٣٢٥٨ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَنه كَانَ يَقُول شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَليمَة يدعى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاء وتترك الْمَسَاكين وَمن لم يَأْتِ الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه مَوْقُوفا على أبي هُرَيْرَة وَرَوَا مُسلم أَيْضًا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي -ﷺ- شَرّ الطَّعَام طَعَام الْوَليمَة يمْنَعهَا من يَأْتِيهَا ويدعى إِلَيْهَا من يأباها وَمن لم يجب الدعْوَة فقد عصى الله وَرَسُوله (^١).
قوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم.
قوله -ﷺ-: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء ويترك المساكين ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا (^٢)، قال أهل اللغة والفقهاء وغيرهم -﵃-: الوليمة عبارة عن كل
_________________
(١) أما الموقوف: أخرجه البخاري (٥١٧٧)، ومسلم (١٠٨ و١٠٨ و١٠٩ - ١٤٣٢)، وابن ماجه (١٩١٣)، وأبو داود (٣٧٤٢)، والبزار (٧١٩٤)، والنسائي في الكبرى (٦٥٧٨). وأما المرفوع: أخرجه الحميدى (١٢٠٤)، ومسلم (١١٠ - ١٤٣٢)، والبزار (١٠٠٧٦)، وأبو عوانة (٤٦٤٣) و(٤٦٤٤)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٠١٦)، وأبو نعيم في المستخرج (٣٣٥٢). وقال البزار: ولا نعلم روى هذه الأحاديث، عن هشام بن حسان إلا مخلد بن حسين. قال الدارقطني في العلل (١٦٦٩): والصحيح عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، والأعرج عن أبي هريرة موقوفا. وصححه الألباني في الإرواء (١٩٤٧) والصحيحة (١٠٨٥) وصحيح الترغيب (٢١٥٢).
(٢) هذه العبارة متكررة وصوابها أسفل من ذلك كما سيأتى.
[ ٩ / ٤٢٣ ]
طعام اتخذ عند حادث سرور إلا أن استعمالها في طعام العرس أظهر وهي مشتقة من الولم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان قاله الأزهري وغيره، وقيل: يقع على الإملاك والعرس خاصة، وقيل: على كل دعوة إملاك أو ختان أو حادث سرور يدعى إليه الناس، قال ابن الأعرابي: أصلها تمام الشيء واجتماعه والفعل منها أولم (^١).
قال أصحابنا: والضيافات ثمانية أنواع:
الوليمة للعرس، والخُرس بضم الخاء المعجمة، ويقال الخرص أيضا بالصاد المهملة للولادة، والإعذار بكسر الهمزة وبالعين المهملة والذال المعجمة للختان، والوتيرة للبناء، والنقيعة لقدوم المسافر مأخوذ من النقع وهو الغبار ثم قيل إن المسافر يصنع الطعام، وقيل: يصنعه غيره له، والعقيقة يوم سابع الولادة، والوضيمة لفتح الواو وكسر الضاد المعجمة الطعام المتخذ لمصيبة، والمأدبة بضم الدال وفتحها الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب (^٢). أ. هـ.
وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا: "طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث رياء وسمعة، ومن سمَّع سمَّع الله به" وإسناده حسن (^٣)، هذا إذا كانت الدعوى ثلاثة أيام [فالأول تجب الإجابة فيه والثاني
_________________
(١) كفاية النبيه (١٣/ ٣١٨).
(٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢١٧).
(٣) أخرجه الترمذي (١٠٩٧). وقال الترمذي: حديث ابن مسعود، لا نعرفه مرفوعا إلا من =
[ ٩ / ٤٢٤ ]
تستحب والثالث تكره].
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الإجابة إلى وليمة العرس فذهب بعضهم إلى أنها واجبة يأثم النكاح.
إذا تخلف عنها لغير عذر وهو قول الظاهرية وهو أحد قولي الشافعية وخالف الجمهور فقالوا باستحبابها والأصح عندهم أنها مستحبة وبه قال مالك وغيره، والخبر محمول على تأكد الاستحباب وكراهة الترك.
واعلم أن الرافعي والنووي مالا إلى ترجيح وجوب الإجابة إلى وليمة العرس، واختلف العلماء في وقت فعلها فحكي القاضي أن الأصح عند مالك وغيره أنه يستحب فعلها بعد الدخول، وعن جماعة من المالكية استحبابها عند العقد، وعن ابن حبيب المالكي استحبابها عند العقد وعند الدخول وفي سنن البيهقي ما يقتضي أنها [بعد الدخول]، وفي دلائل النبوة له أن النجاشي لما زوج [أم حبيبة من] رسول الله -ﷺ-[قال: اجلسوا، فإن من
_________________
(١) = حديث زياد بن عبد الله، وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير. وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر، عن محمد بن عقبة قال: قال وكيع: زياد بن عبد الله مع شرفه يكذب في الحديث. قال مغلطاي في إكمال التهذيب ٥/ ١١٥: كذا ألفيته في نسخة جيدة -أي: لا يكذب- والذي في تاريخ البخاري عن محمد -أي: ابن عقبة- قال وكيع: هو أشرف من أن يكذب. وقال العراقى في طرح التثريب (٧/ ٧٢): رواه الترمذي، وقال لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث زياد بن عبد الله، وهو كثير الغرائب والمناكير، وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة قال قال وكيع. زياد بن عبد الله مع شرفه لا يكذب في الحديث. وضعفه الألباني.
[ ٩ / ٤٢٥ ]
سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام، فأكلوا، ثم تفرقوا] ونقل [الغافقي] الإجماع على أنه لا حد لقدرها بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت الوليمة لكن يستحب أن تكون على قدر حال الزوج، أ. هـ قاله في الديباجة.
وقال القاضي عياض (^١): لم يختلف العلماء في وجوب الإجابة إلى وليمة العرس واختلفوا فيما عداها، ثم إنها تجب أو تسن بشروط، أولها: أن يعينه بالدعوة، ثانيها: أن لا يخص الأغنياء، ثالثها: أن تكون لمسلم، رابعها: أن لا يكون هناك عذر مرخص في ترك الجماعة، خامسها: أن لا يكون دعا معه السفلة والأراذل، سادسها: أن يكون جميع ماله حلالا فإجابة من أكثر ماله حرام مكروهة كمعاملته، سابعها: أن لا يكون مدعو إلى بيت أجنبية، ثامنها: أن لا يكون هناك منكر، تاسعها: أن لا يكون ذلك الطعام لمباهاة أو رياء، عاشرها: أن لا يدعوه لخوف شره أو لطمع في جاهه أو لتعاونه على باطل، فهذه المسائل أعذار في ترك الإجابة والحضور، وأما الأكل فغير واجب بل مستحب إن لم يكن صائما، وأما الصائم فسيأتي الكلام عليه، قال الإمام محيى السنة: قوله: "شر الطعام طعام الوليمة" فسماه شر الطعام على الغالب من أحوال الناس فيها فإنهم يدعون الأغنياء ويدعون الفقراء ولا جائز أن يقال إنه شر الطعام على الإطلاق فإن نبي الله -ﷺ- أمر بالوليمة وأمر بإجابة
_________________
(١) إكمال المعلم (٤/ ٥٨٩).
[ ٩ / ٤٢٦ ]
من يدعى إليها ومعاذ الله أن يأمر بما فيه شر أو دعو إلى ما يقرب من شر فكيف بما هو الشر المحض كذا في الميسر (^١) انتهى.
قال النووي (^٢): فمعنى الحديث الإخبار بما يقع من الناس بعده -ﷺ- من مراعاة الأغنياء في الولائم ونحوها وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم بطيب الطعام ورفع مجالسهم وتقديمهم وغير ذلك مما هو الغالب في الولائم، وكان بعض العلماء -﵃- لا يجيب في الوليمة أيضًا فقيل له: كان السلف يدعون فيجيبون فقال: كانوا يدعون للمواخاة والمواساة وأنتم اليوم تدعون للمباهاة والمكافأة.
تنبيه: المقصود من الدعوة ابتغاء الألفة والمودة والنفوس جبلت على حب من أكرمها وقد حثهم النبي -ﷺ- على الإجابة لتتأكد الألفة وتصفو المودة فالإطعام بر للنفس يطفئ حرارة الحقد وينفى مكامن الغل، فالألفة إذا صلحت من ثلاثة وجوه تأكدت فالقلب يألف بالإيمان والروح تألف بطاعته والنفس من شأنها الشهوة واللذة فإذا برها صفت وصارت طوعا فندبه -ﷺ- إلى أن يقبل ذلك من أخيه كيلا يضيع كرامته ولا يجد الشيطان سبيلا إلى وسوسته بالشر وترك الإجابة مما يدل على الجفاء والاستهانة فهناك يجد العدو سبيلا (^٣)، أ. هـ.
_________________
(١) الميسر (٣/ ٧٦٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢٣٧).
(٣) نوادر الأصول (٢/ ٤٧٢).
[ ٩ / ٤٢٧ ]
٣٢٥٩ - وَعَن عبد الله بن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من دعِي فَلم يجب فقد عصى الله وَرَسُوله وَمن دخل على غير دَعْوَة دخل سَارِقا وَخرج مغيرا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلم يُضعفهُ عَن درست بن زِيَاد وَالْجُمْهُور على تَضْعِيفه ووهاه أَبُو زرْعَة عَن أبان بن طَارق وَهُوَ مَجْهُول قَالَه أَبُو زرْعَة وَغَيره (^١).
قوله: وعن عبد الله بن عمر -﵄-، تقدم.
قوله -ﷺ-: "ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا" الحديث، المغير اسم فاعل من غار يغير إذا نهب، شبه دخولهم عليهم بدخول السارق وخروجه بمن أغار على قوم ونهبهم (^٢)، قاله في النهاية.
[ذكر] الحافظ المزي عن الحافظ أبي [بكر بن ثابت] بإسناده إلى نصر بن علي الجهضمي قال: كان جار طفيلي وكان من أحسن الناس منظرًا وأهذبهم منطقًا وأطيبهم رائحةً وأجملهم لباسًا فكان من شأنه أني إذا دعيت إلى مدعاة تبعني فيكرمه الناس من أجلي ويظنون أنه صاحب، فاتفق يوما أن
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٧٤١)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٣٥٣)، ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، وابن عدي في الكامل ٢/ ٧٠، القضاعي في مسند الشهاب (٥٢٧ و٥٢٨ و٥٢٩)، والبيهقي في الآداب (٤٦٧) والكبرى (٧/ ١٠٨ رقم ١٣٤١٢) والشعب (١٢/ ١٥٢ - ١٥٣ رقم ٩٢٠٠ و٩٢٠١). قال ابن عدى: وأبان بن طارق هذا لا يعرف إلا بهذا الحديث وهذا الحديث معروف به وله غير هذا الحديث لعله حديثين أو ثلاث وليس له أنكر من هذا الحديث. وقال الألباني: ضعيف، في الإرواء (١٩٥٤)، ضعيف الجامع (٥٥٧٩)، المشكاة (٣٢٢٢)، ضعيف الترغيب (١٣٠٢).
(٢) النهاية (٣/ ٣٩٤).
[ ٩ / ٤٢٨ ]
جعفر بن القاسم الهاشمي أمير البصرة أراد أن يختن بعض أولاده فقلت في نفسي كأبي برسول الأمير قد جاء وكأني بهذا الرجل قد تبعني، ووالله لئن تبعني لأفضحنه فأنا على ذلك إذا جاء رسوله يدعوني فما زدت على أن لبست ثيابي وخرجت فإذا أنا بالطفيلي واقف على باب داره قد سبقني بالتأهب فتقدمت وتبعني فلما دخلنا دار الأمير جلسنا ساعة ودعي بالطعام وحضرت الموائد وكان كل جماعة على مائدة لكثرة الناس فقدمت إلى مائدة والطفيلي معي فلما مد يده ليتناول الطعام قلت: حدثني درست بن زياد عن إبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من دخل دار قوم بغير إذنهم دخل سارقًا وخرج مغيرًا" فلما سمع ذلك الطفيلي قال: أنفت لك والله يا أبا عمرو من هذا الكلام فإنه ما من أحد من الجماعة إلا وهو يظن أنك تعرض به دون صاحبه أو تستحي أن تتكلم بهذا الكلام على مائدة سيد من أطعم الطعام وتبخل بطعام غيرك على سواك ثم لا تستحي أن تحدث عن درست وهو ضعيف عن إبان بن طارق وهو متروك الحديث تحكم برفعه إلى النبي -ﷺ- والمسلمون على خلافه لأن حكم السارق القطع وحكم المغير أن يعذب على ما يراه الإمام وأين أنت من حديث حدثناه أبو عاصم النبيل عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: "طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية" وهو إسناد صحيح، قال نصر بن علي: فأفحمني فلم يحضرني جواب فما خرجنا من الموضع للانصراف فارقني من جانب الطريق إلى الجانب الآخر بعد أن كان يمشي وراءي وسمعته يقول:
[ ٩ / ٤٢٩ ]
ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن لا يصاب فقد ظن عجزا (^١)
فائدة فقهية: التطفل حرام وهو الحضور من غير دعوة إلا إذا كان المتطفل بينه وبين صاحب الدار انبساط، والتطفل نسبة إلى طفيل رجل من أهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان كان يأتي الولائم من غير أن يدعا إليها فكان يقال له طفيل الأعراس، ويسمي عند العرب الوارش بالشين المعجمة، ذكره في هادي التنبيه.
٣٢٦٠ - وَعَن عبد الله بن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا دعِي أحدكُم إِلَى الْوَلِيمَة فليأتها رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد (^٢).
قوله: وعن عبد الله بن عمر -﵄-، أيضًا اللوحة تقدم.
قوله -ﷺ-: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها".
تنبيه: سئل الفقيه أبو جعفر عن معنى قول النبي -ﷺ- "من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم" قال: قد فسره سفيان بن عيينة قال: كان بين القوم عداوة في الجاهلية في أول الإسلام يعني بين الأوس والخزرج فإذا لم يجب أحدهما الدعوة كان ذلك زيادة عداوة وفي الإجابة دفع العداوة وأما اليوم فإذا لم يكن هذا المعنى فإن أجاب فحسن وإن لم يجب فلا شيء عليه (^٣)، أ. هـ.
_________________
(١) تهذيب الكمال (٨/ ٤٨٣ - ٤٨٤).
(٢) أخرجه البخاري (٥١٧٣)، ومسلم (٩٦ و٩٧ - ١٤٢٩)، وأبو داود (٣٧٣٦)، والنسائي في الكبرى (٦٥٧٣)، وابن حبان (٥٢٩٤)، والبيهقي في الصغير (٣/ ٨٦ رقم ٢٥٨٠) والكبرى (٧/ ٤٢٦ رقم ١٤٥١٧)، والبغوي (٢٣١٣).
(٣) ذكره أبو الليث السمرقندي في بستان العارفين (ص ٣٤٥).
[ ٩ / ٤٣٠ ]
٣٢٦١ - وَعنهُ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا دَعَا أحدكُم أَخَاهُ فليجب عرسا كَانَ أَو نَحوه رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَفِي رِوَايَة لمُسلم إِذا دعيتم إِلَى كرَاع فأجيبوه (^١).
قوله: وعنه -﵁- تقدم.
قوله ﷺ: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو نحوه" فإن دعي إلى وليمة عرس وجبت الإجابة وإن دعي إلى غيرها استحبت الإجابة.
قوله -ﷺ- في رواية مسلم: "إذا دعيتم إلى كراع فأجيبوه" وفي رواية: "لو دعيت إلى كراع لأجبت" أي: لأجبت الدعوة، والمراد بالكراع عند جماهير العلماء كراع الشاة والكراع ما دون الركبة من الشاة، وغلطوا من حمله على كراع الغميم بفتح الغين المعجمة وهو موضع بين مكة والمدينة على مراحل من المدينة من جهة مكة (^٢). وتقدم الكلام في الصيام فدل الحديث على حسن خلقه -ﷺ- وعلى تواضعه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٨ - ١٤٢٩) و(١٠٠ و١٠١ - ١٤٢٩)، وأبو داود (٣٧٣٨)، وأبو عوانة (٤٦٢٨) و(٤٦٣٣) و(٤٦٣٤). وأما حديث: "إذا دعيتم إلى كراع" أخرجه مسلم (١٠٤ - ١٤٢٩)، وأبو عوانة (٤٦٤٦ و٤٦٤٧)، وابن حبان (٥٢٩٠)، وأبو نعيم في المستخرج (٣٣٤٥)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٢٨ رقم ١٤٥٢٨) عن ابن عمر.
(٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢٣٥).
[ ٩ / ٤٣١ ]
٣٢٦٢ - وَعَن جَابر هُوَ ابْن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا دعِي أحدكُم إِلَى طَعَام فليجب فَإِن شَاءَ طعم وَإِن شَاءَ ترك رَوَا مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (^١).
قوله: وعن جابر -﵁-، تقدم.
قوله -ﷺ-: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك" وفي الرواية الأخرى "فليجب، فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم" (^٢) الحديث، فليطعم بفتح الياء آخر الحروف وسكون الطاء المهملة وفتح الغين المهملة، يقال طعم يطعم طعاما فهو طاعم إذا أكل أو ذاق، ومثال غنم يغنم فهو غانم، تقدم الكلام على الإجابة وعلى الأكل في أول الباب.
واختلفوا في معنى "فليصل"، فقال الجمهور معنا: فليدع لأهل الطعام أو لأهل المنزل بالمغفرة والبركة والخير ونحو ذلك، ومنه الحديث: "الصائم إذا أكل عنده المفاطير صلت عليه الملائكة" (^٣) الحديث، وأصل الصلاة في اللغة الدعاء ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِمْ﴾ (^٤) أي: ادع لهم، وقيل:
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٠٥ - ١٤٣٠)، وأبو داود (٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٧٥١)، والنسائي في الكبرى (٦٥٧٥)، وابن حبان (٥٣٠٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٠٦ - ١٤٣١)، وأبو داود (٢٤٦٠)، والترمذي (٧٨٠)، وابن حبان (٥٣٠٦) عن أبي هريرة.
(٣) أخرجه أحمد ٦/ ٣٦٥ (٢٧٧٠١)، والترمذي (٧٨٤)، وابن خزيمة (٢١٤٠)، عن أم عمارة. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٣٣٢).
(٤) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.
[ ٩ / ٤٣٢ ]
المراد الصلاة الشرعية بالركوع والسجود أي يشتغل بالصلاة ليحصل له فضلها، وأما المفطر ففي الرواية الثانية الأمر بالأكل فهو مخير، واختلف العلماء في ذلك والأصح من مذهبنا أنه لا يجب الأكل لا في وليمة العرس ولا في غيرها، فمن أوجبه اعتمد على قوله في الرواية: "فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم" ومن لم يوجبه اعتمد التصريح بالتخيير في الراوية الأولى وحمل الأمر على الندب، وفي راوية: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة وهو صائم فليقل إني صائم" (^١).
ففيه (^٢): أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادات من الصلاة والصوم وغيرهما إذا دعت الحاجة إليه، ولا يستحب إخفاؤها، وفيه إشارة إلى حسن المعاشرة وتقديم حق الإخوة وحسن الاعتذار وقبول العذر، أ. هـ، قاله في شرح الإلمام.
وإذا قيل بوجوب الأكل في الوليمة فأقله لقمة ولا يلزمه الزيادة لأنه يسمي أكلا ولهذا لو حلق لا يأكل نحث بلقمة ولأنه قد يتخيل صاحب الطعام أن امتناعه لشبهة يعتقدها في الطعام فإذا أكل لقمة زال ذلك التخيل هكذا صرح باللقمة جماعة من أصحابنا، وأما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل لكن إن كان صومه فرضا لم يجز له الأكل لأن الفرض لا
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٥٩ - ١١٥٠)، وأبو داود (٢٤٦١)، والترمذي (٧٨١)، وابن ماجه (١٧٥٠)، عن أبي هريرة. وما سبق من كلام النووي في شرحه على مسلم (٩/ ٢٣٦).
(٢) هذا كلام النووي كما في شرح مسلم (٨/ ٢٨).
[ ٩ / ٤٣٣ ]
يجوز الخروج منه وإن كان نفلا جاز الفطر وتركه وغن كان يشق عليه على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر وإلا فإتمام الصوم والله أعلم (^١).
وفي هذا الحديث أن الصوم ليس بعذر في حال الإجابة، وفي الحديث أيضًا عن سعيد مولي أبي هند أن مطرفا من بني عامر بن صعصعة حدثه أن عثمان بن أبي العاص الثقفي دعا له بلبن يسقيه فقال مطرف: إني صائم، الحديث رواه النسائي (^٢)، كذلك يسن للإنسان إذا كان صائما أن يقول ذلك ففي صحيح مسلم وغيره أن النبي -ﷺ- قال: "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم" فيقول ذلك اعتذارا للداعي وإعلاما بحاله، فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور وإن لم يسمح وطالبه بالحضور لزمه الحضور (^٣).
وليس الصوم عذرا في إجابة الدعوة لكن إذا حضر لم يلزمه الأكل ويكون الصوم عذرا في ترك الأكل بخلاف المفطر فإن يلزمه الأكل على أصح الوجهين عندنا، قال الأصحاب: والأفضل إن كان يشق على صاحب الطعام
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢٣٦).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٢ (١٦٥٣٦) و٤/ ٢١٧ (١٨١٨٦) و٤/ ٢١٨ (١٨١٩٢)، وابن ماجه (١٦٣٩)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٢٩٩ (٢٢٤٨) و٤/ ٣٠٠ (٢٢٤٩) و٤/ ٣٠١ (٢٢٥٠) والكبرى (٢٥٥١) و(٢٥٥٢) و(٢٥٥٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد (١٥٤٣)، والروياني (١٥٢٢)، وابن خزيمة (٢١٢٥)، وابن حبان (٣٦٤٩)، والبيهقي في الشعب (٥/ ١٩٤ - ١٩٥ رقم ٣٢٩٥). وصححه الألباني.
(٣) شرح النووي على مسلم (٨/ ٢٨).
[ ٩ / ٤٣٤ ]
صومه يستحب الفطر وإلا فلا هذا إذا كان صوما تطوعا فإن كان صوما واجبا حرم الفطر (^١)، أ. هـ.
فإن قيل: ما فائدة حضور الصائم؟ قلت: قد يريد صاحب الوليمة حضوره وإن لم يأكل فقد يتبرك به أهل الطعام والحاضرون، وقد يتجملون به وينتفعون بدعائه أو بإشارته أو ينصانون عما لا ينصانون عنه في غيبته والله أعلم ذكره النووي (^٢).
٣٢٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ حق الْمُسلم على الْمُسلم خمس رد السَّلَام وعيادة الْمَرِيض وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَإجَابَة الدعْوَة وتشميت الْعَاطِس رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَيَأْتِي أَحَادِيث من هَذَا النَّوْع إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^٣).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.
قوله -ﷺ-: "حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض وإتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس"، أما رد السلام فهو فرض بالإجماع، فإن كان السلام على واحد كان الرد فرض عين عليه، وإن كان على جماعة كان فرض كفاية في حقهم إذا رد أحدهم سقط الحرج عن الباقين، وأما إفشاء السلام فهو سنة، وإفشاؤه: هو إشاعته وإكثاره وأن يبذله
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٩/ ٢٣٦ - ٢٣٧).
(٢) المصدر السابق (٩/ ٢٣٧).
(٣) أخرجه البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٤ و٥ - ٢١٦٢)، وأبو داود (٥٠٣٠)، والترمذي (٢٧٣٧)، وابن ماجه (١٤٣٥)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٨٦ (١٩٥٤) والكبرى (٢٠٧٦).
[ ٩ / ٤٣٥ ]
لكل مسلم كما قال النبي -ﷺ- في الحديث الآخر: "وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (^١)، وأما عيادة المريض فسيأتي ذلك في بابه، وأما إتباع الجنائز فسيأتي ذلك في كتاب الجنائز، وأما إجابة الدعوة فهو المذكور في هذا الباب، والمراد به: الداعي إلى وليمة ونحوها من الطعام وتقدم التفصيل في ذلك في الأحاديث المتقدمة في الباب، وأما تشميت العاطس فعن أنس بن مالك قال: عطس رجلان عن النبي -ﷺ- فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال: "إن هذا حمد الله تعالى وإن هذا لم يحمد الله تعالى" رواه الجماعة إلا النسائي (^٢)، وأجمعت الأمة على أن التشميت وهو قوله للعاطس يرحمك الله مشروع، ثم اختلفوا في إيجابه فأوجبه أهل الظاهر وابن مريم من المالكية على كل من سمعه لظاهر قوله في الحديث الآخر: "فحق على من سمعه أن يشمته" (^٣) قال القاضي عياض: والمشهور من مذهبه أنه فرض كفاية وبه قال جماعة من العلماء كرد السلام، ومذهب الشافعي وآخرين وأصحابه أنه سنة وأدب وليس بواجب، وحملوا الحديث على الندب والأدب كقوله ﵇: "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام" (^٤)، واختلفوا في رد العاطس
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢) و(٢٨) و(٦٢٣٦)، ومسلم (٦٣ - ٣٩)، وأبو داود (٥١٩٤)، وابن ماجه (٣٢٥٣)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٥٣١ (٥٠٤٤) عن عبد الله بن عمرو.
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٢١) و(٦٢٢٥)، ومسلم (٥٣ - ٢٩٩١)، وأبو داود (٥٠٣٩)، والترمذي (٢٧٤٢)، وابن ماجه (٣٧١٣).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢٢٣) و(٦٢٢٦)، والترمذي (٢٧٤٧) عن أبي هريرة.
(٤) أخرجه البخاري (٨٩٧ و٨٩٨) و(٣٤٨٧)، ومسلم (٩ - ٨٤٩) عن أبي هريرة.
[ ٩ / ٤٣٦ ]
فقيل يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقيلَ: يقول يغفر الله لنا ولكم، وقال مالك والشافعي: يخير بين هذين هذا هو الصواب فقد صحت الأحاديث بهما، قال: ولو تكرر العطاس فقال مالك يشمته ثلاثا ثم يسكت (^١) وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في بابه، والله تعالى أعلم.
٣٢٦٤ - وَعَن عِكْرِمَة -﵁- قَالَ كانَ ابْن عَبَّاس -﵄- يَقُول إِن النَّبِي -ﷺ- نهى عَن طَعَام المتباريين أَن يُؤْكَل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ أَكثر من رَوَاهُ عَن جرير لَا يذكر فِيهِ وَابْن عَبَّاس يُرِيد أَن أَكثر الروَاة أَرْسلُوهُ قَالَ الْحَافِظ الصَّحِيح أَنه عَن عِكْرِمَة عَن النَّبِي -ﷺ- مُرْسل المتباريان هما المتماريان المتباهيان (^٢).
قوله: وعن عكرمة -﵁- عكرمة (^٣): هو مولى ابن عباس، هو: أبو عبد الله فكرمة مولى ابن عباس الهاشمي المدني، أصله بربري من بلاد المغرب وهو من كبار التابعين، سمع الحسن بن علي وأبا قتادة وابن عباس وابن عمر وغيرهم، قال ابن معين: فكرمة ثقة، قال: وإذا رأيت من يتكلم في عكرمة
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٢٠ - ١٢١).
(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٧)، وأبو داود (٣٧٥٤)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٤٠ رقم ١١٩٤٢)، وابن عدى (٢/ ٢٧٠)، والحاكم (٤/ ١٢٨ - ١٢٩)، والبيهقي في الشعب (٨/ ١٨١ رقم ٥٦٦٦)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١/ ٢٢٢، الخطيب في تاريخ بغداد ٤/ ٣٩٢. قال أبو داود: "أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس"، وهارون النحوي، ذكر فيه ابن عباس، أيضا وحماد بن زيد، لم يذكر ابن عباس. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٥٨)، والصحيحة (٦٢٧).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤١ ترجمة ٤٢١).
[ ٩ / ٤٣٧ ]
فاتهمه على الإسلام، وقال عكرمة: إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بكلمة فيفتح لي خمسون بابا من العلم، وقال أبو حاتم: أعلا موالى ابن عباس عكرمة، وأدخله أصحاب الصحاح صحاحهم، وقال البيهقي: روى له البخاري ومسلم، توفي سنة أربع ومائة، وقيل: خمس، وقيل: ست، وقيل: سبع، وتقدم الكلام عليه مبسوطا في صلاة التسبيح.
قوله: كان ابن عباس -﵄- يقول إن النبي -ﷺ- نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل، الحديث، المتباريان هما المتماريان المتباهيان قاله الحافظ، وقال أبو سليمان الخطابي ﵀: المتباريان هما المتعارضان بفعليهما يقال تبارى الرجلان إذا فعل كل واحد منهما مثل فهل صاحبه ليرى أيهما يغلب صاحبه، قال ابن مسعود: نهينا أن نجي دعوة من يباهي بطعامه وكره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة، قاله في الديباجة، وإنما كره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة ولأنه داخل في جملة ما نهى عنه من أكل المال بالباطل، أ. هـ، ذكره صاحب المغيث، وفي حديث ابن عباس: "لا تأكلوا من معاقر الأعراب فإني لا آمن أن يكون مما أهل به لغير الله" هو عقرهم الإبل كان يتباري الرجلان في الجود والسخاء فيعقر هذا إبلا ويعقر هذا إبلا حتى يعجز أحدهما الآخر، وكانوا يفعلونه رياء وسمعة وتفاخرا ولا يقصدون به وجه الله تعالى فشبهه بما ذبح لغير الله تعالى.
فائدة: الفرزدق الشاعر اسمه همام بن غالب، كان أبو غالب رئيس قومه فأصاب أهل الكوفة مجاعة فعقر غالب لأهل ناقة وصنع منها طعاما وأهدى
[ ٩ / ٤٣٨ ]
قومه من بني تميم جفانا من ثريد ووجه جفنة منها إلى سحيم بن وثيل الرياحي رئيس قومه فكفأها سحيم وضرب الذي أتى بها، فقال: أنا مفتقر إلى طعام غالب إذ نحر ناقة نحرت أنا أخرى فوقعت [المعاقرة] بينهما وعقر سحيم لأهله ناقتلة فلما كان من الغد عقر لهم غالب ناقتين فعقر سحيم أهله ناقتين فلما كان اليوم الثالث عقر غالب ثلاثا فعقر سحيم لأهله ثلاثا فلما كان اليوم الرابع عقر غالب مائة ناقة فلم يكن عند سحيم هذا القدر فلم يعقر شيئا وأسرها في نفسه فلما انقضت المجاعة ودخل الناس الكوفة قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر هل نحرت مثل ما نحر وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين فاعتذر بأن إبله كانت غائبة وعقر ثلاثمائة ناقة، وقال للناس: شأنكم والأكل وكان ذلك في خلافة علي بن أبي طالب فاستفتى في حل الأكل منها فقضي بحرمتها وقال: هذه ذبحت لغير مأكلة ولم يكن المقصود منها إلا المفاخرة والمباهاة فألقيت لحومها على كناسة الكوفة فأكلتها الكلاب والعقبان والرخم، أ. هـ قاله في حياة الحيوان (^١).
_________________
(١) حياة الحيوان (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣).
[ ٩ / ٤٣٩ ]