٢٨٩٠ - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ قَالَ اللّه تَعَالَى ثَلَاثة أَنا خصمهم يَوْم الْقِيَامَة وَمن كنت خَصمه خصمته رجل أعْطى بِي ثمَّ غدر وَرجل بَاعَ حرا فَأكل ثمنه وَرجل اسْتَأْجر أَجِيرا فاستوفى مِنْهُ وَلم يُعْطه أجره رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَة وَغَيرهمَا (^١).
قوله: عن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه.
قوله: عن النبي - ﷺ - قال قال اللّه تعالى: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته" الحديث أي الطالب لهم بما اكتسبوه قال الشيخ تقي الدين السبكي (^٢): الحكمة في كون اللّه تعالى خصمهم أنهم جنوا على حقه ﷾ فإن الذي أعطى به ثم غدر جنى على عهد الله تعالى بالخيانة والنقض وعدم الوفاء ومن حق اللّه تعالى أن يوفي بعهده والذي باع حرا وأكل ثمنه جنى على حق اللّه تعالى فإن حقه في الحر إقامته لعبادته التي خلق الأنس
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٢٧) و(٢٢٧٠)، وابن ماجة واللفظ له (٢٤٤٢)، وأبو يعلى (٦٥٧١)، وابن الجارود في المنتقى (٥٧٦)، وابن المنذر في الأوسط (٧٧٩٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٨٧٨) و(٣٠١٥)، وابن حبان (٧٣٣٩). وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧٦٣)، وضعيف الترغيب (١١٨٢) و(١١٩٣) و(١٧٧٧)، والإرواء (١٤٨٩/ ١).
(٢) فتاوى السبكى (١/ ٤٤٥).
[ ٨ / ٤٨١ ]
والجن لها قال اللّه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^١) فمن (استرق) حرا فقد عطل عليه العبادات المختصة بالأحرار كالجمعة والحج والجهاد والصدقة وغيرها وكثيرا من النوافل المعارضة لخدمة السيد فقد ناقض حكمة اللّه تعالى في الوجوه ومقصودة من عباده فلذلك عظمت هذه الجريمة قال: فإن قلت إن كثيرًا من الأحرار يختارون بيع أنفسهم وأولادهم لملك من الملوك أو ذي جاءه ليحصل له بذلك من المرتبة والمنزلة والمال ما لا يحصل لكثير من الأحرار فكيف يعظم الإثم على من فعل ذلك وكذلك كثير من الأرقاء لا يختارون العتق ويضر بهم العتق في تحصيل المعيشة لأنه يكون مكتفيا بنفقة سيده فيصير بعد العتق كلا على الناس.
فالجواب أن هذا السائل ناظر إلى المصالح الدنيوية والشارع ناظر إلى المصالح الأخروية وكم بينهما والحر يتفرغ لعبادة اللّه تعالى فالذي يرغب في الرق لتحصل له الرفعة في الدنيا والجاه والمال رغب في شيء يسير فإن ترك العبادة والإزدياد منها التي كلّ واحدة أي منها خير من الدنيا وما عليها وكذلك الرقيق الكاره للعتق إنما كرهه لجهله فإن رقه يفوت عليه مصالح الآخرة الكثيرة الباقية فكيف يرغب عنه لمصلحة قليلة والعتق يحصل له السعادة الأبدية ويتوكل في الرزق على اللّه تعالى فإن رزقه رزقا
_________________
(١) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
[ ٨ / ٤٨٢ ]
رغدا حصلت له الدنيا والآخرة وإلا حصلت له الآخرة فهو على كلّ حال (إذا نظر إلى) الآخرة وهو مقصود الشارع ولكن غالب الجهلة ينظرون إلى الحظوظ الدنيوية والمتقون لا ينظرون لذلك قال: والرجل الذي استأجر أجيرا بمنزلة من استعبد الحر وعطله عن كثير من (نوافل) العبادات فشابه الذي باع حرا فأكل ثمنه فلذلك عظم ذنبه قال ابن بطال (^١): أعطي بي ثم غدر يريد نقض العهد الذي عاهد عليه اللّه.
قوله: "استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" داخل في معنى من باع حرا فأكل ثمنه لأن المسلمين أكفاء في الخدمة والذمة للمسلم على المسلم أن ينصره ولا يظلمه وأن ينصحه ولا يسلمه وليس في الظلم أعظم من أن يستعبده أو يعرضه إلى ذلك ومن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح اللّه وألزمه (حال) الذل والصغار فهو ذنب عظيم ينازع (اللّه به) في عباده قال ابن المنذر (^٢): وكل من لقيت من أهل العلم على أنه من باع حرا لا قطع عليه ويعاقب ويروى عن ابن عباس أنه قال: يرد البيع ويعاقبان وروي عن علي أنه تقطع يد البائع والصواب قول جماعة أنه ليس بسارق ولا يجوز قطع غير السارق.
_________________
(١) شرح الصحيح (٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٢) الأوسط لابن المنذر (١٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣) وأسند قول ابن عباس (٩٠٦٢) وقول على (٩٠٦٣).
[ ٨ / ٤٨٣ ]
قوله: وأكل ثمنه معناه انتفع به على أي وجه كان وذكر الأكل لأنه أخص المنافع (^١) كقوله: تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ (^٢) أموال الناس بالباطل وقوله ﷾: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (^٣)، ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ (^٤) ا. هـ قاله في الديباجة.
قوله: "رجل أعطي بي ثم غدر" أعطي به علي بناء الفاعل ومعنى أعطي بي أي أعطي الأمان باسمى أو بذكرى أو بما شرعته من ديني وذلك بان يقول للمستجير لك ذمة اللّه أو عهد اللّه ثم يغدر به بعد ذلك (^٥) ورجل باع حرا فأكل ثمنه تقدم معناه في قول السبكي ورجل استأجرا أجير فاستوفى منه ولم يعطه أجره الحديث إذا كان هذا في رجل استأجره فكيف بمن يأخذ الناس قهرا قاله في قمع النفوس (^٦).
٢٨٩١ - وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: "أعْطوا الْأَجِير أجره قبل أَن يجِف عرقه" رَوَاهُ ابْن مَاجَة من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم وَقد وثق قَالَ ابْن عدي أَحَادِيثه حسان وَهُوَ مِمَّن احتمله النَّاس وَصدقه
_________________
(١) فيض القدير (٣/ ٣١٥).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٤.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٣٠.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٥) الميسر (٢/ ٧١٠).
(٦) قمع النفوس (لوحة ٦١/ ب) لتقى الدين الحصنى.
[ ٨ / ٤٨٤ ]
بَعضهم وَهُوَ مِمَّن يكْتب حَدِيثه انْتهى وَبَقِيَّة رُوَاته ثِقَات ووهب بن سعيد بن عَطِيَّة السّلمِيّ اسْمه عبد الْوَهَّاب وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَغَيره (^١).
قوله: وعن ابن عمر ﵄ تقدم الكلام عليه.
قوله - ﷺ -: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" أي قبل أن ينشف عرقه الاستدلال به على صحة الإجارة كالاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (^٢) وموضع الاستدلال أنه أوجب الأجرة فإن كانت باتفاق منهما على الإرضاع فهو الإجارة وإلا فهو دليل على أن تلك المنفعة مقابلة بعوض سمي أجرا هذا مع ما في الإرضاع من الغرر واستدل المالكية بالآية على أن الأجرة إنما تستحق بتمام العمل وأجاب أصحابنا بأجوبة منها إن أرضعن معناه يرضعن كقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَة﴾ (^٣) والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (^٤) وذلك لا يكون إلا بعد تمام الرضاع (^٥) ا. هـ قاله في الديباجة.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة (٢٤٤٣)، وابن بشران في الأمالى (١٤٠٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٧٤٤)، والخطيب في تلخيص المتشابه (١/ ٥٣٢). وصححه الألباني في المشكاة (٢٩٨٧) وصحيح الترغيب (١٨٧٧) الإرواء (١٤٩٨)، الروض النضير (١٩٣).
(٢) سورة الطلاق، الآية: ٦.
(٣) سورة التوبة، الآية: ٢٩.
(٤) سورة الطلاق، الآية: ٦.
(٥) انظر الحاوى (٧/ ٣٩٧).
[ ٨ / ٤٨٥ ]
قوله: من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقد وثق إلى آخر ما ذكره المنذري وقال في الديباجة: انفرد به ابن ماجة بإسناد ضعيف بسبب عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
٢٨٩٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - أعْطوا الْأَجِير أجره قبل أَن يجِف عرقه رَوَاهُ أَبُو يعلى وَغَيره (^١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث جَابر (^٢) وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْمَتْن مَعَ غرابته يكْتَسب بِكَثْرَة طرقه قُوَّة وَاللّه أعلم.
قوله: وروي عن أبي هريرة ﵁ تقدم الكلام عليه.
قوله: - ﷺ - "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" عن أبيه فإنه ضعيف وله أحاديث مناكر هذا منها ورواه البيهقي بالإسنادين في أحدهما إبراهيم بن مهدي وفيه كلام وفي السند الآخر محمد بن عمار المؤدب ذكره ابن عدي في كامله وذكر أحاديث هذا منها وكذا السندين من حديث أبي هريرة
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٦٦٨٢)، وابن المنذر في الأوسط (٨٤٧٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٠١٤)، وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٢٣٥، وتمام في الفوائد (٤٤) و(١٤١٢)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ١/ ٢٦٥ وحلية الأولياء ٧/ ١٤٢، والبيهقي في الصغير (٢/ ٣٢٠ رقم ٢١٥٨) والكبرى (٦/ ١٩٦ رقم ١١٦٥٤) و(٦/ ٢٠٠ رقم ١١٦٥٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٧٨).
(٢) أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٤٣ رقم ٣٤)، وابن مردويه فيما انتقاه على الطبراني (١٠٣) والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١٧٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٧٩).
[ ٨ / ٤٨٦ ]
عن النبي - ﷺ - قال: وأرجو أن يكون هذا الحديث مقاربا لدرجة الحسن ولفظ البيهقي أعط الأجير ولفظ ابن عدي وابن ماجة نصه الجمع ولفظ ابن عدي من حديث أبي هريرة مرفوعًا أعط السائل وإن جاء على فرس وأعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه وأعلمه أجره وهو في عمله ذكره في ترجمة عاصم بن سليمان العبدي الرازي.
قوله: وروى عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.
قوله: - ﷺ - "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" تقدم الكلام عليه.
[ ٨ / ٤٨٧ ]