٣٤٧٠ - عَن أبي بكرَة - ﵁ - قَالَ: كُنَّا عِنْد رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ: أَلا أنبئكم بأكبر الْكَبَائِر ثَلَاثًا الْإِشْرَاك بِالله وعقوق الْوَالِدين وَشَهَادَة الزُّور أَلا وَشَهَادَة الزُّور وَقَول الزُّور وَكَانَ مُتكئا فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى قُلْنَا ليته سكت رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ (^١).
قوله: عن أبي بكرة (^٢) - ﵁ - أبو بكرة: اسمه نفيع، وقيل: نويفع بن الحارث بن كلدة بفتح الكاف واللام، وأمه وأم أخيه زياد سمية أمة الحارث بن كلدة، وقيل: له أبو بكرة لأنه تدلى إلى رسول الله من حصره الطائف بكرة، مات بالبصرة - ﵁ - سنة إحدى وخمسين وقيل اثنين وخمسين.
قوله - ﷺ -: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا" الحديث، فيه: دليل على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر وعليه يدل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (^٣) الآية (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصحيح (٢٦٥٤) و(٥٩٧٦) و(٦٢٧٣ و٦٢٧٤) و(٦٨٧١) و(٦٩١٩) والأدب المفرد (١٥) وبر الوالدين (٢٠)، ومسلم (١٤٣ - ٨٧)، والترمذي (١٩٠١) و(٢٣٠١) و(٣٠١٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وأبو بكرة اسمه نفيع بن الحارث. وقال في الرواية الأخيرة: هذا حديث حسن غريب صحيح.
(٢) الاستيعاب (٤/ ترجمة ٢٦٦٠ و٥/ ترجمة ٢٨٧٧، وأسد الغابة (٥/ ترجمة ٤٨٦٩ و٥/ ترجمة ٥٢٨٩)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ترجمة ٧٤٣)، والإصابة ٦/ ترجمة ٨٨١٨.
(٣) سورة النساء، الآية: ٣١.
(٤) إحكام الأحكام (٢/ ٢٧٣)، والعدة في شرح العمدة (٣/ ١٥٦٨).
[ ١٠ / ١٠ ]
وقال الأستاذ أبو إسحاق (^١): ليس في الذنوب صغائر بل الجميع كبائر نظرًا إلى عظمة من يعصي فكل ما نهي الله تعالى عنه فهو كبيرة.
وعلى الأول فاختلفوا في الكبائر فمنهم من حصرها بالعد فعدها سبعا وزاد بعض السلف فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع ومنهم من سلك طريق الحصر بالضوابط فقال بعضهم: كل ذنب قرب به لعن أو وعيد أو حد فهو كبيرة فتغيير منار الأرض كبيرة لقوله - ﷺ -: "لعن الله من غير منار الأرض" (^٢) والمراد طرفها وحدودها وقتل المؤمن كبيرة لاقتران الوعيد به والمحاربة والزنى والقذف والسرقة كبائر لاقتران الحدود بها، قال في الروضة (^٣): وعد من الكبائر القتل والزنا واللواط وشرب قليل الخمر والسرقة والقذف وشهادة الزور وغصب المال والفرار من الزحف وأكل
_________________
(١) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الاسفراييني. الأصوليّ، الشافعيّ، الملقب: ركن الدين. من مصنفاته: جامع الخلي في أصول الدين، والرد على الملحدين في خمس مجلدات. توفي سنة ٤١٨ بنيسابور. انظر: الأنساب للسمعاني ١/ ٢٣٧، واللباب لابن الأثير ١/ ٥٥، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٥٣، وشذرات الذهب ٣/ ٢٠٩، وطبقات الشافعيّة ٤/ ٢٥٦. وقوله هذا نقله القرطبي في التفسير (٥/ ١٥٩)، وابن العطار في العدة شرح العمدة (٣/ ١٥٦٨ - ١٥٦٩)، والنووى في شرحه على مسلم (٢/ ٨٤)، وابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٤٠٩)، وابن النحاس في تنبيه الجاهلين (ص ١٣١) ونسب هذا القول إلى المحققين القاضي عياض كما في إكمال المعلم (١/ ٣٥٥).
(٢) أخرجه مسلم (٤٣ و٤٤ و٤٥ - ١٩٧٨)، والنسائي في المجتبى ٧/ ١٥٤ (٤٤٦٣) والكبرى (٤٤٩٦) عن على بن أبي طالب.
(٣) روضة الطالبين (١١/ ٢٢٢ - ٢٢٤).
[ ١٠ / ١١ ]
الربا ومال اليتيم وعقوق الوالدين والكذب على رسول الله - ﷺ - عمدا وكتمان الشهادة بلا عذر والإفطار في رمضان بلا عذر واليمين الفاجرة وقطع الرحم والخيانة في كيل أو وزن وتقديم الصلاة على وقتها أو تأخيرها عنه بلا عذر وضرب مسلم بلا حق وسب الصحابة وأخذ الرشوة والدياثة والقيادة من الرجل والمرأة والسعاية عند السلطان ومنع الزكاة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ونسيان القرآن واحراق الحيوان وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب واليأس من رحمة الله والأمر من مكر الله تعالى والوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن ومما عد من الكبائر الظهار وأكل لحم الخنزير والميتة بلا عذر ومن الكبائر السحر، ونقل المحاملي عن الشافعي أنه قال: الوطء في الحيض كبيرة والنميمة، وقد عد بعضهم الغيبة من الصغائر وهو صاحب العمدة وفي عد الغيبة من الصغائر نظر (^١)، فقد نقل الكرابيسي (^٢) عن الشافعي في أدب القضاء إن الغيبة كبيرة مستدلا بقوله - ﷺ - في حجة الوداع "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" الحديث (^٣).
قوله - ﷺ -: "وشهادة الزور وقول الزور" الحديث، الظاهر الذي يقتضيه عموم الحديث وإطلاقه والقواعد أنه لا فرق في كون شهادة الزور بالحقوق
_________________
(١) إحكام الأحكام (٢/ ٢٧٦)، والعدة (٣/ ١٥٧٧).
(٢) خادم الرافعى (مخ ٢٣٥٠ ظاهرية/ لوحة ٥/ أ).
(٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر (٢/ ٢٠). والحديث أخرجه البخاري (٦٧) و(١٠٥) و(٤٤٠٦) و(٥٥٥٠) و(٧٠٧٨) و(٧٤٤٧)، ومسلم (٣٠ - ١٦٧٩)، وابن حبان (٣٨٤٨) و(٥٩٧٣) عن أبي بكرة.
[ ١٠ / ١٢ ]
كبيرة بين أن تكون بحق عظيم أو حقير (^١).
قوله: وكان متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت، فجلوسه للاهتمام بهذا الأمر وهو يعيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه فدل الحديث على تعظيم إثم شهادة الزور وكثرة التساهل فيها فأكد ذلك فإن التكرار يفيد التأكيد لا سيما وكان متكئا فجلس تعظيما لشأنها ومبالغة في التحذير منها واهتماما بتبليغها (^٢).
وأما قولهم: "ليته سكت" إنما قالوه وتمنوه شفقة على رسول الله وكراهة لما يزعجه ويغضبه من شدة المبالغة في ذلك (^٣). وفيه ما كانوا عليه من تعظيمه - ﵇ - ومحبته والشفقة عليه حتى يودوا لو فدوه بأنفسهم (^٤).
ففيه الدليل على عظيم أمرها وإنما كررها لعظم مفسدتها وعظم المفسدة من وجهين، أحدهما: ذكر بعضهم أن شاهد الزور يهلك ثلاثة نفسه والمشهود له والمشهود عليه، الثاني: أن شاهد الزور لما كان متمكنا من الشهادة على الدماء وإهلاك الأنفس والأموال وغيرها وقد تحمله العداوة والحسد على ذلك أغلظ - ﷺ - في الزجر عنها لعظم مفسدتها وتعدي ضررها (^٥)، أ. هـ قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام.
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).
(٢) العدة (٣/ ١٥٧٦ - ١٥٧٧) وشرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).
(٣) العدة (٣/ ١٥٧٧) وشرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).
(٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).
(٥) رياض الأفهام (٥/ ٣٧٨).
[ ١٠ / ١٣ ]
٣٤٧١ - وَعَن أنس - ﵁ - قَالَ ذكر رَسُول الله - ﷺ - الْكَبَائِر فَقَالَ الشّرك بِالله وعقوق الْوَالِدين وَقتل النَّفس وَقَالَ أَلا أنبئكم بأكبر الْكَبَائِر قَول الزُّور أَو قَالَ شَهَادَة الزُّور رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (^١).
قوله: وعن أنس - ﵁ - تقدم.
قوله: ذكر رسول الله - ﷺ - الكبائر فقال "الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس" الحديث، فإن قلت: لا شك أن الشرك أكبر الكبائر فما وجه الآخرين؟ قلت: لأنهما أيضًا يشابهانه من حيث أن الأب سبب وجوده ظاهر أو هو يرثه ومن حيث أن المزور يثبت الحق لغير مستحقه [وكذلك] ذكرهما الله تعالى في سلكه قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (^٢) وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (^٣) (^٤).
قوله في آخر الحديث: "قول الزور أو قال شهادة الزور" الزور الكذب والباطل، سمي زورًا لأنه ميل عن الحق، ومنه قوله تعالى: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ (^٥) ومدينة ومدينة زوراء أي مائلة وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور (^٦)، أ. هـ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٥٣) و(٥٩٧٧)، ومسلم (١٤٤ - ٨٨)، والترمذي (١٢٠٧) و(٣٠١٨)، والنسائي في المجتبى ٦/ ٤٩٠ (٤٠٤٥) و٧/ ٤٤٣ (٤٩١١).
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.
(٣) سورة الحج، الآية: ٣٠.
(٤) الكواكب الدرارى (١١/ ١٧٥).
(٥) سورة الكهف، الآية: ١٧.
(٦) تفسير القرطبي (١٢/ ٥٥).
[ ١٠ / ١٤ ]
٣٤٧٢ - وَعَن خريم بن فاتك - ﵁ - قَالَ صلى رَسُول الله - ﷺ -: صَلَاة الصُّبْح فَلَمَّا انْصَرف قَامَ قَائِما فَقَالَ عدلت شَهَادَة الزُّور بالإشراك بِالله ثَلَاث مَرَّات ثم قَرَأَ ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (^١) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود بِإِسْنَاد حسن (^٢).
قوله: وعن خريم بن فاتك (^٣) - ﵁ - هو: أبو يحيى، وقيل: أبو أيمن، خريم بضم الخاء وفتح الراء بن فاتك بن القليب بضم القاف بن عمرو بن أسد بن
_________________
(١) سورة الحج، الآيتان: ٣٠ - ٣١.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٧٤٤ و٧٤٥) والمصنف ٤/ ٥٤٩ (٢٣٠٣٩)، وأحمد ٤/ ٣٢١ (١٩٢٠٠)، وأبو داود (٣٥٩٩)، والترمذي (٢٣٠٠)، وابن ماجه (٢٣٧٢)، والبرديجى في من روى في الكبائر (٨)، والطبراني في الكبير (٤/ ٢٠٩ رقم ٤١٦٢)، والبيهقي في الآداب (٣٠٣) والكبرى (١٠/ ٢٠٧ رقم ٢٠٣٨٣) والشعب (٦/ ٤٩٣ - ٤٩٤ رقم ٤٥٢٠). وقال الترمذي: هذا عندي أصح، وخريم بن فاتك له صحبة، وقد روى عن النبي - ﷺ - أحاديث وهو مشهور. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١١٠) والمشكاة (٣٧٧٩) وضعيف الترغيب (١٣٨٢). وأما موقوف ابن مسعود: وأخرجه عبد الرزاق (١٥٣٩٥)، وابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ٥٤٩ (٢٣٠٣٨)، والخلال في السنة (١٣٢٤)، وابن المنذر في الأوسط (٦٦٨٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٠٩ رقم ٨٥٦٩)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٤٩٤ - ٤٩٥ رقم ٤٥٢١). قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٠ - ٢٠١: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٠١).
(٣) ترجمته: الاستيعاب ٢/ الترجمة ٦٤٣، وأسد الغابة ٢/ الترجمة ١٤٤٠، والإصابة ٢/ الترجمة ٢٢٥١.
[ ١٠ / ١٥ ]
خزيمة الأسدي، شهد هو وأخوه سبرة بدرا، وقيل: لم يشهدها والصحيح الأول وبه قال البخاري والأكثرون، وهو معدود في الشاميين وقبل في الكوفيين نزل الرمية.
قوله: "صلاة الصبح فلما انصرف قام قائما فقال عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثلاث مرات" وإنما عادلته لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (^١) ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (^٢) فهذا الحديث ليس على ظاهره وذلك أن الشرك أكبر من شهادة الزور بلا شك وكذلك قتل النفس فلا بد من تأويله (^٣)، وقال النووي (^٤): ليس على ظاهره المتبادر إلى الأفهام منه وذلك أن الشرك أكبر منه بلا شك وكذلك القتل فلا بد من تأويله، وفي تأويله أوجه، أحدها: أنه محمول على الكفر فإن الكافر شاهد بالزور وقائل به والثاني أنه محمول على المستحيل فيصير بذلك كافرا، والثالث: أن المراد من أكبر الكبائر [كما قدمناه] في نظائره وهذا الثالث هو الظاهر والصواب فأما حمله على الكفر [فضعيف لأن] هذا [خرج مخرج] الزجر عن شهادة الزور في الحقوق وأما قبح الكفر وكونه أكبر الكبائر فكان معروفا عندهم ولا يتشكك أحد من أهل القبلة في ذلك فحمله عليه يخرجه عن الفائدة.
_________________
(١) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٧٢.
(٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٨).
(٤) شرح النووي على مسلم (٢/ ٨٧ - ٨٨).
[ ١٠ / ١٦ ]
٣٤٧٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول من شهد على مُسلم شَهَادَة لَيْسَ لَهَا بِأَهْل فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَن ثَانِيه لم يسم (^١).
قوله: وعن أبي هريرة - ﵁ - تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "من شهد على مسلم شهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من النار" تقدم الكلام على ذلك في مواضع من هذا التعليق.
٣٤٧٤ - وَعَن ابْن عمر - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُول الله - ﷺ - لن تَزُول قدم شَاهد الزُّور حَتَّى يُوجب الله لَهُ النَّار رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَلَفظه عَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ إِن الطير لتضرب بمناقيرها وتحرك أذنابها من هول يَوْم الْقِيَامَة وَمَا يتَكَلَّم بِهِ شَاهد الزُّور وَلَا تفارق قدماه على الأَرْض حَتَّى يقذف بِهِ فِي النَّار (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (٢٧١٧)، وأحمد ٢/ ٥٠٩ (١٠٧٦٧)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٥٨) وذم الغيبة (١٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٢٣٠). قال العراقى في تخريج الإحياء (١٠٤٨): أخرجه أحمد وابن أبي الدنيا وفي رواية أحمد رجل لم يسم أسقطه ابن أبي الدنيا في الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٠: رواه أحمد. وتابعيه لم يسم، وبقية رجاله ثقات. وقال البوصيرى في الاتحاف ٥/ ٤٢٦: هذا حديث ضعيف، لجهالة بعض رواته. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٦٥٥) وضعيف الترغيب (١٣٨٣).
(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٠٨)، وابن ماجه (٢٣٧٣)، وحنبل في جزئه (١٢)، والحارث في المسند (٤٦٥)، ووكيع في أخبار القضاة (٣/ ٣٤)، وأبو يعلى (٥٦٧٢)، وابن المنذر في الأوسط (٦٦٩٣)، والعقيلي ٤/ ١٢٣ و٤/ ٣٦٣، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣١٩ - ٣٢٠ رقم ٧٦١٦) و(٨/ ١٩١ رقم ٨٣٦٧) والكبير (١٣/ ١٣١ رقم =
[ ١٠ / ١٧ ]
قوله: وعن ابن عمر - ﵄ -، تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار" الحديث، ففي رجاله محارب بن دثار استدل به الشيخ لتفريق الشهود إذا ارتاب الحاكم فيهم، وله قصة وهي أن أبا حنيفة قال: كنت عند محارب بن دثار وهو قاض بالكوفة فجاءه رجل ادعى على رجل حقا فأنكره فأحضر المدعي
_________________
(١) = ١٣٨٠٢)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٣١٦)، والحاكم ٤/ ٩٨، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٦٤)، والخطيب في تاريخ بغداد ٣/ ٧٠٥ و١٢/ ٣٣٨، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٠٨ رقم ٢٠٣٨٤)، وابن الجوزى في العلل (١٢٦٨ - ١٢٧٠). قال أبو حاتم في العلل (١٤٢٦): هذا حديث منكر، ومحمد بن الفرات ضعيف الحديث. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير إلا أبو الجهم، ولا عن أبي الجهم إلا سعد بن الصلت، تفرد به: شاذان. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الدارقطني في أطراف الغرائب والأفراد ٣/ ٤٢٨: تفرد به محمد بن خليد عن خلف بن خلاف عن مسعر عنه. قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يثبت أما الطريق الأول والثاني فقال يحيى محمد ابن الفرات ليس بشيء وقال أبو بكر بن أبي شيبة هو كذاب وقال أبو داؤد روى عن محارب بن دثار أحاديث موضوعة وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به وأما الطريق الثالث ففيه محمد بن خليد. قال ابن حبان: يقلب الأخبار ويسند الموقوف لا يحل الاحتجاج به إذا انفرد. وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من لا أعرفه. وقال في ١٠/ ٣٣٦: رواه أبو يعلى، والطبراني باختصار عنه إلا أنه قال: "وتطرح ما في بطونها، وليست عليها مظلمة، فاتقه". وفي إسناده محمد بن الفرات، وهو كذاب. وقال البوصيرى في الزجاجة ٣/ ٥٥: هذا إسناد ضعيف محمد بن الفرات أبو علي الكوفي متفق على ضعفه وكذبه الإمام أحمد. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٢٥٩) و(١٢٦٠) و(٢٥١٠) وضعيف الترغيب (١٣٨٤).
[ ١٠ / ١٨ ]
شاهدين فشهدا له، فقال المشهود عليه: والذي بأمره تقوم السماء والأرض لقد كذبا على في الشهادة، وكان محارب متكئا فاستوى جالسا وقال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمي ما في حواصلها من هول القيامة وإن شاهد الزور لا تزول قدمها حتى يتبوأ مقعده من النار" فإن صدقتما فاثبتا وإن كبتما فغطيا رءوسكما وانصرفا (^١)، أ. هـ، وهذا رواه الحسن بن زياد اللؤلؤي عن أبي حنيفة بنحوه وأبسط من هذا.
تتمة: محارب بن دثار السدوسي قاضي الكوفة توفي سنة عشرين ومائة، روى البيهقي عن أبي الصهباء التيمي أنه قال: جئت محارب بن دثار فإذا هو قائم يصلي فلما رأني أخف الصلاة ثم جلس في مجلس القضاء ثم بعث إلي مخاصم أو مسلم أو ذو حاجة قال: فقلت بل مسلم فذهب الرسول فأخبره ثم أتاني فقال لي نم فقمت فسلمت عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أجلس هذا المجلس الذي ابتليتني به وقدرته علي إلا وأنا أكرهه وأبغضه فاكفني شر ثم أخرج خرقة نظيفة فوضعها على وجهه ولم يزل يبكي حتى قمت قال: فمكث ما شاء الله ثم ولي بعده ابن شبرمة قال: فجئت إليه فإذا هو قائم يصلي فلما رآني خفف الصلاة ثم بعث إلي أمخاصم أو مسلم أو حاجة فقلت: لا بل مسلم، فذهب الرسول فأخبره ثم أتاني فقال: قم فقمت فسلمت عليه وجلست إلى جانبه فقال: حدثني حديث [أخي]
_________________
(١) الشرح الكبير على المقنع (٢٨/ ٤٩٠)، والقناع (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
[ ١٠ / ١٩ ]
محارب بن دثار فحدثته الحديث، فقال: اللهم (إنك) تعلم أني لم أجلس هذا المجلس الذي ابتليتني به إلا وأنا أحبه وأشتهيه فاكفني شر عواقبه ثم أخرج خرقة فوضعها على وجهه فما زال يبكي حتى قمت (^١).
[وقال أبو جعفر محمد بن العباس:] ولما ولي محارب بن دثار القضاء قيل للحكم بن عيينة ألا تأتيته، قال: والله ما نال عندي غنيمة فأهنيه عليها ولا أصيب عند نفسه بمصيبة فأعزيه وما كنت زوارا له قبل اليوم فأزوره اليوم (^٢).
وروي البيهقي (^٣) عن محارب بن دثار أنه كان يرفع صوته بالليل يقول: إلهي أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد وأنا الأعزب الذي زوجته فلك الحمد وأنا الساغب الذي أشبعته فلك الحمد وانا العاري الذي كسوته فلك الحمد وأنا الغريب الذي آويته فلك الحمد وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد ربنا ولك الحمد ربنا حمدا كثيرا على كل حال، أ. هـ.
خاتمة الباب: اختلف العلماء في عقوبة شاهد الزور فذكر عبد الرزاق عن مكحول عن الوليد بن أبي الوليد أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله بالشام
_________________
(١) أخرجه البيهقي (١٠/ ١٦٧ رقم ٢٠٢٣٢).
(٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٠/ ١٦٧ - ١٦٨ رقم ٢٠٢٣٣).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (١٩٩) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦ رقم ٤٢٧٦).
[ ١٠ / ٢٠ ]
في شاهد الزور أن يجلد أربعين ويسخم وجهه ويحلق رأسه ويطال حبسه (^١).
وفي رواية أخرى عن [ابن] (^٢) عمر أنه أمر أن يسخم وجهه وتلقى عمامته في عنقه ويطاف به في القبائل ويقال هذا شاهد زور ولا تقبل شهادته أبدًا (^٣).
وروي ابن وهب عن مالك أنه يجلد ويطاف به ويشنع به، وقال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال: لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب وحسنت توبته اتباعا لقول عمر بن الخطاب، وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد: يعزر، وقال الشافعي: يعزره ويشهر به، وقال [أحمد وإسحاق و] أبو ثور كذلك وقال شريح: يشهر ولا يعزر وهو قول أبي حنيفة، وقال الطحاوي (^٤): شهادة الزور فسق ومن فسق (رجلا عزر بوجود الفسق فيه أولى أن يستحق به التعزير، ولا يختلفون أن من فسق بغير شهادة الزور؛ أن توبته مقبولة) وشهادته بعد التوبة مقبولة (^٥) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.
٣٤٧٥ - وَعَن أبي مُوسَى - ﵁ - عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ من كتم شَهَادَة إِذا دعِي إِلَيْهَا كَانَ كمن شهد بالزور حَدِيث غَرِيب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٣٩٢ و١٥٣٩٣) وابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٥٣٢ (٢٨٧١٣) من طريقين عن مكحول عن الوليد بن أبي مالك.
(٢) كذا هو في الأصل وإنما هو عن عمر وابن عمر لم يل من الأمر شيئًا.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٥٣٩٤) من طريق الأحوص بن حكيم، عن أبيه.
(٤) شرح الصحيح (٨/ ٣٢) لابن بطال.
(٥) شرح صحيح البخاري (٨/ ٣٢) لابن بطال.
[ ١٠ / ٢١ ]
من رِوَايَة عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث وَقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ (^١).
قوله: وعن أبي موسى - ﵁ - تقدم الكلام عليه. قوله - ﷺ -: "من كتم شهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزور" الحديث، وأما كتمان الشهادة بلا عذر فالذي يظهر أن مفسدته لا تنتهي إلى مفسدة شهادة الزور ولتمكن المدعي من تحليف المدعي عليه ولأنه قد يشهد بعد ذلك والله أعلم.
* * *
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٧٠ رقم ٤١٦٧). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن مكحول إلا العلاء، ولا عن العلاء إلا معاوية، ولا عن معاوية إلا عبد الله بن صالح، تفرد به: أبو قرة. قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الله بن صالح وثقه عبد الملك بن شعيب بن الليث، فقال: ثقة مأمون. وضعفه جماعة. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٢٦٧) وضعيف الترغيب (١٣٨٥) وضعيف الجامع (٥٨١١).
[ ١٠ / ٢٢ ]