٢٨١٧ - عَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من حلف على مَال امرء مُسلم بِغَيْر حَقه لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان قَالَ عبد الله ثمَّ قَرَأَ علينا رَسُول الله - ﷺ - مصداقه من كتاب الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^١) إِلَى آخر الآية زَاد فِي رِوَايَة بِمَعْنَاهُ قَالَ فَدخل الأشْعَث بن قيس الْكِنْدِيّ فَقَالَ مَا يُحَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن فَقُلْنَا كَذَا وَكَذَا قَالَ صدق أَبُو عبد الرَّحْمَن وَكَانَ بيني وَبَين رجل خُصُومَة فِي بِئْر فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - شَاهِدَاك أَو يَمِينه قلت إِذا يحلف وَلا يُبَالِي فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - من حلف على يَمِين صَبر يقتطع بهَا مَال امرئ مُسلم هُوَ فِيهَا فَاجر لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان وَنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخر الآيَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا (^٢).
قوله: عن ابن مسعود - ﵁ -: تقدم الكلام عليه.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٥٦ و٢٣٥٧) وفي (٢٤١٦ و٢٤١٧) و٣ (٢٦٦٦ و٢٦٦٧) وفي (٢٥١٥ و٢٥١٦) و(٢٦٦٩ و٢٦٧٠) و(٢٦٧٦ و٢٦٧٧) و(٤٥٤٩ و٤٥٥٠) و(٦٦٥٩ و٦٦٦٠) و(٦٦٧٦ و٦٦٧٧) و(٧١٨٣ و٧١٨٤) ومسلم (٢٢٠ و٢٢١ و٢٢٢ - ١٣٨)، وأبو داود (٣٢٤٣) و(٣٦٢١)، وابن ماجه (٢٣٢٢)، والترمذي (١٢٦٩) و(٢٩٩٦)، والنسائي في الكبرى (٥٩٤٩) و(٥٩٥١) و(١٠٩٤٥).
[ ٨ / ٣٤٨ ]
قوله - ﷺ -: "من حلف على مال امرء مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان" الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب لشهوة الانتقام وهذا على الله تعالى محال وها هنا قاعدة كلية وهي أن الأغراض النفسانية نحو الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والغيرة والمكر والخداع والاستهزاء لها أوائل ولها غايات ومتاله الغضب أوله غليان دم القلب وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه فلفظ الغضب لا يحمل على أولى في حق الباريء ﷾ بل على غايته فمعنى قوله "لقى الله وهو عليه غضبا" وهو يريد انتقامه وإيصال الضرر إليه.
قوله: في حديث ابن مسعود في آخره فقال رسول الله - ﷺ - شاهد لك أو يمينه معناه لك ما يشهد به شاهداك أو يمينه.
قوله: "يحلف ولا يبالي" يجوز في يحلف نصب الفاء ورفعها وذكر الإمام أبو الحسن بن خروف في شرح الجمل إن الرواية فيه برفع الفاء والله أعلم.
قوله: أيضا في آخر الحديث ابن مسعود على يمين (صبر) هو فيها فاجر أي متعمد الكذب.
قوله: زاد في رواية قال: فدخل الأشعث بن قيس الكندي فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن فقلنا وكذا وكذا قال صدق أبو عبد الرحمن الأشعث لقب الأشعث (^١) رأسه وكنيته: أبو محمد الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن الحارث بن معاوية بن
_________________
(١) ترجمته: الاستيعاب ١/ ترجمة ١٣٥، وأسد الغابة ١/ ترجمة ١٨٥، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٦١.
[ ٨ / ٣٤٩ ]
الحارث الأصغرن، معاوية بن الحارث الأكبر فذكره إلى أن قال ابن ثوري بن عفير هو كندة وإنما قيل له كندة لأنه كند أباه النعمة أي كبر ومنه قوله: تعالى إن الإنسان لربه لكنود وفد الأشعث إلى النبي - ﷺ - سنة عشرة من الهجرة في وفد كنده وكانوا ستين راكبا فأسلموا ورجع إلى اليمن وكان الأشعث ممن إرتد بعد النبي - ﷺ - فبعث أبو بكر الصديق - ﵁ -: الجنود إلى اليمن فأسروه وأحضر بين يديه فأسلم (وقال: استبقنى لحربك وزوجنى أختك، فأطلقه أبو بكر) وزوجه أخته وهي أم محمد بن الأشعث وشهد اليرموك بالشام ثم القادسية بالعراق والمدائن وغير ذلك وسكن الكوفة وشهد صفين مع علي وكان الحسن بن علي زوج ابنته روي له عن النبي - ﷺ - تسعة أحاديث ومناقبه كثيرة مشهورة وتقدم الكلام عليه أبسط من هذه والله أعلم.
٢٨١٨ - وَعَن وَائِل بن حجر - ﵁ - قَالَ جَاءَ رجل من حَضرمَوْت وَرجل من كنْدَة إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ يَا رَسُول الله إِن هَذَا قد غلبني على أَرض كَانَت لأبي فَقَالَ الْكِنْدِيّ هِيَ أرضي فِي يَدي أزرعها لَيْسَ لَهُ فِيهَا حق فَقَالَ النَّبِي - ﷺ - للحضرمي أَلك بَيِّنة قَالَ لا قَالَ فلك يَمِينه قَالَ يَا رَسُول الله إِن الرجل فَاجر لا يُبَالِي على مَا حلف عَلَيْهِ وَلَيْسَ يتورع عَن شَيء فَقَالَ لَيْسَ لَك مِنْهُ إِلَا يَمِينه فَانْطَلق ليحلف فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لما أدبر لَئِن حلف على مَال ليأكله ظلما ليلقين الله وَهُوَ عَنهُ معرض رَوَاه مسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٣ و٢٢٤ - ١٣٩)، وأبو داود (٣٢٤٥) و(٣٦٢٣)، والترمذى (١٣٤٠)، وابن حبان (٥٠٧٤). وقال الترمذي: حديث وائل بن حجر حديث حسن صحيح.
[ ٨ / ٣٥٠ ]
قوله: وعن وائل بن حُجر (^١) - ﵁ - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم ووائل بن حجر من ملوك حمير قدم على رسول الله - ﷺ - قال العلماء: بشر رسول الله أصحابه بقدومه ووصوله بأيام فقال: "يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت طائعا راغبا في الله ﷿ وفي رسوله "فلما قدم رحب به وأدناه من نفسه وبسط له رداء وأجلسه مع نفسه وقال: "اللهم بارك في وائل ووالده ثم استعمله على بلاده وأقطعه أرضا" روي له عن رسول الله - ﷺ - إحدى وسبعون حديثا.
قوله: "جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي - ﷺ -" الرجل الذي من حضرموت هو ربيعة بن عيدان (^٢) بفتح العين المهملة وبعدها ياء آخر الحروف ساطنة ويقال: عبدان بكسر العين المهلة وباء موحدة له صحبة وشهد الفتح بمصر وأغفله بأن عبد البر في كتابه وحضرموت اسم إقليم تقدم الكلام عليه في الحج والرجل الذي من كنده هو امرؤ القيس (^٣) بن عائس الكندي له صحبة وكان شاعر أو عابس بعين المهملة وبعد الألف باء موحدة
_________________
(١) ترجمته الاستيعاب ٤/ ترجمة ٢٧٣٨، وأسد الغابة ٥/ ترجمة ٥٤٤٣، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ترجمة ٦٦٤، وتهذيب الكمال ٣٠/ ترجمة ٦٦٧٤، والإصابة ٦/ ترجمة ٩١٢٠.
(٢) ترجمته في أسد الغابة ٢/ ترجمة ١٦٥٤، والإصابة ٢/ ٢٦٣٦، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣١٤.
(٣) الاستيعاب ١/ ترجمة ٧٢، وأسد الغابة ١/ ترجمة ٢٢٥، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٦٧، والإصابة ١/ ترجمة ٢٥٠.
[ ٨ / ٣٥١ ]
وسين مهملة وقال الخطيب البغدادي (^١): وليس في الصحابة من يسمى إمرؤ القيس غيره وما قاله خالفه فيه ابن عبد البر فإنه ذكر ابن عابس هذا وذكر بعده إمرء القيس بن الأصبغ الكلبي وقال: بعثه رسول الله - ﷺ - عاملا على كلب وذكر أنه خال أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - ذكره صاحب التنقيح (^٢).
قوله: - ﷺ - "للحضرمي ألك بينة قال لا قال فلك يمينه" قال يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع عن شيء فقال ليس لك منه إلا ذلك منه إلا ذلك الحديث أما حديث الحضرمي في الكندي ففيه أنواع من العلوم ففيه أن صاحب اليد أولى من اجنبي يدعى عليه وفيه أن المدعى عليه يلزمه اليمين إذا لم يقر وفيه أن البينه تقدم على اليمين ويقضى لصاحبها بغير يمين وفيه أن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل وتسقط عنه المطالبة بها وفيه أن أحد الخصمين إذا قال: لصاحبه أنه ظالم أو فاجر أو نحوه في خال المخاصمة يحتمل ذلك منه إذ لم ينكره وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم والجمهور ولا يحيزون شيئا من ذلك وينكرونه ويؤدبون عليه تمسكا بقاعدة تحريم السباب والأعراض واعتذروا عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون - ﵇ - علم أن المقول له ذلك كان كما
_________________
(١) كلام الحافظ الخطيب البغدادي في الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (ص ٤٢٧ - ٤٢٩)، وكلام ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ١٠٤ رقم ٧٢).
(٢) كشف المناهج والتناقيح (٣/ ٣١٢).
[ ٨ / ٣٥٢ ]
قيل فيه وكان القائل صادقا ولم يقصد أذاه بذلك وإنما قصد أنه ينزجر بذلك (فيرجع) إلى الحق ويحتمل أنه إنما تركه ولم ينهه لأن المقول له لم يطلب حقه في ذلك والصواب الأول.
قوله: فانطلق ليحلف أنه لم يحلف بحضرته - ﷺ - بل انطلق ليحلف وهذا دليل على أن اليمين لا تبذل أمام الحاكم بل لها موضوع مخصوص وهو أعظم مواضع البلد كالبيت بمكة والمنبر بالمدينة وبيت المقدس والجوامع في سائر الأمصار باليمين بتافه وخالف أبو حنيفة في ذلك فقال: لا تكون اليمن إلا حيث كان الحاكم وظاهر الحديثان أن المدعي عليه إذا حلف أقطعت حجة خصمه وبقي المدعى عليه في يده وملكه ا. هـ قاله في شرح الإلمام واختلف العلماء في هذه المسألة وهي ما إذا أدعى على غريمه شيئا فأكره وأحلفه ثم أراد إقامة البينة عليه بعد الإحلاف فله ذلك عند الشافعية وعند المالكية ليس له ذلك إلا أن يأتي بعذر في ترك إقامة البينة وربما يتمسكون بقوله - ﷺ - شاهد لك أو يمينه ووجه الدلالة منه أن أو تقتضي أحد الشيئين فلو أخرنا إقامة البينة بعد التحليف لكان له الأمران معا أعني اليمين وإقامة البينة، والجواب إن ذلك سبق لبيان حصر الحجة في السببين المذكورين إذا لم تقم للأصل وقد يستدل الحنفية.
بقوله: - ﷺ - "شاهد لك أو يمينه على ترك العمل بالشاهدين واليمين" والله أعلم، وفيه أن الوارث إذا ادعى شيئا لموروثة وعلم الحاكم أن موروثة مات ولا وارث له سوى هذا المدعي جاز الحكم له به ولم يكلفه حال الدعوى
[ ٨ / ٣٥٣ ]
بينه على ذلك وموضع الدلالة أنه قال: في الحديث غلبني على أرض كانت لأبي فقد أقر أنها كانت لأبيه فلو علم النبي - ﷺ - بأنه ورثها وحده لطالبه بينه على كونه وارثا ثم بينه آخرى على أنه كان محقا في دعواه على خصمه فإن قال: فائدة.
قوله: - ﷺ - شاهد لك أو يمينه معناه شاهد لك على ما تستحق به انتزاعها وإنما يكون ذلك بأن يشهدا يكونه فيرثا وحده وأنه ورث للدار والأرض فالجواب أن هذا خلاف الظاهر ويجوز أن يكون مرادا قاله النووي والله أعلم قال في المفهم: قوله: هي أرض في في يدي زرعها ليس له فيها حق دليل على أن المدعي فيه لا ينزع من يد صاحب السيد بمجرد الدعوى وأنه لا يسأل عن سبب يده ولا سبب ملكه.
قوله: للحضرمي أن بينه وفي رواية شاهد لك أو يمينه دليل على أن المدعي يلزمه لإقامة البينة فإن لم يقمها حلف المدعي عليه وهو أمر متفق عليه ولحديث البينة على المدعى واليمين على من أنكر.
قوله: "أن الرجل فاجر" الحديث أي كاذب جرى على الكذب ليس يتورع من شيء، الورع الكف.
قوله - ﷺ -: "لئن حلف على مال ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض" الرواية الآخرى وهو عليه غضبان فقال العلماء: الإعراض والغضب والسخط من الله تعالى هو إرادته إبعاد ذلك المغضوب عليه من رحمته وتعذيبه وإنكار فعله وذمه والله أعلم.
[ ٨ / ٣٥٤ ]
٢٨١٩ - وَعَن الأشْعَث بن قيس - ﵁ -: أَن رجلا من كنْدَة وَآخر من حَضرمَوْت اخْتَصمَا إِلَى رَسُول الله - ﷺ - فِي أَرض من الْيمن فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ يَا رَسُول الله إِن أرضي اغتصبنيها أَبُو هَذَا وَهِي فِي يَده قَالَ هَل لَك بَيِّنه قَالَ لا وَلَكِن أحلفه وَالله مَا يعلم أنَّهَا أرضي اغتصبنيها أَبوهُ فتهيأ الْكِنْدِيّ للْيَمِين فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَا يقتطع أحد مَالا بِيَمِين إِلَا لَقِي الله وَهُوَ أَجْذم فَقَالَ الْكِنْدِيّ هِيَ أرضه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه مُخْتَصرا قَالَ من حلف على يَمِين ليقتطع بهَا مَال امرئ مُسلم هُوَ فِيهَا فَاجر لَقِي الله أَجْذم (^١).
قوله: وعن الأشعث بن قيس - ﵁ - الكندي كان رئيس كنده مطاعا في قومه مات بالكوفة وصلى عليه الحسن بن علي - ﵄ - وتقدم الكلام عليه في أول الباب.
قوله: "أن رجلا من كندة وآخر من حضرموت اختصما إلى رسول الله - ﷺ - في أرض من اليمن" تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله.
قوله: - ﷺ - "من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم" أي يأخذه لنفسه متملكا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٤٤) و(٣٦٢٢)، والنسائى في الكبرى (٥٩٥٩)، وابن الجارود في المنتقى (١٠٠٥)، وابن المنذر في الأوسط (٦٥٨٢)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٤٧٩)، والبيهقى في الصغير (٤/ ١٦٧ رقم ٣٣٣٣) والكبرى (١٠/ ٣٠٤ رقم ٢٠٧٢٠). وصححه في صحيح أبي داود والإرواء (٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، وضعفه في ضعيف الترغيب (١١٥٤).
[ ٨ / ٣٥٥ ]
هو قوله: هو فيها فاجر (فيه بيان غلظ تحريم حقوق المسلمين وأنه لا فرق بين قليل الحق وكثيره لقوله - ﷺ - في الحديث الآخر: وإن قضيب من سواك).
وأما قوله - ﷺ -: من حلف على يمين هو فيها فاجر فالتعبير بكونه فاجرا لا بد منه ومعناه وهو آثم ولا يكون آثما إلا إذا كان متعمدا عالما بأنه غير محق وفيه لطيفة وهي أن قوله - ﷺ - "حق امرئ مسلم يدخل فيه من حلف على غير مال كجار الميتة والسرجس" وغير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها وكذا سائر الحقوق التي ليست بمال كحد القذف ونصب الزوجة في القسم وغير ذلك وأما تقييده - ﷺ - بالمسلم فليس يدل على عدم تحريم حق الذمي بل معناه أن هذا الوعيد الشديد وهو أن يلقي الله تعالى وهو عليه غضبان لمن اقتطع حق المسلم وأما الذمي فاقتطاع حقه حرام لكن ليس يلزم وأن يكون فيه هذه العقوبة العظيمة هذا كله على مذهب من يقول بالمفهوم وأما من لا يقول به فإنه فلا يحتاج إلى التأويل وقال القاضي عياض ﵀ (^١): تخصيص المسلم لكونه المخاطب وعامة المتعاملين في الشريعة لا أن غير المسلم بخلافه بل حكمه حكمه في ذلك والله أعلم ثم إن هذه العقوبة لمن اقتطع حق المسلم ومات قبل التوبة أما من تاب فندم على فعله ورد الحق إلى صاحبه وتحلل منه وعزم أن لايعود فقد سقط عنه الإثم والله أعلم، وفي هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجماهير أن حكم
_________________
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٤٣٤).
[ ٨ / ٣٥٦ ]
الحاكم لا يبيح الإنسان ما لم يكن له خلافا لأبي حنيفة ﵀.
قوله: "لقي الله وهو أجذم" أجذم بالذال المعجمة وتقدم تفسيره.
٢٨٢٠ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ -: قَالَ اخْتصم رجلانِ إِلَى النَّبِي - ﷺ - فِي أَرض أَحدهمَا من حَضرمَوْت قَالَ فَجعل يَمِين أَحدهمَا فَضَجَّ الآخر قَالَ إِذا يذهب بأرضي فَقَالَ إِن هُوَ اقتطعها بِيَمِينِهِ ظلما كَانَ مِمَّن لا ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلا يُزَكِّيه وَله عَذَاب أَلِيم قَالَ وورع الآخر فَردهَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (^١) وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا بِنَحْوِهِ من حَدِيث عدي بن عميرَة إِلَّا أَنه قَالَ خَاصم رجل من كِنْدَة يُقَال لَهُ امرء الْقَيْس بن عَابس رجلا من حَضرمَوْت فَذكره وَرُوَاته ثِقَات (^٢) قَالَ الْحَافِظ عبد
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤٦٣ (٢٢١٤٥)، وأحمد ٤/ ٣٩٤ (١٩٨٢٣)، وعبد بن حميد (٥٣٨)، ومحمد بن عاصم في جزئه (١٣)، والرويانى (٤٨٤)، والبزار (٣١٦٣)، وأبو يعلى (٧٢٧٤)، وأبو الفضل الزهرى في حديثه (٢٨٨)، والطبرانى في الأوسط (٢/ ١٩ رقم ١٠٩٠). قال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن أبي بردة إلا ثابت، تفرد به: جعفر. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٨: رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٢٩).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٩١ (١٧٩٩٣)، ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٤٤) و(٢٤٤٥)، والنسائي في الكبرى (٥٩٥٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٤٧٨)، والطبراني في الكبير ١٧/ ١٠٨ (٢٦٥)، والدارقطني (٤٣٤٢) و(٤٣٤٣) و(٤٥٠٠)، والبيهقي في الكبرى ١٠/ ٣٠٠ (٢٠٧٠٨) و١٠/ ٤٣٠ (٢١٢١١ و٢١٢١٢)، وفي الشعب (٦/ ٤٧٩ - ٤٨٠ رقم ٤٤٩٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٣٠).
[ ٨ / ٣٥٧ ]
الْعَظِيم وَقد وَردت هَذِه الْقِصَّة من كير مَا وَجه وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كفَايَة ورع بِكَسْر الرَّاء أَي تحرج من الإِثْم وكف عَمَّا هُوَ قَاصد وَيحْتَمل أَنه بِفَتْح الرَّاء أَي جبن وَهُوَ بِمَعْنى ضمهَا أَيْضا وَالأول أظهر.
قوله: وعن أبي موسى الأشعري (^١) هو عبد الله بن قيس بن سليم الصحابي الكوفي قدم على رسول الله - ﷺ - مكة قبل هجرته إلى المدينة وأم أبي موسى اسمها طيبة بنت وهب أسلمت وتوفيت بالمدينة وأسلم أبو موسى ثم هاجر إلى الحبشة ثم هاجر إلى رسول الله مع أصحاب السفينة بعد فتح خبير فأسهم له منها ولم يسهم لأحد غاب عن فتحها غيره قال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود السجستاني (^٢) في كتاب شريعة القاري لأبي موسى الأشعري - ﵁ - مع حسن صوته بالقراءات فضيلة ليست لأحد من الصحابة هاجر ثلاث هجرات هجرة من اليمن إلى رسول الله وهجرة من مكة إلى الحبشة وهجرة من الحبشة إلى المدينة وقال غيره: استعمله النبي - ﷺ - على زبيد وعدن وساحل اليمن واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة والبصرة وشهد وفاة عبيدة بالأردن وقدم دمشق على معاوية روي له عن رسول الله - ﷺ - ثلاثمائة وستون حديثا اتفق البخاري ومسلم منها على خمسين وانفرد البخاري بخمسة عشرة توفي بمكة وقيا
_________________
(١) ترجمته: الاستيعاب ٣/ ١٦٣٩، وأسد الغابة ٣/ ٣١٣٧، وتهذيب الكمال ١٥/ ٣٤٩١، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٨٧١، والإصابة ٤/ ٤٩١٦.
(٢) نقله النووي في تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٦٨.
[ ٨ / ٣٥٨ ]
بالكوفة سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين وقيل غير ذلك قال قتادة: قدم أبو موسى البصرة والياء من جهة عمر بن الخطاب سنة عشرة بعد عذل المغيرة ثم كتب إليه عمر أن يسير إلى الأهواز فأتاها فافتتحتها عنوة وقيل صلحا وافتتح أصبهان سنة ثلاث وعشرين والله أعلم.
قوله: "اختصم رجلان إلى النبي - ﷺ - في أرض أحدهما من حضرموت" تقدم الكلام على ذلك.
قوله: "فقال إن هو اقتطعها بيمينه ظلما" أي أخذها لنفسه متملكا.
قوله - ﷺ -: "كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة" ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ (^١) الآية عهد الله تعالى ميثاقه وهو لإيجابه على المكلفين أنهم قومون بالحق ويعملون بالعدل والإيمان جمع يمين وهو إلى الحلف بالله تعالى ويشترون معناه يتعاطون فكأنهم يعطون ما أوجب الله عليهم من رعايته العهود والإيمان في شيء قليل حقير من عرض الدنيا والخلاق والحظ والنصيب ولا يكلمهم بما يسرهم ولا يكلمهم.
إعراضا عنهم واحتقارا لهم ولا ينظر إليهم أي لا يثني عليهم كما يثني على من يزكي وقيل لا يطهرهم من الذنوب والأليم الموجع الشديد الألم والله أعلم قال العلماء: يستحب للحاكم أن يقرأ هذه الآية عند تحليف الخصوم وليرتدعوا عن الأيمان الفاجرة.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.
[ ٨ / ٣٥٩ ]
قوله - ﷺ -: "وورع الآخر فردها" ورع بكسر الراء أي تحرج من الإثم وكف عما هو قاصده ويحتمل أنه بفتح الراء أي جبن وهو معنى ضمها أيضا والأول أظهر قاله المنذري.
٢٨٢١ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي - ﵄ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْكَبَائِر الإشْرَاك بِالله وعقوق الْوَالِدين وَالْيَمِين الْغمُوس وَفِي رِوَايَة أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا الْكَبَائِر قَالَ الإِشْرَاك بِالله قَالَ ثمَّ مَاذَا قَالَ الْيَمين الْغمُوس قَالَ وَمَا الْيَمين الْغمُوس قَالَ الَّذِي يقتطع مَال امرئ مُسلم يَعْني بِيَمِين هُوَ فِيهَا كَاذب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ قَالَ الْحَافِظ سميت الْيَمين الكاذبة اَلَّتِي يحلفها الإِنْسَان مُتَعَمدا يقتطع بهَا مَال امرئ مُسلم عَالما أَن الأمر بِخِلاف مَا يحلف غموسا بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة لأنَّهَا تغمس الْحَالِف فِي الإِثْم فِي الدُّنْيَا وَفِي النَّار فِي الآخِرَة (^١).
٢٨٢٢ - وَعَن عبد الله بن أنيس - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من أكبر الْكَبَائِر الإِشْرَاك بِالله وعقوق الْوَالِدين وَالْيَمِين الْغمُوس وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يحلف رجل على مثل جنَاح بعوضة إِلَا كَانَت كيا فِي قلبه يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ إِلَا أَنه قَالَ فِيهِ وَمَا حلف حَالف بِالله يَمِين صَبر فَأدْخل فِيهَا مثل جنَاح بعوضة إِلَّا جعلت نُكْتَة فِي قلبه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيثه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٦٧٥) و(٦٨٧٠) و(٦٩٢٠)، والترمذى (٣٠٢١)، والنسائى في المجتبى ٦/ ٤٩٠ (٤٠٤٦) و٧/ ٤٤٣ (٤٩١٢). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.
[ ٨ / ٣٦٠ ]
وَمَا حلف حَالف بِالله يَمِين صَبر فَأدْخل فِيهَا مثل جنَاح بعوضة إِلَّا جعلت نُكْتَة فِي قلبه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة (^١).
قوله: وعن عبد الله بن أنيس كنيته.
قوله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده" تقدم الكلام على ذلك.
قوله - ﷺ -: "لا يحلف رجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت نكته في قلبه يوم القيامة" النكته بالتاء المثناة فوق كالنقطة وقيل شبه الوسخ في المرءاة.
قوله: قال الترمذي في حديثه: وما حلف حالف بالله يمين صبر هو بإضافة يمين إلى صبر ويمين الصبر هي التي يحبس الحالف نفسة عليها وتحبس صاحب الحق عن حقه والصبر والحبس ويقال: لهذه اليمين الغموس لأنها تغمس صاحبها في الإثم وفي جهنم ومذهبنا وجوب الكفارة في اليمين الغموس.
٢٨٢٣ - وَعَن ابْن مَسْعُود - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نعد من الذَّنب الَّذِي لَيْسَ لَهُ كفَّارَة الْيَمين الْغمُوس قيل وَمَا الْيَمين الْغمُوس قَالَ الرجل يقتطع بِيَمِينِهِ مَال
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩٥ (١٦٢٨٩)، والترمذي (٣٠٢٠) والطحاوي في مشكل الآثار (٨٩٣) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥١٩٩) والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١٢٤)، وابن حبان (٥٥٦٣)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٣٤٤)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٢٩٧ رقم ٣٤٩) والأوسط (٣/ ٣٠٥ رقم ٣٢٣٧) والحاكم (٤/ ٢٩٦) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٢٧) والبيهقي في الشعب (٦/ ٤٨٢ رقم ٤٥٠٢). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن صحيح - صحيح الترغيب (١٨٣٢)، المشكاة (٣٧٧٧/ التحقيق الثاني)، الصحيحة (٣٣٦٤).
[ ٨ / ٣٦١ ]
الرجل رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).
قوله: "عن ابن مسعود - ﵁ -" تقدم الكلام عليه.
قوله - ﵁ -: "كنا نعد من الذنب الذي ليس له كفارة اليمين الغموس قيل وما اليمين الغموس قال الرجل يقتطع بيمينه مال الرجل" وتقدم المعنى.
٢٨٢٤ - وَعَن الْحَارِث بن البرصاء - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - فِي الْحَج بَين الْجَمْرَتَيْن وَهُوَ يَقُول من اقتطع مَال أَخِيه بِيَمِين فاجرة فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ليبلغ شاهدكم غائبكم مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَاللَّفْظ لَهُ وَهُوَ أتم وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أنَّهُمَا قَالا فَليتبَوَّأ بَيْتا فِي النَّار (^٢).
قوله: "وعن الحارث بن البرصاء - ﵁ - " هو الحارث بن مالك بن البرصا الليثي (^٣) له صحبة سكن مكة شرفها الله تعالى والبرصا أمه وقيل جدته أم أبيه
_________________
(١) أخرجه أحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (٥/ ٣٥٦) والمطالب العالية (١٧٨٠)، وابن المنذر في الأوسط (٨٩٢٦)، والبغوى في الجعديات (١٤٠٨)، والحاكم ٤/ ٢٩٦، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٦٧ رقم ١٩٨٨٣). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٣٣).
(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٥٨)، وحنبل في جزئه (٦٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٠٨)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٤٦) و(٥٩٣٢)، وابن حبان (٥١٦٥)، والطبرانى في الكبير (٣/ ٢٥٦ رقم ٣٣٣٠)، والحاكم ٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥، وتمام في الفوائد (١٣٣٩)، وابن بشران في مجلسان من أماليه (٨). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٣٤).
(٣) ترجمته: الاستيعاب ١/ ترجمة ٤٠٦، وأسد الغابة ١/ ترجمة ٩٥٦، وتهذيب الكمال ٥/ ترجمة ١٠٤٠، والإصابة ١/ ترجمة ١٤٨٢.
[ ٨ / ٣٦٢ ]
زوله رواية عن النبي - ﷺ -.
قوله: سمعت رسول الله - ﷺ - "في الحج بين الجمرتين وهو يقول من اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار" تقدم تفسير هذه الألفاظ في أماكن متفرقة والله أعلم.
٢٨٢٥ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف - ﵁ - أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ الْيَمين الْفَاجِرَة تذْهب المَال أَو تذْهب بِالْمَالِ رَوَاهُ الْبَزَّار وَإِسْنَاده صَحِيح لَو صَحَّ سَماع أبي سَلمَة من أَبِيه عبد الرَّحْمَن بن عَوْف (^١).
قوله: وعن عبد الرحمن بن عوف (^٢) - ﵁ -. كنيته أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري المدني كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة فسماه رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن أمه الشفاء بنت عوف هو أحد العشرة واحد الخمسة الذين أسلموا على يد الصديق ولد - ﵁ - بعد الفيل بعشر سنين أسلم عبد الرحمن قديما قبل دخول النبي - ﷺ - دار الأرقم وهذا أحد العشرة الذين
_________________
(١) أخرجه البزار (١٠٣٤). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن عوف، إلا من هذا الوجه ولا نعلم أسند هشام بن حسان، عن يحيى بن أبي كثير، غير هذا الحديث ولا نعلم رواه عن هشام إلا ابن علاثة، وابن علاثة هذا لين الحديث. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٩: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا سلمة لم يصح سماعه من أبيه، والله أعلم. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٣٥).
(٢) ترجمته: الاستيعاب ٢/ ترجمة ١٤٤٧، وأسد الغابة ٣/ ترجمة ٣٣٧٠، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ٣٥٧، وتهذيب الكمال ١٧/ ترجمة ٣٩٢٣، والإصابة ٤/ ترجمة ٥١٩٥.
[ ٨ / ٣٦٣ ]
شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة وتوفي رسول الله وهو عنهم راض وكان من المهاجرين الأولين وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سعد بن الربيع وشهد مع رسول الله بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد كلها روى له عن رسول الله - ﷺ - خمسة وستون حديثا اتفقا منها على حديثين وانفرد البخاري بخمسة أعتق - ﵁ -: في يوم واحد أحدا وثلاثين عبدا وتصدق بشطر ماله وهو أربعة آلاف درهم ثم تصدق بخمسمائة فرس في سبيل الله ﷿ ثم تصدق بخمسمائة راحلة كان له أربع نسوة صالحت إحداهن على نصيبها من ربع الثمن على ثمانين ألف درهم توفي سنة ثنيتن وثلاثين وقيل إحدى وثلاثين وهو ابن ثنتين وسبعين سنة وقيل خمس وسبعين وقيل ثمان وسبعين ودفن بالبقيع ومناقبه كثيرة مشهورة والله أعلم.
قوله: - ﷺ - "اليمين الفاجرة" أي (الكاذبة).
قوله: - ﷺ - "تذهب المال أو تذهب بالمال" معناه (أن الحالف بها يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق).
٢٨٢٦ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -. قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لَيْسَ مِمَّا عصي الله بِهِ هُوَ أعجل عقَابا من الْبَغي وَمَا من شَيْء أطيع الله فِيهِ أسْرع ثَوابًا من الصِّلَة وَالْيَمِين الْفَاجِرَة تدع الديار بَلَاقِع رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (^١).
_________________
(١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٢/ ١٩ رقم ١٠٩٢)، وأبو نعيم في مسند أبى حنيفة (١/ ٢٤٢)، والقضاعى في مسند الشهاب (٢٥٥)، والبيهقى في الكبرى (١٠/ ٦٧ رقم ١٩٨٧٠) والشعب (٦/ ٤٨١ رقم ٤٥٥١)، وابن الجوزى في البر والصلة (٢٤٤). =
[ ٨ / ٣٦٤ ]
قوله: وروي عن أبي هريرة - ﵁ - تقدم.
قوله - ﷺ -: "اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع" الحديث بلاقع جمع بلقع وبلقعة وهي الأرض التي لا شيء بها يريد القفر أن الحالف بها يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق ومنه حديث عمر فأصبحت الأرض فهي بلاقع وصفها (بالجمع) مبالغة ومنه الحديث "شر النساء البلقعة" أي الخالية من كل خير ا. هـ هذا الحديث نهى عن الإقدام على احتجاب أموال الناس بالأيمان يقول فيمن حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مال امريء مسلم ويحوز بها ما ليس له أو يدفع بها حقًّا عليه عاجلته العقوبة فأجاحته فتركت داره بلاقع أي أفقرته حتى لا يبقى له شيء والبلقع القفر الذي لا شيء فيه وقد كانت العرب تحلف وتستحلف بالنار والملح وهو الذي كانوا يسمونه التهويل فيحلف الرجل على الكرب فيمحق ماله ويثكل ولده وبذلك سمي الحطيم لمكة لأنهم كانوا يحلفون عنده فيحطم المبطل ا. هـ وقال شمر: بلاقع معناه يفتقر الحالف ويذهب ما في يده من المال وقال غيره: هو أن يفرق الله شمله ويغير عليه ما أولاه الله عليه من نعمة والله أعلم.
_________________
(١) = قال الدارقطني في العلل (١٥٤٠): يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ نَاصِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ قَائِلٌ: عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ نَاصِحٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا وَلَعَلَّهُ أَرَادَ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ عِكْرِمَةَ. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٨٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو الدهماء الأصعب وثقه النفيلي، وضعفه ابن حبان. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٧٨) وصحيح الترغيب (١٨٣٦).
[ ٨ / ٣٦٥ ]
٢٨٢٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا - ﵁ -: قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من لَقِي الله لا يُشْرك بِهِ شَيْئا وَأدّى زَكَاة مَاله طيبَة بهَا نَفسه محتسبا وَسمع وأطاع فَلهُ الْجنَّة أَو دخل الْجنَّة وَخمْس لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَة الشّرك بِالله وَقتل النَّفس بِغَيْر حق وبهت مُؤمن والفرار من الزَّحْف وَيَمِين صابرة يقتطع بهَا مَالا بِغَيْر حق رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه بَقِيَّة وَلم يُصَرح بِالسَّمَاعِ (^١).
قوله: عن أبي هريرة أيضًا - ﵁ - تقدم
قوله - ﷺ -: "خمس ليس لهن كفارة الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وبهت مؤمن" سيأتي الكلام على بهت المؤمن في باب الغيبة.
قوله: "والفرار من الزحف" تقدم الكلام على ذلك في الجهاد.
قوله - ﷺ -: "ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق" تقدم الكلام على ذلك قوله: وفيه بقية (بن الوليد مشهور بالتدليس ولم يصرح بالسماع).
٢٨٢٨ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من حلف على يَمِين مصبورة كَاذِبَة فَلَيتبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢).
_________________
(١) أخرجه إسحاق مختصرا (٣٣٦)، وأحمد ٢/ ٣٦٢ (٨٨٥٨)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٧٨) وفي الديات ص ١٨، وابن أبي حاتم في العلل (١٠٠٥)، والطبرانى في مسند الشاميين (٢/ ١٨٧ رقم ١١٦١) و(٢/ ٢٠٠ رقم ١١٨٣)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٢١١)، وابن شاهين في جزئه (١٧). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٠٢ و١٠/ ١٨٨ - ١٨٩: رواه أحمد، وفيه بقية، وهو مدلس وقد عنعنه. وضعفه الألباني في الإرواء (٢٥٦٨) وحسنه في صحيح الترغيب (١٣٣٩) و(١٨٣٦) و(٢٨٤٦).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٦٣ (٢٢١٥٠)، وأحمد ٤/ ٤٣٦ (٢٠٢٣١) و٤/ ٤٤١ =
[ ٨ / ٣٦٦ ]
قَالَ الْخطابِيّ (^١): الْيَمين المصبورة هِيَ اللَّازِمَة لصَاحِبهَا من جِهَة الحكم فيصبر من أجلهَا إِلَى أَن يحبس وَهِي يَمِين الصَّبْر وأصل الصَّبْر الْحَبْس وَمِنْه قَوْلهم قتل فلان صبرا أَي حبسا على الْقَتْل وقهرا عَلَيْهِ.
قوله: وعن عمران بن حصين - ﵁ - تقدم الكلام عليه.
قوله: تقدم الكلام على ذلك - ﷺ - "من حلف على يمين مصبورة كاذبة" وفي حديث آخر "من حلف على يمين صبر (أي ألزم بها) وحبس عليها وقيل (لها مصبورة) " وان كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور لأنه إنما صبر من أجلها أي حبس فوضعت بالصبر فأضيعت إليه مجازا قاله في النهاية (^٢) اليمين المصبورة هي اللازمة لصاحبها من جهة الحكم فيصبر من أجلها إلى أن يحبس وهي يمين الصبر وأصل الحبس ومنه قولهم قتل فلان صبرا أي حبسا على القتل وقهرا عليه ا. هـ قاله المنذري وقال غيره: الصبر الحبس ومنه قولهم قتل فلان صبرا أي حبسا على القتل وقهرا عليه ا. هـ وقال غيره: الصبر الحبس أي قتل وهو مأسور محبوس للقتل لا في معركة ا. هـ، وقال بعضهم:
_________________
(١) = (٢٠٢٨٦)، وأبو داود (٣٢٤٢)، والبزار (٣٦١١) والروياني في مسنده (١٣٩)، والسراج (٤٦٧)، والطبراني في الكبير ١٨/ ١٨٧ - ١٨٨ (٤٤٥) و(٤٤٦)، وأبو الطاهر المخلص (٢٨٦٨)، والحاكم ٤/ ٢٩٤، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٧٧، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم ١/ ١٧٢. وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٣٣٢) وصحيح الترغيب (١٨٣٧).
(٢) معالم السنن (٤/ ٤٤).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٨).
[ ٨ / ٣٦٧ ]
أيضا هي التي ألزم الحالف عند حاكم ونحوه وأصل الصبر الحبس والإمساك، أ. هـ.
٢٨٢٩ - وَعَن عبد الله بن ثَعْلَبَة أَنه أَتَى عبد الرَّحْمَن بن كعْب بن مَالك - ﵁ -: وَهُوَ فِي إِزَار خَز ذِي طاق خلق قد التبب بِهِ وَهُوَ أعمى يُقَاد قَالَ فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ هَل سَمِعت أَبَاك يحدث بِحَدِيث قلت لا أَدْرِي قَالَ سَمِعت أَبَاك يَقُول سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من اقتطع مَال امرئ مُسلم بِيَمِين كَاذِبَة كَانَت نُكْتَة سَوْدَاء فِي قلبه لَا يغيرها شَيْء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).
قوله: وعن عبد الله بن ثعلبة أنه أتى عبد الرحمن بن كعب بن (مالك أبو الخطاب الأنصارى السلمى، بفتح السين واللام، المدنى التابعى، سمع أباه، وجابرًا. روى عنه صالح بن رستم، والزهرى، وغيرهما، وهو ثقة. روى له البخاري، ومسلم. توفى في خلافة سليمان بن عبد الملك، وقيل: في خلافة هشام، ﵀).
قوله: أنه أتى عبد الرحمن بن كعب بن مالك "وَهُوَ فِي إِزَار خَز ذِي طاق خلق قد التبب بِهِ وَهُوَ أعمى يُقَاد قَالَ فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ هَل سَمِعت أَبَاك
_________________
(١) أخرجه الحارث كما في الزوائد (٤٥٧)، والطبرانى في الكبير (١/ ٢٧٥ رقم ٨٠١) ومن طريقه أبو موسى المديني في اللطائف (٥٦٦)، والحاكم ٤/ ٢٩٤. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٦٤) وصحيح الترغيب (١٨٣٨) وصحيح الجامع (١٧١٤).
[ ٨ / ٣٦٨ ]
يحدث بِحَدِيث قلت لا أَدْرِي قَالَ سَمِعت أَبَاك" هو ثعلبة بن عبد الله الأنصاري وقيل: البلوي، حليف الأنصاري، روى عنه: ابنه عبد الله، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك.
قوله: "وهو في إزار خز ذي طاق خلق قد التبب به" الالتباب هو (جمع الثوب الذي هو لابسه) - ﷺ - من اقتطع مال إمرئ مسلم بيمين كاذبة كانت نكته سوداء في قلبه لا يغيرها شيء إلى يوم القيامة تقدم الكلام على تفسير النكتة.
٢٨٣٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِن الله جلّ ذكره أذن لي أَن أحدث عَن ديك قد فرقت رِجْلَاهُ الأرْض وعنقه مثنى تَحت الْعَرْش وَهُوَ يَقُول سُبْحَانَكَ مَا أعظمك رَبنَا فَيرد عَلَيْهِ مَا علم ذَلِك من حلف بِي كَاذِبًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).
٢٨٣١ - وَعَن جَابر بن عتِيك - ﵁ -: أَنه سمع رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من اقتطع مَال امرئ مُسلم بِيَمِينِهِ حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار قيل يَا رَسُول الله وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا قَالَ وَإِن كَانَ سواكا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَاللَّفْظ لَهُ
_________________
(١) أخرجه الطبرانى في الأوسط (٧/ ٢٢٠ رقم ٧٣٢٤)، وأبو الشيخ في العظمة (٥٢٤) و(١٢٤٨)، والحاكم ٤/ ٢٩٧. وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٨٠ - ١٨١: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. وقال في ٨/ ١٣٤: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح إلا أن شيخ الطبراني محمد بن العباس بن الفضل بن سهيل الأعرج لم أعرفه. وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٠) وصحيح الترغيب (١٨٣٩).
[ ٨ / ٣٦٩ ]
وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الإِسْنَاد (^١).
قوله: وعن جابر بن عتيك - ﵁ -، تقدم ذكره في فضل الشهداء.
قوله - ﷺ -: "من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه" ومعنى بيمينه: أي بحلفه.
قوله - ﷺ -: "حرَّم الله عليه الجنة وأوجب له النار" فيه جوابان للعلماء مذكوران كما في نظائره، أحدهما: أنه محمول على المستحل لذلك إذا مات على ذلك فإنه كفر ويخلد في النار، والثاني: أن معناه أن هذا جزاؤه وما يستحقه ويجوز العفو عنه وقد حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين، أ. هـ؛ وقال العلماء أيضًا ثم ما ورد من الوعيد على هذا المنوال لا يحكم به في حق المؤمن إلا أن يحمل على تحريمها في وقت دون التأبيد وإنما يخرجه الشرع هذا المخرج تعظيما للأمر ومبالغة في الزجر لأن مرتكب هذه الجريمة قد بلغ في الاعتداء الغاية القصوى حيث انتهك حرمة بعد حرمة، إحداهما: اقتطاع مال لم يكن له ذلك، الثانية: الاستخفاف بحرمة وجب عليه رعايتها وهو حرمة الإسلام وحق الآخرة، الثالثة: الإقدام على اليمين الفاجرة والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠٨)، والطبرانى في الكبير (٢/ ١٩٢ رقم ١٧٨٢) و(٢/ ١٩٢ - ١٩٣ رقم ١٧٨٣ و١٧٨٤)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٩٥. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٨١: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح خلا أبا سفيان بن جابر بن عتيك ذكره ابن أبي حاتم، وروى عنه غير واحد من أهل الصحيح، ولم يتكلم فيه أحد. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٤٠).
[ ٨ / ٣٧٠ ]
٢٨٣٢ - وَعَن أبي أُمَامَة إِيَاس بن ثَعْلَبَة الْحَارِثِيّ - ﵁ -: أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ من اقتطع حق امرئ مُسلم بِيَمِينِهِ فقد أوجب لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة قَالُوا وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا يَا رَسُول الله فَقَالَ وَإِن كَانَ قَضِيبًا من أَرَاك رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَرَوَاهُ مَالك إِلَا أَنه كرر وَإِن كَانَ قَضِيبًا من أَرَاك ثَلاثًا (^١).
قوله: وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي (^٢) [من بنى الحارث بن الخزرج وقيل إنه بلوي وهو حليف بني حارثة وهو بن أخت أبي بردة بن نيار هذا هو المشهور في اسمه وقال أبو حاتم الرازي اسمه عبد الله بن ثعلبة ويقال ثعلبة بن عبد الله ثم اعلم أن هنا دقيقة لابد من التنبيه عليها وهي أن الذين صنفوا في أسماء الصحابة - ﵃ - ذكر كثير منهم أن أبا أمامة هذا الحارثي - ﵁ - توفي عند انصراف النبي - ﷺ - من أحد فصلى عليه ومقتضى هذا التاريخ أن يكون هذا الحديث الذي رواه مسلم منقطعا فإن عبد الله بن كعب تابعي فكيف يسمع من توفي عام أحدفي السنة الثالثة من الهجرة ولكن هذا النقل في وفاة أبي أمامة ليس بصحيح فإنه صح عن عبد الله بن كعب أنه قال حدثني
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (٢١٢٩)، وأحمد ٥/ ٢٦٠ (٢٢٦٦٩) و(٢٢٦٧٠) و٥/ ٤٦٣ (٢٤٤١٠) و(٢٤٤١١)، والدارمي (٢٨٠٥) و(٢٨٠٦)، ومسلم (٢١٨ و٢١٩ - ١٣٧)، وابن ماجه (٢٣٢٤)، والنسائى في المجتبى ٨/ ٣١٦ (٥٤٦٣).
(٢) ترجمته: الاستيعاب ١/ ترجمة ١٣١ و٤/ ترجمة ١٦٠١، وأسد الغابة ١/ ترجمة ٣٣٥ و/ ترجمة ٥٦٩٦، وتهذيب الكمال ٣٣/ ترجمة ٧٢١٣، والإصابة ١/ ترجمة ٣٧٤ و٧/ ترجمة ٩٥٤٥.
[ ٨ / ٣٧١ ]
أبو أمامة كما ذكره مسلم في الرواية الثانية فهذا تصريح بسماع عبد الله بن كعب التابعي منه فبطل ما قيل في وفاته ولو كان ما قيل في وفاته صحيحا لم يخرج مسلم حديثه ولقد أحسن الإمام أبو البركات الجزري المعروف بابن الأثير حيث أنكر في كتابه معرفة الصحابة - ﵃ - هذا القول في وفاته].
قوله - ﷺ -: "وإن كان قضيبًا من أراك" الحديث، قال النووي ﵀ (^١): وقع في بعض أصول مسلم أو في أكثرها "وإن قضيب من أراك" مرفوع وهو ظاهر وفي أكثرها "وإن قضيبا" نصب على أنه خبر كان المحذوفة أو أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: "وإن اقتطع قضيبًا".
٢٨٣٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لا يحلف عِنْد هَذَا الْمِنْبَر عبد وَلا أمة على يَمِين آثمة وَلَو على سواك رطب إِلَّا وَجَبت لَهُ النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (^٢).
قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة" المنبر: بكسر الميم وهو مشتق من النبر وهو الارتفاع وهو بلفظ الآلة لأنه آلة الارتفاع وفي صحيح
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٦٠).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٢٩ (٨٤٧٧) و٢/ ٥١٨ (١٠٨٦٢)، وابن ماجه (٢٣٢٦)، والحاكم ٤/ ٢٩٧. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٧٩: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وقال البوصيري في الزجاجة ٣/ ٤٥: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وصححه الألباني في الإرواء (٢٧٦٤) وصحيح الترغيب (١٨٤٢).
[ ٨ / ٣٧٢ ]
مسلم [أن رسول الله]- ﷺ - أرسل إلى امرأة أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها فعملت هذه الثلاث درجات، فكان يخطب عليها (^١) وكان منبره - ﷺ - ثلاث درج غير الدرجة التي تسمي مستراح، ويستحب أن يقف على التي تليها كما فعل النبي - ﷺ -.
فإن قيل: روى أن أبا بكر نزل عن موقف النبي - ﷺ - وعمر درجة أخرى وعثمان أخرى تم وقف على موقف النبي - ﷺ -، قلنا كل واحد منهم له قصد صحيح وليس فعل بعضهم حجة على بعض، والمختار موافقة النبي - ﷺ - لعموم الأمر للاقتداء به، ويستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب وهو جهة يمين المصلي لأن منبره - ﷺ - كذلك [كان في تلك الجهة ومن] خطب على الأ [رض] فليقف هناك ويكره المنبر الكبير الذي يضيق على المصلين كمنبر مكة الآن وكان بعض العلماء يقول: [الخطابة بمكة] على منبر بدعة وإنما السنة أن يخطب على الباب كما فعل النبي - ﷺ - يوم الفتح، لا يقال: تلك أقضية، خاصة فعلت للضرورة. جوابه: أن الخلفاء الراشدين أقروا الأمر على ذلك وهم الذين يقتدي بهم [وإنما] أحدث ذلك بمكة معاوية بن أبي سفيان. أ. هـ.
قوله: "على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار" قوله "آثمة" أي: كاذبة يعلم أنه فيها حانث سميت آثمة وفاجرة اتساعا وفي هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٧٧) و(٤٤٨) و(٩١٧) و(٢٠٩٤) و(٢٥٦٩)، ومسلم (٤٤ - ٥٤٤)، وابن ماجه (١٤١٦)، وأبو داود (١٠٨٠)، والنسائى في المجتبى ٢/ ٢٠٦ (٧٥١) عن سهل بن سعد.
[ ٨ / ٣٧٣ ]
الحديث دليل على أن اليمين يغلظ بالأمكنة [والأزمنة] تعظيم اليمين بالمكان كما جاء في تعظيمها بالزمان في حديث "من حلف على سلعة بعد العصر" قال البغوي (^١): إذا توجهت اليمين على رجل في أمر عظيم خطره من قصاص أو عقوبة أو نكاح أو طلاق أو مال بلغ نصابا، [فتغلظ] تلك اليمين بالمكان والزمان [فالمكان أن يحلف] بين الركن والمقام بمكة وتحت المنبر بغيرها و[في الزمان] بعد العصر ويخوفه بالله تعالى ويقرأ عليه قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^٢) ليرتدع إن كان فيها مبطلا، قال الشافعي: وهذا قول [الحكام المكيين]، وكان أبو بكر الصديق يحلف عند منبر رسول الله - ﷺ -، وفيه دليل على تعظيم مواطن الذكر والوعظ ونحوها من إقراء العلم والحديث والتفسير وما شاكلها، أ. هـ. قاله في شرح الإلمام، فليحذر الإنسان من اليمين الفاجرة في هذه المساجد فإن عقوبتها عاجلة، روى أن عمر بن عبد العزيز أمر بحمل عمال سليمان بن عبد الملك إلى الصخرة ليحلفوا عندها فحلفوا عندها إلا واحدا فدى يمينه بألف دينار فما جاء الحول على واحد منهم بل ماتوا كلهم، أ. هـ، قاله الزركشي (^٣) في كتابه الذي ألفه فيما يتعلق بالمساجد، قال الحافظ ﵀: كانت اليمين على عهد رسول الله - ﷺ - عند المنبر ذكر ذلك أبو عبيد الخطابي، واستشهد بحديث أبي هريرة هذا والله أعلم، أ. هـ.
_________________
(١) شرح السنة (١٠/ ١٤٣).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.
(٣) إعلام الساجد (ص ٢٩٥).
[ ٨ / ٣٧٤ ]
٢٨٣٤ - وَعَن جَابر بن عبد الله - ﵄ - قالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - من حلف على يَمِين آثمة عِنْد قَبْرِي هَذَا فَليَتبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَلَو على سواك أَخْضَر رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه لم يذكر السِّوَاك قَالَ الْحَافِظ كَانَت الْيَمين على عهد رَسُول الله - ﷺ - عِنْد الْمِنْبَر ذكر ذَلِك أَبُو عبيد والخطابي وَاسْتشْهدَ بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمُتَقَدّم وَالله أعلم (^١).
قوله: وعن جابر بن عبد الله - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "من حلف على يمين آثمة عند قبري هذا فليتبوأ مقعده من النار" تقدم تفسير اليمين الآثمة في الحديث قبله، وتقدم تفسير قوله: "فليتبوأ مقعده من النار" في أوائل هذا التعليق في الكذب على رسول الله - ﷺ -.
٢٨٣٥ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ - إِنَّمَا الْحلف حنث أَو نَدم رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضًا (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤٦٢ (٢٢١٤٣)، وأحمد ٣/ ٣٤٤ (١٤٩٣٢) و٣/ ٣٧٥ (١٥٢٥٥)، وابن ماجه (٢٣٢٥)، وأبو داود (٣٢٤٦)، والنسائي في الكبرى (٥٩٧٣)، وابن حبان (٤٣٦٨)، والحاكم ٤/ ٢٩٦، والبيهقي في الصغير (٤/ ١٦٣ رقم ٣٣١٩) والكبرى (٧/ ٦٥٣ رقم ١٥٣٠٩) و(١٠/ ٢٩٥ - ٢٩٦ رقم ٢٠٦٩٢). وصححه الألباني في الإرواء (٢٧٦٤) و(٢٦٩٧) وصحيح الترغيب (١٨٤٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ١١٥ (١٢٦١٥) و٤/ ٤٦٨ (٢٢٢٠٠)، البخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٢٩، وابن ماجه (٢١٠٣)، وأبو يعلى (٥٥٨٧) و(٥٦٩٧)، وابن حبان (٤٣٥٦)، والطبر اني في الأوسط (٨/ ٢١٠ رقم ٨٤٢٥) الصغير (٢/ ٢٣٢ رقم ١٠٨٣)، والحاكم ٤/ ٣٠٣، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٥٤ رقم ١٩٨٣٩). وقال الدارقطني في العلل (٣١٠٣): يرويه بشار بن كدام السلمي، عن محمد بن زيد، عَنِ =
[ ٨ / ٣٧٥ ]
قوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "إنما الحلف حنث أو ندم" تقدم الكلام أيضًا على الحلف أنه بكسر اللام وسكونها في بيع التجار.
٢٨٣٦ - وَعَن جُبَير بن مطعم - ﵁ - أَنه افتدى يَمِينه بِعشْرَة آلَاف ثمَّ قَالَ وَرب الْكَعْبَة لَو حَلَفت حَلَفت صَادِقا وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء افتديت بِهِ يَمِيني رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأوْسَط بِإِسْنَاد جيد (^١). وروى فِيهِ أَيْضا عَن الأشْعَث بن قيس رَضِي الله قَالَ اشْتريت يَمِيني مرّة بسبعين ألفا (^٢).
قوله: وعن جبير (^٣)، هو: أبو محمد، ويقال: أبو عدي، جبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي، أسلم عام خيبر وقيل أسلم يوم
_________________
(١) = ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - حدث به عنه: أبو معاوية، ويزيد بن عبد العزيز بن سياه، مرفوعا. ورواه عاصم بن محمد العمري، عن أبيه، عن ابن عمر، من قوله. وقيل: عن عاصم، عن أبيه، عن عمر، قوله. والموقوف أصح. وضعفه الألباني في الروض النضير (٥٠٥) وضعيف الترغيب (١١١٢) و(١١٥٥) والضعيفة (٦٨٥٩) وقال منكر.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٧٠ رقم ٨٨١). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٨١: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٥٦).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٥٥ رقم ١٥٥٩) والكبير (١/ ٢٣٤ رقم ٦٣٩). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ١٨١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عيسى بن المسيب البجلي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٥٧).
(٤) ترجمته: الاستيعاب ١/ ترجمة ٣١١، أسد الغابة ١/ ترجمة ٦٩٨، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ترجمة ١٠٣، وتهذيب الكمال ٤/ ترجمة ٩٠٣، والإصابة ١/ ترجمة ١٠٩٦.
[ ٨ / ٣٧٦ ]
فتح مكة، روي له عن رسول الله - ﷺ - ستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ستة، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث، توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقال ابن قتيبة سنة تسع وخمسين والله أعلم.
قوله: وروى فيه أيضا عن الأشعث بن قيس، تقدم الكلام على الأشعث بن قيس الكندي في أول الباب والله أعلم.
[ ٨ / ٣٧٧ ]