْته هلك فَلَقِيَهُ النَّبِي -ﷺ- فَسَأَلَهُ عَن بنيه فَأخْبرهُ أَنه هلك فَعَزاهُ عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا فلَان أَيّمَا كَانَ أحب إِلَيْك أَن تتمتع بِهِ عمرك أَو لَا تَأتي إِلَى بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة إِلَّا وجدته قد سَبَقَك إِلَيْهِ يَفْتَحهُ لَك، قَالَ يَا نَبِي الله بل يسبقني إِلَى بَاب الْجنَّة فيفتحها لَهو أحب إِلَيّ قَالَ فَذَاك لَك (^١).
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (١١٧١)، وابن أبى شيبة ٣/ ٣٦ (١١٨٨٦)، وأحمد ٣/ ٤٣٦ (١٥٨٣٥) و٥/ ٣٥ (٢٠٦٩٢)، والبزار (٣٣٠٢)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٤١ (١٨٨٦) و٤/ ١٨٥ (٢١٠٦) والكبرى (٢٠٠٩)، والروياني (٩٣٨)، والدولابي في الكنى (٦٢٨)، والبغوي في الجغديات (١٠٧٥) ومعجم الصحابة (١٩٩٥)، وابن حبان (٢٩٤٧)، والطبراني في الكبير ١٩/ ٢٦ (٥٤) و١٩/ ٣١ (٦٦)، والحاكم ١/ ٣٨٤، =
[ ٩ / ٥٨ ]
قوله: وعن قرة بن إياس -﵁- (^١) (هو قرة بن إياس بن هلال بن رباب بن عبيد بن سارية بن ذبيان بن ثعلبة بن سليمان بن أوس بن عمرو المزني الصحابي هو جد إياس بن معاوية بن قرة، قاضى البصرة الموصوف بالذكاء، وكان قرة يسكن البصرة. روى عن النبي -ﷺ- أحاديث. روى عنه ابنه معاوية، وبه كان يكني).
قوله: أن رجلا كان يأتي النبي -ﷺ- ومعه ابن له فقال النبي -ﷺ- تحبه قال نعم يا رسول الله أحبك الله كما أحبه" الحديث.
فائدة: وعن أنس قال: "مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها لا تحدثوا أبا طلحة بموت ابنه حتى أكون أنا أحدثه قال: فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، فقال: ثم تصنعت له أحسن ما كان تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب، وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم
_________________
(١) = والبيهقي في الآداب (٩٢٤) والكبرى (٤/ ٩٨ - ٩٩ رقم ٧٠٨٩) والشعب (١٢/ ٢١٥ - ٢١٦ رقم ٩٢٩٧ و٩٢٩٨). قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٩ - ١٠: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٠٧)، وأحكام الجنائز (ص ٢٠٥)، والمشكاة (١٧٥٦).
(٢) ترجمته: الاستيعاب ٣/ ٢١١٠، وأسد الغابة ٤/ ٤٢٩٢، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٥٠٩، وتهذيب الكمال ٢٣/ ٤٨٦٧، والإصابة: ٣/ الترجمة ٧١٠١.
[ ٩ / ٥٩ ]
أخبرتني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله -ﷺ-، فأخبره بما كان، فقال رسول الله -ﷺ-: "بارك الله لكما في غابر ليلتكما" قال: فحملت (^١)، وعن أنس أيضا توفي ابن لعثمان بن مظعون فأشتد حزنه عليه حتى اتخذ في داره مسجدا يتعبد فيه فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فقال: "يا عثمان إن الله ﷿ لم يكتب علينا الرهبانية وإنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله يا عثمان للجنة ثمانية أبواب وللنار سبعة (أبواب) فما يسرك أن تأتي بابا منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك آخذا بحجزتك يشفع لك إلى ربك ﷿ قال: بلى قيل يا رسول الله ولنا في فرطنا ما لعثمان؟ قال: نعم لمن صبر واحتسب (^٢).
فرع: في الحديث "الغلام مرتهن بعقيقته" (^٣) قيل معناه أن أباه يحرم
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٠١) و(٥٤٧٠)، ومسلم (٢٣ - ٢١٤٤) و(١٠٧ - ٢١٤٤) واللفظ لمسلم.
(٢) أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٩٢٣) مختصرا، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢٢٠ - ٢٢١ رقم ٩٣٠٤ و٩٣٠٥) واللفظ له من طريقين. الأول من رواية بن وهب، عن ثوابة بن مسعود، عمن حدثه، عن أنس بن مالك. وهو إسناد ضعيف لانقطاعه وثوابه قال ابن يونس: شيخ لابن وهب. أقرأ بمصر، وكان منكر الحديث. وأما الثانى فمن رواية عبد الله بن الجراح القهستاني، نا عبد الخالق بن إبراهيم بن طهمان، عن أبيه، عن بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك. وهو أشد ضعفا من سابقه فعبد الخالق مجهول، وقال ابن عدى: وضرار بن عمرو هذا منكر الحديث، وقال الدارقطني متروك.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣١٦٥)، وأبو داود (٢٨٣٧) و(٢٨٣٨)، والترمذي (١٥٢٢)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٧ (٤٢٥٨) والكبرى (٤٥٣٢) و(٤٥٣٣) عن سمرة بن =
[ ٩ / ٦٠ ]
شفاعته ولده إذا لم يعق عنه ا. هـ قاله في النهاية (^١).
٣٠٦٤ - وَعَن معَاذ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مَا من مُسلمين يتوفى لَهما ثَلَاثَة من الْوَلَد إِلَّا أدخلهما الله الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم قَالُوا يَا رَسُول الله أَو اثْنَان قَالَ أَو اثْنَان قَالُوا أَو وَاحِد ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن السقط ليجر أمه بسرره إِلَى الْجنَّة إِذا احتسبته رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَإسْنَاد أَحْمد حسن أَو قريب من الْحسن السرر بسين مُهْملَة وَرَاء مكررة محركا هُوَ مَا تقطعه الْقَابِلَة وَمَا بَقِي بعد الْقطع فَهُوَ السُّرَّة (^٢).
_________________
(١) = جندب. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الإرواء (١١٦٥) و(١١٦٩)، المشكاة (٤١٥٣)، صحيح أبي داود (٢٥٢٧ - ٢٥٢٨).
(٢) النهاية (٣/ ٢٧٧).
(٣) أخرجه الطيالسي (٥٦٣)، وأحمد ٥/ ٢٣٠ (٢٢٤٣١) وه/ ٢٣٧ (٢٢٤٩٤) وه/ ٢٤١ (٢٢٥١٧)، وعبد بن حميد (١٢٣)، وابن ماجه مختصرا (١٦٠٩)، والحارث (٢٦٣)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٣٧٣)، والشاشي (١٣٨٩ و١٣٩٠) و(١٣٩١ و١٣٩٢)، وأبو أحمد في الأسامى والكنى (٥/ ٢٠)، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٤٥ - ١٤٧ (٢٩٩ و٣٠٠ و٣٠١ و٣٠٢ و٣٠٣)، وابن عدى في الكامل (٩/ ٣٠). قال البوصيري في الزجاجة ٢/ ٥٢: هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب قال المزي في الأطراف تابعه عبيد الله بن عمر الرقي عن زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن عبيد الله التيمي عن عبد الله بن مسلم قال وقال إسرائيل بن يونس وخالد بن عبد الله الواسطي وغير واحد عن يحيى بن عبد الله الجابر عن عبيد الله بن مسلم وهو المحفوظ، رواه مسدد في مسنده عن خليد بن عبد الله حدثنا يحيى الجابر فذكره وسياقه أتم وكذا رواه عبد بن حميد في مسنده من طريق يحيى به. وقال الهيثمي في المجمع ٣/ ٩: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن عبيد الله =
[ ٩ / ٦١ ]
قوله: وعن معاذ -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "والذي نفسي بيده" كانت يمين النبي -ﷺ- والذي نفس محمد بيده".
قوله: "إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته" السرر هو ما تقطعه القابلة وما بقي بعد القطع هو السرة قاله المنذري.
فائدة: يقال عرفت هذا الأمر قبل أن يقطع سرك ولا يقال سرتك لأن السرة تقطع تقطع وجمع السرة سرور وسرات قاله الدميري (^١).
فائدة: خرج ابن ماجه بإسناده عن علي س قال: قال: رسول الله -ﷺ- "إن السقط ليراغم ربه إذا أدخل أبويه النار فيقال أيها السقط الراغم ربه أدخل أبويك الجنة فيجرهما بسرة حتى يدخلهما الجنة" (^٢) ا. هـ ورأيت في بعض النسخ عن أسماء بنت عابس بن ربيعة عن أبيها عن علي انفرد به ابن ماجه وأسماء بنت عابس لا يعرف لها إلا هذا الحديث الذي خرجه ابن ماجه وأبو عابس ربيعة روى عن النبي -ﷺ- وعن جماعة من الصحابة روى له الجماعة.
قوله: "إن السقط ليراغم ربه" أي يغاضبه قال البيهقي (^٣): وفي معناه ما رواه
_________________
(١) = التيمي، ولم أجد من وثقه ولا جرحه. وضعفه الألباني في المشكاة (١٧٤٥) وصححه في صحيح الترغيب (٢٠٠٨).
(٢) النجم الوهاج (٢/ ١٩١).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٤٠٦)، وأبو يعلى (٤٦٨). وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (١٧٥٧).
(٤) شعب الإيمان (١٢/ ٢٢٢).
[ ٩ / ٦٢ ]
أبو عبيد مرسلا "يظل محتبطئا على باب الجنة يقيرهم يعني متغضبا مستبطئا" وقيل: المحتبطئ: هو كالغلام المدل على أبويه وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله ﷺ "لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي" (^١) انفرد به ابن ماجه وفي الحديث أيضًا "لأن أقدم سقطا أحب إلي من مائة مستلئم" (^٢) السقط بالكسر والفتح والضم والكسر أكثرها الولد الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه والمستلئم لابس عدة الحرب يعني أن ثواب السقط أكثر من ثواب كبار الأولاد لأن فعل الكبير يخصه أجره وثوابه وإن شارك الأب في بعضه وثواب السقط موفر على الأب ومنه الحديث "يحشر ما بين السقط إلى الشيخ الفاني يوم القيامة مردا جردا مكحلين" (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٦٠٧)، والعقيلي في الضعفاء ٤/ ٣٨٤، وابن حبان في المجروحين ٣/ ١٠٣. قال الألباني: ضعيف، الضعيفة (٤٣٠٧)، ضعيف الجامع (٤٦٧٧).
(٢) أخرجه أبو الحسن المدائني في التعازى (٢) من طريق أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك. وأبان متروك. وأخرجه البيهقي في الشعب (١٢/ ٢١٩) من طريق أبى عبيد نا ابن علية، عن ليث بن أبي سليم، عن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري قوله.
(٣) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٦٠ - ١٦١) ومن طريقه البيهقي في البعث والنشور (٤٢١)، وأبو يعلى كما في المطالب العالية (٤٦٢٦) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠ - ١٨٤ - ١٨٥)، والبغوي في معجم الصحابة (٢١٢٦) وعنه أبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٢٩٤٨) ومن طريقه ابن عساكر (٦٠/ ١٩٣)، وأبو عروبة في المنتقى من الطبقات (ص ٥٦)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٥٦ رقم ٦٠٤) و(٢٠/ ٢٨٠ رقم ٦٦٣) و(٢٠/ ٢٨٠ رقم ٦٦٤) ومسند الشاميين (١٨٣٩)، وابن بشران (١٤٣١)، =
[ ٩ / ٦٣ ]
فرع: قال البغوى (^١) وغيره: يستحب تسمية السقط لحديث ورد فيه أن النبى ﷺ قال: "سَمُّوا السَّقْطَ فقيل يا رسول الله ما ندرى أذكر هو أم أنثى؟ فقال سموه خارجة أو حى" (^٢) ونحو هذا باسم غلام وجارية قاله في الديباجة.
_________________
(١) = والحرفى (١٠)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٢٥٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٩٢ - ٩٣)، والبيهقي في البعث والنشور (٤٢٢) عن المقدام بن معدى كرب. قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٣٣ - ٣٣٤: رواه الطبراني بإسنادين، وأحدهما حسن. وقال في موضع آخر ١٠/ ٣٣٤: رواه الطبراني، وفيه يزيد بن سنان: أبو فروة الرهاوي، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين. وحسنه البوصيري في إتحاف الخيرة (٨/ ٢٦٨). وحسنه اللبانى في صحيح الترغيب (٣٧٠١). وعزاه الألباني إلى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عكيم ولم أهتد إليه في المطبوع. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٥١٢).
(٢) شرح السنة (١١/ ٢٧١).
(٣) لم أجده بهذا السياق ولكن جاء نحوه بلاغا كما عند البغوي في شرح السنة (١١/ ٢٧١) قال: روي أن عبد الرحمن بن زيد بن معاوية، قال عند عمر بن عبد العزيز: بلغني أن السقط يسعى يوم القيامة وراء أبيه، يقول: أنت ضيعتني، تركتني بلا اسم لي، فقال عمر بن عبد العزيز، كيف وقد يكون شيئا لا يدرى أغلاما يكون أم جارية، فقال عبد الرحمن: إن من ذلك أسماء تجمع الغلام والجارية: حمزة، وعمارة، وطلحة، وعنبسة. وروى بلفظ: سموا السقط يثقل الله به ميزانكم؛ فإنه يأتي يوم القيامة ويقول: أي رب! أضاعوني فلم يسموني. أخرجه الرافعي في التدوين (٤/ ١٤٤ - ١٤٥) من طريق ميسرة بن علي في مشيخته ثنا أبو سعيد معن بن عيسى هذا في الجامع حدثني أحمد بن العباس أبو عبد الله الزهري حدثني أبو هدبة قال سمعت أنسا فذكره. قال الألباني في الضعيفة (٣٣٢٢): قلت: وهذا موضوع؛ آفته أبو هدبة؛ فقد كان كذابًا دجالًا من الدجاجلة.
[ ٩ / ٦٤ ]
٣٠٦٥ - وَعَن أبي سلمى -﵁- راعي رَسُول الله -ﷺ- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول بخ بخ وَأَشَارَ بِيَدِهِ لخمس مَا أثقلهن فِي الْمِيزَان سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَالْولد الصَّالح يتوفى للمرء الْمُسلم فيحتسبه رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْحَاكِم (^١) وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث ثَوْبَان (^٢) وَحسن إِسْنَاده وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سفينة وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَتقدم (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٦/ ١٢٦) و(٧/ ٣٠١)، وأحمد ٣/ ٤٤٣ (١٥٩٠٢) و٤/ ٢٣٧ (١٨٣٦١) و٥/ ٣٦٥ (٢٣٥٧٠)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (٤٧٠) والسنة (٧٨١)، والنسائي في الكبرى (٩٩٢٣) واليوم والليلة (١٦٧)، والدولابى في الكنى (٢١٨)، والبغوي في معجم الصحابة (٥٥٨ و٥٥٩)، وابن حبان (٨٣٣)، والطبراني في الدعاء (١٦٨٠) والكبير ٢٢/ ٣٤٨ (٨٧٣) والشاميين (٦١٥) و(٨٠٤)، وأبو الطاهر المخلص في المخلصيات (١٧٠٧)، والحاكم ١/ ٥١١. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٤٩: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وقال في ١٠/ ٨٨: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، قلت: والصحابي الذي لم يسم هو ثوبان إن شاء الله. وقال في ١٠/ ٨٨: رواه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٠٤) وصحيح الترغيب (١٥٥٦) و(٢٠٠٩).
(٢) أخرجه البزار (٤١٨٦)، والطبراني في الدعاء (١٦٧٩) والشاميين (٨٠١) وتمام في الفوائد (١٥٨١). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله -ﷺ- بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه عن ثوبان وإسناده حسن زيد بن يحيى معروف ليس به بأس، وعبد الله بن العلاء بن زبر وأبوه مشهوران، وأبو سلام مشهور قد ذكرناه. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٨٨: رواه البزار، وحسن إسناده، إلا أن شيخه: العباس بن عبد العظيم الباشاني، لم أعرفه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠١٠).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٢٥ رقم ٥١٥٢). وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن سفينة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: النضر بن محمد. وقال الهيثمي في المجمع =
[ ٩ / ٦٥ ]
قوله: وعن أبي سلمى -﵁- راعي رسول الله -ﷺ- تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب الذكر والله أعلم.
قوله: -ﷺ- "بخ بخ وأشار بيده لخمس ما أثقلهن في الميزان" تقدم الكلام أيضا على الميزان قريبا.
قوله: رواه والطبراني من حديث سفينة (ورجاله رجال الصحيح).
٣٠٦٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من كَانَ لَهُ فرطان من أمتِي أدخلهُ الله بهما الْجنَّة فَقَالَت لَهُ عَائِشَة فَمن كَانَ لَهُ فرط فَقَالَ وَمن كَانَ لَهُ فرط يَا موفقة قَالَت فَمن لم يكن لَهُ فرط من أمتك قَالَ فَأَنا فرط أمتِي لن يصابوا بمثلي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب الفرط بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء هُوَ الَّذِي يدْرك من الْأَوْلَاد الذُّكُور وَالْإِنَاث وَجمعه أفراط (^١).
قوله: وعن ابن عباس -﵄- تقدم الكلام عليه.
قوله: "من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة" فذكر الحديث
_________________
(١) = ١٠/ ٨٩: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠١١).
(٢) أخرجه أحمد ١/ ٣٣٤ (٣١٥٧)، والترمذي (١٠٦٢) والشمائل (٣٩٨)، وأبو يعلى (٢٧٥٢)، والحكيم الترمذي (٣٧٥)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٩٧ رقم ١٢٨٨٠)، وابن عدى (٥/ ٢٨٧) والبيهقي في الكبرى (٤/ ١١٤ رقم ٧١٤٧ و٧١٤٨) والشعب (١٢/ ٢١٣ رقم ٩٢٩٥). قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق، وقد روى عنه غير واحد من الأئمة. وقال الألباني: ضعيف، ضعيف الترغيب (١٢٣٧)، المشكاة (١٧٣٥)، ضعيف الجامع (٥٨٠١).
[ ٩ / ٦٦ ]
إلى أن قال فقالت "له عائشة فمن كان له فرط فقال ومن كان له فرط يا موفقة" يعني الحريصة على معرفة الشرع، والشفقة على الخلق بسؤال قدر ثوابهم، وذكاء القلب على السؤال = توفيق من الله الكريم، وأنت موفقة بهذه الأشياء (^١) ا. هـ.
قوله: "فأنا فرط أمتي لن يصابوا بمثلي" الفرط هو الذي لم يدرك من الأولاد الذكر والإناث وجمعه أفراط قاله المنذري وقال: أهل اللغة والغريب الفرط بالتحريك هو الذي يتقدم القوم ليرتاد لهم الماء ويهييء لهم الدلاء والأرشية جمع رشاء كسقاء وأسقية والرشاء بكسر الراء وبالمد هو الحبل والمراد به هنا الولد دون البلوغ يغذيه المرء بين يديه ذكرا كان أو أنثى.
قوله: "وأنا فرط أمتي" الحديث أي أنا متقدمهم إلى الحوض قبل ورودهم أهييء مصالحهم في دار القرار وفرط القافلة هو الذي يتقدمهم فيعد لهم ما يفتقرون إليه من الأسباب ويعين لهم المنازل والحياض يوم القيامة للرسل عليهم الصلاة والسلام لكل على قدره وقدر تبعه وقد هيأ مشربا يروي منه فلا يظمأ بعده أبدا انتهى.
فمعنى الحديث أنا فرطكم أي سابقكم إلى الحوض كالمهييء له والمراد هنا الطفل الذي مات سمي فرطا لأنه قد تقدم أبويه في الذهاب إلى الآخرة.
٣٠٦٧ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من قدم ثَلاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث كَانُوا لَهُ حصنا حصينا من النَّار فَقَالَ أَبُو
_________________
(١) المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ٤٦٤).
[ ٩ / ٦٧ ]
ذَر قدمت اثْنَيْنِ قَالَ واثنين قَالَ أبي بن كَعْب سيد الْقُرَّاء قدمت وَاحِدًا قَالَ وواحدا". رَوَاهُ ابْن مَاجَه (^١).
قوله: قال أبي بن كعب سيد القراء: قدمت واحدا قال وواحدا" الحديث تقدم الكلام على مناقب أبي بن كعب مرارا مبسوطا وروي ذكر الواحد من حديث جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهو محمول عند العلماء على أنه ﵊ أوحي إليه ذلك عند سؤالهم عن الاثنين وعن الواحد إن صح ولا يمتنع نزول الوحي عليه في أسرع من طرفة العين كما في نول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢) لما قام ابن أم مكتوم فقال يا رسول الله -ﷺ- إني رجل ضرير البصر فنزلت هذه الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (^٣) (^٤) وفي هذا الحديث
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٣٧٥ (٣٦٢٤) و١/ ٤٢٩ (٤١٥٨) و(٤١٥٩) و(٤١٦٠) و١/ ٤٥١ (٤٤٠٠)، وابن ماجه (١٦٠٦)، والترمذي (١٠٨٣)، وأبو يعلى (٥١١٦) و(٥٣٥٢)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٠ رقم ٧٨٦٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠٩)، والبيهقي في الشعب (١٢/ ٢١٢ - ٢١٣ رقم ٩٢٩٣ و٩٢٩٤). قال الترمذي: هذا حديث غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. وضعفه الألباني في المشكاة (١٧٥٥)، ضعيف الجامع الصغير (٥٧٥٤).
(٢) سورة النساء، الآية: ٩٥.
(٣) سورة النساء، الآية: ٩٥.
(٤) أخرجه البخاري (٢٨٣٢) و(٤٥٩٢) من حديث سهل بن سعد. وأخرجه البخاري (٢٨٣١) و(٤٥٩٤) و(٤٩٩٠)، ومسلم (١٤١ و١٤٢ - ١٨٩٨) عن البراء. وأخرجه أبو داود (٢٥٠٧) وابن حبان (٤٦٩٣) عن زيد بن ثابت وصححه الألباني.
[ ٩ / ٦٨ ]
وغيره دليل على أطفال المسلمين في الجنة لأن الرحمة إذا نزلت بأبائهم استحال أن يرحموا من أجل من ليس بمرحوم قال أبو عمر بن عبد البر وهذا إجماع من العلماء أن أطفال المسلمين في الجنة ولم يخالف في ذلك غير فرقة شذت من المجبرة فجعلتهم في المشيئة وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم ولا يجوز على مثلهم الغلط (^١) ا. هـ.
٣٠٦٨ - وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا مَاتَ ولد لعبد قَالَ الله ﷿ لملائكته قبضتم ولد عَبدِي فَيَقُولُونَ نعم فَيَقُول قبضتم ثَمَرَة فُؤَاده فَيَقُولُونَ نعم فَيَقُول مَاذَا قَالَ عَبدِي فَيَقُولُونَ حمدك واسترجع فَيَقُول ابْنُوا لعبدي بَيْتا فِي الْجنَّة وسموه بَيت الْحَمد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (^٢).
قوله: وعن أبي موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس تقدم الكلام عليه في مواضع من هذا التعليق.
قوله -ﷺ-: قال "إذا مات ولد لعبد قال الله ﷿ لملائكته قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم" الحديث قيل
_________________
(١) التمهيد (٦/ ٣٤٨).
(٢) أخرجه الطيالسي (٥١٠)، وأحمد ٤/ ٤١٥ (٢٠٠٣٩)، وعبد بن حميد (٥٥١)، والترمذي (١٠٢١)، وابن حبان (٢٩٤٨)، وابن السنى (٥٨١)، والبيهقي في الآداب (٧٥٦) والكبرى (٤/ ١١٣ - ١١٤ رقم ٧١٤٦) والشعب (١٢/ ١٨٣ - ١٨٤ رقم ٩٢٤٩) و(١٢/ ١٨٤ رقم ٩٢٥٠). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، واسم أبي سنان عيسى بن سنان. وحسنه الألباني في الصحيحة (١٤٠٨) وصحيح الترغيب (٢٠١٢) و(٣٤٩١).
[ ٩ / ٦٩ ]
للولد ثمرة لأن ثمرة ما ينتجه الشجر والولد نتيجة الأب وفي حديث عمرو بن مسعود (قال لمعاوية) ما تسأل عمن ذبلت بشرته وقطعت ثمرته يعني نسله وقيل انقطاع شهوته للنكاح (^١).
قوله: "فيقول ماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع" يعني أنه قال: الحمد لله وإنا لله وإنا إليه راجعون.
قوله: "فيقول الله ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد" يعني اجعلوا اسم البيت بيت الحمد إضافة إلى الحمد الذي قاله العبد عن المصيبة لأنه جزاء الحمد والله أعلم وفي حديث أخر "أن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فيصبر ويحتسب بثواب دون الجنة" (^٢) صفي الرجل الذي يصافيه الود ويخلصه له وقيل صفيه أي ولده وحبيبه ومن يصافيه الود.
قوله: "ثم احتسبه" الاحتساب الصبر على لطلب الثواب والاحتساب يستلزم الكف عن كلمات السخط والتكلم بما يرضي الله تعالى ا. هـ والله أعلم.
_________________
(١) أسنده الخطابي في غريب الحديث (٢/ ٥٢٢) من طريق ابن أبى الدنيا وهو عنده في العمر والشيب (٥٥) ومكارم الأخلاق (٤٧١).
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ٢٧) ومن طريقه النسائي في المجتبى ٤/ ٤٢ (١٨٨٧) والكبرى (٢٠١٠) عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وحسنه الألباني في الجنائز (٢٣)، صحيح الجامع (١٨٥١).
[ ٩ / ٧٠ ]
خاتمة: فيها بشرى قال الغزالي (^١) وحكى أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج فيأبى برهة من دهره قال فانتبه من نومه ذات يوم فقال زوجوني زوجوني فزوجوه ثم سألوه عن ذلك فقال لعل الله أن يرزقني ولدا ويقضيه فيكون لي مقدمة الأخرة ثم قال: رأيت في المنام كأن القيامه قد قامت وكأني في جملة الخلائق في الموقف وبى من العطش ما كاد أن يقطع عنقي وكذا الخلائق كلهم من شدة العطش والكرب فنحن كذلك إذا ولدان يتخللون الجمع عليهم مناديل من نور وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب يسقون الواحد بعد الواحد يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر الناس فمددت يدي إليهم وقلت لأحدهم اسقني فقد أجهدني العطش فقال ليس لك فينا ولد إنما نسقى ءابائنا قلت ومن أنتم قالوا نحن من مات من أولاد المسلمين قال: وهذا أحد المعاني المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (^٢) أي تقديم الأطفال إلى أخر الآية ا. هـ.
قوله: "من حلف بالأمانة ليس داخله في أسماء الله تعالى وصفاته" وقيل المراد بالأمانة الفرائض أي لا تحلفوا بالصلاة والحج وغيرهما ولا كفارة فيه ا. هـ ولفظ الأمانة يقع على الطاعة والعبادة والوديعة والأمان وقد جاء في كل منها حديث وحديث من حلف على الأمانة فليس منا يشبه أن تكون الكراهة فيه من أجل أنه أمر أن يحلف بأسماء الله تعالى وصفاته من أموره
_________________
(١) إحياء علوم الدين (٢/ ٢٧).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٣.
[ ٩ / ٧١ ]
فنهوا عنها من أجل التسوية بينها وبين أسماء الله تعالى كما نهوا أن يحلفوا بآبائهم وإذا قال الحالف والأمانة كانت يمينا عند أبي حنيفة والشافعي لا يعدها يمينا والله تعالى أعلم.
[ ٩ / ٧٢ ]