٣٥٤٦ - عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَزَاد مُسلم وَفِي رِوَايَة وَأَبُو دَاوُد بعد قَوْله وَلَا يشرب الْخمر حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن وَلَكِن التَّوْبَة معروضة بعد (^١).
٣٥٤٧ - وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ قَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤمن وَلَا يسرق السَّارِق وَهُوَ مُؤمن وَلَا يشرب الْخمر وَهُوَ مُؤمن وَذكر رَابِعَة فنسيتها فَإذا فعل ذَلِك فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ (^٢).
قوله: عن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" هذا الحديث
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) و(٥٥٧٨) و(٦٧٧٢) و(٦٨١٠)، ومسلم (١٠٠ و١٠١ و١٠٢ و١٠٣ و١٠٤ و١٠٥ - ٥٧)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٥)، وابن ماجه (٣٩٣٦)، والنسائي في المجتبى ٧/ ٤٤٧ (٤٩١٤) و٧/ ٤٤٨ (٤٩١٥) و٨/ ٤٥٨ (٥٧٠٥) و٨/ ٤٥٩ (٥٧٠٦) والكبرى (٥١٤٩) و(٥١٥٠) و(٧٠٨٨ - ٧٠٩) و(٧٣١٥ و٧٣١٦).
(٢) أخرجه النسائي في المجتبى ٧/ ٤٤٩ (٤٩١٦) والكبرى (٧٣١٦). وقال الألباني: منكر الصحيحة تحت الحديث (٣٠٠٠) وضعيف الترغيب (١٤٠٤).
[ ١٠ / ١٦٤ ]
مما اختلف العلماء في معناه فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشي ويراد به نفي كماله ومختاره كما يقال: لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل ولا عيش إلا عيش الآخرة وإنما تأولناه على ما ذكرناه لما في حديث أبي ذر وغيره "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق" وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه -ﷺ- على أنهم لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا إلا آخره ثم قال لهم النبي -ﷺ-: "فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه" فهذا الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (^١) الآية مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أهل الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة فإن شاء عفا عنهم وأدخلهم الجنة أو لا وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة وكل هذه الدلائل تضطر إلى تأويل هذا الحديث وشبهه وتأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بورود الشرع بتحريمه وقال الحسن وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري معناه ينزع منه اسم المدح الذي يسمى به أولياء الله المؤمنين ويستحق اسم الذم فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق، وحكي عن ابن عباس أن معناه ينزع منه نور الإيمان
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٤٨.
[ ١٠ / ١٦٥ ]
وفيه حديث مرفوع، أ. هـ قاله النووي في شرح مسلم (^١).
وقال ابن قيم الجوزية (^٢): وليس المراد تقييد نفي الإيمان المطلق عنه حالة مباشرة تلك الأفعال فقط بحيث إذا كملت مباشرته وانقطع فعله عاد إليه الإيمان بل هذا النفي مستمرا إلى حين التوبة وإلا فما دام مصرا وإن لم يباشر الفعل فالنفي لا حق به ولا يزوال عنه اسم الذم والأحكام المترتبة على المباشرة إلا بالتوبة النصوح والله أعلم، أ. هـ.
وقوله -ﷺ- في رواية مسلم وأبي داود بعد قوله: "ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" "ولكن التوبة معروضة بعد" أي بعد مواقعته للذنب فلما قطعه عن الإضافة بناه على الضم والمراد بكونها معروضة أن الله تعالى عرضها على العباد فأمرهم بها ووعد بقبولها وقد أجمع العلماء على قبول توبة العبد ما لم يغرغر كما ورد في الحديث الصحيح ولها ثلاثة أركان، الأول: الإقلاع عن المعصية، والثاني: الندم على فعلها، والثالث: العزم على أن لا يعود لها وأهمل أصحابنا أي الشافعية ركنا رابعا وهو النية والإخلاص فيها كغيرها من العبادات، قال أصحابنا وغيرهم: فإن تاب من ذنب ثم عاد إلهي لم تطبل توبته وإن تاب من ذنب وهو متلبس بآخر صحت توبته هذا مذهب أهل الحق وخالفت المعتزلة في المسألتين قاله العراقي في شرح الأحكام (^٣).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٤١ - ٤٢).
(٢) الوابل الصيب (ص ٣٠).
(٣) طرح التثريب (٧/ ٢٦٤).
[ ١٠ / ١٦٦ ]
قوله: "فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه فإن تاب تاب الله عليه" الربقة واحدة الربق وهي عرى في حبل يشد إليها البهم.
٣٥٤٨ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لعن الله الْخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَابْن مَاجَه وَزَاد وآكل ثمنهَا (^١).
قوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "لعن الله الخمر وشاربها" الحديث، لعنت الخمرة على عشرة أوجه، لعنت الخمرة نفسها وعاصرها ومعتصرها إلى آخره، وفي حديث أنس بعده: "لعن رسول الله -ﷺ- في الخمر عشرة عاصرها والمعصورة له وحاملها والمحمولة له والمبيوعة له وساقيها والمسقاة له" حتى عد عشرة من هذا الضرب، أخذ الأئمة من هذه الأحاديث أنه يحرم بيع العنب والرطب لعاصر الخمر وهذا يدل على أن السبب في المعصية حرام وهذا منه وكذلك بيع السلاح من الحربي وأجمعوا على أنه حرام ولا يحرم بيعه من الذمي في دار الإسلام وبيع الحديد من الحربي صحيح فإن غلب على الظن أنه يعملون سلاحا فينبغي أن يكون كبيع العنب من الخمار وبيع السلاح من قاطع
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٨١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤١٣ (٢١٦٢٥)، وأحمد ٢/ ٢٥ (٤٧٨٧) و٢/ ٧١ (٥٣٩٠) و(٦٣٩١) و٢/ ٩٧ (٥٧١٦)، وأبو داود (٣٦٧٤)، وابن ماجه (٣٣٨٠)، وأبو يعلى (٥٥٨٣) و(٥٥٩١)، والحاكم (٢/ ٣١ - ٣٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٥٦)، والروض النضير (٢١٦)، الإرواء (١٥٢٩)، والمشكاة (٢٧٧٧).
[ ١٠ / ١٦٧ ]
الطريق والبغاة ونحوهما وإن لم يتحقق منه ذلك فهو مكروه وإن غلب على الظن أنه يعصي به فالأصح حرام والثاني مكروه كراهة تنزيه شديدة، وعلى الوجهين البيع صحيح وهكذا بيع العصير أو العنب ممن يتخذه خمرا أو الزبيب أو التمر أو الرطب ممن يتخذه نبيذا وكذلك بيع الغلمان المرد الحسان ممن عرف باللواط وبيع الخشب لمن يستعمله في الملاهي وبيع الجارية ممن يتخذها للغناء المحرم والعمدة في جميع ذلك أن النبي -ﷺ- لعن في الخمر عشرة (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.
الخمر عند أهل اللغة من مخامرة العقل والمخامرة التغطية ومنه خمار المرأة وهو ما يغطي به رأسها فسميت خمرا لسترها العقل (^٢) وقال ابن الأنباري: سميت خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه (^٣) وقال ابن الأعرابي (^٤): سميت خمرا لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغير ريحها فالخمر يقع على كل مسكر لما روى البخاري أنه -ﷺ- قال: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" وصح عن عمر -﵁- أنه خطب الناس فقال: يأيها الناس إن الله أنزل تحريم الخمر وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير (^٥)، وعن النعمان بن
_________________
(١) روضة الطالبين (٢/ ٤١٨)، والابتهاج شرح المنهاج - رسالة علمية من أول البيوع (ص ١٨٣ - ١٨٥ ومن ص ٤٥٩)، ومغنى المحتاج (٢/ ٣٩٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ٢١٠)، وعمدة القارى (٢١/ ١٦٣).
(٣) الزاهر (١/ ٤٣٥).
(٤) الصحاح (٢/ ٦٤٩)، ومجمل اللغة (١/ ٣٠٢).
(٥) أخرجه البخاري (٤٦١٩)، ومسلم (٣٣ - ٣٠٣٢) عن ابن عمر عن عمر.
[ ١٠ / ١٦٨ ]
بشير قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن من الحنطة خمرا ومن الشعير خمرا ومن الزبيب خمرا ومن التمر خمرا ومن العسل خمرا" (^١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه في هذا الحديث وغيره في صحيح مسلم وغيره تصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة وأنها كلها تسمى خمرا وسواء في ذلك النضيج وتنبيذ التمر والرطب والبسر والزبيب والشعير والذرة والعسل وغيرها فكلها محرمة وتسمى خمرا هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد والجماهير من السلف والخلف، وقال قوم من أهل البصرة إنما يحرم عصير العنب ونقيع الزبيب النيئ فأما المطبوخ منهما والنيئ المطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يسكر، وقال أبو حنيفة: إنما يحرم عصير تمرات النخيل والأعناب فسلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها وأما نقيع التمر والزبيب فلا يحل مطبوخها بتفصيل عنه فهو هذا كله ما لم يشرب ويسكر فإن أسكر فهو حرام بإجماع المسلمين (^٢)، أ. هـ قاله في الديباجة، والخمر ما خامر العقل وهي محرمة بالإجماع وقد كانت مباحة في أول الإسلام وكان الخمر مباحا ونزل تحريم الخمر في السنة الثالثة من الهجرة.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤/ ٢٦٧ (١٨٣٥٠) و٤/ ٢٧٣ (١٨٤٠٧)، وابن ماجه (٣٣٧٩)، وأبو داود (٣٧٧٦) و(٣٦٧٧)، والترمذي (١٨٧٢)، والنسائي في الكبرى (٦٧٥٦)، والبزار (٣٢٥٥)، وابن حبان (٥٣٩٨)، والحاكم في المستدرك ٤/ ١٤٨، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٣٢٧. قال الألباني: صحيح لغيره - المشكاة (٣٦٤٧)، الصحيحة (١٥٩٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٤٨)، والعدة شرح العمدة (٣/ ١٦٤٦ - ١٦٤٧).
[ ١٠ / ١٦٩ ]
فرع: وما سوى عصير العنب [الخمر] هل يسمى خمرا حقيقة ومجازا فيه وجهان الأكثرون كما قال الرافعي لأنها تسمى خمرا مجازا وأن الخمر حقيقة في ماء العنب، أ. هـ.
واختلف العلماء في شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة وهي من التمر والعسل والحنطة والشعير وسواء في ذلك الفضيخ وهو ما يفضخ أي يدق من البسر ويصب عليه الماء ويتكر حتى يشتد ونبيذ التمر والرطب والزبيب والشعير والذرة والعسل وغيرها فكلها محرمة وتسمى خمرا وبذلك قال الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء من السلف والخلف وقال قوم من أهل البصرة إنما يحرم عصير العنب ونقيع الزبيب النيء فأما المطبوخ منهما والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يشرب ويسكر وقال أبو حنيفة إنما يحرم عصير ثمرات النخل والعنب قال فسلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها فقال يحل مطبوخهما وإن مسته النار شيئا قليلا من غيرا اعتبار لحد كما اعتبر في سلافة العنب قال: والنيئ منه حرام ولكن لا يحد شاربه هذا كله ما لم يشرب ويسكر فإن أسكر فهو حرام بإجماع المسلمين، أهـ، قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام (^١).
وأجمعت الأمة على أن شارب الخمر يحد سواء سكر أم لا واختلف العلماء في شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة فقال الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء من السلف والخلف هو حرام
_________________
(١) هذا كلام مكرر لما سبق.
[ ١٠ / ١٧٠ ]
يجلد فيه شارب الخمر الذي هو عصير العنب سواء كان يعتقد إباحته أو تحريمه، وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يحرم ولا يحد شاربه، قال أبو ثور هو حرام يجلد بشربه من يعتقد تحريمه دون من يعتقد إباحته (^١).
فائدة: واختلف العلماء في قدر حد الخمر فقال الشافعي وأبو ثور وداود وأهل الظاهر وآخرون حده أبعون، قال الشافعي: وللإمام أن يبلغ به ثمانين وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الأذى وترك الصلاة وغير ذلك، ونقل القاضي عياض عن الجمهور من السلف والخلف منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق أنهم قالوا: حده ثمانون واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة، وحجة الشافعي وموافقيه فعله -﵇-، وأما زيادة عمر فتعزير وهو راجع إلى رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه بحسب المصلحة ولو كانت الزيادة حدا لم يتركها النبي -ﷺ- ولا أبو بكر ولا علي بعد أن فعلها عمر في آخر عمره ولهذا [قال] علي وكل سنة [معناه الاقتصار على الأربعين وبلوغ الثمانين] فهذا الذي قاله الشافعي الظاهر الذي تقتضيه الأحاديث، ثم هذا هو حد الحر، أما العبد فعلى النصف منها كما في [الزنا والقذف] (^٢).
واختلف العلماء في شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب مما يسكر فقال الشافعي ومالك وأحمد والجمهور هو حرام يجلد فيه كما في الخمر من
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢١٨).
(٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢١٨).
[ ١٠ / ١٧١ ]
العنب سواء اعتقد إباحته أو تحريمه، وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يحرم ولا يحد وقال أبو ثور: يحد من يعتقد تحريمه دون غيره (^١).
وقد أجمع العلماء على أنه من وجب عليه حد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات فلا دية فيه ولا كفارة على أحد ولا في بيت المال وأما من مات من التعزير فمذهبنا وجوب ضمانه بالدية والكفارة وفي محل ضمانه قولان للشافعي أصحهما تجب ديته على عاقبة الإمام والكفارة في مال الإمام والصاني تجب الدية في بيت المال وفي الكفارة على هذا وجهان عندنا أحدهما في بيت المال أيضا والثاني في مال الإمام وقال جماهير العلماء: لا ضمان فيه على الإمام ولا على عاقلته ولا في بيت المال (^٢)، أ. هـ قاله في شرح الإلمام والله تعالى أعلم.
فائدة: روى الحكيم الترمذي في كتاب العلل (^٣): أن الشيطان حين خرج من السفينة سرق معه شجرة الكرم فزرعها ثم ذبح خنزيرا فسقاها بدمه ثم ذبح كلبا فسقاها بدمه ثم ذبح قردا فسقاها بدمه فحصلت لها النجاسة من دم الخنزير وحصل لشاربها العربدة من دم القرد فمن ثم ترى السكران يعربد وحصل لها الحمية من دم الكلب فمن ثم ترى السكران تأخذه الحمية ويغضب، بخلاف السكر بالبنج والحشيش والشيكران وجوز الطيب
_________________
(١) العدة شرح العمدة (٣/ ١٤٩١).
(٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٢١).
(٣) العلل (ص ٢٣٣ - ٢٣٤) بنحوه ونقله عنه ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٢٣١).
[ ١٠ / ١٧٢ ]
والأفيون فإن هذه الأشياء مسكرة ولا يحصل للبدن معها نشاط ولا عربدة بل يعتريه تخدر وفتور وممن نص على أن الحشيشة ونحوها مسكر النووي في شرح المهذب والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب التذكرة في الخلاف، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وقال ابن البيطار أن الحشيش يسكر جدا والسكر معناه تغطية العقل ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ (^١) ذكره ابن العماد.
تنبيه: روى أنه قال: "لا تجالسوا شربة الخمر، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم فإن شارب الخمر يجيء يوم القيامة مسودًا وجهه مدلعا لسانه على صدره يسيل لعابه على بطنه يقذره كل من رآه" (^٢) خرجه أبو منصور الديلمي وقال في حياة الحيوان للدميري: حكي أن آدم لما غرس الكرمة، جاء إبليس فذبح عليها طاوسا، فشربت دمه فلما طلعت أوراقها، ذبح عليها قردا فشربت دمه، فلما طلعت ثمرتها ذبح عليها أسدا فشربت دمه، فلما انتهت ثمرتها ذبح عليها خنزيرا فشربت دمه، فلهذا شارب الخمر تعتريه هذه الأوصاف
_________________
(١) سورة الحجر، الآية: ١٥.
(٢) أخرجه ابن عدى في الكامل (٢/ ٥٠٢) ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٤٢ - ٤٣)، والنسفي في القند (١/ ٤٦١)، والديلمي كما في الغرائب الملتقطة (٢٨٩٧). قال ابن عدي، وأبو مطيع بين الضعف في أحاديثه وعامة ما يرويه، لا يتابع عليه. وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله -ﷺ- وفيه جماعة ضعفاء، منهم ليث. قال ابن حبان: اختلط في آخر عمره فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات ما ليس من حديثهم. ومنهم جعفر بن الحارث. قال يحيى: ليس بشيء. ومنهم أبو مطيع البلخي. قال أحمد بن حنبل: لا ينبغي أن يروى عنه شيء. وقال يحيى: ليس بشيء.
[ ١٠ / ١٧٣ ]
الأربعة، وذلك أنه أول ما يشربها وتدب في أعضائه، يزهو لونه ويحسن كما يحسن الطاوس فإذا جاءت مبادي السكر لعب وصفق ورقص، كما يفعل القرد فإذا قوي سكره جاءت الصفة الأسدية، فيعبث ويعربد ويهذي بما لا فائدة فيه ثم يتقعص كما يتقعص الخنزير، ويطلب النوم وتنحل عرى قوته (^١).
تنبيه: روى أنه قال: "لا تجالسوا شربة الخمر ولا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم فإن شارب الخمر يوم القيامة مسودًا وجهه مزرقة عيناه مدلى لسانه على صدره يسيل لعابه على بطنه يقذره كل من رآه" خرجه أبو منصور الديلمي.
حكاية: عن معروف الكرخي رحمة الله عليه أنه كان بشاطئ دجلة في جماعة من أصحابه وهناك جماعة من الشطار يشربون الخمر ويضربون الأوتار فمرت بهم سفينة فيها شاب وقيان ومعهم منكر وهم يشربون بالمعازف فقالوا: يا شيخ أما تراهم مجاهرين الله بالمعاصي ادع الله عليهم فبسط معروف يده وقال: اللهم كما طيبت عيشهم في الدنيا فطيب عيشهم في الآخرة قالوا: يا شيخ سألناك الدعاء عليهم دعوت لهم، قال: نعم إذا طيب عيشهم في الآخرة تاب عليهم ونقلهم إلى طاعته في الدنيا وهذا مثل قول النبي -ﷺ-: "إذا رأيتم أهل البلاء فسألوا الله العافية" ومعناه فسألوا الله لهم العافية، أ. هـ.
حكاية أخرى أيضا: سكن بعض المتقدمين ليلة فعاتبته زوجته على ترك الصلاة فحلف بطلاقها ثلاثا لا يصلي أيام فاشتد عليه فراق زوجته فاستمر
_________________
(١) حياة الحيوان (٢/ ١٢٢).
[ ١٠ / ١٧٤ ]
على ترك الصلاة مدة الأيام الثلاث فمات فيها على حاله وهو مصر على الخمر تارك الصلاة، كان بعض المصرين على الخمر يكنى أبا عمرو فنام ليلة وهو سكران فرأى في منامه قائلا يقول له:
جد بك الأمر أبا عمرو وأنت معكوف على الخمر
تشرب صهباء صراحية سال بك السيل ولا تدري
فاستيقظ منزعجا وأخبر من عنده بما رأى ثم غلبه سكره فنام فلما كان وقت الصبح مات فجأة، قال يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموتى نادما مع الخاسرين، شعر:
أتامن أيها السكران جهلا بأن تفجاك في السكر المنية
فتضحى عبرة للناس طرا وتلقى الله من شر البرية
ذكره ابن رجب الحنبلي (^١).
٣٥٤٩ - وعن أنس بن مالك -﵁- قال: "لعن رسول الله -ﷺ- عشرةً: عاصرها ومعتصرها، وشاربها وحاملها، والمحمولة إليه وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشترِيَ لها، والمشترى له" رواه ابن ماجه والترمذي واللفظ له وقال حديث غريب (^٢). [قال الحافظ]: ورواته ثقات.
_________________
(١) لطائف المعارف (ص ٣٣٨ - ٣٣٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٨١)، والترمذي (١٣٤١)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٩٣ رقم ١٣٥٥) والضياء في المختارة (٢١٨٧ - ٢١٩٠). وقال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أنس. وقال الطبراني: لم يروه عن شبيب إلا أبو عاصم. وقال الضياء: حديث أنس إسناده حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٣٥٧)، غاية المرام (٦٠).
[ ١٠ / ١٧٥ ]
قوله: وعن أنس، تقدم الكلام عليه. وعلى معنى هذا الحديث.
٣٥٥٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن الله حرم الْخمر وَثمنهَا وَحرم الْميتَة وَثمنهَا وَحرم الْخِنْزِير وثمنه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره (^١).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "إن الله حرم الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه" الحديث، فيه أحكام، منها: تحريم بيع الخمر ولا فرق بين المحترمة وغيرها للإجماع على نجاستها ولسلب منافعها حين حرمت وإن نفعت ظاهرا فهي تضر باطنا، وقد علم أن شرط المبيع أن يكون طاهرا ومنتفعا به ولا فرق بين الممزوجة والصرف ولا بين القليل والكثير (^٢) لقوله -ﷺ-: "ما أسكر كثيره فملئ الكف منه حرام" (^٣) ولحديث: "إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه" (^٤) قاله في شرح الإلمام.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٤٨٥) وعنه أبو عوانة في المستخرج (٥٧٩٨)، والطبراني في الأوسط (١/ ٤٣ رقم ١١٦) وفي مسند الشاميين (٢٠٧٤)، وابن عدى في الكامل (٨/ ١٤٤)، والدارقطني في السنن (٢٨١٦)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢١ رقم ١١٠٤٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٥٨).
(٢) العدة شرح العمدة (٢/ ١١٣٦ - ١١٣٧).
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٤٢٣) و(٢٤٤٣٢) و(٢٤٩٩٢)، وأبو داود (٣٦٨٧)، والترمذي (١٨٦٦)، وابن حبان (٥٣٨٣) من حديث عائشة. وقال الألباني: صحيح - "الإرواء" (٢٣٧٦)، "غاية المرام" (٥٩).
(٤) أخرجه أحمد ١/ ٢٤٧ (٢٢٢١) و١/ ٢٩٣ (٢٦٧٨) و١/ ٣٢٢ (٢٩٦١)، وأبو داود (٣٤٨٨)، وابن حبان (٤٩٣٨)، والطبراني في الكبير (١٢٨٨٧) من حديث عبد الله بن عباس. وصححه الألباني في غاية المرام (٣١٨).
[ ١٠ / ١٧٦ ]
واختلفوا في جواز الانتفاع به فكرهت طائفة ذلك، وممن منع منه ابن سيرين والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق ورخص فيه الحسن والأوزاعي ومالك وأصحاب الرأي وهو نجس العين والكلب يغسل ما نجس بملاقاة شئ من أجزائه سبعا إحداهن بالتراب ويحرم أكله لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (^١) والرجس النجس، قال الماوردي: الضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عائد على الخنزير لكونه أقرب مذكور ونازعه في ذلك الشيخ أبو حيان وقال إنه عائد على اللحم لأنه إذا كان في الكلام مضاف ومضاف إليه عاد الضمير على المضاف لأن المضاف هو المحدث عنه والمضاف إليه وقع ذكره بطريق العرض وهو تعريف المضاف أو تخصيصه قال شيخنا وما ذكره الماوردي أولى من حيث المعنى وذلك أن تحريم اللحم قد استفيد من قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (^٢) فلو عاد الضمير عليه لزم خلو الكلام من فائدة التأسيس فوجب عوده إلى الخنزير ليفيد تحريم الشحم والكبد والطحال وسائر أجزائه ونقل ابن المنذر الإجماع على نجاسته وفي دعواه ذلك نظر لأن مالكا يخالف فيه، نعم هو أسوأ حالا من الكلب فإنه يستحب قتله ولا يجوز الانتفاع به في حالة بخلاف الكلب، أ. هـ قاله الكمال الدميري (^٣).
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٤٥.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٤٥.
(٣) حياة الحيوان (١/ ٤٢٦).
[ ١٠ / ١٧٧ ]
أما الخمر والميتة فأجمع المسلمون على تحريم بيع كل واحد منها، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: تضمن هذا الحديث أن ما لا يحل أكله والانتفاع به لا يجوز بيعه وأكل ثمنه كما في الشحوم (^١).
وفي بعض الراويات الذي حرم شرب الخمر حرم بيعها ففي هذه الرواية تحريم بيع الخمر وهو مجمع عليه والعلة فيها عند الشافعي وموافقيه كونها نجسة أو ليس فيها منفعة مباحة مقصودة فيلحق بها جميع النجاسات كالسرجين وذرق الحمام وغيره وكذلك يلحق بها ما ليس فيه منفعة مقصودة كالسباع التي لا تصلح للاصطياد والحشرات والحبة الواحدة من الحنطة ونحو ذلك ولا يجوز شيء من ذلك (^٢)، أ. هـ والله أعلم.
٣٥٥١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ لعن الله الْيَهُود ثَلَاثًا إِن الله حرم عَلَيْهِم الشحوم فَبَاعُوهَا فَأَكَلُوا أثمانها إِن الله إِذا حرم على قوم أكل شَيْء حرم عَلَيْهِم ثمنه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٣).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٨).
(٢) المصدر السابق (١١/ ٣).
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٣٢٢ (٢٢٢١) و١/ ٢٤٧ (٢٦٧٨) و١/ ٢٩٣ (٢٩٦١)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٤٧، وأبو داود (٣٤٨٨)، وابن المنذر في الأوسط (٨٦٨) و(٧٨٠٨)، وابن حبان (٤٩٣٨)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٩ رقم ١٢٣٧٨) و(١٢/ ٢٠٠ رقم ١٢٨٨٧)، والبيهقي في الصغير (٢/ ٢٧٩ رقم ١٩٩٠) والكبرى (٦/ ٢١ - ٢٣ رقم ١١٠٥١) و(٩/ ٥٩٤ رقم ١٩٦٢٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٠٢) والاستذكار (٨/ ٣٧٦)، والضياء في المختارة (٤٩٣ - ٤٩٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٥٩).
[ ١٠ / ١٧٨ ]
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله: [انظر بعض ما يتعلق بهذا الحديث في القولة المنبه عليها بحوله] "لعن الله اليهود ثلاثًا إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها" فالمحرم من الشحوم عليهم شحم الكلأ والكرش والأمعاء وأما شحم الظهر والألية فلا قال الله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (^١) وفي الرواية الأخرى: "قاتل الله اليهود إن الله حرم عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها" يقال: أجمل الشحم وجمله أي أذابه (^٢).
قوله -ﷺ-: "إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" هذا محمول على ما المقصود منه الأكل بخلاف المقصود منه غير ذلك كالعبد والبغل والحمار الأهلي فإن أكل ثمنها وبيعها جائز بالإجماع، فالحاصل من هذه الأحاديث كلها أن ما حرم الانتفاع به فإنه يحرم الانتفاع ببيعه وأكل ثمنه كما جاء مصرحا به في الحديث: "إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه" وهذه كلمة عامة جامعة تطرد في كل ما كان المقصود من الانتفاع به حراما وهو قسمان أحدهما: ما كان الانتفاع به حاصلا مع بقاء عينه كالأصنام فإن منفعتها المقصودة منها هو الشرك بالله وهو أعظم أنواع المعاصي على الإطلاق ويلتحق بذلك ما كانت منفعته محرمة ككتب الشرك والسحر والبدع والضلالات وكذلك الصور المحرمة وآلات الملاهي المحرمة كالطنبور وكذلك شراء الجواري للغناء، القسم الثاني: ما ينتفع به مع إتلاف عينه فإذا
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٤٦.
(٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٦).
[ ١٠ / ١٧٩ ]
كان المقصود الأعظم منه محرما فإنه يحرم بيعه كما يحرم بيع الخنزير والخمر والميتة مع أن في بعضها منافع غير محترمة كأكل الميتة للمضطر ودفع الغصة بالخمر وإطفاء الحريق به ولكن لما كانت هذه المنافع غير مقصودة ولم يعبؤا بها وحرم البيع، أ. هـ قاله ابن رجب الحنبلي (^١).
٣٥٥٢ - وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من بَاعَ الْخمر فليشقص الْخَنَازِير رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا قَالَ الْخطابِيّ معنى هَذَا توكيد التَّحْرِيم والتغليظ فِيهِ يَقُول من اسْتحلَّ بيع الْخمر فيستحل أكل الْخَنَازِير فَإِنَّهُمَا فِي الْحُرْمَة وَالْإِثْم سَوَاء فَإِذا كنت لَا تستحل أكل لحم الْخِنْزِير فَلَا تستحل ثمن الْخمر انْتهى (^٢).
قوله: وعن المغيرة بن شعبة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من باع الخمر فليشقص الخنازير" قال الخطابي: معناه فليستحل أكلها، والشقيص على وجهين أحدهما أن يذبحها بالمشقص وهو نصل عريض والوجه الآخر: أن يجعلها أشقاصا وأعضاء بعد
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢١١ - ١٢١٤).
(٢) أخرجه الطيالسي (٧٣٥)، والحميدى (٧٧٨)، وابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٤١٢ (٢١٦١٩)، وأحمد ٤/ ٢٥٣ (١٨٢١٤)، والدارمي (٢٢٦٩)، وأبو داود (٣٤٨٩)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٦٠٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٧٩ رقم ٨٤٤)، والأوسط (٨/ ٢٤٥ رقم ٨٥٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٠ رقم ١١٠٤٦). قال أبو حاتم في العلل (١١٥٢): حفص بن عمر هذا: هو ابن بيان، وحفص مجهول، وأبوه معروف. قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن المغيرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به طعمة ابن عمرو". وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٥٦٦) وضعيف الترغيب (١٤٠٥).
[ ١٠ / ١٨٠ ]
ذبحها كما تفصل أعضاء الشاة إذا أرادوا إصلاحها للأكل، قال الحافظ نقلا عن الخطابي: معنى الكلام إنما هو توكيد التحريم والتغليظ، يقول: من استحل بيع الخمر فليستحل أكل الخنازير فإنهما في الحرمة والإثم سواء إذا كنت لا تستحل أكل لحم الخنزير فلا تستحل ثمن الخمر (^١)، أ. هـ.
وقال في النهاية: معناها فليقطعها قطعا وليفصلها أعضاء كما تفصل الشاة، يقال شقصه يشقصه. وبه سمي القصاب مشقصا. المعنى: من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنزير، فإنهما في التحريم سواء. وهذ لفظ أمر معناه النهى، تقديره: من باع الخمر فليكن للخنازير قصابا. جعله الزمخشري من كلام الشعبي (^٢)، أ. هـ.
٣٥٥٣ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن الله لعن الْخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها والمحمولة إِلَيْهِ وبائعها ومبتاعها وساقيها ومسقاها رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٣).
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
_________________
(١) معالم السنن (٣/ ١٣٤).
(٢) النهاية (٢/ ٤٩٠).
(٣) أخرجه ابن وهب في الجامع (٥٣)، وأحمد ١/ ٣١٦ (٢٨٩٧) وعبد بن حميد (٦٨٦)، وابن المنذر في الأوسط (٧٨٠٤)، وابن حبان (٥٣٥٦)، والطبراني في الدعاء (٢٠٩٢) والكبير (١٢/ ٢٣٣ رقم ١٢٩٧٦)، والحاكم (٢/ ٣٣) و(٤/ ١٤٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٣٩) وصحيح الترغيب (٢٣٦٠).
[ ١٠ / ١٨١ ]
قوله -ﷺ-: "أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها" فذكر الحديث إلى أن قال: "ومبتاعها" أي مشتريها، ففيه دليل على أن شرب الخمر من الكبائر فإن الكبيرة عند العلماء ما لعن فاعلها أو توعد فاعلها بالنار (^١).
قوله: "قاتل الله اليهود إن الله حرم عليهم الشحوم فجملوها" الحديث، قاتل الله اليهود أي قتلهم الله، وقيل: لعنهم، وقيل: عاداهم وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث ولا تخرج عن هذه المعاني وقد ترد لمعنى التعجب من الشيء كقولهم تربت يداه وقد ترد ولا يراد بها وقوع الأمر.
قوله: "حرمت عليهم الشحوم فجملوها" وفي حديث آخر: "فأجملوه" يعني الشحم، وجملت الشحم وأجملته إذا أذبته واستخرجت دهنه وجملت الشيء أفصح من أجملت وكذلك يجملون الودك بفتح الياء وضمها أي يذيبونه (^٢).
قوله: "إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه" هو عام إلا ما خرج بدليل كالبغل والحمار الأهلى إلى آخره.
تنبيه: قال الشافعي وأحل الله تعالى طعام أهل الكتاب وهو ذبائحهم ولم يستثن منها شيئا لا شحما ولا غيره فدل على جواز أكل جميع الشحوم من ذبائحهم وذبائح المسلمين فالشحوم التي كانت محرمة على اليهود حلال لنا
_________________
(١) في الهامش: هذا يتعلق بحديث ابن عباس بحوله أخره المصنف ﵀ ونبه عليه. قلت: يعنى ما يأتى بعده من كلام فهو تتمة للكلام على حديث ابن عباس قبله.
(٢) النهاية (١/ ٣٩٨)، ومشارق الأنوار (١/ ١٥٢).
[ ١٠ / ١٨٢ ]
ليست مكروهة وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وجماهير العلماء وبعض أصحاب أحمد وهو قول الخرقي منهم، وقال مالك مكروهة ليست محرمة، وقال ابن القاسم وأشهب وبعض أصحاب أحمد عنها محرمة، قال القاضي عياض: وهو قول كبراء أصحاب مالك (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.
٣٥٥٤ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يبيت قوم من هَذِه الْأمة على طعم وَشرب وَلَهو وَلعب فيصبحوا قد مسخوا قردة وَخَنَازِير وليصيبهم خسف وَقذف حَتَّى يصبح النَّاس فَيَقُولُونَ خسف اللَّيْلَة ببني فلَان وَخسف اللَّيْلَة بدار فلَان خَواص ولترسلن عَلَيْهِم حِجَارَة من السَّمَاء كمَا أرْسلت على قوم لوط على قبائل فِيهَا وعَلى دور ولترسلن عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم الَّتِي أهلكت عادا على قبائل فيها وعلى دور بشربهم الْخمر ولبسهم الْحَرِير واتخاذهم الْقَيْنَات وأكلهم الرِّبَا وقطيعتهم الرَّحِم وخصلة نَسِيَهَا جَعْفَر رَوَاهُ أَحْمد مُخْتَصرا وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ (^٢).
_________________
(١) المجموع شرح المهذب (٩/ ٧١).
(٢) أخرجه الطيالسي (١٢٢٣)،، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦، وأحمد في المسند ٥/ ٢٥٩ (٢٢٦٦١) وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ٣٢٩ (٢٣٢٣٧ و٢٣٢٣٨ و٢٣٢٣٩ و٢٣٢٤٠)، وابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (٣)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٧١)، والحاكم ٤/ ٥١٥، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٦ رقم ٧٩٩٧)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٢٠ - ٤٢١ رقم ٥٢٢٦)، والشجري في الأمالى (٢/ ٣٧١). وصححه الحاكم ووأفقه الذهبي. قال البوصيري في إتحاف الخيرة ٨/ ٩١: رواه أبو داود الطيالسي واللفظ له وأبو يعلى الموصلي وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند ومدار أسانيدهم على =
[ ١٠ / ١٨٣ ]
قوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب فيصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير وليصيبهم خسف وقذف" الحديث، وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن المنكدر عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "يكون في أمتي مسخ وخسف وقذف" قالت: يا رسول الله وهم يقولون لا إله إلا الله، فقال: "إذا ظهرت القيان وظهر الزنا وشربت الخمر ولبس الحرير كان ذا عند ذا" (^١) ففيه أن المسخ قد يكون في هذه الأمة خلاف من زعم أنه لا يكون وإنما مسخها بقلوبها (^٢)، وروي الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: "في آخر الزمان تأتي المرأة فتجد زوجها قد مسخ قردا لأنه لا يؤمن بالقدر" (^٣).
_________________
(١) = عاصم بن عمرو البجلي، وهو ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٠: رواه عبد الله، وروى الطبراني منه حديث أبي أمامة فقط، وفرقد ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٠٦).
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (٤) من طريق أبى معشر عن محمد بن المنكدر، عن عائشة. وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السندي وهو ضعيف.
(٣) قاله مجاهد كما في تفسير الطبري (٢/ ٦٥) وتفسير ابن أبى حاتم (١/ ١٣٣ رقم ٦٧٢). وقد رده الطبري والمفسرون فقال: وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف.
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ١٥٨ رقم ٧١٥٠). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن دينار إلا أبو مصلح، تفرد به بشار بن قيراط. وقال الهيثمي في المجمع =
[ ١٠ / ١٨٤ ]
واختلف العلماء في الممسوخ هل يعقب أو لا على قولين، أحدهما: نعم، وهو قول الزجاج والقاضي أبو بكر بن العربي المالكي وقال الجمهور لا يكون ذلك قال ابن عباس: لم يعش ممسوخ قط أكثر من ثلاثة أيام ولا يأكل ولا يشرب واحتج الأولن بأحاديث منها حديث الضب الذي رواه مسلم عن أبي سعيد وجابر أن النبي أتي بضب فأبى أن يأكله وقا [ل:] لا [أدرى] لعله من القرون التي مسخت (^١)، فأما حديث الضب والفأر فكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن الله لم يجعل ممسوخ نسلا فلما أوحى عليه زال عنه ذلك التخوف وعلم أن الضب والفأر ليسا مما مسخ فعند ذلك أخبرنا بقوله -ﷺ- لمن سأله عن القردة والخنازير هي مما مسخ، فقال: إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا (^٢) وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك وهذا نص صريح وعن مجاهد في تفسير آية المسخ في بني إسرائيل إنما مسخت قلوبهم فقط، وردت أفهامهم كأفهام القردة وهذا قول تفرد به عن جميع المسلمين (^٣)، أ. هـ.
٣٥٥٥ - وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا فعلت أمتِي خمس عشرَة خصْلَة حل بهَا الْبلَاء قيل مَا هن يَا رَسُول الله قَالَ إِذا كانَ الْمغنم دولا وَالْأَمَانَة مغنما وَالزَّكاة مغرما وأطاع الرجل زَوجته وعق أمه
_________________
(١) = ٧/ ٢٠٦: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بشار بن قيراط وهو ضعيف. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٥٦٤).
(٢) أخرجه مسلم (٤٨ - ١٩٤٩) من حديث جابر، و(٥٠ و٥١ - ١٩٥١) عن أبي سعيد الخدري.
(٣) أخرجه مسلم (٣٣ - ٢٦٦٣) عن ابن مسعود.
(٤) حياة الحيوان (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
[ ١٠ / ١٨٥ ]
وبر صديقه وجفا أَبَاهُ وَارْتَفَعت الْأَصْوَات فِي الْمَسَاجِد وَكَانَ زعيم الْقَوْم أرذلهم وَأكْرم الرجل مَخَافَة شَره وشربت الْخُمُور وَلبس الْحَرِير واتخذت الْقَيْنَات وَالْمَعَازِف وَلعن آخر هَذِه الْأمة أَولهَا فليرتقبوا عِنْد ذَلِك ريحًا حَمْرَاء أَو خسفا ومسخا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث غَرِيب (^١).
قوله: وروي عن علي بن أبي طالب -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما" أي: يرى من في يده أمانة أن الخيانة فيها غنيمة قد غنمها، "والزكاة مغرمًا" الحديث سيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.
قوله: "واتخذت القينات" وفي رواية "القينات والمعازف" والقينات جمع قينة وهي الأمة المغنية كذا قاله الحافظ في غير ما موضع من هذا الكتاب، قال الشافعي رحمه الله تعالى وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٢١٠)، وابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (٥)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، والطبراني في الأوسط (١/ ١٥٠ - ١٥١ رقم ٤٦٩)، وابن بشران في الأمالى (١٢٤٨)، والدانى في الفتن (٣٢٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٢٦٥)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٣٩). وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث علي بن أبي طالب إلا من هذا الوجه ولا نعلم أحدا رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة والفرج بن فضالة قد تكلم فيه بعض أهل الحديث وضعفه من قبل حفظه، وقد رواه عنه وكيع، وغير واحد من الأئمة. وقال الطبراني في: وقال الدارقطني في العلل (٣٦٧٣): غير محفوظ. وقال في سؤالات البرقاني (ص ٥٠/ ١٢): هذا باطل. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١٧٠)، المشكاة (٥٤٥١)، ضعيف الترغيب (١٤٠٧) و(١٧٧٣).
[ ١٠ / ١٨٦ ]
سفيه ترد شهادتاه وغلظ القول فيه، وقال هو دياثة فمن فعل ذلك كان ديوثا، قال القاضي أبو الطيب: وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها فاسقًا (^١).
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (^٢) الآية، قال الواحدي وغيره (^٣): أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء قاله ابن عباس في رواية ابن جبير ومقسم عنه.
قال الواحدي: وأما غناء القينات فذلك أشد ما في الباب وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه وهو ما روي أن النبي -ﷺ- قال: "من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة" الآنك الرصاص المذاب وقد جاء في تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعا إلى النبي -ﷺ-، ففي مسند الإمام أحمد ومسند الحميدي وجامع الترمذي أن النبي -ﷺ- قال: "لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا غير في تجارة فيهن وثمنهن حرام في مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٤) (^٥) قال أبو
_________________
(١) الرد على من يحب السماع (ص ٢٨)، وتلبيس إبليس ص ٢١٥، وإغاثة اللهفان ١/ ٢٣٠.
(٢) سورة لقمان، الآية: ٦.
(٣) التفسير الوسيط (١٨/ ٩٤).
(٤) سورة لقمان، الآية: ٦.
(٥) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٢ (٢٢١٦٩) و٥/ ٢٦٤ (٢٢٢٨٠)، والترمذي (١٢٨٢) و(٣١٩٥)، وابن ماجه (٢١٦٨). قال الترمذي: هذا حديث غريب إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، سمعت محمدا يقول: القاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف. وقال الألباني: حسن، الصحيحة (٢٩٢٢).
[ ١٠ / ١٨٧ ]
الصهباء: سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فقال: والذي لا إله غيره هو الغناء، قال الحاكم أبو عبد الله في التفسير من كتابه المستدرك: ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديثٌ مسند، وقال في موضع آخر من كتابه هو عندنا في حكم المرفوع (^١)، أ. هـ، وقال ابن رجب الحنبلي: ومن يحرم الغناء كأحمد ومالك فإنهما يقولان: إذا بيعت الأمة المغنية تباع على أنها [صادحة] ولا يؤخذ لغنائهن ثمن ولو كانت الجارية ليتيم ونص على ذلك أحمد، ولا يمنع الغناء من أصل بيع العبد والأمة لأن الانتفاع به في غير الغناء حاصل بالخدمة وغيرها، وهي من أعظم مقاصد الرقيق، نعم إن كان المشتري لا يشتريه إلا للمنفعة المحرمة لا يجوز بيعه عند الإمام أحمد وغيره من العلماء كما لا يجوز بيع العصير ممن يتخذ خمرا ولا بيع السلاح في الفتنة ولا بيع الرياحين والأقداح لمن يعلم أنه يشرب عليها الخمر أو الغلام لمن يعلم منه الفاحشة، انتهى (^٢).
تنبيه: قال ابن مسعود -﵁-: إياكم والغناء فإنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، أ. هـ.
قوله: "والمعازف" قال الجوهري (^٣): المعازف آلات الملاهي وقال غيره الدفوف وغيرها مما يضرب به، أ. هـ.
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
(٢) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٢١٤).
(٣) الصحاح (٤/ ١٤٠٣)، ومشارق الأنوار (٢/ ٨٠)، وشرح المشكاة (٨/ ٢٥٥٧ - ٢٥٥٨) للطيبي.
[ ١٠ / ١٨٨ ]
وقال النووي: المعازف الملاهي ويشمل الأوتار والمزامير والعازف اللاعب بها حكاه الرافعي (^١).
قوله: "ولعن آخر هذه الأمة أولها" يعني بذلك الروافض تقدم الكلام على ذلك في كتاب العلم أو قبله.
٣٥٥٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من زنى أَو شرب الْخمر نزع الله مِنْهُ الْإِيمَان كَمَا يخلع الْإِنْسَان الْقَمِيص من رَأسه رَوَاهُ الْحَاكِم وَتقدم فِي بَاب الْحمام حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي -ﷺ- من كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلَا يشرب الْخمر من كانَ يُؤمن بالله وَالْيَوْم الآخر فَلَا يجلس على مائدة يشرب عَلَيْهَا الْخمر الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^٢).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه، قوله -ﷺ-: "من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان" الحديث، المراد بنزع الإيمان من قلبه وخروجه منه كمال الإيمان لا أصله والله أعلم، قاله العراقي في شرح الأحكام (^٣).
_________________
(١) العزيز شرح الوجيز (١٣/ ١٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٢١).
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٢٢). وقال الحاكم: على شرط مسلم، فقد احتج بعبد الرحمن بن حجيرة وعبد الله بن الوليد وهما شاميان ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٧٤) وضعيف الترغيب (١٤٠٨) و(١٤٣٣). وأما حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٩١ رقم ١١٤٦٢). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يحيى بن أبي سليمان المدني، ضعفه البخاري وأبو حاتم، ووثقه ابن حبان. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٢) و(٢٣٦٠).
(٣) طرح التثريب (٧/ ٢٦٤).
[ ١٠ / ١٨٩ ]
٣٥٥٧ - وَرُوِيَ عَن خباب بن الْأَرَت -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- أَنه قَالَ إياك وَالْخمر فَإِنَّهَا تفرع الْخَطَايَا كَمَا أَن شَجَرهَا يفرع الشّجر رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من ترك (^١).
قوله: وعن خباب بن الأرت -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "إياك والخمر فإنها تفرع الخطايا كما أن شجرها يفرع الشجر" قال عبد اللطيف البغدادي: معنى تفرع تطول يقال فرع فلان الرجال وفلانة النساء إذا طالهم، فمعناه: أن خطيئة شارب الخمر تطول سائر الخطايا وتعلوها وتزيد عليها كما أن شجرتها تطول سائر الشجر التي تتعلق بها وتتسلق إليها، قال: وفي الحديث معنيان لطيفان عجيبان أحدهما: تشبيه المعقول بالمحسوس وجعل الأحكام الشرعية في حكم الأعيان المرئية، والآخر: أن الخمر طريق إلى الفواحش ومحسنة لها ودرجة إلى كل خبيثة ولذلك سميت أم الخبائث، فقال: إنها مفتاح كل شر وكذلك شجرتها فإنها تتعلق بالشجر الدانية منها وتفرعها وتعلوها وتصير درجة وسلما وطريقا ومسلكا ومرقاة فشرب الخمر وصلة إلى الخطايا كما أن شجرتها وصلة إلى كل شجرة تعلوها (^٢)، وقال غيره: معناه أن شجرتها إذا غرست بإزاء شجرة الزيتون أو التين ارتفعت معها وازدادت وكذلك خطيئتها تعلق جميع الخطايا يقال فرع فلان الرجل إذا طالهم، أ. هـ قاله في الديباجة.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٣٧٢). قال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٣٧: هذا إسناد فيه منير بن الزبير الأزدي الشامي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٠٩).
(٢) مصباح الزجاجة (ص ٢٤١) للسيوطي.
[ ١٠ / ١٩٠ ]
٣٥٥٨ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: كل مُسكر خمر وكل مُسكر حرَام وَمن شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يدمنها لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيِ وَالْبَيْهَقِيّ وَلَفظه فِي إِحْدَى رواياته قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا وَلم يتب لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة وَإِن دخل الْجنَّة (^١).
٣٥٥٩ - وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ من شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا ثمَّ لم يتب مِنْهَا حرمهَا فِي الْآخِرَة قَالَ الْخطابِيّ ثمَّ الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة وَفِي قَوْله حرمهَا فِي الْآخِرَة وَعِيد بِأَنَّهُ لَا يدْخل الْجنَّة لِأَن شراب أهل الْجنَّة خمر إِلَّا أَنهم لَا يصدعون عَنْهَا وَلَا ينزفون وَمن دخل الْجنَّة لَا يحرم شرابها انْتهى (^٢).
قوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "كل مسكر خمر" خمر سميت بذلك لسترها العقل، أو لمخامرتها إياه في مخالطتها وقد جاء في الحديث: "والخمر ما خامر العقل" أي خالطه، وقال عياض: الخمر مؤنثة [أي: باعتبار معاد الضمير والإشارة وإسناد الأفعال] وتذكر على ضعف ويقال في لغة قليلة خمرة بالهاء، سميت بذلك لتخميرها العقل أي تغطيتها إياه وهي حقيقة في المعتصر من ماء العنب ولا تطلق على غيره إلا مجازًا (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٣ و٧٤ و٧٥ - ٢٠٠.)، وأبو داود (٣٦٧٩)، والترمذي (١٨٦١) و(١٨٦٤)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦٩ (٥٧١٩ و٥٧٢٠) والكبرى (٥١٦٣ و٥١٦٤).
(٢) أخرجه مسلم (٧٨ - ٢٠٠٣)، وابن ماجه (٣٣٧٣).
(٣) النجم الوهاج (١/ ٤١٨)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٤٦).
[ ١٠ / ١٩١ ]
قوله: "ومن شرب الخمر [في الدنيا] فمات وهو يدمنها" وفي رواية: "ولم يتب لم يشربها في الآخرة" يدمنها: أي يداوم على شربها.
وقوله: "لم يشربها في الآخرة" يعني لا يدخل الجنة ولا يشربها حتى يطهر من دنس ذنب شرب الخمر بأن يعفو الله عنه أو يعذب بعد ذلك، وإذا طهر فدخل الجنة شرب من خمر الجنة.
قوله: "وكل مسكر حرام" قال ابن رجب وإلى هذا القول ذهب جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار وهو مذهب مالك والشافعي والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ومحمد بن الحسن وغيرهم وهو مما اجتمع على القول به أهل المدينة كلهم وخالف فيه طوائف من علماء أهل الكوفة وقالوا إن الخمر إنما هي خمر العنب خاصة وما عداها فإنما يحرم منه القدر الذي يسكر ولا يحرم ما دونه وما زال علماء الأمصار ينكرون ذلك عليهم وإن كانوا في ذلك مجتهدين مغفورًا لهم وفيه خلق من أئمة العلم ومما يدل على أن كل مسكر خمر أن تحريم الخمر إنما نزل بالمدينة بسبب سؤال أهل المدينة عما عندهم من الأشربة ولم يكن بها خمر العنب فلو لم يكن أنه تحريم الخمر شاملة لما عندهم لما كان بيان ما سألوا عنه ولكان مجمل السبب خارجا من عموم الكلام (^١)، أ. هـ.
تنبيه: واختلفوا في السكران، فقيل: هو من اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم وقيل هو من لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٢٢٧ - ١٢٢٨).
[ ١٠ / ١٩٢ ]
من العرض (^١)،. هـ.
فائدة: قال الشيخ الإمام السبكي: كل ما يقوله الأطباء وغيرهم في الخمر من المنافع هو شيء كان بشهادة القرآن بأن فيها منافع للناس قبل تحريمها وأما بعد نزول آية التحريم فإن الله الخالق لكل شيء سلبها المنافع جملة فليس فيها شيء من المنافع قال: وبهذا تسقط مسألة التداوي بالخمر وعلى هذا يدل قوله -ﷺ-: "إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" انتهى (^٢).
وقال النووي في الحديث تصريح بأنها ليست بدواء فكأنه تناولها بلا سبب وهذا هو الصحيح عند أصحابنا أنه يحرم التداوي بها وكذا يحرم شربها وأما إذا غص بلقمة ولم يجد ماء يسيغها به إلا الخمر فيلزمه الإساغة بها لأن حصول الشفاء حينئذ مقطوع به بخلاف التداوي (^٣)، أ. هـ قاله في الديباجة.
قوله -ﷺ-: "ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يشربها في الآخرة" وفي رواية: "لم يتب منها حرمها في الآخرة" وفي رواية: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب" رواه الجماعة إلا الترمذي معناه أنه يحرم شربها في الجنة وإن دخلها فإنها من فاخر شراب الجنة فمنعها هذا العاصي بشربها في الدنيا قيل: إنه ينسى شهوتها لأن الجنة فيها كل ما
_________________
(١) المجموع (٣/ ٧) وروضة الطالبين (٨/ ٦٢)، والكواكب الدراري (٢٠/ ١٥٢) وزهر العريش في تحريم الحشيش (ص ١٠٣).
(٢) النجم الوهاج (٩/ ٢٢٨).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٥٣).
[ ١٠ / ١٩٣ ]
يشتهي وقيل لا يشتهيها وإن ذكرها ويكون هذا نقص نعيم في حقه تمييزا بيه وبين تارك شربها (^١).
وقيل: معنى الحديث أن حرمانه الخمر إنما هو في الوقت الذي يعذب فيه في النار ويسقي من طينة الخبال فإذا خرج من النار بالشفاعة أو بالرحمة العامة أدخل الجنة ولم يحرم شيئا منها لا خمرًا ولا حرير ولا غيره (^٢).
وفي هذا الحديث دليل على أن التوبة تكفر المعاصي الكبائر وهو مجمع عليه واختلف متكلموا أهل السنة في أن تكفيرها قطعي أو ظني وهو الأقوى (^٣).
وقال القرطبي: فيه دليل على أن التوبة من الذنب مكفرة له وهو ما صرحت به آيات الكتاب والسنة لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ (^٤) وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (^٥) وغير ذلك، وقال -ﷺ-: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" وهو مقطوع به في التوبة من الكفر وقيل [هل] هو مقطوع [به] [أو مظنون] في التوبة من غير الكفر؟ اختلف فيه أهل السنة، قال: والذي أقول به أن من استقرأ الشريعة كتابا وسنة
_________________
(١) المصدر السابق (١٣/ ١٧٣).
(٢) المفهم (١٧/ ١١).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٧٣).
(٤) سورة الشورى، الآية: ٢٥.
(٥) سورة الفرقان، الآية: ٧٠.
[ ١٠ / ١٩٤ ]
وتتبع ما فيهما من هذا المعنى لعم على القطع واليقين أن الله يقبل توبة الصادقين (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.
٣٥٦٠ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ ثَلَاثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة مدمن الْخمر وقاطع الرَّحِم ومصدق بِالسحرِ وَمن مَاتَ مدمن الْخمر سقَاهُ الله جلّ وَعلا من نهر الغوطة قيل وَمَا نهر الغوطة قَالَ نهر يجْرِي من فروج المومسات يُؤْذِي أهل النَّار ريح فروجهم رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ فِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يدْخل الْجنَّة مدمن خمر وَلَا مُؤمن بِسحر وَلَا قَاطع رحم المومسات هن الزانيات (^٢).
قوله: وعن أبي موسى -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر" الحديث، معناه: لا يدخلون الجنة من أول وهلة وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم بل يؤخرون فيتأول الحديث ولا يحمل على ظاهره والله أعلم.
_________________
(١) المفهم (١٧/ ٩ - ١٠).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٣٩٩ (١٩٥٦٩)، وبحشل في تاريخ واسط (ص ١٦١)، وأبو يعلى (٧٢٤٨)، وابن حبان (٥٣٤٦) و(٦١٣٧)، والمخلص في المخلصيات (٧٤٠)، والحاكم ٤/ ١٤٦، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٣٧) و(١٢٤٧). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٧٤: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٤٦٣) وضعيف الترغيب (٢١٥٧)، وصححه في صحيح الترغيب (٢٥٣٩).
[ ١٠ / ١٩٥ ]
٣٥٦١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ: أَربع حق على الله أَن لَا يدخلهم الْجنَّة وَلَا يذيقهم نعيمها مدمن الْخمر وآكل الرِّبَا وآكل مَال الْيَتِيم بِغَيْر حق والعاق لوَالِديهِ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد قَالَ الْحَافِظ فِيهِ إِبْرَاهِيم بن خثيم بن عرَاك وَهُوَ مَتْرُوك.
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة، ولا يذيقهم نعيمها مدمن الخمر" هذا الحديث أيضا لا يحمل على ظاهره بل يتأول والله أعلم.
٣٥٦٢ - وَعَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يلج حَائِط الْقُدس مدمن خمر وَلَا الْعَاق وَلَا المنان عَطاء رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة عَليّ بن زيد وَالْبَزَّار إِلَّا أَنه قَالَ لَا يلج جنان الفردوس (^١).
قوله: وعن أنس بن مالك -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "لا يلج حائط القدس مدمن خمر" وفي رواية "حظيرة القدس" الحديث، الولوج: هو الدخول أراد بحظيرة القدس الجنة لأنها محل الطهارة
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٢٢٦ (١٣٣٦٠)، والبزار (٢٩٣١ - كشف الأستار)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٣٠) و(٦٧٠)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٦٥ رقم ٨٥٩٢). قال البزار: لا نعلم رواه عن علي بن زيد إلا محمد بن العمي. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا محمد بن عبد الله العمي، تفرد به: أبو النضر. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٤: رواه أحمد والبزار إلا أنه قال: "لا يلج جنان الفردوس". والطبراني في الأوسط وقال: "حظيرة القدس". وفيه علي بن زيد وفيه ضعف لسوء حفظه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٦٣).
[ ١٠ / ١٩٦ ]
من أدناس الدنيا والحظيرة في الأرض الموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الغنم والإبل يقيها البرد والريح ومنه الحديث: "لا حمى في الأراك" فقال له رجل: أراكة في حظارى، أراد الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها كالحظيرة وتفتح حاؤه وتكسر وكانت تلك الأراكة التي ذكرها في الأرض التي أحياها قبل أن يجيئها فلم يملكها بالإحياء وملك الأرض دونها إذا كانت مرعى للسارحة، أ. هـ قاله في النهاية (^١).
٣٥٦٣ - وَعَن ابْن الْمُنْكَدر قَالَ حدثت عَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- مدمن الْخمر إِن مَاتَ لَقِي الله كعابد وثن رَوَاهُ أَحْمد هَكَذَا وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن سعيد بن جُبَير (^٢).
_________________
(١) النهاية (١/ ٤٠٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٧٠)، وأحمد ١/ ٢٧٢ (٢٤٥٣)، وعبد بن حميد (٧٠٨)، والبزار (٢٩٣٤)، وابن حبان (٥٣٤٧)، الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٦ رقم ١٢٤٢٨)، وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٥٣، وابن بشران في الأمالي (١٣٤٦) وابن الجوزي في العلل (١١١٦) و(١١١٩)، والضياء في المختارة ١٠/ ٣٣٠ (٣٥٦). قال أبو حاتم الرازي في العلل (١٥٩١): هو كما رواه حسن بن صالح، عن محمد بن المنكدر، قال: حدثت عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ-. قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، ولا نحفظه عن غير ابن عباس أيضا من وجه صحيح وحكيم بن جبير كان رجلا يغلو في التشيع، وقد توقف بعض أهل العلم في الرواية عنه وحدث بغير حديث لم يتابع عليه وروى عنه الأعمش والثوري وإسرائيل وغيرهم. قال الدارقطني: تفرد به حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير ولم يرو المعلي بن هلال. قال ابن الجوزي: قلت هذا القول من الدارقطني وهم فإنا قد رويناه عن العوام عن سعيد =
[ ١٠ / ١٩٧ ]
٣٥٦٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من لَقِي الله مدمن خمر لقِيه كعابد وثن (^١).
قوله: وعن ابن المنكدر، محمد بن المنكدر، تقدم الكلام على ترجمته في الحج في شرب ماء زمزم.
قوله: حدثت عن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام على ابن عباس.
قوله -ﷺ-: "مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن" الحديث، فإنه يتعلق قلبه بها لا يكاد يمكنه أن يدعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته، وهذا مضاد لما خلق الله العباد لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته ومحبته وخشيته وذكره ومناجاته ودعائه والابتهال إليه فما حال بين العبد وبين ذلك ولم يكن بالعبد إليه ضرورة بل كان ضررا محضا عليه كان محرما والله أعلم قاله ابن رجب في شرح النواوية أو في اللطائف على الشك (^٢).
_________________
(١) = وهذا الحديث لا يصح قال أحمد: حكيم بن جبير ضعيف الحديث مضطرب وقال السعدي هو والمعلي كذابان قال ابن المديني والنسائي المعلي بن هلال كان يضع الحديث. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٤: رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، إلا أن ابن المنكدر قال: حدثت عن ابن عباس. وفي إسناد الطبراني يزيد بن أبي فاختة ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٧٧) وصحيح الترغيب (٢٣٦٤).
(٢) انظر ما قبله.
(٣) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٢٢٦).
[ ١٠ / ١٩٨ ]
٣٥٦٥ - وَعَن أبي مُوسَى -﵁- أَنه كَانَ يَقُول مَا أُبَالِي شربت الْخمر أَو عَبَدْتُ هَذِه السَّارِيَةَ مِنْ دُونِ اللّهِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^١).
قوله: وعن أبي موسى -﵁- اسمه: عبد الله بن قيس، تقدم الكلام عليه.
قوله -﵁-: أنه كان يقول ما أبالي شربت الخمر أو عبدت هذه السارية دون الله تعالى، السارية [هي الأسطوانة].
٣٥٦٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: لَا يدْخل الْجنَّة مدمن خمر وَلَا عَاق وَلَا منان قَالَ: ابْن عَبَّاس فشق ذَلِك عَليَّ لِأَن الْمُؤمنِينَ يصيبون ذنوبًا حَتَّى وجدت ذَلِك فِي كتاب الله ﷿ فِي الْعَاق: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ (^٢) وَفِي المنان: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (^٣) الْآيَة وَفِي الْخمر ﴿إِنَّمَا
_________________
(١) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٥/ ٩٧ (٢٤٠٦٤)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦٠ (٥٧٠٩) والكبرى (٥١٥٣)، والدولابى في الكنى (٦٨٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٩٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٦٥).
(٢) سورة محمد، الآية: ٢٢.
(٣) أخرجه البزار مقتصرًا على المرفوع منه (٤٩٣٢)، والنسائي في الكبرى (٤٩٠٠)، والخرائطي في المساوئ (٥٤٦) و(٦٧١)، وابن أبى حاتم في التفسير (٢٧٣٨)، والطبراني في الكبير (١١/ ٩٨ رقم ١١١٦٨) و(١١/ ٩٩ رقم ١١١٧٠) وعنه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٠٩). قال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير روح، عن عتاب، عن خصيف، عن مجاهد، ولم يقل: عن ابن عباس، وقد روي عن النبي -ﷺ- من غير وجه. وقال الخرائطي: قال خصيف: وزاد أبو سلمة في هذا الحديث: "ولا من زنى بذات محرم". وقال أبو نعيم: رواه مسكين بن دينار عن مجاهد، فخالف مجاهد فيه، فقال: عن أبى زيد الحرمي. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٤: رواه الطبراني ورجاله ثقات، إلا أن عتاب بن بشير لم أعرف له من مجاهد سماعا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤١٢).
[ ١٠ / ١٩٩ ]
الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (^١) الْآيَة.
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن عتاب بن بشير لَا أرَاهُ سمع من مُجَاهِد (^٢).
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (^٣) الحديث، تقدم الكلام على الخمر والميسر وهو القمار، والأنصاب والنصب حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية فيعبدونه والجمع أنصاب.
وقوله: والأزلام، هي القداح واحدها زلم بالتحريم واحد الأزلام وهي القداح التي كانت في الجاهلية عليها مكتوب الأمر والنهي افعل ولا تفعل فالاستقسام بالأزلام معرفة ما قسم له مما لم يقسم له بالأزلام وكان في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا أو نكاحًا أو تجارة أو أمر من معاظم الأمور
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٩٠.
(٢) أخرجه البزار مقتصرا على المرفوع منه (٤٩٣٢)، والنسائي في الكبرى (٤٩٠٠)، والخرائطي في المساوئ (٥٤٦) و(٦٧١)، وابن أبى حاتم في التفسير (٢٧٣٨)، والطبراني في الكبير (١١/ ٩٨ رقم ١١١٦٨) و(١١/ ٩٩ رقم ١١١٧٠) وعنه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٠٩). قال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير روح، عن عتاب، عن خصيف، عن مجاهد، ولم يقل: عن ابن عباس، وقد روي عن النبي -ﷺ- من غير وجه. وقال الخرائطي: قال خصيف: وزاد أبو سلمة في هذا الحديث: "ولا من زنى بذات محرم". وقال أبو نعيم: رواه مسكين بن دينار عن مجاهد، فخالف مجاهد فيه، فقال: عن أبى زيد الحرمي. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٤: رواه الطبراني ورجاله ثقات، إلا أن عتاب بن بشير لم أعرف له من مجاهد سماعا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤١٢).
(٣) سورة المائدة، الآية: ٩٠.
[ ١٠ / ٢٠٠ ]
ضرب بالقداح وهي مكتوب على بعضها نهاني ربي وعلى بضعها أمرني ربي تعالى الله عن ذلك وأنه من عمل الشيطان وبعضها غفل فإذا خرج الأمر مضى لشأنه وإذا خرج الناهي أمسك أي كف عنه ولم يفعله وإذا خرج الغفل ضرب أخرى إلا أن يخرج الآمر أو الناهي (^١)، أ. هـ.
قال في النهاية (^٢): الفرق بين الصنم والوثن أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد والصنم الصورة بلا جثة ومنهم من لم يفرِّق بينهما وأطلقهما على المعنيين وقد يطلق الوثن على غير الصورة ومنه حديث عدي بن حاتم الطائي: قدمت على النبي -ﷺ- وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي الق هذا الوثن عنك.
وجه التشبيه أن الخمر لما كانت أم الخبائث وأنها من عمل الشيطان أن شبه شربها بعبادة الأوثان ومدمن الخمر ملازمها الذي لا ينفك عن شربها وذلك يخشى عليه من سوء الخاتمة فلا يدخل الجنة بسبب ذلك أو أنه لا يدخلها مع أول داخل حتى يطهر بعفو الله تعالى عنه.
قوله: رجس، الرجس النجس.
قوله: في آخر الحديث: إلا أن عتاب بن بشير [لَا أرَاهُ سمع من مُجَاهِد].
_________________
(١) المفاتيح (١/ ٢٩١) و(٤/ ٢٨١).
(٢) النهاية (٥/ ١٥١).
[ ١٠ / ٢٠١ ]
٣٥٦٧ - وَعَن عبد الله بن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: ثَلَاثَة حرَّم الله ﵎ عَلَيْهِم الْجنَّة مدمن الْخمر والعاق والديوث الَّذِي يقر فِي أَهله الْخبث رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).
قوله: وعن عبد الله بن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله: "ثلاثة حرم الله ﵎ عليهم الجنة مدمن الخمر" الحديث، هذا الحديث أيضا لا يحمل على ظاهره بل يتأول.
٣٥٦٨ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- يراح ريح الْجنَّة من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام وَلَا يجد رِيحهَا منان بِعَمَلِهِ وَلَا عَاق وَلَا مدمن خمر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ٦٩ (٥٣٧٢) و٢/ ١٢٨ (٦١١٣) و٢/ ١٣٤ (٦١٨٠)، والبزار (٦٠٥٠) و(٦٠٥١)، والنسائي في المجتبى ٤/ ٥٦١ (٢٥٨١) والكبرى (٢٣٥٤)، وأبو يعلى (٥٥٥٦)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٨٥٩ - ٨٦١)، والطوسي في مختصر الأحكام (١٥٠٥)، والحاكم ١/ ٧٢، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٠٢ رقم ١٣١٨٠) والأوسط (٣/ ٥١ رقم ٢٤٤٣)، والبيهقي في الشعب (١٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥ رقم ٧٤١٧) والكبرى (١٠/ ٣٨١ - ٣٨٢ رقم ٢١٠٢٥). قال البزار: وحديث محمد بن عمرو لا نعلم رواه عنه إلا عمران القطان، ولا رواه عن عبد الله بن يسار إلا عمر بن محمد. قال الطوسي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والقلب إلى رواية أيوب بن سليمان أميل حيث لم يذكر في إسناده عمر. وقال الذهبي: صحيح الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٧ و٨/ ١٤٧: رواه أحمد، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وقال في ٨/ ١٤٨: رواه البزار بإسنادين ورجالهما ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٧٤) و(١٣٩٧) و(٣٠٩٩) وصحيح الترغيب (٢٠٧٠) و(٢٣٦٦) و(٢٥١٢).
[ ١٠ / ٢٠٢ ]
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "يراح ريح الجنة من مسيرة خمسمائة عام" أي: يشم [رائحتها من مسيرة خمسمائة عام].
٣٥٦٩ - وَعَن عمار بن يَاسر -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ ثَلَاَثَة لَا يدْخلُونَ الْجنَّة أبدا الديوث والرجلة من النِّسَاء ومدمن الْخمر قَالُوا يَا رَسُول الله أما مدمن الْخمر فقد عَرفْنَاهُ فَمَا الديوث قَالَ الَّذِي لَا يُبَالِي من دخل على أَهله قُلْنَا فَمَا الرجلة من النِّسَاء قَالَ الَّتِي تشبه بِالرِّجَالِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرُوَاته لَا أعلم فيهم مجروحا وشواهده كَثِيرَة (^١).
قوله: وعن عمار بن ياسر -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا الديوث والرجلة من النساء" تقدم الكلام عليه في اللباس.
٣٥٧٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ-: اجتنبوا الْخمر فَإِنَّهَا مِفْتَاح كل شَرّ رَوَاهُ الْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني كما في جامع المسانيد (٦/ ٣٤١ - ٣٤٢ رقم ٧٨٥١) وعنه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٢٠٩)، والبيهقي في الشعب (١٣/ ٢٦١ - ٢٦٢ رقم ١٠٣١٠). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٢٧: رواه الطبراني، وفيه مساتير وليس فيهم من قيل إنه ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٩٧) وصحيح الترغيب (٢٠٧١) و(٢٣٦٧).
(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ١٤٥)، وعنه البيهقي في الشعب (٧/ ٤٠٨ رقم ٥١٩٩). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٤٩٨) وصحيح الترغيب (٢٣٦٨).
[ ١٠ / ٢٠٣ ]
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله: "اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر" والخمر مأخوذ من خمر إذا ستر ومنه قول النبي -ﷺ-: "خمروا الإناء" ومنه خمار المرأة فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك وهي اسم لعصير العنب وإن لم يقذف بزبدة واشترط أبو حنيفة في التسمية أن يقذف بزبدة فحينئذ يكون مجمعا عليه (^١).
وأما عصير الرطب النيء إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد فقال المزني والقاضي حسين والبغوي وغيرهم: هو خمر حقيقة لأن الاشتراك في الصفة يقتضي الاشتراك في الاسم وهو قياس في اللغة وهو جائز عند الأكثرين وهو ظاهر الأحاديث، ونسب الرافعي إلى الأكثرين أنه لا يقع عليها إلا مجازا أما في التحريم والحد فهي كالخمر لا يكفر مستحلها للخلاف فيها وشربها من أكبر المحرمات بالإجماع وكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام واختلف أصحابنا في أن ذلك كان استصحابا منهم لحكم الجاهلية أو لشرع في إباحتها ورجح الماوردي الأول والنووي الثاني وكان تحريمها في السنة الثالثة من الهجرة بعد أحد، ورد في تحريمها أربع آيات قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (^٢) الآية، وما كبر إثمه لا يكون مباحا، وقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^٣) وقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْر
_________________
(١) النجم الوهاج (٩/ ٢٢١).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢١٩.
(٣) سورة النساء، الآية: ٤٣.
[ ١٠ / ٢٠٤ ]
وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ (^٢) والمراد بالإثم الخمر عند الأكثرين كقول الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول
قيل: وبهذه الآية استقر التحريم لما فيها من صريح التحريم وفي غيرها محتمل لكن وقع التحريم بالأولى عند الحسن البصري وبالثالثة عند الأكثرين لقول عمر اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الأول فأعاد دعاءه فنزلت الثانية فأعاد الدعاء فنزلت الثالثة فحين سمعها قال: انتهينا انتيهنا رواه عنه أبو داود والترمذي (^٣).
تتمة: قال أبو العباس القرطبي في حديث الإسراء أن النبي -ﷺ- لما عرض عليه الخمر واللبن اختار اللبن فقال له جبريل ﵇: "الحمد لله الذي هداك للفطرة" يعني فطرة دين الإسلام كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (^٤) فجعل الله تعالى ذلك لجبريل علامة على هداية هذه [الأن اللبن] أول ما يتغذ به الإنسان وهو [قوت خال] عن المفاسد وبه قوام الأجسام ودين الإسلام هو أول ما
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٩٠.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ٣٣.
(٣) كفاية النبيه (١٧/ ٣٩٦ - ٣٩٨)، وتحفة المحتاج (٩/ ١٦٦) ومغنى المحتاج (٥/ ٥١٣ - ٥١٥).
(٤) سورة الروم، الآية: ٣٠.
[ ١٠ / ٢٠٥ ]
أخذ على ابن آدم وهم كالذر وهو قوت الأرواح به قوامها وحياتها الأبدية وصار اللبن عبادة مطابقة لمعنى دين الإسلام من جميع جهاته والخمر على النقيض من ذلك في جميع جهاتها إذ هي مفتاح كل شر (^١)، أ. هـ قاله في الديباجة.
٣٥٧١ - وَعَن حُذَيْفَة -﵁- قَالَ: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول الْخمر جماع الْإِثْم وَالنِّسَاء حبائل الشَّيْطَان وَحب الدُّنْيَا رَأس كل خَطِيئه ذكره رزين وَلم أره فِي شَيْء من أُصُوله (^٢).
قوله: وعن حذيفة -﵁- هو ابن اليمان تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "الخمر جماع الإثم" أي مجمعه ومظنته ومنه حديث الحسن: اتقوا هذه الأهواء فإن جماعها الضلالة، قاله ابن الأثير (^٣).
قوله: "والنساء حبائل الشيطان" الحبائل المصائد.
قوله: "وحب الدنيا رأس كل خطيئة" قال الشافعي رحمه الله تعالى:
حب الدنيا رأس كل خطيئة فاحذر تحب من الخطيئة رأسها
كم جاهل قد جاء يقبل ثغرها لو كان يعلم بأسها ما باسها
_________________
(١) المفهم (١٧/ ١٦).
(٢) لم أعثر عليه عن حذيفة ولا عن غيره مرفوعًا. وقال الألباني في المشكاة (٥٢١٢): لا أصل لَهُ مَرْفُوعا. قلت بعضه من كلام ابن مسعود أخرجه أبو داود في الزهد (١٦٠). وروى مرفوعًا من حديث زيد بن خالد: أخرجه الدارقطني (٤٦١١) والقضاعى في مسند الشهاب (٥٤). وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٥٩).
(٣) النهاية (١/ ٢٩٥).
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
حب الدنيا رأس كل خطيئة [] (^١) والله لا يحب الخطايا ولا أهلها، وإن الدنيا لهو ولعب والله لا يحب اللهو [ولا] اللعب ولأن القلب [بيت الرب] ﷿ [لا شريك له] فلا يجب أن يشركه [في بيته حب ا] لدنيا ولا غيره، وبالجملة فنحن نعلم قطعا أن محب الدنيا مبغوض عند الله ﷿ فالزاهد فيها الرغب عنها محبوب له ﷿ ومحبة الدنيا المكروهة هي إيثارها [لقضاء] شهوات النفس وأوطارها لأن ذلك يشغل عن الله ﷿ أما محبتها لفعل الخير وتقديم الآخرة بها عند الله ﷿ ونحو ذلك فهي عبادة كقوله -ﷺ-: "نعم المال الصالح للرجل الصالح" [يصل به] رحما ويصنع فيه معروفًا [أو كما قال وفي الإثر إذا] كان يوم القيامة جمع الله ﷿ الذهب والفضة كالجبلين العظيمين ثم يقول: هذا مالنا عاد إلينا سعد [به قوم] وشقى به قوم آخرون وإنما كان الزهد سببا لمحبة اناس فلأن الناس يتهافتون على الدنيا بطباعهم إذ الدنيا جيعة والناس كلابها فمن زاحمهم عليها أبغضوه ومن زهد فيها ووفرها عليهم أحبوه وعدوه المؤمن من يعمل عمله ومما يروي من شعر الشافعي في المعنى قوله:
وَمَا هِيَ إلاجِيفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ عَلَيْهَا كِلَابٌ هَمُّنَّ اجتِذَابُهَا
فَإِن تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِها وَإِن تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلَابُهَا (^٢) أ. هـ
وسيأتي الكلام على حب الدنيا في الزهد إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) بياض بالأصل.
(٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٢٣١ - ٢٣٢).
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
٣٥٧٢ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء -﵁- قَالَ: أَوْصَانِي خليلي -ﷺ- أَن لَا تشرك بِالله شَيْئا وَإِن قطعت وَإِن حرقت وَلَا تتْرك صَلَاة مَكْتُوبَة مُتَعَمدا فَمن تَركهَا مُتَعَمدا فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة وَلَا تشرب الْخمر فَإِنَّهَا مِفْتَاح كل شَرّ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا عَن شهر بن حَوْشَب عَن أم الدَّرْدَاء عَنهُ (^١).
قوله: وعن أبي الدرداء -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: أوصاني خليلي -ﷺ- أن لا تشرك بالله شيئا، الحديث، تقدم الكلام على معنى الخليل في صلاة الضحى أو الوتر.
قوله -ﷺ-: "ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة" الصلاة المكتوبة المفروضة.
وقوله: "فقد برئت منه الذمة" المراد بالذمة هنا [الأمان والحفظ].
٣٥٧٣ - وَعَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه أَن أَبَا بكر وَعمر وناسا جَلَسُوا بعد وَفَاة النَّبِي -ﷺ- فَذكرُوا أعظم الْكَبَائِر فَلم يكن عِنْدهم فِيهَا علم فأرسلوني إِلَى عبد الله بن عَمْرو أسأله فَأَخْبرنِي أَن أعظم الْكَبَائِر شرب الْخمر فأتيتهم فَأَخْبَرتهمْ فَأَكْثرُوا ذَلِك ووثبوا إِلَيْهِ جَمِيعًا حَتَّى أَتَوْهُ فِي دَاره فَأخْبرهُم أَن
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٨)، وابن ماجه (٣٣٧١) و(٤٠٣٤)، والبزار (٤١٤٧ و٤١٤٨)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩١١)، وتمام (١٧٩١)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٥٢٤)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٠٨ رقم ٥٢٠٠). وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢١٦ - ٢١٧: رواه الطبراني، وفيه شهر بن حوشب، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. وقال البوصيري في الزجاجة ٤/ ٣٧: هذا إسناد حسن. وحسنه الألباني في المشكاة (٥٨٠) وصحيح الترغيب (٥٦٧) و(٢٣٦٩).
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِن ملكا من مُلُوك بني إِسْرَائِيل أَخذ رجلا فخيره بَين أَن يشرب الْخمر أَو يقتل نفسا أَو يَزْنِي أَو يَأْكل لحم خِنْزِير أَو يقتلوه فَاخْتَارَ الْخمر وَإنَّهُ لما شرب الْخمر لم يمْتَنع من شَيْء أرادوه مِنْهُ وَإِن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ مَا من أحد يشْربهَا فَتقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَلَا يَمُوت وَفِي مثانته مِنْهُ شَيْء إِلَّا حرمت بهَا عَلَيْهِ الْجنَّة فَإِن مَاتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَة مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم (^١).
قوله: وعن سالم بن عبد الله عن أبيه.
قوله -ﷺ-: "ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة" الحديث، قيل: لأن الخمر إذا شربها الإنسان تبقى في عظمه ولحمه أربعين يومًا وبعد الأربعين تقبل منه صلاته لأن بعد الأربعين تذهب عنه آثار الخمر، أ. هـ.
قوله: عن أبي هريرة، تقدم.
قوله: إذا سكر فاجلدوه، إلى أن قال: فإن عاد في الرابعة فاقتلوه، وعند النسائي وابن ماجه: "فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه" يتأول الحديث على رأي الحسن على غير معنى الإيجاب ويراه نوعا من الزجر ليرتدع ولا يقدم عليه (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبى عاصم في الآحاد والمثانى (٨١٠)، وابن المنذر في التفسير (١٦٦٢)، والطبراني في الأوسط (١/ ١١٦ رقم ٣٦٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٤٧). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٦٧ - ٦٨: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح خلا داود بن صالح التمار وهو ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٩٥) وصحيح الترغيب (٢٣٧٠).
(٢) معالم السنن (٤/ ٨).
[ ١٠ / ٢٠٩ ]
وقال بعضهم ولم يجمعوا على قتل شارب الخمر في الرابعة وهو مذهب لبعض السلف معروف (^١).
وقال بعضهم أيضا: هذا على وجه الوعيد وقد توعد بما لا يفعل كما قال في شرب الخمر في الرابعة فاقتلوه وهو مذهب ابن قتيبة ولذلك جاء في حديث جابر في السارق وأنه قطع في الأولى والثانية والثالثة إلى أن جيء به في الخامسة فقال اقتلوه فقتلناه [وفي إسناده مقال] ولم يذهب أحد من العلماء إلى قتل السارق وإن تكررت منه السرقة، قال الحافظ: قد جاء قتل شارب الخمر في المرة الرابعة وهو منسوخ (^٢)، أ. هـ.
والنسخ عبارة عن رفع الشارع حكما متقدما بحكم متأخر كذا قال بعض العلماء والله تعالى أعلم (^٣).
وقال في الديباجة: ظهر لي والله أعلم أن الأربعين لها أثر في الخمر لأن أطوار الإنسان في بطن أمه التي يطورها أربعين يوما علقة وأربعين مضغة ثم بعد الأربعين الثالث يصور، فأربعيناته الثلاثة تشبه عوده ثلاث مرات ثم بعد ذلك يصور ويشكل فصار غير ما كان عليها في تلك الأطوار وأيضا فلما تتنجس باطنه أربعين يوما طهر ما في الإنسان فمنع بذلك قبول أفضل عبادات البدن وأشرفها وهي الصلاة وإنما لم يكثر حده لأن العقل الزائل بالخمر لا
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢١٧).
(٢) النهاية (٤/ ١٤).
(٣) كشف المناهج (١/ ٥٩).
[ ١٠ / ٢١٠ ]
يمكن إقامة الحد عليه فرجعنا إلى الجسد لأنه وعاء العقل فلذلك خف حده بخلاف القتل فإنه إعدام نفس فأعدمت فيه النفس لا مكان المساواة والزنا جناية على الأنساب فغلظ فيه الحد بحسبه.
تنبيه: وروي هذا الحديث النسائي من حديث عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وليس لعبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي سوى هذا الحديث وحديث أن سليمان لما بنى بيت المقدس.
قوله: في رواية النسائي: "من شرب الخمر فلم ينتش" الحديث، "لم تقبل له صلاة وإن انتشى" الإنتشاء أول السكر، وقيل: هو السكر نفسه ورجل نشوان بين النشوة قاله في النهاية (^١).
قوله: سقاه الله من طينة الخبال" وفي الحديث "ردغة الخبال"جاء تفسيرها في الحديث: "أنها عصارة أهل النار" والردغة بسكون الدال.
اللوحة
وفتحها طين ووحل كثير، ويجمع على ردغ ورداغ، والخبال في الأصل الفساد ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، ومنه الحديث: "وبطانة لا تألوه خبالا" أي لا تقصر في إفساد أمره ومنه حديث ابن مسعود: إن قوما بنوا مسجدا بظهر الكوفة فأتاهم فقال: جئت لأكسر مسجد الخبال، أي: الفساد قاله في النهاية (^٢).
_________________
(١) النهاية (٥/ ٦٠).
(٢) النهاية (٢/ ٨ - ٩) و(٢/ ٢١٥).
[ ١٠ / ٢١١ ]
قوله: "لم تقبل له صلاة أربعين صباحا أو ليلة" انتفاء القبول قد ورد في مواضع مع ثبوت الصحة منها صلاة شارب الخمر في هذا الحديث، ومنها: صلاة العبد الآبق، ومنها: صلاة من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول وغير ذلك من الأحاديث والذي ينبغي أن يقال أنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة فصلاة هؤلاء صحيحة في نفس الأمر لاجتماع الشروط والأركان فيها لكن لا ثواب فيها فهؤلاء إنما لم تقبل صلاتهم قبول رضي للمعصية التي ارتكبوها مع صحة صلاتهم والله أعلم (^١).
قوله: "ولا يموت وفي مثانته منه شيء إلا حرمت بها عليه الجنة" المثانة [مستقر البول من الرجل والمرأة].
قوله -ﷺ-: "فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية" الميتة الجاهلية بكسر الميم الحالة التي يموت عليها أي كما يموت أهل الجاهلية من الضلال والفرقة.
٣٥٧٤ - وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول اجتنبوا أم الْخَبَائِث فَإِنَّهُ كَانَ رجل مِمَّن كَانَ قبلكُمْ يتعبد ويعتزل النَّاس فعلقته امْرَأَة فَأرْسلت إِلَيْهِ خَادِمًا إِنَّا ندعوك لشهادة فَدخل فطفقت كلما يدْخل بَابا أغلقته دونه حَتَّى إِذا أفْضى إِلَى امْرَأَة وضيئة جالسة وَعِنْدهَا غُلَام وباطية فِيهَا خمر فَقَالَت إِنَّا لم نَدعك لشهادة وَلَكِن دعوتك لقتل هَذَا الْغُلَام أَو تقع عَليّ أَو تشرب كأسا من الْخمر فَإِن أَبيت صحت بك وفضحتك قَالَ فَلَمَّا رأى أَنه لَا بُد لَهُ من
_________________
(١) طرح التثريب (٢/ ٤١٢).
[ ١٠ / ٢١٢ ]
ذَلِك قَالَ اسقيني كأسا من الْخمر فسقته كأسا من الْخمر فَقَالَ زيديني فَلم تزل حَتَّى وَقع عَلَيْهَا وَقتل النَّفس فَاجْتَنبُوا الْخمر فَإِنَّهُ وَالله لَا يجْتَمع إِيمَان وإدمان الْخمر فِي صدر رجل أبدا وليوشكن أَحدهمَا يخرج صَاحبه رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ مَرْفُوعا مثله وموقوفا وَذكر أَنه الْمَحْفُوظ (^١).
قوله: وعن عثمان بن عفان -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "فإنه كان رجل ممن كان قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فعلقته امرأة" بفتح العين وكسر اللام المخففة ويجوز ضم العين وتشديد اللام ومعناه تعلق حبه بقلبها.
قوله: "فطفقت كلما يدخل بابا أغلقته دونه" طفق معناه جعل.
قوله: "أو تشرب كأسا من الخمر" الكأس في اللغة الإناء فيه الشراب ولا يقال لها كأس إلا إذا كان فيها شراب وقيل هو إناء الشراب ونفس الشراب
_________________
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا في ذم المسكر (١)، وابن حبان (٥٣٤٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٠٦ رقم ٥١٩٧)، والضياء في المختارة (٣٧٠ و٣٧١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١١٢٢) مرفوعا. وأخرجه ابن وهب في الجامع (٨٠)، وعبد الرزاق (١٧٠٦٠)، وسعيد بن منصور في التفسير (٨٢٣)، وابن أبى شيبة ٥/ ٩٧ (٢٤٠٦٨)، وابن أبى الدنيا في ذم المسكر (٢)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦٢ - ٤٦٤ (٥٧١٢ و٥٧١٣) والكبرى (٥١٥٦ و٥١٥٧)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥٠٠ رقم ١٧٣٣٩) والشعب (٧/ ٤٠٧ رقم ٥١٩٨) موقوفا. قال أبو زرعة في العلل (١٥٨٦): رواه إبراهيم بن سعد ومعمر ويونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عثمان، موقوفا؛ وهو الصحيح. وقال الدارقطني في العلل (٢٧٤): والموقوف هو الصواب. وضعف الألباني المرفوع في ضعيف الترغيب (٥٧١٢).
[ ١٠ / ٢١٣ ]
هو اسم لهما على الانفراد والاجتماع والجمع أكئوس ثم كؤوس واللفظة مهموزة وقد تترك الهمز تخفيفا قاله في النهاية (^١).
٣٥٧٥ - وَعَن ابْن عمر -﵄- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِن آدم لما أهبط إِلَى الأَرْض قَالَت الْمَلَائِكَة أَي رب ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٣٠] قَالُوا رَبنَا نَحن أطوع لَك من بني آدم قَالَ الله لملائكته هلموا ملكَيْنِ من الْمَلَائِكَة فَنَنْظُر كَيفَ يعملان قَالُوا رَبنَا هاروت وماروت قَالَ فاهبطا إِلَى الأَرْض فتمثلت لَهما الزهرة امْرَأَة من أحسن الْبشر فجاءاها فَسَأَلَاهَا نَفسهَا فَقَالَت لَا وَالله حَتَّى تتكلما بِهَذِهِ الْكَلِمَة من الْإِشْرَاك قَالَا وَالله لَا نشْرك بِالله أبدا فَذَهَبت عَنْهُمَا ثمَّ رجعت إِلَيْهِمَا وَمَعَهَا صبي تحمله فَسَأَلَاهَا نَفسهَا فَقَالَت لَا وَالله حَتَّى تقتلا هَذَا الصَّبِي فَقَالَا وَالله لَا نَقْتُلهُ أبدا فَذَهَبت ثمَّ رجعت بقدح من خمر تحمله فَسَأَلَاهَا نَفسهَا فَقَالَت لَا وَالله حَتَّى تشربا هَذِه الْخمر فشربا فسكرا فوقعا عَلَيْهَا وقتلا الصَّبِي فَلَمَّا أفاقا قَالَت الْمَرْأَة وَالله مَا تركتما من شَيْء أبيتماه عَليّ إِلَّا فعلتماه حِين سكرتما فخيرا عِنْد ذَلِك بَين عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فاختارا عَذَاب الدُّنْيَا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق زُهَيْر بن مُحَمَّد وَقد قيل إِن الصَّحِيح وَقفه على كَعْب وَالله أعلم (^٢).
_________________
(١) النهاية (٤/ ١٣٧).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٣٤ (٦١٧٨)، وعبد بن حميد (٧٨٧)، وابن أبى الدنيا في العقوبات (٢٢٢)، والبزار (٥٩٩٦)، وابن حبان (٦١٨٦)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٧ رقم ١٩٦٧٧)، وفي الشعب (١/ ٣٩ - ٣٢٢ رقم ١٦٠ و١٦١)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٣٨). =
[ ١٠ / ٢١٤ ]
قوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله: "هاروت وماروت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (^١) اسما ملكين من الملائكة وبابل اسم موضع بالعراق قريبا من الكوفة ينسب إليها السهر وهو غير منصرف.
قوله: "فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر" الزهرة بفتح الهاء بإسكانها.
قوله: رواه ابن حبان من طريق زهير بن محمد [هو: التميمى ثقة يغرب
_________________
(١) = وقال الخلال في العلل (ص ٢٩٥ - ٢٩٦): قال أبو عبد الله (يعنى أحمد بن حنبل): هذا منكر، إنما يروى عن كعب. وقال البزار: وهذا الحديث رواه غير موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا. وموسى بن جبير ليس به بأس، وإنما أتى رفع هذا الحديث عندي من زهير بن محمد لأنه لم يكن بالحافظ على أنه قد روى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، وأبو عامر وغيرهم. قال أبو حاتم في العلل (١٦٩٩): هذا حديث منكر. وقال الدارقطني في العلل (٢٧٩٢): اختلف فيه على نافع: فرواه موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-. وخالفه موسى بن عقبة، فرواه عن نافع، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار، من رواية الثوري، عن موسى بن عقبة. وقال إبراهيم بن طهمان: عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه، عن كعب. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٥٣ - ٥٤)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٩٠ رقم ١٠٠٦)، والبيهقي في الشعب ١/ ٣٢٢ (١٦٢) من طرق عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب، قوله. وضعف الألباني المرفوع في ضعيف الترغيب (١٤١٦) وقال: منكر، وقال في الضعيفة (١٧٠): باطل.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.
[ ١٠ / ٢١٥ ]
وثقه أحمد وابن معين واحتج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وقال النسائي: ليس بالقوي وضعفه ابن معين في رواية، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حفظه سوء وحديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق].
٣٥٧٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ لما حرمت الْخمر مَشى أَصْحَاب رَسُول الله -ﷺ- بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا حرمت الْخمر وَجعلت عدلا للشرك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (^١).
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله: لما حرمت الخمر مشى أصحاب رسول الله -ﷺ- بعضهم إلى بعض وقالوا حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك" العدل بفتح العين وبكسرها المثل وتقدم ذلك في الأذكار بعد الصبح من كلام المنذري.
٣٥٧٧ - وَعَن أبي تَمِيم الجيشاني أَنه سمع قيس بن سعيد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ وَهُوَ على مصر يَقُول: سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول: من كذب عَليّ كذبة مُتَعَمدا فَليَتبَوَّأ مضجعًا من النَّار أَو بَيْتا فِي جَهَنَّم وَسمعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من شرب الْخمر أَتَى عطشان يَوْم الْقِيَامَة أَلا فَكل مُسكر خمر وكل خمر حرَام وَإِيَّاكُم والغبيراء وَسمعت عبد الله بن عَمْرو بعد ذَلِك يَقُول مثله
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧ رقم ١٢٣٩٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٤٤)، وأبو الشيخ في جزء من حديثه (١٣١)، ومن طريق الطبراني الضياء في المختارة ١٠/ ١٩١ (١٩٢). وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٥٢): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٧١).
[ ١٠ / ٢١٦ ]
لم يخْتَلف إِلَّا فِي بَيت أَو مَضْجَع رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى كِلَاهُمَا عَن شيخ من حمير لم يُسَمِّيَاهُ عَن أبي تَمِيم (^١).
قوله: وعن أبي تميم الجيشاني، والجيشاني بفتح الجيم وإسكان الياء وبلاشين المعجمة منسوب إلى جيشان قبيلة معروفة من اليمن واسم أبي تميم: عبد الله بن مالك.
قوله: أنه سمع قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وهو على مصر [] (^٢).
قوله: "من كذب علي كذبة متعمدا فليتبوأ مضجعا من النار" المضجع بفتح الجيم، وتقدم الكلام على الكذب على رسول الله، وما قاله العلماء في ذلك في سماع الحديث في أوائل هذا التعليق.
قوله: "وإياكم والغبيراء" والغبيراء فسرها الإمام أبو القاسم البغوي بشراب تعمله الحبشة من الذرة يقال له السكركة بضم السين والكاف الأولى وسكون الراء أي نوع من الخمر يتخذ من الذرة ذكره في التنقيح على المصابيح (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن وهب في الجامع (٧٧)، وأحمد ٣/ ٤٢٢ (١٥٤٨١ و١٥٤٨٢)، وأحمد بن منيع كما في إتحاف المهرة (٤/ ٣٨٧ رقم ٣٨٠٢/ ٢)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٩٩)، وأبو يعلى (١٤٣٦)، والطحاوي في معانى الآثار (٦٤٥٣)، والطبراني في جزء من كذب على متعمدا (١٥٤) والكبير (١٨/ ٣٥٢ رقم ٨٩٦ و٨٩٧ و٨٩٨). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٠: رواه أحمد، وأبو يعلى وفيه راو لم يسم. وضعفه الألباني الألبانى في ضعيف الترغيب والترهيب (١٤١٧).
(٢) بياض في الأصل.
(٣) كشف المناهج (٤/ ٥٨).
[ ١٠ / ٢١٧ ]
٣٥٧٨ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من شرب الْخمر خرج نور الْإيمَان من جَوْفه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (^١).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "من شرب الخمر خرج نور الإيمان من جوفه" المراد بالجوف البطن [قال جدع بن سنان:] إنّ إبليس من خلق الجن من مارج من نار وكان عظيم الخلق حسنه وكان يسكن الأرض وسبب اتصاله بمحل الملائكة أنه كان خادما للزهرة وكانت الزهرة خلقا حسنا في الأرض من جملة مخلوقات الله تعالى وكانت أنثى ذات جمال فائق [ونور] ساطع وبهاء وافر وكانت الحروب يومئذ بين قبائل الجن متصلة فلما قال الله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (^٢) وقرئت (خليقة): ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (^٣) لما فعلوا الجن والبر والطم والدم والجن، قال جدع بن سنان: فقال الله تعالى -وهو أعلم بما يكون وبما هو كائن وبما كان وما هو كائن-: فاختاروا أيتها الملائكة من بينكم من ينزل إلى الأرض فيحكم بين مخلوقاتي ويأخذ القصاص فمن بغي لمن بغي عليه فإني لا أحب الظلم وأنا القوي العزيز،
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١١٠ رقم ٣٤١). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٢: رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لم أعرفهم. وضعفه اللباني في ضعيف الترغيب (١٤١٨) وقال: منكر.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
[ ١٠ / ٢١٨ ]
قال: واختاروا من بينهم الملكين هارون وماروت وكانا أشد أهل السماوات عبادة وأكثرهم تسبيحا وتقديسا فكانا ينزلان إلى الأرض فيحكمان فيها بين مخلوقات الله ﷿ على اختلاف أنواعهم وتغاير أجناسهم وتباين خلقهم من عدة لا تحصى وخلائق لا تدرك في البر والبحر حتى أن الذر لتأتي إليهما وتقول أن الذرة مثلى عدت على قوت لي كنت قد ادخرته لمشتاي فيحكمان بينهما بما ألهمهما الله تعالى من فصل الخطاب وحتى أن السمكة الصغير تستغيث بهما من أذى الكبيرة فيغيثانها ويمنعاها من أذاها ولا يزال كذلك ولا يزالا كذلك طول نهارهما إلى آخره فإذا جنحت الشمس للغروب نهضا وقالا: سبحانك اللهم وبحمدك فيكون ذلك منتهى حكمهما ذلك اليوم ثم يتليان أسماء الصعود فيصعدان إلى محل عبادتهما قال: فركب الله فيهما حب الشهوة وأتت الزهرة تستعينهما من حادث حدث عليها فامتحنا بها لما عايناها وعادا يرددانها في حكومتها ذلك اليوم أجمع وقد اشتغلا بها على سائر الحكم بين الخلائق ولم يحكما ذلك اليوم بين أحد من خلق الله تعالى حتى نصراها على غريمها وحكما عليه بغير الحق، قال جدع بن سنان: فلما كان وقت صعودهما قالت لهما الزهرة وقد تحققت ميلهما لو علمتماني الأسماء حتى كنت أصعد معكما ولا أفارقكما، قالت: قد علمت مرادكما قال: فعلماها الأسماء وكان إبليس قائما معها فاسترق الأسماء وسبقها صعودا ثم تبعته فمسخت كوكبا في السماء الثالثة وذلك محل عبادة هاروت وماروت، وصعد إبليس إلى محل عبادة هاروت في السماء الدنيا وتقرب
[ ١٠ / ٢١٩ ]
بالعبادة والتسبيح والتقديس حتى تعجب منه ملائكة السماء فاشتاق إليه أهل السماء الثالثة فصعد إليهم وفعل.
كذلك فلم يزل يتقرب بالعبادة وكثرة التسبيح والتقديس حتى سمي طاووس الملائكة وعاد قريبا القدوة ونديم الحضرة وعلم بإرادة الله ﷿ وبما سبق له في غامض علمه الذي لا يعلمه سواه جميع المخلوقات في السماوات السبع والأرضين السبع وأما الزهرة فمسخت كوكبا وأما هاروت وماروت فإنهما لما علما الزهرة وإبليس الأسماء سلباها وعلما أنهما قد عصيا فسألا الله ﷿ عذاب الدنيا دون عذاب الآخرة فهما يعذبان بأرض بابل [ويعلمان] الناس السحر كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (^١) الآية، وقد عنوهما الشعراء وكذروهما في أشعارهم ونسبوا إليهما السحر ولذلك عرفت بابل بالسحر، أ. هـ قاله في تاريخ كنز الدرر وهو تاريخ مطول تسع مجلدات (^٢).
تنبيه: قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (^٣) إلى قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٤) روى يحيى بن أبي كثير قال: الذين قالوا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.
(٢) كنز الدرر (١/ ٢٣٧ - ٢٤٠)
(٣) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
[ ١٠ / ٢٢٠ ]
هذا كانوا عشرة آلاف ملك فأرسل الله تعالى نارا فأحرقتهم، فإن قيل: فهلا احترق إبليس لما خالف؟ قلنا: لما سبق في الأزل من امتحان بني آدم وقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (^١) وقال قتادة: غضب الله عليهم فطافوا بالعرش سبع سنين يقولون لبيك اللهم لبيك اعتذارا إليك فتاب عليهم فذلك بدوا التلبية ثم في مرادهم بذلك أقوال، أحدها: أنه استفهموا وجه الحكمة فكأنهم قالوا: كيف يعصونك وقد استخلفتهم وإنما ينبغي أن يسبحوا كما نسبح، والثاني: أنه قالوه تعجبا من استخلاف من يفسدوا، الثالث: أنهم استفهموا عن حال أنفسهم وتقديره: أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبه أم لا، ذكره ابن الأنباري والحسين بن الفضل. فإن قيل: فكيف نطقوا على بني آدم بالفساد وما رأوهم وذكر الغائب غيبة، وهل علموا الغيب حتى قالوا ذلك؟ فالجواب: من وجوه، أحدها: ما روي عن ابن عباس أنه قال لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (^٢) قالوا: وما يكون من ذلك، قال: ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا فقالوا عند ذلك: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (^٣)، الثاني: أنهم قاسوا على فعل من من تقدمهم من الجن الذين أفسدوا في الأرض فقاسوا بالشاهد الغائب، الثالث: كان لهم علم التجربة وعلم الفراسة والظن فتحقق ظنهم، والرابع: أنهم لما أخبروه بوجود
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
[ ١٠ / ٢٢١ ]
هذا الخليفة وأنه مخلوق من الطبائع الأربع المختلفة والهوى والغضب إنما يثوران من الحرارة والهوى يفسد والغضب يفسد فحكموا بذلك والمراد بالفساد العمل بالمعاصي وسفك الدم صبه وإراقته والتسبيح التنزيه لله من كل سوء والتقديس التطهير والمعنى ننزهك ونعظمك، أ. هـ قاله في التاريخ المذكور (^١).
قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢) اختلف فيه على أقوال أحدها: أنه علم أنه سيكون من ذريته أنبياء وعلماء وصالحون، قاله ابن عباس، الثاني: أنه علم أنه سيكون من ذريته من يذنب فيتوب فاغفر له، قاله مقاتل، والثالث: إني أعلم بوجوه المصالح في استخلافي إياهم فلا تعترضوا على حكمي وتدبيري قاله الحسين بن الفضل، الرابع: إني أعلم أنهم سيسفكون الدماء ولكن بجور [رئيسكم] أ. هـ قاله في التاريخ (^٣).
تتمة: تكلم الناس أي العلماء [في أمر] الزهرة وزهير وهما نجمان قال بعضهم ممسوخان وقد روى ذلك عن ابن عباس وروي عطاء عن ابن عمر أنه كان إذا رأى سهيلا شتمه وإذا رأى الزهرة شتمها روى أن سهيلا كان عشارا باليمن فظلم الناس وأن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت فمسخها الله شهابا قال مجاهد كان ابن عمر إذا قيل له طلعت
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٢٥ - ٢٦).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٣) المصدر السابق (٢/ ٢٧).
[ ١٠ / ٢٢٢ ]
الزهرة قال: لا مرحبا ولا أهلا يعني الزهرة وقال بعضهم: هذا لا يصح لأن هذه النجوم خلقت حين خلقت السماء لأنه روي في الخبر أنه لما خلقت السماء خلق سبعة داورة: زحل ومشترى وبهرام وعطارد والشمس والقمر والزهرة، وجعل مصلحة الدنيا بهذه السبعة الدوراة وجعل لكل واحد منها سلطان في سبح من المصلحة فثبت بهذا أن من قال أنهما ممسوخان لا يصح، والزهرة وسهيل قد كانا قبل خلق آدم والذي روي عن ابن عمر وغيره أن سهيلا كان عشارا باليمن وأن الزهرة فتنت هاروت وماروت فمسخهما الله شهابا ولكنهما لم يبقيا وقد هلكا وصارا إلى النار وأما الذي روي أنه كان يشتمه فاحتمل أنه لم يشتم الكوكب وإنما شتم سهيلا الذي كان عشارا وكذلك في الزهرة إنما شتم المرأة التي كان اسمها زهرة ولم يشتم الكوكب، أ. هـ قاله أبو الليث السمرقندي (^١).
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله: لما حرمت الخمر مشى أصحاب رسول الله -ﷺ- بعضهم إلى بعض وقالوا حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك" العدل بفتح العين وبكسرها المثل وتقدم ذلك في الأذكار بعد الصبح من كلام المنذري.
قوله: وعن أبي تميم الجيشاني، والجيشاني بفتح الجيم وإسكان الياء وبلاشين المعجمة منسوب إلى جيشان قبيلة معروفة من اليمن واسم أبي تميم: عبد الله بن مالك.
_________________
(١) بستان العارفين (ص ٣٩٦).
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
قوله: أنه سمع قيس بن سعيد بن عبادة الأنصاري وهو على مصر (^١) [هو أبو الفضل، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الملك قيس بن سعد بن عبادة بن دليم، وسبق باقى نسبه في ترجمة أبيه. وهو أنصارى، ساعدى، مدنى، صحابى ابن صحابى، جواد ابن جواد، وهم أربعة مشهورون بالكرم، روى عن رسول الله -ﷺ- ستة عشر حديثا. روى عنه الشعبي، وابن أبى ليلى، وعمرو بن شرحبيل، وغيرهم. وكان من فضلاء الصحابة، وأحد دهاة العرب وذوى الرأى الصائب والمكيدة في الحرب والنجدة، وكان شريف قومه غير مدافع، ومن بيت سيادتهم، قال الزهري: كان قيس يحمل راية الأنصار مع النبى -ﷺ-، وله في جوده أخبار كثيرة مشهورة، ورووا أنه كان في سرية فيها أبو بكر، وعمر، ﵄، فكان يستدين ويطعم الناس، فقالا: إن تركناه أهلك مال أبيه، فهما يمنعه، فسمع سعد، فقال للنبى -ﷺ-: من يعذرنى منهما، يبخلان على ابنى، وصحب قيس بعد ذلك عليا في خلافته، وكان معه في حروبه، واستعمله على مصر. توفى سنة ستين، وقيل: تسع وخمسين، ولم يكن في وجهه لحية ولا شعر، وكانت الأنصار تقول: وددنا أن نشترى لقيس لحية بأموالنا. وكان جميلا. قال ابن عبد البر: وخبره في السراويل عند معاوية باطل لا أصل له. روينا في صحيح البخاري، عن أنس، قال: كان قيس بن سعد بين يدى رسول الله -ﷺ- بمنزلة الشرطى من الأمير. قال الأنصاري: يعنى يلى أموره. وفي كتاب الترمذي، عن قيس، أن أباه دفعه إلى النبى -ﷺ- ليخدمه].
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٦١ - ٦٢ رقم ٥١٣).
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
قوله: "من كذب علي كذبة متعمدًا فليتبوأ مضجعًا من النار" المضجع بفتح الجيم، وتقدم الكلام على الكذب على رسول الله، وما قاله العلماء في ذلك في سماع الحديث في أوائل هذا التعليق.
قوله: "وإياكم والغبيراء" والغبيراء فسرها الإمام أبو القاسم البغوي بشراب تعمله الحبشة من الذرة يقال له السكركة بضم السين والكاف الأولى وسكون الراء أي نوع من الخمر يتخذ من الذرة ذكره في التنقيح على المصابيح.
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "من شرب الخمر خرج نور الإيمان من جوفه" المراد بالجوف البطن [وقيل أراد بالجوف القلب].
٣٥٧٩ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من شرب الْخمر أسقاه الله من حميم جَهَنَّم رَوَاهُ الْبَزَّار (^١).
قوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام على ابن عمر.
قوله: "من شرب الخمر أسقاه الله من حميم جهنم" الحميم هو المذكور في القرآن: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد بن منيع وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٨٢ رقم ٣٧٩١/ ١ و٢) والمطالب (١٨٠٩/ ١ و٢)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٩٢٨). قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر بهذا اللفظ، إلا من هذا الوجه، وقد روي نحوه من غير طريقه. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧١: رواه البزار وفيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤١٩).
(٢) سورة محمد، الآية: ١٥.
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
٣٥٨٠ - وَعَن جَابر -﵁- أَن رجلال قدم مش جيشان وجيشان من الْيمن فَسَأَلَ رَسُول الله -ﷺ- عَن شراب يشربونه بأرضهم من الذّرة يُقَال لَهُ المزر فَقَالَ رَسُول الله -ﷺ- أَو مُسكر هُوَ قَالَ نعم قَالَ رَسُول الله -ﷺ- كل مُسكر حرَام وَإِن عِنْد الله عهدا لمن يشرب الْمُسكر أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ عرق أهل النَّار أَو عصارة أهل النَّار رَوَا مسلم وَالنَّسَائِيّ.
قوله: وعن جابر -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: سئل رسول الله -ﷺ- عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر، هو بكسر الميم وهو يتخذ من نبيذ الشعير والحنطة ويكون أيضا من الذرة.
٣٥٨١ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ ثَلَاثَة لَا تقربهم الْمَلائِكَة الْجنب والسكران والمتضمخ بالخلوق رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد صَحِيح.
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة الجنب والسكران" المراد بالملائكة الذين ينزلون بالبركة والرحمة دون الحفظة فإنه لا يفارقون الإنسان على حال من الأحوال وتقدم الكلام على ذلك أبسط من هذا في باب تأخير الغسل.
٣٥٨٢ - وَعَن جَابر بن عبد الله -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺثَلَاثَة لَا يقبل الله لَهُم صَلَاة وَلَا تصعد لَهُم إِلَى السَّمَاء حَسَنه العَبْد الْآبِق حَتَّى يرجع إِلَى موَالِيه فَيَضَع يَده فِي أَيْديهم وَالْمَرْأَة الساخط عَلَيْهَا زَوجهَا حَتَّى يرضى والسكران حَتَّى يصحو رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْبَيْهَقِيّ.
[ ١٠ / ٢٢٦ ]
قوله: وعن جابر بن عبد الله -﵄-، تقدم.
قوله: "ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة" الحديث، تقدم الكلام على معنى قبول الطاعة في أماكن من هذا التعليق.
٣٥٨٣ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن الله بَعَثَنِي رَحْمَة وَهدى للْعَالمين وَأَمرَنِي أَن أمحق المزامير والكبارات يَعْني البرابط وَالْمَعَازِف والأوثان الَّتِي كَانَت تعبد فِي الْجَاهِلِيَّة وَأقسم رَبِّي بعزته لَا يشرب عبد من عَبِيدِي جرعة من خمر إِلَّا سقيته مَكَانهَا من حميم جَهَنَّم معذبا أَو مغفورا لَهُ وَلَا يسقيها صَبيا صَغِيرا إِلَّا سقيته مَكَانهَا من حميم جَهَنَّم معذبا أَو مغفورا لَهُ وَلَا يَدعهَا عبد من عَبِيدِي من مخافتي إِلَّا سقيتها إِيَّاه من حَظِيرَة الْقُدس رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق عَليّ بن زيد البرابط جمع بربط بِفَتْح الباءين الموحدتين وَهُوَ الْعود (^١).
قوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين" والعالمون جمع عالم وهو في الأصل ما سوى الله ﷿ والمراد بالعالمين ها هنا أصناف
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (١٢٣٠)، وأحمد ٥/ ٢٥٧ (٢٢٢١٨)، وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٧٣ رقم ٣٧٧٢/ ٢)، والحارث (٧٧١)، وابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (٦٩)، والروياني (١٢٣٠)، والآجرى في تحريم النرد (٦٠ و٦١)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٩٦ - ١٩٧ رقم ٧٨٠٣ و٧٨٠٤) و(٨/ ٢١١ رقم ٧٨٥٢)، والحسن بن رشيق في جزئه (١٥)، وابن عبد البر في الجامع (١٠٢٥) و(١٠٢٨)، وابن عساكر في ذم الملاهى (٤). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٦٩: رواه كله أحمد، والطبراني، وفيه علي بن يزيد، وهو ضعيف. ورواه أبو يعلى باختصار إلا أنه قال: فإن مات دخل النار. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٢١).
[ ١٠ / ٢٢٧ ]
المخلوقات، سمى كل صنف عالما كما يقال عالم الغيب وعالم الشهادة وعالم العقل وعالم الطبيعة وعالم الحس وعالم الخيال وعالم العلوي وعالم السفلي ونحو ذلك، وروي عن قتادة أو غيره من أهل العلم: أن لله ﷿ ثمانين ألف عالم كل عالم كالدنيا وما فيها (^١).
وقوله ﷿: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (^٢)، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (^٣) وقوله ﵊: "فاطمة سيدة نساء العالمين" أراد به خصوص العقلاء (^٤).
وقوله ﷿: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥) أراد به عموم هذه الموجودات بدليل قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٦) وكذلك و﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (^٧) لأن بركته ﵊ عمت الموجودات لأنه عرف الناس أحكامها وما ينبغي فيها وما لا ينبغي قاله الطوفي في شرح الأربعين النواوية (^٨).
_________________
(١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٥).
(٢) سورة الفرقان، الآية: ١.
(٣) سورة الجاثية، الآية: ١٦.
(٤) المصدر السابق (ص ٥).
(٥) سورة الفاتحة، الآية: ٢.
(٦) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.
(٧) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.
(٨) المصدر السابق (ص ٥).
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
قوله: "وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات [يعني البرابط] والمعازف والأوثان" الحديث، المحق إذهاب الشيء والمزامير جمع مزمار، والكبارات يعني البرابط جمع بربط وهو العود، قاله المنذري، والمعازف هي آلات اللهو كلها، وتقدم ذلك عن الجوهري لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر وقد توعد مستحلي المعازف في الأحاديث بأن يخسف الله بهم الأرض ويمسخهم قردة وخنازير وإن كان للوعيد على جميع هذه الأفعال فكل واحد منها قسط في الذم والوعيد والله أعلم.
تنبيه: وبالجملة فالمعروف من مذاهب الأئمة الأربعة أن الضرب بذوات الأوتار والاستماع إليها حرام ولا يجوز بيعها ولا أجرة لصانعها ولا غرم على كاسرها لصنعتها ولا يقطع سارقها ما لم يبلغ رضاضها نصابا، وقال الغزالي رحمه الله تعالى (^١): المنع منها لعلل، إحداها: أنها تدعو إلى مجالس الخمر وإلى شربه وأن الاجتماع إليها قد صار من عادة الفسقة ومن تشبه بقوم فهو منهم وأيضًا فإن للمحارم حمى ينسحب التحريم عليه كما حرمت الخلوة بالأجنبية لكونها مقدمة الجماع وحرم النظر إلى الفخذ لكونه متصلا بالسوءتين وحرم قليل الخمر وإن كان لا يسكر لأنه يدعوا إلى المسكر.
قوله -ﷺ-: "وأقسم ربي بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته مكانها من حميم جهنم معذبًا أو مغفورًا له" والقسم الحلف وتقدم الكلام
_________________
(١) إحياء علوم الدين (٢/ ٢٧٢).
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
على الجرعة في الصوم وتقدم الكلام أيضا على جهنم وأنها سبع طباق.
قوله: "ولا يسقيها صبيا صغيرا إلا سقيته مكانها من حميم جهنم" تقدم الكلام على حميم جهنم.
تنبيه: إنما يتناول هذا الوعيد المذكور في هذه الأحاديث شارب الخمر في حال التكليف اختيارا منه فأما الصبي والمجنون والمكره فلا يدخلون في هذا الوعيد، وقد دل ذلك قوله في الحديث: "ثم لم يتب منها" لأن التوبة إنما تكون من ذنب صدر، وهؤلاء لا ذنب عليهم بما صدر منهم وقد ورد في هذا الحديث وغيره على ساقيها للصغير ففي سنن أبي داود عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-: "ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" وترتب هذا الوعيد على مجرد شرب الخمر وإن لم يسكر بذلك عملا بمقتضى الحديث، وقد أجمع المسلمون على تحريم ما كان منها من عصير العنب بمجرد الشرب وإن قل وتقدم ذلك، واختلفوا في غيرها فمذهبنا ومذهب الأكثرين أن حكمها كذلك، وقال الحنفية: إنما يحرم من غيرها القدر المسكر ما لم يصل به إلى السكر والله أعلم، أ. هـ قاله شيخ الإسلام في شرح الأحكام (^١).
قوله في الحديث: "ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها إياه من حظيرة القدس" الحديث، حظيرة القدس: بالظاء المشالة الجنة لأنها محل الطهارة من أدناس الدنيا وتقدم ذلك.
_________________
(١) طرح التثريب (٨/ ٤١ - ٤٢).
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
٣٥٨٤ - وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من ترك الْخمر وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأسقينه مِنْهُ فِي حَظِيرَة الْقُدس وَمن ترك الْحَرِير وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأكسونه إِيَّاه فِي حَظِيرَة الْقُدس رَوَاهُ الْبَزَّار بِإسْنَاد حسن (^١).
٣٥٨٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من سره أَن يسْقِيه الله الْخمر فِي الْآخِرَة فليتركها فِي الدُّنْيَا وَمن سره أَن يكسوه الله الْحَرِير فِي الْآخِرَة فليتركه فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا شَيْخه الْمِقْدَام بن دَاوُد وَقد وثق وَله شَوَاهِد (^٢).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم.
قوله -ﷺ-: "من سره أن يسقيه الله الخمر في الآخرة فليتركها في الدنيا [] (^٣).
قوله: ورواته ثقات إلا [شيخه] المقدام بن داود [وقد وثق وقال النسائي في الكنى: ليس بثقة، وقال الدارقطني: ضعيف].
٣٥٨٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من شرب حسوة من خمر لم يقبل الله مِنْهُ ثَلَاثَة أَيَّام صرفا وَلَا عدلا وَمن شرب كأسا لم
_________________
(١) أخرجه البزار (٧٣٨١). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٦: رواه البزار، وفيه شعيب بن بيان قال الذهبي: صدوق، وضعفه الجوزجاني، والعقيلي، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٦٤) ووصححه في (٢٣٧٥).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٦٣ رقم ٨٨٧٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٤١٣). قال الطبراني: لم يرو هذا عن ابن ثوبان إلا أسد بن موسى. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٦: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. قال العراقي في تخريج الإحياء (١٩٢٧): رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٧٦).
(٣) بياض بالأصل.
[ ١٠ / ٢٣١ ]
يقبل الله صلَاته أَرْبَعِينَ صباحا ومدمن الْخمر حَقًا على الله أَن يسْقِيه من نهر الخبال قيل يَا رَسُول الله وَمَا نهر الخبال قَالَ صديد أهل النَّار رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة حكم بن نَافِع (^١).
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من شرب حسوة من خمر لم يقبل الله منه ثلاثة أيام صرفا ولا عدلا" الحسوة من الخمر وغيره بالفتح المرة وبالضم الجرعة من الشراب بقدر ما يحسى مرة واحدة (^٢)، وتقدم الكلام على القبول، وتقدم أيضا الكلام على الفريضة والنافلة في مواضع من هذا التعليق وتقدم تفسير الكأس في أحاديث الباب.
٣٥٨٧ - وَرُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت -﵁- عَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدهِ ليبيتن أنَاس من أمتِى على أشر وبطر وَلعب وَلَهو فيصبحوا قردة وَخَنَازِير باستحلالهم الْمَحَارِم واتخاذهم الْقَيْنَات وشربهم الْخمر وبأكلهم الرِّبَا ولبسهم الْحَرِير رَوَاهُ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة وَتقدم حَدِيث أبي أُمَامَة فِي مَعْنَاهُ (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٩٢ رقم ١١٤٦٥). قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧١: رواه الطبراني، وفيه حكيم بن نافع وهو ضعيف، وقد وثقه ابن معين وغيره. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٢٢).
(٢) النهاية (١/ ٣٨٧).
(٣) أخرجه عبد الله في زوائد المسند ٥/ ٣٢٩ (٢٢٧٩٠)، وابن شاذان في الثامن من أجزائه (١٣٨)، وابن أبى الدنيا في العقوبات (٣٤٧)، وابن عساكر في ذم الملاهى (١). وقال ابن =
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
قوله: وعن عبادة بن الصامت -﵁- تقدم الكلام عليه وعلى تفسير هذا الحديث.
٣٥٨٨ - وَعَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ -﵁- أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول يشرب نَاس من أمتِي الْخمر يسمونها بِغَيْر اسْمهَا يضْرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأَرْض وَيجْعَل مِنْهُم القردة والخنازير رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (^١).
قوله: وعن أبي مالك الأشعري -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" تقدم الكلام عليه وعلى تفسير ألفاظ هذا الحديث.
٣٥٨٩ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ فِي هَذِه الْأمة خسف ومسخ وَقذف قَالَ رجل من الْمُسلمين يَا رَسُول الله مَتى ذَلِك قَالَ إِذا ظَهرت القيان وَالْمَعَازِف وشربت الْخُمُور رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عبد الله بن
_________________
(١) = عساكر: تفرد به فرقد. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٥: رواه عبد الله بن أحمد. وفرقد ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٦٤) و(٢٣٧٧).
(٢) أخرجه ابن وهب في الجامع (٤٧)، وأحمد ٥/ ٤٢٣ (٢٢٩٠٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٠٤) و(٧/ ٢٢١)، وابن ماجه (٤٠٢٠) وابن حبان (٦٧٥٨)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٨٣ رقم ٣٤١٩)، وفي مسند الشاميين (٢٠٦١)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥١٢ رقم ١٧٣٨٣) و(١٠/ ٣٧٣ - ٣٧٤ رقم ٢٠٩٨٩)، وفي الشعب (٧/ ٤٢١ رقم ٥٢٢٧) والآداب (٦٢٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٧٨) وغاية المرام (٤٠٢).
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
عبد القدوس وَقد وثق وَقَالَ حَدِيت غَرِيب وَقد رُوِيَ عَن الْأَعْمَش عَن عبد الرَّحْمَن بن سابط مُرْسلا (^١).
قوله: وعن عمران بن حصين -﵁- تقدم الكلام عليه وعلى تفسير ألفاظ هذا الحديث.
٣٥٩٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يشرب الْخمر حرم الله عَلَيْهِ شربهَا فِي الْجنَّة وَمن مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يتحلى الذَّهَب حرم الله عَلَيْهِ لِبَاسه فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ ورواة أَحْمد ثِقَات (^٢).
قوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٢١٢)، وابن أبى الدنيا (٢)، والروياني (١٤٢)، والدانى في الفتن (٣٤٠)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٨/ ١٦٩)، والشجري في الأمالى (٢/ ٣٥٩) و(٢/ ٣٧٦). قال الترمذي: هذا حديث غريب. وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٠٤) وصحيح الترغيب (٢٣٧٩).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٦ (٦٥٥٦) و٢/ ٢٠٨ (٦٩٤٧) و٢/ ٢٠٩ (٦٩٤٨)، والبزار (٢٩٣٥/ كشف الأستار)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٤٩٧ - ٤٩٨ رقم ٤٠١٢/ ٣ و٤ و٥)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٦٠٠ رقم ١٤٥١٧)، وابن شاهين في الناسخ (٥٨٧). قال عبد الله بن أحمد: "ضرب أبي على هذا الحديث، فظننت أنه ضرب عليه لأنه خطأ، وإنما هو ميمون بن أستاذ، عن عبد الله بن عمرو، ليس فيه: "عن الصدفي"، ويقال: إن ميمون هذا هو الصدفي؛ لأن سماع يزيد بن هارون من الجريري في آخر عمره، والله أعلم". قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٤: "رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجاله ثقات". وقال الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٨٠): حسن صحيح.
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
قوله: "من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة" الحديث، هذا إذا لم يتب من ذلك.
٣٥٩١ - وَعَن مُعَاوِيَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من شرب الْخمر فاجلدوه فَإِن عَاد فِي الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه إِن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ إِذا شربوا الْخمر فَاجْلِدُوهُمْ ثمَّ إِن شربوا فَاجْلِدُوهُمْ ثمَّ إِن شربوا فَاجْلِدُوهُمْ ثمَّ إِن شربوا فاقتلوهم وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ (^١).
قوله: وعن معاوية -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من شرب الخمر فاجلدوه" الحديث، تقدم الكلام على جلد شارب الخمر، واختلاف العلماء في ذلك، هذا من باب التعليق في [الباب] أراد أنه لم يدخل الجنة لأن الخمر من شراب أهل الجنة فإذا لم يشربها في الآخرة لم يكن قد دخل الجنة، وقال الكرماني: قوله "حرمها" أي لا يشربها في الجنة كما قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ (^٢) (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤/ ٩٥ (١٦٨٥٩)، وأبو داود (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤)، وابن ماجه (٢٥٧٣)، والنسائي في الكبرى (٥٢٧٨) و(٥٢٧٩)، والطحاوى في معانى الآثار (٤٩٢٠ و٤٩٢١)، وابن حبان (٤٤٤٦)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٣٤ رقم ٧٦٨ و٧٦٩) و(١٩/ ٣٦٠ رقم ٨٤٤ و٨٤٥)، والحاكم ٤/ ٣٧٢، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥٤٤ رقم ١٧٥٠١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٦٠) وصحيح الترغيب (٢٣٨١).
(٢) سورة محمد، الآية: ١٥.
(٣) الكواكب الدرارى (٢٠/ ١٣٨).
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
فإن قلت: المعصية لا توجب الجنة؟ قلت: يدخلها ولا يشرب من نهرها فإنها من فاخر شراب أهلها؟ قلت: فيها كل ما تشتهيه النفس، قلت: قيل: إنه ينسى شهوتها، وقيل: لا يشتهيها وإن ذكرها، وقيل: دليل على أن التوبة تكفر المعاصي (^١)، أ. هـ.
٣٥٩٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا سكر فاجلدوه ثمَّ إِن سكر فاجلدوه ثمَّ إِن سكر فاجلدوه فَإِن عَاد فِي الرَّابِعَة فَاقْتُلُوهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَعِنْدَهُمَا فَإِن عَاد فِي الرَّابِعَة فاضربوا عُنُقه قَالَ الْحَافِظ قد جَاءَ قتل شَارِب الْخمر فِي الْمرة الرَّابِعَة من غير مَا وَجه صَحِيح وَهُوَ مَنْسُوخ وَالله أعلم (^٢).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله في هذا الحديث: "فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه" وفي حدي معاوية "فاقتلوه" قال الحافظ المنذري: قد جاء قتل شارب الخمر في المرة الرابعة من غير ما وجه صحيح وهو ومنسوخ والله أعلم.
تنبيه: والمختار في النسخ أنه عبارة عن رفع الشارع -ﷺ- حكما منه متقدما بحكم منه [بحكم منه]-ﷺ- متأخرا قاله في التنقيح على المصابيح (^٣).
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٨٠ (٧٧٦٢) و٢/ ٣٩١ (٧٩١١) و٢/ ٥٠٤ (١٠٥٤٧) و٢/ ٥١٩ (١٠٧٢٩)، وأبو داود (٤٤٨٤)، وابن ماجه (٢٥٧٢)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦٠ (٥٧٠٨) والكبرى (٥١٥٢)، وابن حبان (٤٤٤٧). وقال الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب (٢٣٨٢)، الصحيحة (١٣٦٠).
(٣) كشف المناهج (١/ ٥٩).
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
٣٥٩٣ - وَعَن ابْن عمر -﵄- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من شرب الْخمر لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد فِي الرَّابِعَة لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ لم يتب الله عَلَيْهِ وَغَضب الله عَلَيْهِ وسقاه من نهر الخبال قيل يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن وَمَا نهر الخبال قَالَ نهر يجْرِي من صديد أهل النَّار رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالْحَاكم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مَوْقُوفا عَلَيْهِ مُخْتَصرا وَلَفظه من شرب الْخمر فَلم ينتش لم تقبل لَهُ صَلَاة مَا دَامَ فِي جَوْفه أَو عروقه مِنْهَا شَيْء وَإِن مَاتَ مَاتَ كَافِرًا وَإِن انتشى لم تقبل مِنْهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَإِن مَاتَ فِيهَا مَاتَ كَافِرًا (^١).
قوله: وعن ابن عمر -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا" الحديث
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٧٠٥٨)، والطيالسي (١٩٠١)، وأحمد ٣/ ٣٥ (٤٩١٧)، والترمذي (١٨٦٢)، والنسائي في الكبرى (٥١٥٨) والمجتبى ٨/ ٤٦٤ (٥٧١٤)، وأبو يعلى (٥٦٨٦)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٩٠ رقم ١٣٤٤١)، وابن بشران (١٣٠)،، والطبراني (١٢/ ٤٠٤ رقم ١٣٤٩٢)، والبغوي (٣٠١٦) وابن الجوزي في العلل المتناهية (١١١٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي نحو هذا عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس، عن النبي -ﷺ-. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يثبت عن رسول الله -ﷺ- وفيه عطاء بن السائب وكان قد اختلط في آخر عمره وقال يحيى بن معين لا يحتج به بحديثه. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٨٣).
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
تقدم الكلام على معنى القبول في أحاديث الباب وفي غير ما موضع من هذا الحديث.
فائدة: الصحيح المشهور من مذهب الشافعي صحة إقرار السكران ونفوذ أقواله فيما له وعليه وبه قال مالك وأصحابه وذهبت طائفة إلى عدم اعتبار إقراره وأقواله واحتج مالك وجمهور الحجازيين أنه يحد من وجد منه ريح الخمر وإن لم تقم عليه بينة بشربها ولا أقر به ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرها أنه لا يحد بمجرد ريحها بل لا بد من بينة بشربها أو إقراره (^١)، أ. هـ.
تنبيه: وأحمق بيت قالته العرب قول القائل:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ تروي عظامي عند عروقها!
ولا تدفنني في الفلاة فإنني أخاف إذا مت ألا أذوقها (^٢)
٣٥٩٤ - وَفِي رِوَايَة للنسائي عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من شرب الْخمر فَجَعلهَا فِي بَطْنه لم تقبل مِنْهُ صَلَاة سبعا وَإِن مَاتَ فِيهَا مَاتَ كافِرًا فَإِن أذهبت عقله عَن شَيْء من الْفَرَائِض وَفِي رِوَايَة عَن الْقُرْآن لم تقبل مِنْهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَإِن مَاتَ فِيهَا مَاتَ كَافِرًا (^٣).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٠٠) وفي عبارة الشارح خلل من قوله (وبه قال مالك وأصحابه مع مخالفة آخر كلامه) وكذا هو عنده النووي قال: واحتج أصحاب مالك وجمهور الحجازيين أنه يحد من وجد منه إلى آخره.
(٢) هو الأعشى أبو محجن الثقفي حياة الحيوان الكبرى (٢/ ٤٤١).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٥/ ٩٧ (٢٤٠٦١)، والبزار (٢٣٧٨ و٢٣٧٩)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦٤ (٥٧١٤) و٨/ ٤٦٥ (٥٧١٥) والكبرى (٥١٥٨) و(٥١٥٩)، وابن =
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
قوله -ﷺ- في رواية النسائي: "من شرب الخمر فلم ينتش لم تقبل له صلاة ما دام في جوفه أو عروقه منها شيء وإن مات مات كافرا وإن انتشى لم تقبل منه صلاة أربعين يوما" الحديث، الظاهر والله أعلم ان المراد بقوله فلم ينتش أي لم تذهب عقله ولقوله وإن انتشى أي أذهبت عقله ويؤيد هذا الرواية الأخرى للنسائي: "من شرب الخمر فجعلها في بطنه لم تقبل له صلاة أربعين يوما".
تنبيه: وقد روى عن عروة بن الزبير أنه لما وقعت الأكلة في رجلة وأرادوا قطعها قال له الأطباء نسقيك دواء حتى يغيب عقلك ولا تحس بألم القطع فأبي وقال: ما ظننت أن خلقا يشرب شرابا يزول منه عقله حتى لا يعرف ربه (^١)، أ. هـ.
٣٥٩٥ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- قالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من شرب الْخمر فَسَكِرَ لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن مَاتَ دخل النَّار فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد فَشرب فَسَكِرَ لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن مَاتَ دخل النَّار فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد فَشرب فَسَكِرَ لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن مَاتَ دخل النَّار فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإن عَاد فِي الرَّابِعَة كَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال يَوْم الْقِيَامَة قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ عصارة أهل النَّار رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ الْحَاكِم مُخْتَصرا بِبَعْضِه قَالَ لَا يشرب الْخمر رجل من أمتِي فَتقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ
_________________
(١) = حبان في المجروحين (٣/ ١٠١)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤٠٤ رقم ١٣٤٩٢). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٢٣) والضعيفة (٦٨٧٤) وقال: منكر.
(٢) ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٢/ ٢١١، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٣٠، البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ١٨٠)، وجامع العلوم والحكم ٣/ ١٢٣٣.
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
صباحا وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).
قوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه وعلى تفسير هذا الحديث.
٣٥٩٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ كل مخمر خمر وكل مُسكر حرَام وَمن شرب مُسكرا بخست صلَاته أَرْبَعِينَ صباحا فَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإن عَاد الرَّابِعَة كَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال قيل وَمَا طِينه الخبال يَا رَسُول الله قَالَ صديد أهل النَّار وَمن سقَاهُ صَغِيرا لَا يعرف حَلَاله من حرَامه كَانَ حَقًّا على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٢).
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله: "كل مخمر خمر وكل مسكر حرام" الحديث، تقدم الكلام على ذلك.
_________________
(١) أخرجه أبو إسحاق الفزاري في السير (٦٤٠)، وأحمد في المسند ٢/ ١٧٦ (٦٦٤٤) و٢/ ١٩٧ (٦٨٥٤)، والدارمى (٢٢٥٨)، وابن ماجه (٣٣٧٧)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٢١)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٤٦١ (٥٧١٠) و٨/ ٤٦٦ (٥٧١٦)، والبزار (٢٤٦٩) و(٢٤٩٣)، والفريابي في القدر (٧٠)، وابن خزيمة (٩٣٩)، وابن حبان (٥٣٥٧)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٦٢٧ - ٦٢٨ رقم ١٤٥٤٩ - ١٤٥٥٢) ومسند الشاميين (٥٣١) (٥٣٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٠ - ٣١) و(١/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٨ رقم ٥٥٨١). قال الحاكم: هذا حديث صحيح قد تداوله الأئمة، وقد احتجا بجميع رواته ثم لم يخرجاه، ولا أعلم له علة. وقال الذهبي: على شرطهما، ولا علة له. وصححه الألباني في الصحيحة (٧٠٩) وصحيح الترغيب (٢٣٨٣) و(٢٣٨٤)، المشكاة (٣٦٤٤/ التحقيق الثاني).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٨٠)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٦ رقم ١٠٩٢٧)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٥٠١ رقم ١٧٣٤٤). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠٣٩) وضعف زيادة: (وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيرًا) كما في الضعيفة (٦٣٢٨) وضعيف الترغيب (١٤٢٤).
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
قوله -ﷺ-: "ومن شرب مسكرًا بخست صلاته أربعين صباحًا" البخس النقص ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (^١) الآية.
قوله -ﷺ-: "ومن سقاه صغيرا لا يعرف حلاله من حرام" تقدم الكلام على ذلك في أحاديث هذا الباب.
٣٥٩٧ - وَعَن أَسمَاء بنت يزِيد -﵂- أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من شرب الْخمر لم يرض الله عَنهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَة فَإِن مَاتَ مَاتَ كَافِرًا وَإِن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ فَإِن عَاد كَانَ حَقه على الله أَن يسْقِيه من طِينَة الخبال قيل يَا رَسُول الله وَمَا طِينَة الخبال قَالَ صديد أهل النَّار رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي ذَر بِإِسْنَاد حسن (^٢).
قوله: وعن أسماء بنت يزيد -﵄-، تقدم الكلام عليها.
قوله -ﷺ-: "من شرب الخمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة" الحديث، معناه يسخط عليه لأن الرضى ضده السخط ويؤيد هذا حديث عائشة بعده: "من شرب الخمر سخط الله عليه أربعين صباحًا" فنعوذ بالله من ذلك ونسأله التوبة إنه قريب سميع الدعاء.
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٨٥.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٨٠ رقم ٣٧٨٧/ ١)، وأحمد ٣/ ٤٦٠ (٢٧٦٠٣)، وابن أبى الدنيا في ذم المسكر (٢٥)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٨٠ رقم ٣٧٨٧/ ٢ و٣)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٦٨ - ١٦٩ رقم ٤٢٨ و٤٢٩)، والسمرقندي في تنبيه الغافلين (١٨٨)، والخطيب في موضح أوهام الجمع (١/ ٣٦٠). قال الخطيب: وَهَذَا حَدِيث مُتَّصِل الْإِسْنَاد صَالح الرِّجَال. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٦٩: رواه أحمد، والطبراني، وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف، وقد حسن حديثه، وبقية رجال أحمد ثقات. وقال الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٢٥) و(٢١٥٨): منكر.
[ ١٠ / ٢٤١ ]
٣٥٩٨ - وَعَن عَائِشَة -﵂- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ: من شرب الْخمر سخط الله عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ صباحًا وَمَا يدريه لَعَلَّ منيته تكون فِي تِلْكَ اللَّيَالِي فَإِن عَاد سخط الله عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ صباحًا وَمَا يدريه لَعَلَّ منيته تكون فِي تِلْكَ اللَّيَالِي فَإِن عَاد سخط الله عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ صباحا فَهَذِهِ عشرُون وَمِائَة لَيْلَة فَإِن عَاد فَهُوَ فِي ردغة الخبال قيل وَمَا ردغة الخبال قَالَ عرق أهل النَّار وصديدهم رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ وَفِيه إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَمن لَا يحضرني حَاله (^١).
٣٥٩٩ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من فَارق الدُّنْيَا وَهُوَ سَكرَان دخل الْقَبْر سَكرَان وَبعث من قَبره سَكرَان وَأمر بِهِ إِلَى النَّار سَكرَان إِلَى جبل يُقَال لَهُ سَكرَان فِيهِ عين يجْرِي مِنْهَا الْقَيْح وَالدَّم وَهُوَ طعامهم وشرابهم مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ وَأَظنهُ فِي مُسْند أبي يعلى أَيْضا مُخْتَصرا وَفِيه نَكَارَة (^٢).
قوله: وروي عن أنس بن مالك -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "من فارق الدنيا وهو سكران دخل القبر وهو سكران وبعث من قبره وهو سكران" الحديث.
تنبيه: يبعث كل عبد على ما مات عليه وقد ورد ذلك في
_________________
(١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٢٦)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٤٦). قال الذهبي في الميزان ترجمة ثعلبة بن مسلم (١/ ٣٤٤): عن أبي بن كعب، وعنه إسماعيل بن عياش بخبر منكر. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٤٢) وضعيف الترغيب (١٤٢٧).
(٢) أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية (١٨١٤)، وعنه ابن عدى في الكامل (١/ ٣٤٣)، ومن طريقه الأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٤٨). قال ابن عدى: وهذه الأحاديث مع غيرها مما رواه أبو هدبة كلها بواطيل، وهو متروك الحديث، بين الأمر في الضعف جدًّا. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٢٤٣) وضعيف الترغيب (١٤٢٨) و(٢١٥٨).
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
الحديث الصحيح من رواية جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" رواه مسلم (^١)، ووري صاحب قوت القلوب (^٢): أن النبي -ﷺ- قال: "من مات على مرتبة من المراتب بعثه الله عليها يوم القيامة" (^٣) وفي الحديث الصحيح أيضا من رواية عبد الله بن عمر أنه قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهم" خرجه البخاري (^٤) فالشهيد في سبيل الله يبعث وجرحه يثعب دما اللون لوم دم والعرف عرف المسك ومن مات سكران فإنه يعانق ملك الموت سكران ويعاين منكرا ونكير سكران ويبعث سكران إلى خندق في وسط جهنم يسمى السكران فيه عين يجري ماؤها دم لا يكون له طعما ولا شراب إلا فيه هكذا (^٥) رواه أنس عن رسول الله -ﷺ-، أ. هـ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨١ - ٢٨٧٧) و(٨٣ - ٢٨٧٨).
(٢) قوت القلوب (١/ ٦٦ و٢/ ١٢٩ و٢٧١).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣٠٣)، وأحمد ٦/ ١٩ (٢٣٩٤١) و(٢٣٩٤٥) و٦/ ٢٠ (٢٣٩٥٠)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٧٨، وابن قتيبة في غريب الحديث ١/ ٥٢٤ - ٥٢٥، وابن أبى عاصم في الجهاد (٣٠٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٥٢ و٢٥٣)، والطبراني في الكبير ١٨/ ٣٠٥ (٧٨٤ و٧٨٥)، والحاكم ١/ ٣٤٠ و٢/ ١٤٤ عن فضالة بن عبيد. وصححه الحاكم على شرطهما. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١١٣: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات في أحد السندين. وقال البوصيري في الاتحاف (٨/ ١٦٤): ورواته ثقات. وجوده الألباني في الصحيحة (٣٨٢).
(٤) أخرجه البخاري (٧١٠٨) وعنده: ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ. وأخرجه الطيالسي (١٩٣٢) وعنده "ثُمَّ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّاتِهِمْ، أَوْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ". وعند ابن الأعرابى (٤٩٢): "ثُمَّ يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(٥) التذكرة (ص ٤٩٤). والحديث الأول أخرجه البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٠٥ - =
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
وقال في كتاب كشف علوم الآخرة (^١): من الناس من يحشر بفتنته الدنيوية فقوم فتنوا بالعود واعلفوا عليه دهرهم فعند قيام أحدهم من قبره يأخذ العود بيمينه فيطرحه من يده ويقول: سحقا لك شغلتني عن ذكر الله تعال فيعود إليه ويقول أنا صاحبك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين وكذلك يبعث السكران سكران والزامر زامر وكل أحد على الحال الذي صده عن سبيل الله، وفي الخبر الصحيح أن شارب الخمر يحشر والكوز معلق في عنقه والقدح بيده وهو أنتن من كل جيفة على وجه الأرض يلعنه كل من مر به من الخلق فنسأل الله بقدرته الباهرة أن يعافينا من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، والله أعلم.
٣٦٠٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من ترك الصَّلَاة سكرا مرّة وَاحِدَة فَكَأنَّمَا كَانَت لَهُ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا فسلبها وَمن ترك الصَّلَاة أَربع مَرَّات سكرا كَانَ حَقًا على الله أَن يسْقِيه من طِينه الخبال قيل وَمَا طِينَة الخبال قَالَ عصارة أهل جَهَنَّم رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).
_________________
(١) = ١٨٧٦) عن أبى هريرة بلفظ: "لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب، اللون لون دم، والريح ريح مسك". وحديث أنس: أخرجه ابن عدى في الكامل (١/ ٣٤٣) من طريق عبد القدوس بن الحواري، حدثنا أبو هدبة، عن الأشعث الحراني، عن أنس بن مالك. وقال: وهذه الأحاديث مع غيرها مما رواه أبو هدبة كلها بواطيل، وهو متروك الحديث، بين الأمر في الضعف جدًّا.
(٢) الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة (ص ٦٤ - ٦٥) للغزالي، وعنه نقله القرطبي في التذكرة (٥٢٥ - ٥٢٦).
(٣) انظر ما بعده.
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
٣٦٠١ - وروى أَحْمد مِنْهُ من ترك الصَّلاة سكرا مرّة وَاحِدَة فَكَأنَّمَا كَانَت لَهُ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا فسلبها وَرُوَاته ثِقَات (^١).
قوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من ترك الصلاة سكرا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها" الحديث، السلب عبارة والله أعلم عن الأخذ [مما على القتيل ومعه من ثياب وسلاح ومركب وجنيب يقاد بين يديه].
٣٦٠٢ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا استحلت أمتِي خمْسًا فَعَلَيْهِم الدمار إِذا ظهر التلاعن وَشَرِبُوا الْخُمُور ولبسوا الْحَرِير وَاتَّخذُوا القيان وَاكتفى الرِّجَال بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاء بِالنسَاء رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَتقدم فِي لبس الْحَرِير (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن وهب (٧٩)، وأحمد ٢/ ١٧٨ (٦٦٥٩)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩٢٢)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٢٦٦ رقم ٦٣٧١)، وابن منده في مجالس من أماليه (٢٨٢)، والحاكم ٤/ ١٤٦، والبيهقي في الصغير (٣/ ٣٣٠ رقم ٢٦٦١) والكبرى (١/ ٥٧٣ رقم ١٨٢٩) و(٨/ ٤٩٩ رقم ١٧٣٣٨) والشعب (٧/ ٤٠٣ رقم ٥١٩٣)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٢٩). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ثم قال الذهبي: سمعه ابن وهب عنه وهو غريب جدا. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٠: رواه أحمد ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٤١٩) وصحيح الترغيب (٢٣٨٥).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٧ - ١٨ رقم ١٠٨٦) والشاميين (٥١٩)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٣)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٢٨ رقم ٥٠٨٤ و٥٠٨٥) و(٧/ ٣٢٩ رقم ٥٠٨٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عروة إلا عباد، تفرد به: النفيلي. وقال أبو نعيم: غريب من حديث عروة، عن أنس تفرد به عباد بن كثير. قال البيهقي: إسناده وإسناد ما قبله غير قوي، غير أنه إذا ضم بعضه إلى بعض أخذ قوة. وقال الهيثمي في المجمع =
[ ١٠ / ٢٤٥ ]
قوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: "إذا استحلت أمتي خمسا فعليهم الدمار" الدمار عبارة عن [الهلاك، يقال: دمر القوم يدمرون دمارا: أي هلكوا، ودمرهم مقتهم ودمرهم الله تدميرا. قال الله جل وعز: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ (^١) يعني به فرعون وقومه الذين مسخوا قردة وخنازير].
قوله -ﷺ-: "إذا ظهر التلاعن وشربوا الخمور ولبسوا الحرير واتخذوا القينات واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء" التلاعن عبارة عن لعن الناس بعضهم بعضا، وتقدم الكلام على شرب الخمر ولبس الحرير واتخاذ القينات، وأما قوله: "واكتفى الرجال بالرجال" المراد بذلك اللواط، واللواط عمل قوم لوط، وسيأتي الكلام عليه في بابه، وأما قوله "واكتفى النساء بالنساء" المراد بذلك مساحقة النساء بعضهن بعضا والله أعلم.
_________________
(١) = ٧/ ٣٣٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير الرملي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٥٤) و(٢٣٨٦).
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٣٦.
[ ١٠ / ٢٤٦ ]