٣١٨٨ - عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يكون قوم يخضبون فِي آخر الزَّمَان بِالسَّوَادِ كحواصل الْحمام لَا يريحون رَائِحَة الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان في صَحِيحه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ رَوَوْهُ كلهم من رِوَايَة عبيد الله بن عَمْرو الرقي عَن عبد الْكَرِيم فَذهب بَعضهم إِلَى أَن عبد الْكَرِيم هَذَا هُوَ ابْن أبي الْمخَارِق وَضعف الحَدِيث بِسَبَبِهِ وَالصَّوَاب أَنه عبد الْكَرِيم بن مَالك الْجَزرِي وَهُوَ ثِقَة احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَالله أعلم (^١).
قوله: عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله -ﷺ-: "يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد" الحديث، وفي
_________________
(١) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في النكت الظراف ٤/ ٤٢٤، وأحمد ١/ ٢٧٣ (٢٥٠٩)، وأبو داود (٤٢١٢)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤١ (٥١١٩) والكبرى (٩٢٩٣)، وأبو يعلى (٢٦٠٣)، والطحاوى في مشكل الآثار (٣٦٩٩)، وابن حبان كما في اتحاف الخيرة ٧/ ٩٧ (٧٤١٢)، والطبراني (١١/ ٤٤٢ رقم ١٢٢٥٤) في الأوسط (٤/ ١٣٦ رقم ٣٨٠٣)، والحاكم كما في إتحاف الخيرة ٧/ ٩٧ (٧٤١٢)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٤٠٢ رقم ٥٩٩٧) والآداب (٥٥٠) والكبرى (٧/ ٥٠٨ رقم ١٤٨٢٤)، والبغوي (٣١٨٠). وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٦١): إسناده جيد. وقال ابن حجر في الفتح ٦/ ٤٩٩: إسناده قوي. وصححه الألباني في المشكاة (٤٤٥٢) وصحيح الترغيب (٢٠٩٧)، غاية المرام (١٠٧).
[ ٩ / ٢٨٤ ]
حديث آخر: "إن الله يبغض الشيخ الغريب" (^١) أي الذي يخضب بالسواد يعني لحيته وإسناده جيد يعني الحديث الأول وهذا يدل على التحريم، وفيه خلاف الأصح عندنا التحريم واختاره النووي ولقوله -ﷺ- في الحديث الآخر: "واجتنبوا السواد" (^٢).
قال النووي (^٣): هذا مذهبنا وممن صرح بتحريمه أقضى القضاة الماوردي صاحب الحاوي في كتاب الصلاة في باب النجاسة قال: إلا أن يكون في الجهاد، وذكر في آخر كتابه الأحكام السلطانية (^٤) يمنع المحتسب الناس من خضاب الشيب بالسواد إلا المجاهد، وقد علل أيضا بأنه من باب التدليس على النساء وبأنه سواد في الوجه فيشبه سيما أهل النار ولا فرق في المنع من الخضاب بالسواد بين الرجل والمرأة هذا مذهبنا وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه رخص فيه للمرأة تتزين به لزوجها وقيل يكره الصبغ بالسواد ولا يحرم وبه قال الغزالي في الإحياء والبغوي في التهذيب وآخرون من الأصحاب وظاهر عبارتهم أنه مكروه كراهة تنزيه بل قد روي عن جماعة كثيرة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يصبغون بالسواد منهم عمر وعثمان
_________________
(١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٤/ ٨٤ - ٨٥) من طريق رشدين عن أبي صخر حميد بن زياد عن يزيد بن قسيط، عن أبي هريرة. وقال: وهذا الحديث بهذا اللفظ يرويه رشدين.
(٢) أخرجه مسلم (٧٩ - ٢١٠٢)، وأبو داود (٤٢٠٤)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٢ (٥١٢٠) والكبرى (٩٢٩٤) عن جابر.
(٣) المجموع شرح المهذب (١/ ٢٩٤).
(٤) الأحكام السلطانية (ص ٣٧٣).
[ ٩ / ٢٨٥ ]
والحسن والحسين ابنا علي وعقبة بن عامر ومحمد بن علي وعلي بن عبد الله ابن عباس وعروة بن الزبير وابن سيرين وأبو بردة وآخرون وعن عمر بن الخطاب -﵁- أنه كان يأمر بالخضاب بالسواد ويقول هو أسكن للزوجة وأهيب للعدو وأما الصباغ بالحناء أو الكتم فلا ينبغي أن يختلف فيه لصحة الأحاديث بذلك وقد اختلف السلف قبلنا في تغيير الشيب فرأى بعضهم أن أمر النبي -ﷺ- بصبغه ندب وأن تغييره أولى من تركه أبيض روي ذلك عن قيس بن أبي حازم وغيره عن أبي بكر وعمر أنهما كانا يخضبان بالحناء والكتم وكان الشعبي وابن أبي مليكة يخضبان بالحناء وممن كان يخضب بالصفرة علي بن أبي طالب وابن عمر والمغيرة بن شعبة وجرير البجلي وأبو هريرة وأنس بن مالك وروي ذلك عن جماعة من التابعين ورأى آخرون أن ترك الشعر أبيض أولى من تغييره لما صح عنه -ﷺ- نهى عن تغيير ترك الشيب وقالوا توفي النبي -ﷺ- وقد بدا في عنفقته الشيب ولم يغيره بشيء ولو كان تغييره أولى لكان -ﷺ- آثر الأفضل وكذلك كان علي بن أبي طالب أبيض الرأس واللحية وكذلك أبي بن كعب وكذلك أنس بن مالك وسلمة بن الأكوع لا يغيران الشيب وكذلك جماعة من التابعين (^١).
وقوله -ﷺ- في الحديث "خالفوا اليهود والنصارى وغيروا الشيب" (^٢) به الخصوص ومعناه غيروا الشيب الذي هو نظير شيب أبي قحافة والد أبي
_________________
(١) إكمال المعلم (٦/ ٦٢٤ - ٦٢٦) وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٨٠).
(٢) أخرجه الترمذي (١٧٥٢)، وابن حبان (٥٤٧٣) عن أبى هريرة. وقال الألباني: حسن صحيح الصحيحة (٨٣٦).
[ ٩ / ٢٨٦ ]
بكر الصديق وأما من كان أسخط فهو الذي أمره النبي -ﷺ- أن لا يغيره وقال من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة ولذلك لم يغير النبي -ﷺ- شيبه لقلته مع أن تغيير الشيب ندب لا فرض ولو لم يكن كذلك لكان تارك الشيب قد أنكروا على المغيرين وأنكر المغيرون على تاركي التغيير وقد قال بعض العلماء إن الأمر في ذلك محمول على حالين أحدهما عادة البلد ممن كانت عادة موضعه ترك الصبغ فخروجه عن المعتاد شهرة تقبح وتكره وثانيهما اختلاف حال الناس في شيبهم فرب شيبة نقية بيضاء هي أجمل منها مصبوغة وبالعكس فمن قبحه الخضاب اجتنبه ومن حسنه استعمله فاختلاف السلف بحسب اختلاف أحوالهم مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب والتحريم بالإجماع ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض خلافه فيه ولا يجوز أن يقال فيهما ناسخ ومنسوخ وللخضاب فائدتان إحداهما تنظيف الشعر مما يتعلق به من الغبار والدخان والأخرى مخالفة أهل الكتاب لقوله -ﷺ- "خالفوا اليهود والنصارى فإنهم لا يصبغون" ولكن هذا الصباغ يغير السواد تمسكا لقوله -ﷺ- "واجتنبوا السواد" الحديث (^١) اهـ.
فائدة: قال القاضي (^٢): اختلف العلماء هل خضب النبي -ﷺ- أو لا فمنعه الأكثرون لحديث أنس وهو قول مالك وقال بعض المحدثين خضب لحديث أم سلمة ولحديث أم عمر أنه رأى النبي -ﷺ- يصبغ بالصفرة وقال بعضهم جمع بين الأحاديث بما أشار إليه في حديث أم سلمة من كلام أنس
_________________
(١) إكمال المعلم (٦/ ٦٢٤ - ٦٢٦) وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٨٠).
(٢) إكمال المعلم (٧/ ٣٠٩).
[ ٩ / ٢٨٧ ]
في قوله: ما أدري ما هذا الذي يحدثون إلا أن يكون من الطيب الذي كان يطيب به شعره لأنه كان -ﷺ- كان يستعمل الطيب كثيرا وهو يزيل سواد الشعر فأشار أنس إلى أن تغيير ذلك ليس بصبغ وإنما أضعف لون سواده بسبب الطيب قال: ويحتمل أن تلك الشعرات تغيرت بعده -ﷺ- بكثرة تطييب أم سلمة لها إكراما لها هذا آخر كلام القاضي (^١) والمختار أنه صبغ في وقت وتركه في معظم الأوقات فأخبر كل بما رأى وهو صادق وهذا التأويل كالمتعين لحديث ابن عمر في الصحيحين ولا يمكن تركه إلى تأويله والله أعلم، وأما اختلاف الرواية في قدر شيبه فالجمع بينهما أنه رأى شيبا يسيرا فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير ومن نفاه أراد لم يكثر كما قال في الرواية الأخرى لم ير من الشيب إلا قليلا (^٢).
وقوله في الرواية أنه -ﷺ- كان قد شمط مقدم رأسه ولحيته اتفق العلماء على أن المراد بالشمط هنا ابتداء الشيب اهـ قاله في الديباجة.
تتمة في خضاب اليدين والرجلين بالحناء: وهو مستحب للمرأة المتزوجة للأحاديث المشهورة فيه وحرام على الرجال إلا لحاجة التداوي وغيره (^٣) وفي سنن أبي داود والنسائي من حديث كريمة بنت همام أن امرأة أتت عائشة فسألتها عن خضاب الحناء فقالت لا بأس به ولكني أكرهه لأن [النبي -ﷺ-]
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٥).
(٣) المجموع (١/ ٢٩٤).
[ ٩ / ٢٨٨ ]
كان يكره ريحه (^١) وفيهما أيضا عن هند بنت عتبة أنها قالت يا رسول الله [بايعني] قال لا أبايعك حتى تغيري كفيك كأنهما كفا سبع (^٢)، وفي سنن أبي داود من حديث صفية بنت عصمة عن عائشة قالت: أو [مت] امرأة من وراء ستر بيدها كتابا إلى رسول الله -ﷺ- فقبض النبي -ﷺ- يده وقال ما أدري أيد رجل أم يد امرأة قالت بل امرأة قال لو كنت امرأة لغيرت أظفارك بالحناء (^٣) والله أعلم.
ثم اختلف هؤلاء فكان أكثرهم يخضب بالصفرة منهم ابن عمر وأبو هريرة وآخرون وروي ذلك عن علي، وخضب جماعة منهم بالحناء والكتم وبعضهم بالزعفران، وخضب جماعة بالسواد، وروي ذلك عن عثمان والحسن والحسين ابني علي وعقبة بن عامر وابن سيرين وأبي بردة وآخرين،
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (١٦٧٢)، وأحمد ٦/ ١١٧ (٢٥٥٠١) و٦/ ٢١٠ (٢٦٣٩٩)، وأبو داود (٤١٦٤)، والنسائي في المجتبى (٥١٣٤) والكبرى (٩٣١٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٢٩٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٤١٦٥)، وأبو يعلى (٤٧٥٤)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ١٣٨ - ١٣٩ رقم ١٣٤٩٨) عن عائشة. وقال ابن حجر في التمييز (٤/ ١٥٥٢): وفي إسناده مجهولات ثلاث. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع وزيادته برقم (٦١٦٩)، ومشكاة المصابيح برقم (٤٤٦٦).
(٣) أخرجه أحمد ٦/ ٢٦٢ (٢٦٨٩٩)، وأخرجه أبو داود (٤١٦٦) -ومن طريقه البيهقي في الشعب (٨/ ٤٠٥ رقم ٦٠٠٢) -، والنسائي في المجتبى ٨/ ٥٢ (٥١٣٣)، وفي الكبرى (٩٣١١)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٢٠ رقم ٣٧٦٥) و(٧/ ١١ رقم ٦٧٠٦)، وابن عدي (٨/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٤٤٢ رقم ١٩٠٢٨ و١٩٠٢٩). قال ابن عدى: ولمطيع بن ميمون بهذا الإسناد حديث آخر وجميعا غير محفوظين. وحسنه الألباني في حجاب المرأة المسلمة (٣٢).
[ ٩ / ٢٨٩ ]
قال القاضي عياض (^١): قال الطبري (^٢): والصواب أن الآثار المروية عن النبي -ﷺ- بتغيير الشيب وبالنهي عنه كلها صحيحة وليس فيها تناقض بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة واسمه عثمان وهو والد أبي بكر الصديق، أسلم يوم فتح مكة وقحافة بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة والنهي لمن شمط فقط قال: واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع ولهذا لم ينكره بعضهم على بعض خلافه في ذلك، قال: ولا يجوز أن يقال فيهما ناسخ ومنسوخ، قال القاضي: وقال غيره: هو على حالين فمن كان في موضع عادة أهله الصبغ أو تركه فخروجه عن العادة شهرة ومكروه، والثاني: أن يختلف نظافة الشيب فمن كانت شيبته تكون نقية أحسن منها مصبوغة فالترك أولى ومن كانت شيبته تستشنع فالصبغ أولى هذا ما نقله القاضي والأصح الأوفق للسنة ما قدمناه عن مذهبنا (^٣) والله أعلم.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى [كلام القاضي هذا تكرر مع ما تقدم قريبًا]: واختلف العلماء هل خضب النبي -ﷺ- أم لا فمنعه الأكثرون لحديث أنس وهو مذهب مالك قال: سألت أنس بن مالك -ﷺ- هل كان النبي -ﷺ- خضب؟ قال: لم يبلغ الخضاب كان في لحيته شعرات بيض وفي رواية لم ير الشيب إلا قليلا، وقال بعض المحدثين: خضب لحديث أم سلمة أخرجت
_________________
(١) إكمال المعلم (٦/ ٦٢٥ - ٦٢٦).
(٢) تهذيب الآثار- الجزء المفقود (ص ٥١٨)، وشرح النووي (١٤/ ٨٠).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٨٠).
[ ٩ / ٢٩٠ ]
لهم شعرات من شعر رسول لله -ﷺ- حمر مخضوبة بالحناء والكتم ولحديث ابن عمر أنه رأى النبي -ﷺ- يصبع بالصفوة، قال: وجمع بعضهم بين الأحاديث بما أشار إليه في حديث أم سلمة من كلام أنس في قوله والله ما أدري ما هذا الذي يحدثون إلا أن يكون ذلك من الطيب الذي يطيب به شعره لأنه -ﷺ- كان يستعمل الطيب كثيرا وهو يزيل سواد الشعر فأشار أنس إلى أن تغيير ذلك ليس بصبغ وإنما هو لضعف لون سواده بسبب الطيب، قال: ويحتمل أن تكون الشعرات تغيرت بعده -ﷺ- ولكثرة تطييب أم سلمة لها إكراما هذا آخر كلام القاضي عياض، والمختار أنه صبغ في وقت وتركه في معظم الأوقات فأخبر كل بما رأى وهو صادق وهذا التأويل كالمتعين لحديث ابن عمر في الصحيحين ولا يمكن تركه إلى تأويله والله أعلم، وأما اختلاف الرواية في قدر شيبه فالجمع بينهما أنه رأى شيبا يسيرا فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير ومن نفاه أراد لم يكثر كما قال في الرواية الأخرى لم نرى من الشيب إلا يسيرًا.
تنبيه: ولعل حديث الصبغ بالحناء أو الكتم على التخيير ولكن الروايات على اختلافهما بالحناء والكتم، والكتم بفتح الكاف والتاء المثناة فوق المخففة هذا هو المشهور، وقال أبو عبيدة هو بتشديد التاء والمشهور التخفيف وحكاه غيره وهو نبات يصبغ به الشعر يكثر بياضه أو حمرته إلى الدهمة (^١) والله تعالى أعلم.
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ٩٥ - ٩٦).
[ ٩ / ٢٩١ ]