٣١١٢ - عَن عمر بن الْخطاب -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا تلبسوا الْحَرِير فَإِنَّهُ من لبسه فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائيِّ وَزَاد وَقَالَ ابْن الزبير من لبسه فِي الدُّنْيَا لم يدْخل الْجنَّة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (^١) (^٢).
قوله: عن عمر بن الخطاب ﵁، هو أول من سمي أمير المؤمنين من الخلفاء لا مطلقا بل أول من سمي أمير المؤمنين من المسلمين عبد الله بن جحش (^٣) حين بعثه النبي -ﷺ- في سرية في أول مقدمه المدينة فقال له أصحابه: ما ندعوك فقال أنتم المؤمنون وأنا أميركم قالوا فأنت إذن أمير المؤمنين وفي سريتهم أنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (^٤) الآيتين فهو أبو محمد عبد الله بن جحش بن رباب بكسر الراء بن يعمر بن صرة بن مرة بن كثير بن غنم بن داود بن أسد بن خزيمة الأسدي واسم أمه
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ٢٣.
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٣٠) و(٥٨٣٤) و(٥٨٣٥)، ومسلم (١١ - ٢٠٦٩)، والترمذي (٢٨١٧)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢١٥ (٥٣٤٩) والكبرى (٩٥١٢) و(٩٥١٥ و٩٥١٦) و(١١٢٨٠).
(٣) ترجمته في: أسد الغابة ٣/ الترجمة ٢٨٥٨، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ الترجمة ٢٩١.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢١٧.
[ ٩ / ١٥٣ ]
أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ- قديما قبل دخول رسول الله -ﷺ- دار الأرقم وهاجر الهجرتين إلى أرض الحبشة هو وأخوه أبو أحمد وعبيد الله وأختهم زينب بنت جحش أم المؤمنين وأم حبيبة وحمنة بنات جحش، هاجر عبد الله وأخوه أبو أحمد وأهله إلى المدينة وأمره رسول الله -ﷺ- على سرية وهو أول أمير أمره وأول غنيمة في الإسلام ثم شهد بدرا واستشهد يوم أحد وكان دعا يوم أحد أن يقاتل ويستشهد ويقطع أنفه وأذنه ويمثل به في الله تعالى ورسوله فاستجاب الله دعاءه فاستشهد وعمل به الكفار ذلك وكان يقال لهن المجدع في الله تعالى وكان عمره حين استشهد نيفا وأربعين سنة ودفن هو وخاله حمزة بن عبد المطلب في قبر واحد، أ. هـ (^١).
قوله -ﷺ-: "لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" الحديث، اختلف العلماء في المراد بهذا الحديث فقالت طائفة من السلف والخلف: إنه لا يلبس الحرير في الجنة ويلبس غيره من الملابس، قالوا: وأما قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (^٢) فمن العام المخصوص، وقال الجمهور: هذا من الوعيد الذي له حكم أمثاله من نصوص الوعيد التي تدل على أن هذا الفعل مقتضي لهذا الحكم، وقد يتخلف عنه لمانع، وقد دل النص والإجماع على أن التوبة مانعة من لحوق الوعيد ويمنع من لحوقه أيضا الحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين وشفاعة من
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣).
(٢) سورة الحج، الآية: ٢٣.
[ ٩ / ١٥٤ ]
يأذن الله له في الشفاعة فيه وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه وهذا الحديث نظير الحديث الآخر: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة" (^١) وقال الله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ (^٢) ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ (^٣) وتأمل ما دلت عليه لفظ: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ من كون ذلك اللباس ظاهرا بارزا يجمل ظاهرهم ليس بمنزلة الشعار الباطن بل الذي يلبس فوق الثياب للزينة والجمال (^٤) والله أعلم، وفي البخاري قال: نهانا رسول الله -ﷺ- أن نلبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه (^٥)، لبس الحرير بأنواعه كالاستبرق والديباج والقسى كله حرام على الرجال ثم انعقد الإجماع على تحريمه على الرجال وعلى إباحته للنساء (^٦) ثم هذا محمول عند الجمهور على الخالص منه في حق الرجال وأما الممتزج من الحرير والكتان فإن كان الكتان أكثر جاز وإن استويا فوجهان أصحهما الجواز (^٧)، ومنهم من لم يعتبر الوزن واعتبر الظهور فإن كان الظاهر الحرير
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٣ و٧٤ - ٢٠٠٣) عن ابن عمر.
(٢) سورة الإنسان، الآية: ١٢.
(٣) سورة الإنسان، الآية: ٢١.
(٤) حادى الأرواح (ص ١٩٧ - ١٩٨).
(٥) أخرجه البخاري (٥٨٣٧) عن حذيفة.
(٦) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٢ - ٣٣) ورياض الأفهام (٥/ ٥٢٩).
(٧) نهاية المطلب (٢/ ٦٠٤)، وروضة الطالبين (٢/ ٦٦) وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٨)، وطرح التثريب (٣/ ٢٢١).
[ ٩ / ١٥٥ ]
حرم وإن كان الأكثر كتانا وإن كان بالعكس لم يحرم والصحيح الأول (^١) فيحرم على الرجال استعمال ثياب الإبريسم (^٢)، والإبريسم هو بفتح الهمزة وكسرها والراء مفتوحة فيهما وذكر الجوهري وغيره بكسر الهمزة والراء (^٣) أي لبسه ظهارة وبطانة والجلوس عليه والاستناد إليه والتدثر به واتخاذه سترا ونحوه (^٤) لأن عمر -﵁- رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه لتلبسها يوم الجمعة للوفود، فقال -ﷺ-: "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخر" أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (^٥)، أما اللبس فإجماع وقيس على ذلك باقي الاستعمالات لأن المعنى في التحريم ما فيه من خنوثة لا يليق بشهامة الرجال (^٦)، قال الإمام (^٧): وهذا هو العلة وإن كان
_________________
(١) نهاية المطلب (٢/ ٦٠٤)، وروضة الطالبين (٢/ ٦٦)، وطرح التثريب (٣/ ٢٢١).
(٢) التنبيه (ص ٤٣)، كفاية النبيه (٤/ ٢٤٣).
(٣) الصحاح (٥/ ١٨٧١)، وكفاية النبيه (٤/ ٢٥١).
(٤) روضة الطالبين (٢/ ٦٧)، وكفاية النبيه (٤/ ٢٤٣).
(٥) أخرجه البخاري (٨٨٦) و(٩٤٨) و(٢١٠٤) و(٢٦١٢) و(٢٦١٩) و(٣٠٥٤) و(٥٨٣٥) و(٥٨٤١) و(٥٩٨١) و(٦٠٨١)، ومسلم (٦ و٧ و٨ و٩ - ٢٠٦٨) و(١٠ - ٢٠٦٩)، وابن ماجه (٣٥٩١)، وأبو داود (١٠٧٦) و(٤٠٤٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦٩ (١٣٩٨) و٣/ ٣٢٨ (١٥٧٦) و٨/ ٢٠٥ (٥٣٣٩) و٨/ ٢٠٩ (٥٣٤٣) و٨/ ٢١٥ (٥٣٥٠) والكبرى (١٦٩٨ و١٦٩٩) و(١٧٧٢) و(٩٤٩٦ و٩٤٩٧ و٩٤٩٨ و٩٤٩٩ و٩٥٠٠ و٩٥٠١ و٩٥٠٢) و(٩٥١٧) و(٩٥٤٣).
(٦) كفاية النبيه (٤/ ٢٤٤).
(٧) الوسيط (٢/ ٣٢١).
[ ٩ / ١٥٦ ]
كان الفخر والخيلاء مرعيا فيه ولكن ليس علة ولذلك حرمتا البطانة، قال الرافعي: وهذا أحسن لأن هذا القدر لا يقتضي التحريم عند الشافعي فإنه قال في الأم (^١): وإلا كره لباس اللؤلؤ إلا للأدب فإنه من زي النساء وفي وجه ضعيف أنه لا يحرم الجلوس عليه، وعن الشيخ نصر المقدسي أن تنجيد البيوت بالثياب المصورة وغيرها من الحرير وغير حرام، قال في الروضة: والصواب في غير الحرير والمصور الكراهة لا التحريم (^٢).
فرع: وكذلك يحرم على الرجل ما أكثره إبريسم لأن الحكم للغالب خصوصا إذا اجتمع حلال وحرام والحرام غالب فإن كان أقل أو مساويا فلا والاعتبار في الكثرة بالوزن لا بالظهور ولا فرق بين أن يكون الحرير أظهر والمخالط هذا هو الصحيح (^٣).
فرع: احترزنا بثياب الإبريسم عن غيرها حتى لو اتخذ جبة من صوف وحشاها بحرير حل لبسها نص عليه الشافعي لأنه لا يعد لابس حرير بخلاف البطانة (^٤).
فرع: القز يحرم لبسه على الرجال على المذهب وبه جزم الجمهور وفيه وجه لأنه ليس من ثياب الزينة والقز هو ما قطعته الدودة وخرجت منه حية
_________________
(١) الأم (١/ ٢٥٤).
(٢) كفاية النبيه (٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٣) التنبيه (ص ٤٣)، وكفاية النبيه (٤/ ٢٤٥ و٢٤٨ - ٢٤٩).
(٤) كفاية النبيه (٤/ ٢٤٨).
[ ٩ / ١٥٧ ]
فلا يمكن حله وغزله كالكتان وهو كبد اللون والحرير هو ما حل من على الدودة بعد موتها داخله وقد يطلق الإبريسم عليها (^١).
فرع: الخز لا يحرم لبسه إن لحمته صوف وسداه إبريسم والسدا غالبا أقل فلا يحرم لبسه اتفاق (^٢) لما روى أبو داود عن سعد قال: رأيت رجلا ببخارى عليه عمامة من خز سوداء فقال: كسانيها رسول الله -ﷺ- (^٣).
فرع: يجوز لبس الحرير للحكة وقيده ابن يونس بما إذا كان يتأذى بلبس غيره لأنه -ﷺ- رخص للزبير بن العوام ولعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما أخرجه البخاري ومسلم وهذا هو المذهب وقيل لا يجوز لعموم الأخبار الواردة بذلك ويجوز أن تكون الرخصة خاصة بهما، وهذا بعيد في وجه يجوز ذلك في السفر دون الحضر لأن الرخصة وردت فيه والمقيم يمكنه المداواة (^٤).
فرع: يجوز لبس الحرير أيضا لدفع القمل لورود الرخصة فيه ولا يختص ذلك بالسفر على الأصح (^٥) والله أعلم.
فرع: لا يحرم على الرجال لبس اللآلي، قال الإمام الشافعي لا كراهة لهم إلا من طريق الأدب وأنه زي النساء وقد نهى الرجال عن التشبه بهن، وعبارة
_________________
(١) كفاية النبيه (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١).
(٢) كفاية النبيه (٤/ ٢٤٨).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٠٣٨) والترمذي (٣٣٢١)، والنسائي في الكبرى (٩٦٣٨). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود.
(٤) كفاية النبيه (٤/ ٢٥٨).
(٥) كفاية النبيه (٤/ ٢٥٩).
[ ٩ / ١٥٨ ]
نص آخر: ولا أكره لباس الياقوت والزبرجد إلا من جهة السرف والخيلاء (^١)، قال في التتمة: وهو ظاهر إن جوزنا استعمال الأواني منها وإلا فحيث قلنا يجوز حلي الفضة جاز أيضا وإلا فلا (^٢) والله أعلم.
تتمة: سُئل قاضي القضاة ابن رزين عمن يفصل الكلوتات والأقناع الحرير ويشتري الحرير مفصلا ويبيعه للرجال فقال: يأثم بتفصيله لهم وبخياطته وبيعه وشرائه كما يأثم بصوغ الذهب للبسهم، قال: ولذلك خلع الحرير يحرم بيعها والتجارة فيها وأما الكتابة في الحرير فإن كان مما ينتفع به الرجال كالمكاتبات والمراسلات وإن كان للنساء كصدقاتهن فهو كافتراشهن الحرير بل هو أبلغ في الإسراف، وأفتى النووي: بتحريم ذلك، وقال الشيخ شرف الدين البارزي كتابه الكاتب والشاهد والقاضي على الصداق الحرير جائزة وبه أفتى شيخه ابن عساكر مفتى الشام وعليه عمل القضاة في الأمصار وفي سائر الأمصار (^٣)، أ. هـ.
٣١١٣ - وَعنهُ -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِنَّمَا يلبس الْحَرِير من لَا خلاق لَهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ فِي رِوَايَة من لَا خلاق لَهُ فِي الْآخِرَة (^٤).
_________________
(١) الأم (١/ ٢٢١)، وبحر المذهب (٢/ ٤٥١)، شرح الإلمام (٢/ ٣٣١)، والنجم الوهاج (٣/ ٢٠٢).
(٢) كفاية النبيه (٤/ ٢٦٦).
(٣) النجم الوهاج (٢/ ٥٢٤ - ٥٣١).
(٤) أخرجه البخاري (٨٨٦) و(٩٤٨) و(٢١٠٤) و(٢٦١٢) و(٢٦١٩) و(٣٠٥٤) و(٥٨٣٥) و(٥٨٤١) و(٥٩٨١) و(٦٠٨١)، ومسلم (٦ و٧ و٨ و٩ - ٢٠٦٨) و(١٠ - =
[ ٩ / ١٥٩ ]
قوله: وعنه -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "إنما يلبس الحرير من لا خلاق له" وزاد البخاري وغيره: "من لا خلاق له في الآخرة" الحديث من لا خلاق له، بفتح الخاء المعجمة قيل معناه من لا نصيب له في الآخرة، وقيل: من لا حرمة له، وقيل: من لا دين له، قال النووي (^١): فعلى الأول يكون محمولا على الكفار وعلى القولين الأخيرين يتناول المسلم والمذهب الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فيحرم عليهم الحرير كما يحرم على المسلمين والله أعلم.
٣١١٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ -﵁- أَن نَبِي الله -ﷺ- قَالَ من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة وَإِن دخل الْجنَّة لبسه أهل الْجنَّة وَلم يلْبسهُ
رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^٢).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه" الحديث، وهذا نص صريح وإسناده صحيح.
_________________
(١) = ٢٠٦٩)، وابن ماجه (٣٥٩١)، وأبو داود (١٠٧٦) و(٤٠٤٠)، والنسائي في المجتبى ٣/ ١٦٩ (١٣٩٨) و٣/ ٣٢٨ (١٥٧٦) و٨/ ٢٠٥ (٥٣٣٩) و٨/ ٢٠٩ (٥٣٤٣) و٨/ ٢١٥ (٥٣٥٠) والكبرى (١٦٩٨ و١٦٩٩) و(١٧٧٢) و(٩٤٩٦ و٩٤٩٧ و٩٤٩٨ و٩٤٩٩ و٩٥٠٠ و٩٥٠١ و٩٥٠٢) و(٩٥١٧) و(٩٥٤٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٨ - ٢٩).
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى (٩٥٣٨)، وابن حبان (٥٤٣٧). وقال الألباني: ضعيف - "غاية المرام" (٣٨) وقال في ضعيف الترغيب (١٢٥١): منكر.
[ ٩ / ١٦٠ ]
٣١١٥ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مَاجَه (^١).
قوله: وعن أنس ﵁، تقدم الكلام عليه.
قوله: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" تقدم الكلام عليه.
٣١١٦ - وَعَن عَليّ -﵁- قَالَ رَأَيْت رَسُول الله -ﷺ- أَخذ حَرِيرًا فَجعله فِي يَمِينه وذهبا فَجعله فِي شِمَاله ثمَّ قَالَ إِن هذَيْن حرَام على ذُكور أمتِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (^٢).
قوله: وعن علي -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: رأيت رسول الله -ﷺ- أخذ حريرا فجعله في يمينه وذهبا فجعله في شماله ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم" نعم في حل افتراشه لها وجهان صحح الرافعي التحريم وصحح النووي الإباحة (^٣) لهن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٨٣٢)، ومسلم (٢١ - ٢٠٧٣)، وابن ماجه (٣٥٨٨)، وابن حبان (٥٤٢٩) و(٥٤٣٥).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٥٢ (٢٤٦٥٩)، وأحمد ١/ ٩٦ (٧٦١) و١/ ١١٥ (٩٥٠)، وعبد بن حميد (٨٠)، وابن ماجه (٣٥٩٥)، وأبو داود (٤٠٥٧)، والبزار (٨٨٦ و٨٨٧)، والنسائي في المجتبى ٨/ ١٠٣ (٥١٨٨) و٨/ ١٠٤ (٥١٨٩) و٨/ ١٠٥ (٥١٩٠) و٨/ ١٠٦ (٥١٩١) والكبرى (٩٣٨٢ و٩٣٨٣ و٩٣٨٤ و٩٣٨٥)، وابن حبان (٥٤٣٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٤٩)، الإرواء (٢٧٧)، آداب الزفاف (١٥٠)، غاية المرام (٧٧).
(٣) كذا هو بالأصل وصوابه العكس فقد قال النووي في المجموع (٤/ ٤٣٥): أما حكم المسألة فيحرم علي الرجل استعمال الدبياج والحرير في اللبس والجلوس عليه والاستناد =
[ ٩ / ١٦١ ]
لأنه لهن كالقطن للرجال، ويشبه أن يكون أصل الخلاف أن إباحة لبسه لها لأن خنوثتها لا تأباه أو الزينة فعلى الأول استعماله لها كيف كان وعلى الثاني لم يبح لها منه إلا ما كان زينة والخنثى المشكل في تحريمه كالرجل وفيه احتمال للرافعي وكذلك يحرم على الرجل المنسوج بالذهب وما في معناه وكذلك المموه به أي المطلي بها لما فيه من الخيلاء وهذا إذا كان يحصل منه بالعرض على النار شيء وإلا فلا، قال النووي في شرح مسلم (^١): انعقد الإجماع على إباحة لبس الحرير للنساء وتحريمه على الرجال وأما الصبيان فقال أصحابنا: يجوز لباسهم الحرير والحلي في يوم العيد لأنه لا تكليف عليهم في جواز إلباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة أوجه أصحها في المحرر والمنهاج الإباحة، والثاني: تحريمه، والثالث: يحرم بعد سن التمييز لا قبله وهو منافي الشرحين.
٣١١٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة وَمن شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة وَمن
_________________
(١) = إليه والتغطي به واتخاذه سترا وسائر وجوه استعماله ولا خلاف في شئ من هذا إلا وجها منكرا حكاه الرافعي أنه يجوز للرجال الجلوس عليه وهذا الوجه باطل وغلط صريح منابذ لهذا الحديث الصحيح هذا مذهبنا فأما اللبس فمجمع عليه وأما ما سواه فجوزه أبو حنيفة ووافقنا على تحريمه مالك وأحمد ومحمد وداود وغيرهم دليلنا حديث حذيفة ولأن سبب تحريم اللبس موجود في الباقي ولأنه إذا حرم اللبس مع الحاجة فغيره أولى هذا حكم الذكور البالغين.
(٢) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٣٩).
[ ٩ / ١٦٢ ]
شرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة لم يشرب بهَا فِي الْآخِرَة ثمَّ قَالَ لِبَاس أهل الْجنَّة وشراب أهل الْجنَّة وآنية أهل الْجنَّة رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد (^١).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة" الحديث، قلت: إن قال قائل: قد سوى النبي -ﷺ- بين الأشياء الثلاثة وأنه يحرمها في الآخرة فهل يحرمها إذا دخل الجنة قلنا نعم إذا لم يتب منها لقوله -ﷺ-: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة" وكذلك لبس الحرير ومن أكل في آنية الذهب والفضة أو شرب فيها لاستعجاله ما أخر الله له في الآخرة وارتكاب ما حرم الله عليه في الدنيا، وقد روى عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو" من قول النبي -ﷺ- فهو الغاية في البيان وإن كان من قول الراوي على ما ذكر أنه موقوف فهو أعلم (بالمقال) (^٢) وأقعد بالحال ومثله لا يقال من جهة الراوي والاجتهاد، وقد قيل: إن حرمانه للخمر ولباسه الحرير وشربه في إناء الذهب
_________________
(١) أخرجه الطيالسى (٢٣٣١)، والطحاوي في معانى الآثار (٦٦٧٨)، والبغوي في الجعديات (٩٧٥)، والحاكم ٤/ ١٤١. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٥٠) والصحيحة (٣٨٤).
(٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ٩٤٣).
[ ٩ / ١٦٣ ]
والفضة إنما هو في الوقت الذي يعذب في النار ويسقي من طينة الخبال فإذا خرج من النار بالشفاعة أو بالرحمة العامة المعبر عنها في الحديث بالقبضة أدخل الجنة ولم يحرم شيئا منها لا خمرا ولا حريرا ولا غيره لأن حرمانه شيء من لذات الجنة لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة والجنة ليست بدار عقوبة ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه وحديث أبي سعيد الخدري وأبي موسى، يرد هذا القول وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه وليس ذلك بعقوبة كما لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة والله أعلم.
فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار وحرمها هناك كما نعي الله ﷾ على من أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها ولهذا كانت الصحابة ومن تبعهم يخافون من ذلك أشد الخوف والله أعلم ذكره في التذكرة في باب نبذ من أقوال العلماء، وردت في ذكر الجنة وأهلها والله أعلم (^١).
٣١١٨ - وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- قَالَ أهدي لرَسُول الله -ﷺ- فروج حَرِير فلبسه ثمَّ صلى فِيهِ ثمَّ انْصَرف فَنَزَعَهُ نزعا شَدِيدا كالكاره لَهُ ثمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتقين رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم والفروج بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الرَّاء وَضمّهَا وبالجيم هُوَ القباء الَّذِي شقّ من خَلفه (^٢).
_________________
(١) التذكرة (ص ١٠٢٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٥) و(٥٨٠١)، ومسلم (٢٣ - ٢٠٧٥)، والنسائي في المجتبى ٢/ ٢٣١ (٧٨٢) والكبرى (٨٤٨)، وابن خزيمة (٧٧٣ و٧٧٤)، وابن حبان (٥٤٣٣).
[ ٩ / ١٦٤ ]
قوله: وعن عقبة بن عامر -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: أهدي لرسول الله -ﷺ- فروج حرير، الفروج بفتح الفاء وضم الراء وتشديدها وآخره جيم هذا هو الصحيح المشهور في ضبطه ولم يذكر الجمهور غيره وحكى القاضي (^١) في الشرح وفي المشارق تخفيف الراء وتشديدها والتخفيف غريب ضعيف (^٢) قالوا: وهو قباء مشقوق من خلفه وهو من لباس الأعاجم قاله ابن بطال (^٣)، وكذا ضبطه الحافظ وفسره كما نقل عن الجمهور، واعتبر فيه أبو العباس القرطبي كونه ضيق الكمين ضيق الوسط (^٤).
وأما الصغير من ذكور أولاد الدجاج، فقال القاضي عياض (^٥): هو بضم الفاء لا غير واعلم أن الرواية فروج حرير بالإضافة ونقل البخاري عن غير الليث أنه قال فروج حرير أي برفعهما على ترك الإضافة وأن الثاني تابع الأول على أنه بدل أو عطف بيان وفي هذا الحديث قبوله ﵇ للهدية وذلك معروف (^٦) من عادته -ﷺ- أما العمال بعده فيحرم عليهم قبول
_________________
(١) إكمال المعلم (٦/ ٥٨٤) ومشارق الأنوار (٢/ ١٥٠).
(٢) قوله والتخفيف غريب ضعيف هو من تعليق النووي على قول القاضى كما في شرح النووي على مسلم (١٤/ ٥٢).
(٣) شرح الصحيح (٢/ ٣٨) وعزا التفسير لأبى عبيد.
(٤) المفهم (١٧/ ٩٠).
(٥) إكمال المعلم (٦/ ٥٨٤) ومشارق الأنوار (٢/ ١٥٠).
(٦) اللوحة ١٢٢ تكرار للوحة ١٢١.
[ ٩ / ١٦٥ ]
الهدايا إلا ما يستثنى من ذلك كما هو معروف في موضعه.
قوله: "فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له" وهذا اللبس المذكور في هذا الحديث كان قبل تحريم الحرير على الرجال كما صرح به القاضي عياض والنووي وغيرهما (^١) وهو واضح لا بد من القول به ونزعه كالكاره له الظاهر أنه لورود تحريمه، قال النووي (^٢): ولعل أول النهي والتحريم كان حين نزعه ولهذا قال -ﷺ- في حديث جابر الذي ذكره: نهاني عنه جبريل ﵇ فيكون هذا أول التحريم.
وقوله: ثم نزعه نزعا شديدا، أي بشدة وقوة ومبادرة لذلك لا برفق وتأن على عادته في الأمور وذلك يدل على أنه طرأ تحريمه وأكد ذلك بقوله كالكاره له (^٣)، أ. هـ.
وقال ابن بطال (^٤): اختلف العلماء فيمن صلى بثوب حرير، فقال الشافعي وأبو ثور: يجزئه ونكرهه، وقال مالك: يعيد في الوقت إن وجد ثوبا غيره واستحب ابن الماجشون (^٥) لبسه في الصلاة للمباهاة به واحتج بأنه لم يرد عن
_________________
(١) إكمال المعلم (٦/ ٥٨٣)، وشرح النووي (١٤/ ٥٢) والمفاتيح (٢/ ٩٢) للشيرازي المظهرى.
(٢) شرح النووي (١٤/ ٥٢).
(٣) طرح التثريب (٣/ ٢٢٠).
(٤) شرح الصحيح (٢/ ٣٨ - ٣٩).
(٥) عبارته في الشرح: واستحب ابن الماجشون لباس الحرير في الحرب والصلاة به للترهيب على العدو والمباهاة.
[ ٩ / ١٦٦ ]
النبي -ﷺ- أنه أعاد الصلاة التي صلى فيه ومن لم يجوز الصلاة فيه أخذ بعموم تحريمه ﵇ لبسه على الرجال والله أعلم قاله الكرماني (^١)، وفيه اختلاف كثير بين العلماء، فالحاصل أن صلاته ﵇ في الثوب الحرير دال على جوازه ونزعه محتمل للتحريم وغير التحريم، وقيل: إنما لبسه استمالة لقلب المهدي وهو المقوقس صاحب الإسكندرية أو أكيدر دومة وهذا القائل يزعم أنه كان بعد التحريم وغير أولى بأهل العلم وأنى يلبس رسول الله -ﷺ- لباسا حرمه الله تعالى على ذكور أمته من غير استثناء أو ذكر خصوصية له ثم إنه لم يرد فيما ادعاه نقل والوجه فيه أن يحمل على أنه كان قبل التحريم وإنما نزعه نزع الكاره لما رأى فيه من الرعونة قاله شهاب الدين التوربشتي (^٢).
وقال البيضاوي في شرح المصابيح: الظاهر أنه كان قبل بعثه (^٣).
قوله -ﷺ-: "ثم قال لا ينبغي هذا للمتقين" أي للمؤمنين فإنهم هم الذين خافوا الله تعالى واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له، أ. هـ قاله العراقي (^٤) وقال غيره (^٥): المتقي اسم فاعل من الوقاية وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعالى ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك.
_________________
(١) الكواكب الدرارى (٤/ ٣٨ - ٣٩).
(٢) الميسر في شرح المصابيح (١/ ٢٢٢).
(٣) كذا هو بالأصل والذي في تحفة الأبرار (١/ ٢٦٧) للبيضاوي: والظاهر: أنه كان قبل التحريم، وقيل: بعده. وإنما قال هذا ابن ملك في شرح المصابيح (١/ ٤٥٣).
(٤) طرح التثريب (٣/ ٢٢٠) وعزاه للقرطبى وهو في المفهم (١٧/ ٩٠).
(٥) الكشاف للزمخشري (١/ ٣٦).
[ ٩ / ١٦٧ ]
واختلف في الصغائر، وقيل: الصحيح أن المتقى لا يتناول الصغائر لأنها تقع مكفرة عن مجتنب الكبائر كذا في الكشاف (^١)، وقد يخرج بقوله للمتقين الصبيان فإنهم ليسوا أهل تكليف وغير مأمورين بالتقوى انتهى، قاله العراقي (^٢).
وقوله: "لا ينبغي هذا للمتقين" في معنى النهي في الدلالة على التحريم فأقيم مقام النهي في إطلاق اسمه عليه والله أعلم (^٣).
قال أبو العباس القرطبي (^٤): وهذا دال على تحريم لبس الحرير على الرجال وأما النساء فلا يدخلن في هذا لأن اللفظ غير متناول لهن على الراجح في الأصول، قال النووي: وقد انعقد الإجماع على إباحته للنساء وتحريمه على الرجال وتقدم ذلك عن النووي.
والمهدي للفروج، والحرير هو صاحب الإسكندرية، وقيل: صاحب دومة وهو أكيدر أو غيره على اختلاف فيه قاله في شرح مشارق الأنوار (^٥) وأكيدر بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبعدها دال مهملة مكسورة ودومة هي بضم الدال وفتحها لغتان مشهورتان وزعم ابن دريد أنه لا يجوز إلا الضم وأن المحدثين يفتحونها وأنهم غالطون في ذلك وليس كما قال بل هما لغتان مشهورتان، وقال
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) طرح التثريب (٣/ ٢٢٠).
(٣) المصدر السابق.
(٤) لم أجده للقرطبى وإنما هو من شرح العراقي في طرح التثريب في الموضع السابق.
(٥) لم أجده في شرحه للمشارق وإنما هو في شرح المصابيح (١/ ٤٥٣).
[ ٩ / ١٦٨ ]
الجوهري (^١): أهل الحديث يقولونها بالفتح وأهل اللغة يفتحونها ويقال فيها أيضا دوماء وهي مدينة بها حصن عادي وهي في بربه في أرض نخل وزرع يسقون بالنواضخ وحولها عيون قليلة وغالب زرعهم الشعير وهي عن المدينة على نحو ثلاث عشرة مرحلة وعن دمشق على نحو عشر مراحل وعن الكوفة على نحو عشر مراحل أيضا والله أعلم.
وقال بعضهم: هي من بلاد الشام بقرب تبرك بينها وبين دمشق خمسة ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة وبالعراق أيضا بقرب عين التمر موضع يقال له دومة، وأما أكيدر فقد تقدم ضبطه وهو أكيدر بن عبد الملك والكندي وذكر في شرح السنة (^٢): أكيدر دومة رجل من العرب يقال له غسان، وقال الشافعي في المختصر (^٣): يقال إنه من غسان أو كندة، قال الخطيب البغدادي في كتابه الأسماء المبهمة (^٤) كان نصرانيا ثم أسلم قال: وقيل مات نصرانيا، وقال أبو عبد الله بن مندة وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما في معرفة الصحابة (^٥) أن أن أكيدر هذا أسلم وأهدي إلى النبي -ﷺ- حلة سيراء فوهبها لعمر بن الخطاب (^٦) -﵁-، السيراء بكسر السين وفتح الياء والمد فهو فعلاء من السير
_________________
(١) الصحاح (٥/ ١٩٢٣).
(٢) شرح السنة (١١/ ١٧٠).
(٣) مختصر المزنى (٨/ ٣٨٤).
(٤) الأسماء المبهمة (١/ ٢٣ - ٢٤).
(٥) معرفة الصحابة لابن منده (ص ٢٩٣) ومعرفة الصحابة لأبى نعيم (١/ ٣٦٣).
(٦) معرفة الصحابة (١١١٠) لأبي نعيم.
[ ٩ / ١٦٩ ]
السير القد، هكذا يروي على الصفة وقال بعض المتأخرين إنما هو حلة سيراء على الإضافة واحتج بأن سيبويه قال (^١): لم يأت فعلاء صفة ولكن اسما والحلة السيراء الحرير الصلب (^٢)، وقيل: المضلع بالقز (^٣) وشرح السيراء بالحرير الصافي ومعناه حلة حرير (^٤)، وقيل: غير ذلك وقد رواه بعضهم حلة سيراء بالتنوين على الصفة وبعضهم بالإضافة (^٥) ذكره في مختصر الكفاية في باب ذكر الإبريسم (^٦)، قال ابن الأثير في كتابه في معرفة الصحابة: وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: أهدى أكيدر دومة إلى النبي -ﷺ- جبة من سندس فتعجب الناس من حسنها فقال رسول الله -ﷺ-: "لمناديل سعد في الجنة ألين من هذا" (^٧) وفي الصحيحين أيضا من حديث
_________________
(١) الكتاب ١/ ٣٩٦.
(٢) قال الإسنوى في الهداية إلى أوهام الكفاية (٢٠/ ١٧٢): وتعبيره بـ "الصلب" تحريف، إنما هو: الصافي، أي: الخالص. كذا نقله ابن الأثير، وتعبير المصنف عقبه بقوله: فمعناه: حلة حرير، يدل عليه: فإن معناه: جميعها لا بعضها. وفسر بعضهم "السيراء" بالمصمت، وهو الخالص -أيضًا- فيجوز أن يكون أيضًا قد تحرف على المصنف منه.
(٣) قاله ابن شهاب الزهري كما عند أبي داود (٤٠٥٨) والنسائي في المجتبى ٨/ ٢٠٧ (٥٣٤١).
(٤) النهاية (٢/ ٤٢٣).
(٥) كذلك قال ابن قرقول في مطالع الأنوار (٢/ ٢٨٦).
(٦) هو مخطوط تسهيل الهداية في تحصيل الكفاية لابن النقيب الشافعي.
(٧) أخرجه البخاري (٢٦١٥ و٢٦١٦) و(٣٢٤٨)، ومسلم (١٢٦ - ٢٤٦٨) م، وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٤٦١).
[ ٩ / ١٧٠ ]
البراء قال: اهدى لرسول الله -ﷺ- ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه فقال رسول الله -ﷺ-: "تعجبون من هذه المناديل، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا" ولا يخفى ما في ذكر سعد بن معاذ [بخصوصه] ها هنا فإنه كان في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين واهتز لموته العرش وكان لا تأخذه في الله لومة لائم وختم الله له بالشهادة، وآثر رضى الله ورسوله على رضى قومه وعشيرته وحلفائه ووافق حكمه الذي حكم به حكم الله فوق سبع سماوات ونعاه جبريل إلى النبي -ﷺ- يوم موته فحق له أن تكون مناديله التي يمسح بها يديه في الجنة أحسن من حلل الملوك (^١)، أ. هـ.
قال ابن الأثير في كتابه معرفة الصحابة (^٢): أما الهدية والمصالحة فصحيحان أما الإسلام فغلط قاله إنه لم يسلم بلا خلاف بين أهل السير ومن قال أسلم فقد أخطأ خطئا فاحشا، قال: ووكان أكيدر نصرانيا فلما صالحه النبي -ﷺ- عاد إلى حضنه وبقي فيه ثم حاصره خالد بن الوليد في زمن أبي بكر الصديق فقتله مشركا نصرانيا يعني لنقضه العهد وقد ذكر البلادي أن أكيدر لما قدم على النبي -ﷺ- وعاد إلى دومة فلما توفي رسول الله -ﷺ-.
ارتد أكيدر ومنع ما قبله فلما سار خالد من العراق إلى الشام قتله وعلى هذا القول لا ينبغي أيضا أن يثبت في الصحابة هذا كلام ابن الأثير.
_________________
(١) حادى الأرواح (ص ٢٠٤) لابن القيم.
(٢) أسد الغابة (١/ ٢٧٣) وكلامه عن أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل.
[ ٩ / ١٧١ ]
لطيفة: لما أرسل رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة كان ملكا عليها وكان نصرانيا فقال رسول الله -ﷺ- لخالد: إنك تجده يصيد بقر الوحش فلما وصل إليها كان في ليلة مقمرة فأذن الله للبقرة الوحشية أن تأتيه من كل جانب تحك قصره بقرونها فأشرف عليها فقال: ما رأيت أكثر منها الليلة ولقد كنت أكم لها اليومين والثلاثة ولا أجدها ولكن قدر الله وما شاء فعل فأمر بفرسه فأسرج وركب هو وأخوه حسان وعليه قباء من الديباج المخوص بالذهب فلما نزل وافته خيل رسول الله فأخذته أسيرا وأرسلوا قباءه إلى رسول الله -ﷺ- فتعجب بعض أصحابه منه فقال ﵇: "لمناديل سعد في الجنة خير من هذا" ثم إن النبي عرض عليه الإسلام فأبى فأقره بالجزية في أرضه في شهر رجب سنة تسع من الهجرة والله أعلم ذكره الدميري في كتابه حياة الحيوان (^١).
٣١١٩ - وَعَن أبي رقية -﵁- قَالَ سَمِعت مسلمة بن مخلد وَهُوَ على الْمِنْبَر يخْطب النَّاس يَقُول يَا أَيهَا النَّاس أما لكم فِي العصب والكتان مَا يغنيكم عَن الْحَرِير وَهَذَا رجل يخبر عَن رَسُول الله -ﷺ- قُم يَا عقبَة فَقَامَ عقبَة بن عَامر وَأَنا أسمع فَقَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَأشْهد أَنِّي سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول من لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا حرمه أَن يلْبسهُ فِي الْآخِرَة رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه العصب بِفَتْح الْعين وَسُكُون الصَّاد مهملتين هُوَ ضرب من البرود (^٢).
_________________
(١) حياة الحيوان (١/ ٢٢٠ - ٢٢١).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٦ (١٧٧٠٣)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٠٦، وأبو =
[ ٩ / ١٧٢ ]
قوله: وعن أبي رقية -﵁-[هو هشام بن أبي رقية اللخمى المصري روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر ومسلم بن مخلد وعنه الحسن بن ثوبان وعمرو بن الحارث وغيرهما ذكره بن حبان في الثقات قال العجلي: "مصري، تابعي، ثقة"، وذكره يعقوب بن سفيان في "ثقات تابعي مصر"، وقال ابن يونس: عمر دهرا طويلا توفي سنة [١١٥ هـ] (^١)].
قوله: قال سمعت مسلمة بن مخلد وهو على المنبر يخطب الناس يقول: يا أيها الناس، أما لكم في العصب والكتان ما يغنيكم عن الحرير، الحديث، العصب ضرب من البرود، قاله المنذري، وقال بعضهم: العصب ضرب من ثياب اليمن مخططة بحمرة وقيل العصب برود اليمن يعصب غزلها ثم يصبغ ثم ينسج وقال في النهاية (^٢): العصب: برود يمنية يعصب غزلها: أي يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج فيأتي موشيا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ.
_________________
(١) = يعلى (١٧٥١)، والروياني (٢٤٢) و(٢٦٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٨٢١) و(٤٨٢٢)، وفي معاني الآثار (٦٦٧٦)، وابن حبان (٥٤٣٦)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٣٢٧ (٩٠٤ و٩٠٥). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٤٤: رواه أحمد والطبراني في الكبير وأبو يعلى، ورجالهم ثقات. وقال في ٥/ ١٤٢: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجالهم ثقات. وقال الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٥٢).
(٢) تاريخ ابن يونس (١/ ٤٤٩)، الثقات لابن حبان (٥/ ٥٠١ رقم ٥٩٣٦)، المؤتلف والمختلف (٢/ ١٠٥٩)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، ثقات العجلي (رقم ١٧٣٣)، تاريخ الإسلام (٣/ ٣٣٢).
(٣) النهاية (٣/ ٢٤٥).
[ ٩ / ١٧٣ ]
يقال: برد عصب، وبرود عصب بالتنوين والإضافة. وقيل: هي برود مخططة. والعصب: الفتل، والعصاب: الغزال، أ. هـ.
قوله: وهذا رجل يخبر عن رسول الله -ﷺ- قم يا عقبة فقام عقبة بن عامر وأنا أسمع فقال إني سمعت رسول الله -ﷺ-: "يقول من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" وأشهد أني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من لبس الحرير في الدنيا حرمه أن يلبسه في الآخرة" الحديث، وقد اختلف في معنى الكذب على رسول الله -ﷺ- السلف والخلف فذهب بعضهم إلى أنه عام في كل شيء كان في الدين أو غيره وذهب آخرون إلى أن ذلك خاص في الكذب عليه في الدين وتعمده الخبر عنه بتحليل حرام أو تحريم حلال أو إثبات شريعته أو نفيها بالكذب وإذا كان الكذب ممنوعا في الشرع جملة فهو على النبي -ﷺ- أشد لأنه حقه أعظم وحق الشريعة آكد وإباحة الكذب عليه ذريعة إلى إبطال شرعه وتحريف دينه والله أعلم ذكره القاضي عياض في شرح مسلم (^١) وتقدم الكلام على معنى الحديث مبسوطا في أوائل هذا التعليق.
٣١٢٠ - وَعَن حُذَيْفَة -﵁- قَالَ نهى رَسُول الله -ﷺ- أَن نشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَأَن نَأْكُل فِيهَا وَعَن لبس الْحَرِير والديباج وَأَن نجلس عَلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ (^٢).
قوله: وعن حذيفة -﵁- تقدم الكلام على حذيفة.
قوله: نهى رسول الله -ﷺ- أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها"
_________________
(١) إكمال المعلم (١/ ١١١ - ١١٣).
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٣٧).
[ ٩ / ١٧٤ ]
الحديث، قال النووي (^١): وأجمع المسلمون على تحريم الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة على الرجل وعلى المرأة ولم يخالف في ذلك أحد من العلماء إلا ما حكاه أصحابنا العراقيون أن للشافعي قولا قديما أنه يكره ولا يحرم والإجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الأكل والشرب والطهارة والأكل بملعقة من أحدهما والتجمر بمجمرة منهما والبول في الإناء منهما وجميع وجوه الاستعمالات ومنها المكحلة والميل وطرف العالية وغير ذلك سواء الإناء الكبير والصغير ويستوي في التحريم الرجل و[المرأة] بلا خلاف وإنما فرق بين الرجل والمرأة في التحلي لما يقصد منها من التزين للزوج والسيد، قال الشافعي والأصحاب: لو توضأ أو اغتسل من إناء ذهب أو فضة عصى بالفعل وصح وضوءه وغسله هذا مذهبنا وبه قال مالك وأبو حنيفة والعلماء كافة إلا داود الظاهري فقال: لا يصح والصواب الصحة وكذلك لو أكل منه أو شرب عصى بالفعل ولا يكون المأكول ولا المشروب حراما، هذا كله في حال الاختيار أما إذا اضطر إلى استعمال إناء فلم يجد إلا ذهبا أو فضة فله استعماله في حال الضرورة بلا خلاف وصرح به أصحابنا قالوا: كما تباح الميتة في حال الضرورة وأما اتخاذ هذه الأواني من غير استعمال فللشافعي والأصحاب فيه خلاف، الأصح تحريمه، والثاني: كراهيته، فإن كرهناه استحق صانعه الأجرة ووجب على كاسره إرش النقص وإلا فلا، وأما إناء
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٩ - ٣٠).
[ ٩ / ١٧٥ ]
الزجاج النفيس فلا يحرم بالإجماع، وأما إناء الياقوت والزمرد والفيروزج ونحوها فالأصح عند أصحابنا جواز استعمالها ومنهم من حرمها والله أعلم.
فرع: يجوز الاستنجاء بالحرير وكذا بالذهب في الأصح وحرمه الماوردي بالمطبوع (^١) ويحرم البول في إناء الذهب كما جزم به النووي في باب الأواني في شرح المهذب (^٢) ويحرم أيضا على الرجل لبس الديباج والجلوس عليه والديباج بفتح الدال وكسرها وجمعه دبابيج وديابيج وهو عجمي معرب وهذا النهي يتوجه إلى الرجال وأما الصبيان فقال أصحابنا يجوز إلباسهم الحلي والحرير في يوم العيد لأنه لا تكليف عليهم وفي جواز إلباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة أوجه أصحها جوازه، والثاني: تحريمه، والثالث: يحرم بعد التمييز وكذلك الاستبرق وحرام أيضا لأنه من الحرير والاستبرق غليظ الديباج والله أعلم.
تنبيه: فإن قلت ما الفرق بينهما؟ قلت: الديباج الرقيق من الحرير والاستبرق الغليظ منه، فإن قلت: هما نوعان من جنس الحرير فما الفائدة في ذكرهما بعد ذكره؟ قلت: كأنهما صارا من جنسين آخرين مستقلين فخصصهما بالذكر والله تعالى أعلم، وأما كسوة الكعبة بالحرير فجائز وفي معنى ذلك اتخاذ خريطة من الحرير للمصحف وفي المساجد وجهان أصحهما يحرم ولا يجوز ذلك في البيوت ويجوز اتخاذ العلم من الحرير في الحرب كما قال الفوراني في العمدة وكذلك يجوز اتخاذ خيط للسبحة كما قال
_________________
(١) الحاوى الكبير (١/ ١٦٧)، المجموع (٢/ ١٢٠).
(٢) المجموع (١/ ٢٥٠).
[ ٩ / ١٧٦ ]
الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكذلك يجوز اتخاذ التطريف والتطريز على ما جرت به العادة ولو اتخذ ثوبا بعضه حرير وبعضه كتان فإن كان الحرير أكثر حرم وإن استويا جاز في الأصح والله أعلم (^١) قاله في ابن العماد في شرح العمدة.
٣١٢١ - وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا يسْتَمْتع بالحرير من يَرْجُو أَيَّام الله رَوَاهُ أَحْمد وَفِيه قصَّة (^٢).
قوله: عن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله تعالى" أي: يخاف وقائع الله، قاله الثعلبي في تفسيره (^٣).
٣١٢٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ سَمِعت رَسُول الله -ﷺ- يَقُول إِنَّمَا يلبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا من لَا يَرْجُو أَن يلْبسهُ فِي الْآخِرَة قَالَ الْحسن فَمَا بَال أَقوام يبلغهم هَذَا عَن نَبِيّهم فيجعلون حَرِيرًا فِي ثِيَابهمْ وَبُيُوتهمْ رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق مبارك بن فضَالة عَن الْحسن عَنهُ (^٤).
_________________
(١) انظر فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٦٢٦)، وروضة الطالبين (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، والنجم الوهاج (٢/ ٥٣٠ - ٥٣١)، وأسنى المطالب (١/ ٢٧٧) وتحفة المحتاج (١/ ١٢١).
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٧ (٢٢٧٣٣)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٠٦ رقم ٧٥١٠ و٧٥١١)، وفي الشاميين (١٤٦٠) و(٢٠٣٦)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٩٠. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤٠ - ١٤٢: رواه أحمد، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٥٢).
(٣) تفسير الثعلبي (٨/ ٣٥٩).
(٤) أخرجه الطيالسي (٢٤٦٤)، وأحمد ٢/ ٣٢٩ (٨٤٧٠)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ٢/ ٣١٨. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤٠: رواه أحمد، والبزار باختصار، وفيه مبارك بن =
[ ٩ / ١٧٧ ]
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "إنما يلبس. اللوحة الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه في الآخرة" تقدم الكلام على معنى ذلك.
قوله: رواه أحمد من طريق مبارك بن فضالة [ضعفه النسائي وغيره، وقال أبو داود: شديد التدليس فإذا قال حدثنا فهو ثبت وكذا قال أبو زرعة، وقال أبو زرعة ما روي عن الحسن فيحتج به وروى عنه عفان وكان يرفعه ويوثقه قاله أبو حاتم، وكان يحيى القطان يحسن الثناء عليه، وقال ابن معين: صالح وقال ابن عدي: عامة أحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة، ووثقه ابن خزيمة وابن حبان وأخرجا له في صحيحيهما غير ما حديث].
٣١٢٣ - وَعَن أنس -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِذا استحلت أمتِي خمْسا فَعَلَيْهِم الدمار إِذا ظهر التلاعن وَشَرِبُوا الْخُمُور ولبسوا الْحَرِير وَاتَّخذُوا الْقَيْنَات وَاكْتفى الرِّجَال بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاء بِالنسَاء رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عقيب حَدِيث ثمَّ قَالَ إِسْنَاده وَإسْنَاد مَا قبله غير قوي غير أَنه إِذا ضم بعضه إِلَى بعض أَخذ قُوَّة (^١).
_________________
(١) = فضالة، وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٥٣).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٧ - ١٨ رقم ١٠٨٦) والشاميين (٥١٩)، وابن عدى في الكامل (٦/ ٣٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٣)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٢٨ - ٣٢٩ رقم ٥٠٨٤ و٥٠٨٥ و٥٠٨٦). وقال ابن عدى في إسناده: وهذا بهذا الإسناد منكر موضوع على حماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي. =
[ ٩ / ١٧٨ ]
قوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "إذا استحلت أمتي خمسا فعليهم الدمار" والدمار هو [الهلاك].
قوله: "إذا ظهر التلاعن" الأولى: إذا ظهر التلاعن، اللعن: إذا لعن بعضهم بعضا، الثانية: "إذا شربوا الخمر" معروف، الثالثة: "لبس الحرير" أي على الرجال، الرابعة: "اتخاذ القينات" والقينات جمع قينة وهي الأمة المغنية.
الخامسة: "اكتفاء الرجال بالرجال" المراد بذلك اللواط، "واكتفى والنساء بالنساء" المراد بذلك ساحقة المرأة بالمرأة والله أعلم.
٣١٢٤ - وَعَن صَفْوَان بن عبد الله بن صَفْوَان قَالَ اسْتَأْذن سعد -﵁- على ابْن عَامر وَتَحْته مرافق من حَرِير فَأمر بهَا فَرفعت فَدخل عَلَيْهِ وَهُوَ على مطرف من خَز فَقَالَ لَهُ اسْتَأْذَنت وتحتي مرافق من حَرِير فَأمرت بهَا فَرفعت فَقَالَ لَهُ نعم الرجل أَنْت يَا ابْن عَامر إِن لم تكن مِمَّن قَالَ الله أَذهَبْتُم طَيَّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا الْأَحْقَاف. وَالله لِأَن أضطجع على جمر الغضا أحب إِلَيّ أَن أضطجع عَلَيْهَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا الْمرَافِق بِفَتْح الْمِيم جمع مرفقة بِكَسْرِهَا وَفتح الْفَاء وَهِي شَيْء يتكأ عَلَيْهِ شَبيه بالمخدة (^١).
_________________
(١) = وقال الهيثمي في المجمع ٧/ ٣٣١ - ٣٣٢: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير الرملي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٥٤) و(٢٣٨٦).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ٥/ ١٥٠ (٢٤٦٣٩)، ومسدد كما في المطالب العالية (٢٢٤٢)، والطحاوي في معانى الآثار (٦٦٨٦)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٥٤)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٣٧٩ رقم ٦٠٧٠ و٦٠٧١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. =
[ ٩ / ١٧٩ ]
قوله: وعن صفوان بن عبد الله بن صفوان [هو صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي المكي القرشي كان زوج الدرداء بنت أبي الدرداء روى عنها وعن جده وعن أبي الدرداء وعلي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وحفصة بنت عمر روى عنه الزهري وأبو الزبير ويوسف بن مالك وعمرو بن دينار قال ابن سعد كان قليل الحديث وقال العجلي مدني تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي ثقة].
قوله: استأذن سعد -﵁- على ابن عامر وتحته مرافق من حرير فأمر بها فرفعت، المرافق جمع مرفقة وهي شيء يتكأ عليه شبيه بالمخدة قاله النووي. قوله: فدخل عليه وهو على مطرف من خز" الحديث، والمطرف بكسر الميم وفتحها وضمها وإسكان الطاء وفتح الراء واحد المطارف وهي أردية من خز مربعة لها أعلام قال الفراء وأصله: الضم لأنه في المعنى مأخوذ من أطرف إذا جعل في طرفيه العلماء ولكنهم استثقلوا الضمة فكسروه ذكره في الصحاح وقيل المطرف الثوب الذي في طرفه علمان والميم مزيدة والخز هو الحرير الذي نسج قبل الصبغ وقيل الخز ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون فيكون ما ورد من النهي لأجل
_________________
(١) = ذكره البوصيري في مختصر الإتحاف (٢/ ٧٢/ ١) وقال: رواه مسدد بإسناد حسن. وصححه الألباني في الصحيحة تحت حديث (٣٨٤) وصححه في صحيح الترغيب (٢٠٥٥).
[ ٩ / ١٨٠ ]
التشبه بالعجم وزي المترفين (^١)، أما ما يعمل كله من الحرير فحرام وليس مرادا هنا قاله في شرح الإلمام.
قوله: والله لأن أضطجع على جمر الغضا أحب إلي أن أضطجع عليها" والغضا شجر والغضاة كل شجرة لها شوك ومنه قولهم ذبب غضى قاله الجوهري في صحاحه (^٢).
٣١٢٥ - وَعَن معَاذ بن جبل -﵁- قَالَ رأى رَسُول الله -ﷺ- جُبَّة مجيبة بحرير فَقَالَ طوق من نَار يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات مجيبة بِضَم الْمِيم وَفتح الْجِيم بعدهمَا يَاء مثناة تَحت مَفْتُوحَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة أَي لهَا جيب بِفَتْح الْجِيم من حَرِير وَهُوَ الطوق (^٣).
قوله: وعن معاذ بن جبل -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: رأى رسول الله -ﷺ- جبة مجيبة بحرير فقال: "طوق من نار".
قوله: مجيبة، أي لها جيب من حرير وهو الطوق قاله المنذري، وروي مسلم أن جبة رسول الله -ﷺ- كانت مكفوفة الجيب والكمين والفرجين
_________________
(١) النهاية (٢/ ٢٨).
(٢) الصحاح (٦/ ٢٤٤٧).
(٣) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٥٦)، والبزار (٢٦٥٩)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٧٣ رقم ٨٠٠٠) والكبير ٢٠/ ٧٣ (٢٣٦). قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤٢: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، والبزار، ورجال البزار ثقات. وقال ابن حجر في التمييز (٢١٤٥): وإسناده ضعيف. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٦٨٤) وصحيح الترغيب (٢٠٥٦).
[ ٩ / ١٨١ ]
بالديباج (^١) وتقدم الكلام على الديباج وروي أبو داود أنه -ﷺ- نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وهكذا إصبعين وثلاثة وأربعة وفي الصحيحين نحوه (^٢)، وفي هذه الرواية إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع، قال النووي (^٣): وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وعن مالك رواية يمنعه وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العلم بلا تقدير بأربع أصابع، بل قال: يجوز وإن عظم وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصحيح والله أعلم والمراد الأصابع المعتادة ولا التفات إلى قياس بعض الحنفية على ذلك الذهب فجوزوا منه أربع أصابع وليس هذا موضع قياس بل التحريم أصل في الجميع فيقتصر على مورد النص والله أعلم قاله في شرح الإلمام وضبطه في الكافي بأربع أصابع مضمومة للخبر وضبطه بعضهم بالعادة فإن زاد حرم وعبارة الروضة يجوز المطرف والمطرز بشرط الاقتصار على عادة التطريف ويشترط أن لا يجاوز الطراز أربع أصابع فإن زاد فيهما حرم (^٤)، أ. هـ.
فرع: يجوز ما طرز أو طرف بحرير قدر العادة ذكره في هادي النبيه على التنبيه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٠ - ٢٠٦٩) بمعناه، وأبو داود (٤٠٥٤)، وابن ماجه (٣٥٩٤) بلفظه عن أسماء بنت أبى بكر. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه وأبى داود.
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٢٨) و(٥٨٢٩)، ومسلم (١٢ و١٣ و١٤ و١٥ - ٢٠٦٩)، وابن ماجه (٣٥٩٣)، وأبو داود (٤٠٤٢)، والترمذي (١٧٢١)، والنسائي في الكبرى (٩٥٤٨ - ٩٥٥١) والمجتبى ٨/ ٢٢١ (٥٣٥٦) و(٥٣٥٧) عن عمر بن الخطاب ولفظه لأبى داود.
(٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٤٨ - ٤٩).
(٤) روضة الطالبين (٢/ ٦٦).
[ ٩ / ١٨٢ ]
٣١٢٦ - وَعَن جوَيْرِية -﵂- قَالَت قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من لبس ثوب حَرِير فِي الدُّنْيَا ألبسهُ الله ﷿ يَوْمًا أَو ثوبا من النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَفِي رِوَايَة من لبس ثوب حَرِير فِي الدُّنْيَا ألبسهُ الله يَوْم الْقِيَامَة ثوب مذلة من النَّار أَو ثوبا من النَّار رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَفِي إِسْنَاده جَابر الْجعْفِيّ وَرَوَاهُ الْبَزَّار عَن حُذَيْفَة مَوْقُوفا من لبس ثوب حَرِير ألبسهُ الله يَوْمًا من نَار لَيْسَ من أيامكم وَلَكِن من أَيَّام الله الطوَال (^١).
قوله: وعن جويريه (^٢) -﵂-، جويريه مصغر الجارية بالجيم الخزاعية، كان اسمها برة فسماها النبي -ﷺ- بذلك وكانت امرأة حلوة مليحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قال ابن هشام: لما انصرف رسول الله -ﷺ- من
_________________
(١) أخرجه إسحاق (٢٠٧٣)، وأحمد ٦/ ٣٢٤ (٢٧٣٩٩) و٦/ ٤٣٠ (٢٨٠٦٦)، وعبد بن حميد في المنتخب (١٥٥٨)، والبغوي في الجعديات (٢٣٦٠)، وابن الأعرابى في المعجم (٢١٨٣)، والطبراني في الكبير ٢٤/ ٦٥ (١٧٠) و(١٧١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٤٤٢). قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤١: رواه أحمد، والطبراني، وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف وقد وثق. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٥٤). وأخرجه البزار (٢٨٤٦) عن حذيفة موقوفا. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤١ - ١٤٢: رواه البزار عن شيخه رجاء بن الجارود ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٥٧).
(٢) ترجمتها: الاستيعاب ٤/ الترجمة ٣٢٨٢، وأسد الغابة ٧/ الترجمة ٦٨٢٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ الترجمة ١١٥٣، وتهذيب الكمال ٣٥/ الترجمة ٧٨٠٧، والإصابة ٨/ الترجمة ١١٠٠٨.
[ ٩ / ١٨٣ ]
غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث دفعها إلى رجل من الأنصار وديعة وقدم رسول الله -ﷺ- المدينة فأقبل أبوها الحارث ابن أبي ضرار بفداء ابنته بالعقيق فلما نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء أخذ بعيرين منهما فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، فأتى النبي -ﷺ- فقال: يا محمد أصبت ابنتي وهذا فداؤها وأنت أكرم الناس وأوصل الناس فقال رسول الله -ﷺ-: "فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا"، فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فوالله ما اطلع على ذلك إلا الله ﷿ فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان له فدفعها إلى أبيها ثم خطبها رسول الله -ﷺ- إلى أبيها فزوجه إياها وقيل إنها وقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسها على تسع أواق فذكر الحديث إلى أن قالت لرسول الله -ﷺ- فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسى على تسع أواق فأعني على كتابتي فقال لها رسول الله -ﷺ- فهل لك خير من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أأؤدي عنك كتابتك وأتزوجك؟ قالت: نعم يا رسول الله، فقال: قد فعلت، قال: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله -ﷺ- تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله -ﷺ- فأعتقوا ما في أيديهم من نساء بني المصطلق فبلغ عتقهم مائة أهل بيت بتزويجه إياها فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، قاله في مجمع الأحباب وكانت جويرية تحت مسافع بن صفوان فلما غزى رسول الله -ﷺ- غزاة المريسيع في سنة خمس من الهجرة قصد النبي -ﷺ- بني المصطلق بن خزاعة على مائهم
[ ٩ / ١٨٤ ]
فقتل زوجها وسبيت جويرية فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبها على تسع أواق فذكر ذلك كما تقدم في مجمع الأحباب وتزوجها رسول الله -ﷺ- سنة ست من الهجرة وهي ابن عشرين سنة وقيل تزوجها رسول الله -ﷺ- وجعل صداقها أربعين أسيرا من قومها، وفي هذه الغزوة سقط عقد عائشة فأقام رسول الله -ﷺ- بالناس على التماسه وليسوا على ماء فنزلت آية التيمم في شعبان من سنة خمس، وقال الشعبي: كانت جويرية من ملك اليمن فأعتقها رسول الله -ﷺ- وتزوجها وتوفيت سنة ست وخمسين ودفنت بالبقيع.
قوله -ﷺ-: "من لبس ثوب حرير في الدنيا ألبسه الله تعالى ثوب مذلة من النار" ثوب المذلة هو [كناية عن شُمول الذُّلّ به شُمولَ الثوب البدَن؛ أي: يصغّرُه في العيون ويحقّره في القلوب].
٣١٢٧ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- أَنه سمع النَّبِي -ﷺ- يَقُول من كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلَا يلبس حَرِيرًا وَلَا ذَهَبا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦١ (٢٢٦٧٨) و(٢٢٦٧٩) و(٢٢٦٨٠)، والحارث في المسند (٥٨٤)، والروياني (١٢١٠)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٨٦ رقم ٣٢٦٨) والكبير (٨/ ١٨٦ رقم ٧٧٦٩) و(٨/ ١٩٠ رقم ٧٧٨٢ و٧٧٨٣ و٧٧٨٤) والشاميين (٥٣٠)، والحاكم ٤/ ١٩١. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وقال في ٥/ ١٤٧: رواه أحمد ورجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٧) وصحيح الجامع (٦٥٠٩) وصحيح الترغيب (٢٠٥٨).
[ ٩ / ١٨٥ ]
قوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريرا ولا ذهبا" اليوم. الآخر هو يوم القيامة وتقدم الكلام على لبس الحرير والذهب.
٣١٢٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ من مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يشرب الْخمر حرم الله عَلَيْهِ شربهَا فِي الْجنَّة وَمن مَاتَ من أمتِي وَهُوَ يتحلى بِالذَّهَب حرم الله عَلَيْهِ لِبَاسه فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته ثِقَات وَالطَّبَرَانِيّ (^١).
قوله: وعن عبد الله بن عمرو -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة ومن مات من أمتي وهو يتحلى بالذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة" المراد بذلك إذا لم يتب من ذلك قبل مماته.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ١٦٦ (٦٦٦٧) و٢/ ٢٠٨ (٧٠٦٦) و٢/ ٢٠٩ (٧٠٦٧)، ومسدد وابن أبى شيبة كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٤٩٧)، والبزار كشف الأستار (٢٩٣٥)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٨٢) و(٤/ ٤٩٧)، وابن شاهين في الناسخ (٥٨٧)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٩٩ رقم ١٤٥١٦) و(١٣/ ٦٠٠ رقم ١٤٥١٧). قال عبد الله بن أحمد: ضرب أبي على هذا الحديث، فظننت أنه ضرب عليه لأنه خطأ، وإنما هو ميمون بن أستاذ، عن عبد الله بن عمرو، وليس فيه: عن الصدفي، ويقال: إن ميمون هذا هو الصدفي لأن سماع يزيد بن هارون من الجريري آخر عمره والله أعلم. وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٧٤): رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجاله ثقات. قال الحافظ في الفتح (١٢/ ١٢٩): أخرجه أحمد بسند حسن. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح الترغيب (٢٠٥٩) و(٢٣٨٠).
[ ٩ / ١٨٦ ]
٣١٢٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- أَن رَسُول الله -ﷺ- رأى خَاتمًا من ذهب فِي يَد رجل فَنَزَعَهُ وَطَرحه وَقَالَ يعمد أحدكُم إِلَى جَمْرَة من نَار فيطرحها فِي يَده فَقيل للرجل بَعْدَمَا ذهب رَسُول الله -ﷺ- خُذ خاتمك انْتفع بِهِ فَقَالَ لَا وَالله لَا آخذه وَقد طَرحه رَسُول الله -ﷺ- رَوَاهُ مُسلم (^١).
قوله: وعن ابن عباس -﵄-، تقدم الكلام عليه.
قوله: أن رسول الله -ﷺ- رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيطرحها في يده، الحديث يعمد بكسر الميم في المضارع وبفتحها في الماضي ومعناه يقصد، أجمع المسلمون على تحريم خاتم الذهب على الرجال وأجمعوا على إباحته للنساء وكذا لو كان بعضه ذهبا وبعضه فضة حتى لو كان سر الخاتم ذهبا أو كان مموها بذهب يسير فهو حرام على الرجال لعموم الحديث الآخر في الذهب والحرير "إن هذين حرام على ذكور أمتي حل إناثها" وخواتيم الذهب وسائر أنواع الحلي منه ومن الفضة حل لها سواء المتزوجة والشابة والعجوز والغنية والفقيرة هذا مذهب جمهور العلماء، وحكي القاضي (^٢) عن قوم إباحته للرجال والنساء (^٣) وعن ابن الزبير
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٢ - ٢٠٩٠)، والبزار (٥٢٢٨)، وأبو عوانة (٩٠٦١)، وابن حبان (١٥)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤١٤ رقم ١٢١٧٥)، والبيهقي في الآداب (٥٣٥) والكبرى (٢/ ٥٩٥ رقم ٤٢١٤) والشعب (٨/ ٣٤٦ رقم ٥٩٢١ و٥٩٢٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٦٠) وغاية المرام (٨٠) والمشكاة (٤٣٨٥).
(٢) إكمال المعلم للقاضي عياض (٦/ ٥٧١).
(٣) منهم معاوية بن قرة فيما سأله شعبة عن الشرب في قدح من فضة، فقال له: لا بأس. رواه عنه أبو بكر ابن أبى شيبة في المصنف ٥/ ١٠٤ (٢٤١٥٠).
[ ٩ / ١٨٧ ]
تحريمه عليهما، ثم انعقد الإجماع على إباحته للنساء وتحريمه على الرجال (^١)، أ. هـ، وفي هذا الحديث إزالة المنكر باليد لمن قدر عليها وفيه تصريح بأن النهي عن خاتم الذهب للتحريم كما سبق وفيه المبالغة من الصحابة -﵃- إلى امتثال أمر رسول الله -ﷺ- واجتناب نهيه وعدم الترخص فيه بالتأويلات الضعيفة ثم إن هذا الرجل إنما ترك الخاتم على سبيل الإباحة لمن أراد أخذه من الفقراء وغيرهم وحينئذ يجوز أخذه لمن شاء فإذا أخذه جاز تصرفه فيه ولو كان صاحبه أخذه لم يحرم عليه الآخذ والتصرف فيه بالبيع وغيره ولكن تورع عن أخذه وأراد الصدقة به على من يحتاج إليه لأن النبي -ﷺ- لم ينهى عن التصرف فيه بكل وجه إنما نهاه عن لبسه وبقى ما سواه من تصرفه على الإباحة، والله أعلم.
٣١٣٠ - وَعَن أبي سعيد -﵁- أَن رجلا قدم من نَجْرَان إِلَى رَسُول الله -ﷺ- وَعَلِيهِ خَاتم من ذهب فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله -ﷺ- وَقَالَ إِنَّك جئتني وَفِي يدك جَمْرَة من نَار رَوَاهُ النَّسَائِيّ (^٢).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٢ - ٣٣).
(٢) أخرجه ابن وهب في الجامع (٥٩٣)، وأحمد ٣/ ١٤ (١١٢٧٨)، والنسائي في المجتبى ٨/ ١٣١ (٥٢٣٢) و٨/ ١٤٥ (٥٢٥٠) والكبرى (٩٤٣٥) و(٩٤٦١)، وابن حبان (٥٤٨٩)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٨٩ - ٢٩٠ رقم ٨٦٦٤)، والدارقطني في المؤتلف والمختلف (١/ ٢٤٣). وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٥٤: قلت: روى النسائي طرفا من أوله يسيرا. رواه الطبراني في الأوسط. وأبو النجيب وثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٦١).
[ ٩ / ١٨٨ ]
قوله: وعن أبي سعيد -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله: أن رجلا قدم من نجران إلى رسول الله -ﷺ- وعليه خاتم من ذهب فأعرض عنه رسول الله -ﷺ-، الحديث، ونجران بلدة معروفة بين الحجاز والشام واليمن كذا قاله ابن الأثير (^١) وهو على سبع مراحل من مكة كانت منزلا للنصارى، وأما نجران فليست من الحجاز ولكن صالحهم رسول الله -ﷺ- على أن لا يأكلوا الربا فأكلوه ونقضوا العهد فأمر بإخراجهم فأجلاهم عمر -﵁- قاله في المهذب (^٢) وهو الصواب ففيه النهي عن خاتم الذهب على الرجال وهو إجماع من المسلمين كما تقدم في الحديث قبله وقد أجمع المسلمون أيضا على جواز خاتم الفضة للرجال فإن النبي -ﷺ- اتخذ خاتما من ورق والورق الفضة وكره بعض علماء الشام المتقدمين لبسه لغير ذلك سلطان ورووا فيه أثرا وهو شاذ مردود قال الخطابي رحمه الله تعالى (^٣): ويكره للنساء خاتم الفضة لأنه من شعار الرجال فإن لم تجد خاتم ذهب فلتصفره بزعفران وشبهه وهذا الذي قاله ضعيف أو باطل لا أصل له والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضة والله أعلم.
تتمة: بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه عمر بلغني إنك اشتريت فصا بألف درهم فإذا أتاك كتابي هذا فبع الخاتم
_________________
(١) النهاية (٥/ ٢١).
(٢) المجموع شرح المهذب (١٩/ ٤٢٩).
(٣) المجموع شرح المهذب (٤/ ٤٦٤) وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٦٧).
[ ٩ / ١٨٩ ]
وأشبع به ألف بطن واتخذ خاتما بدرهمين واجعل فصه حديدا طسا واكتب عليه رحم الله من عرف قدر نفسه وما يؤل إليه والله أعلم (^١).
٣١٣١ - وَعَن خَليفَة بن كَعْب -﵁- قَالَ سَمِعت ابْن الزبير يخْطب وَيَقُول لَا تلبسوا نساءكم الْحَرِير فَإِنِّي سَمِعت عمر بن الْخطاب -﵁- يَقُول قَالَ رَسُول الله -ﷺ- لَا تلبسوا الْحَرِير فَإِنَّهُ من لبسه فِي الدُّنْيَا لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة.
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَزَاد فِي رِوَايَة وَمن لم يلْبسهُ فِي الْآخِرَة لم يدْخل الْجنَّة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (^٢) (^٣).
قوله: وعن خليفة بن كعب (^٤) -﵁-[هو خليفة بن كعب التميمي أبو ذبيان البصري روى عن أبي الزبير والأحنف بن قيس وعنه حفصة بنت سيرين وشعبة وجعفر بن ميمون الأنماطي. قال النسائي ثقة له عندهم حديث واحد في لباس الحرير، وذكره ابن حبان في الثقات].
قوله: سمعت ابن الزبير يخطب ويقول: لا تلبسوا نساءكم الحرير فإني سمعت عمر بن الخطاب -﵁-.تقول: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تلبسوا الحرير
_________________
(١) الرسالة (١/ ٢٨١) للقشيري، ومدارج السالكين (٢/ ٣١٦) لابن القيم.
(٢) سورة الحج، الآية: ٢٣.
(٣) أخرجه أحمد ١/ ٣٧ (٢٥٧)، والبخاري (٥٨٣٤)، ومسلم (١١ - ٢٠٦٩)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٢١٥ (٥٣٤٩) والكبرى (٩٥١٢) و(١١٢٨٠).
(٤) ترجمته: طبقات ابن سعد: ٧/ ٢٥٩، وتاريخ البخاري الكبير: ٣/ الترجمة ٦٤١، وتاريخه الصغير: ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥، وتهذيب الكمال ٨/ الترجمة ١٧٢٢، وتهذيب ابن حجر:٣/ ١٦٢.
[ ٩ / ١٩٠ ]
فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" الحديث، هذا مذهب عبد الله بن الزبير -﵁- وأجمعوا بعده على إباحة الحرير للنساء وهذا الحديث الذي احتج به إنما ورد في لبس الرجال لوجهين، أحدهما: أنه خطاب للذكور ومذهبنا ومذهب محققي الأصوليين أن النساء لا يدخلن في خطاب الرجال عند الإطلاق، والوجه الثاني: أن الأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم بعد هذا وقبله صريحة في إباحته للنساء وأمره -ﷺ- عليا وأسامة أن يكسوه نساءه مع الحديث المشهور أنه -ﷺ- قال في الحرير والذهب: "إن هذين حرام على ذكور أمتي حل إناثها" وتقدم، فيباح لهن الحرير وجميع أنواعه وخواتيم الذهب وسائر الحلي منه ومن الفضة وسواء المزوجة والشابة والعجوز والغنية والفقيرة وهذا الذي ذكرناه من تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء هو مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكي القاضي عياض عن قوم إباحته للرجال والنساء، وعن ابن الزبير تحريمه على الرجال والنساء كما تقدم ثم انعقد الإجماع على إباحته للنساء وتحريمه على الرجال ويدل عليه الأحاديث المصرحة بالتحريم.
٣١٣٢ - وَعَن عقبَة بن عَامر -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- كَانَ يمْنَع أهله الْحِلْية وَالْحَرِير وَيَقُول إِن كُنْتُم تحبون حلية الْجنَّة وحريرها فَلَا تلبسوها فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٥ (١٧٥٨٣)، والنسائي في المجتبى ٨/ ٩٤ (٥١٨٠) والكبرى (٩٣٧٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤٨٣٧) ومعاني الآثار (٦٧١١)، وابن حبان =
[ ٩ / ١٩١ ]
قوله: وعن عقبة بن عامر -﵁- تقدم.
قوله: أن رسول الله -ﷺ- كان يمنع أهله الحلية والحرير ويقول: "إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها فلا تلبسوها في الدنيا" الحديث، والمراد بأهله -ﷺ- زوجاته وإنما كان -ﷺ- يمنع أهله ذلك تورعا لا أنه حرام عليهن الحرير والحلية كما تقدم في الأحاديث الصحيحة بإباحة ذلك للنساء والله أعلم.
فائدة: في الصحيح أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكيا القمل إلى النبي -ﷺ- في غزاة لهما فرخص لهما في قميص الحرير ورآه عليهما (^١) وشرط الجواز أن لا يمكن دفع القمل بتنظيف الثياب والجسد ونحو ذلك، قال الجاحظ (^٢): من الناس من يكون قمل الطباع فلا يزول القمل عن جسده إلا بلبس الحرير، كما اتفق للزبير وعبد الرحمن بن عوف، فإن الجسد [إذا] كان بطبعه يربي القمل، عم الحكم بعموم العلة سفرا وحضرا، وذكر الزمخشري في كتابه الفائق (^٣) أن لبس الحرير لمنع البراغيث أيضا فعلى هذا إذا كثرت البراغيث جاز لبسها ليلا للنوم فيها لأن ضرر
_________________
(١) = (٥٤٨٦)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٢ رقم ٨٣٥)، والحاكم (٤/ ١٩١). وصححه الحاكم على شرطهما وتعقبه الذهبي فقال لم يخرجا لأبى عشانة. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٣٨)، وصحيح الترغيب (٢٠٦٣)، المشكاة (٤٤٠٤/ التحقيق الثاني).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩١٩) و(٢٩٢٠) و(٢٩٢٢) و(٥٨٣٩)، ومسلم (٢٤ و٢٥ و٢٦ - ٢٠٧٦) عن أنس.
(٣) الحيوان (٥/ ١٩٩) للجاحظ.
(٤) لم أجده في الفائق.
[ ٩ / ١٩٢ ]
البراغيث أشد من ضرر القمل فيجوز النوم ليلا في ثياب الحرير قياسا على لبسها لدفع القمل والأصحاب في مواضع كثيرة قاسوا عليها خص، وهذا قياس في معنى الأصل والأصل المراد به حديث عبد الرحمن والزبير، أ. هـ قاله الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (^١).
٣١٣٣ - وَعَن أنس -﵁- أَن رَسُول الله -ﷺ- قَالَ قَالَ الله ﷿ من ترك الْخمر وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأسقينه مِنْهُ فِي حَظِيرَة الْقُدس وَمن ترك الْحَرِير وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ لأكسونه إِيَّاه فِي حَظِيرَة الْقُدس رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد حسن وَيَأْتِي فِي بَاب شرب الْخمر أَحَادِيث نَحْو هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى (^٢).
قوله: وعن أنس -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: قال الله ﷿: "ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه لاكسونه إياه في حظيرة القدس" وحظيرة القدس بالظاء المشالة الجنة لأنها محل الطهارة من أجناس الدنيا.
٣١٣٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- من سره أَن يسْقِيه الله الْخمر فِي الْآخِرَة فليتركها فِي الدُّنْيَا وَمن سره أَن يكسوه الله الْحَرِير فِي
_________________
(١) شرح الإلمام (٢/ ٣٣٩).
(٢) أخرجه البزار (٧٣٨١). قال الهيثمي في كشف الأستار ٣/ ٣٥٩ و٣/ ٣٨١: قلت: علته شعيب بن بيان. وقال في المجمع ٥/ ٧٦: رواه البزار، وفيه شعيب بن بيان قال الذهبي: صدوق، وضعفه الجوزجاني، والعقيلي، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٦٤) و(٢٣٧٥).
[ ٩ / ١٩٣ ]
الْآخِرَة فليتركه فِي الدُّنْيَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا شَيْخه الْمِقْدَام بن دَاوُد وَقد وثق وَله شَوَاهِد (^١).
٣١٣٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ ويل للنِّسَاء من الأحمرين الذَّهَب والمعصفر رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (^٢).
قوله: وعن أبي هريرة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "ويل للنساء من الأحمرين الذهب والمعصفر" ويل اسم واد في جهنم وقيل اسم حجر فيها، وقيل غير ذلك، وتقدم الكلام على الذهب، وأما المعصفر فعن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله -ﷺعليَّ ثوبين معصفرين، فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما" رواه مسلم وفي رواية: رأني رسول الله -ﷺ- وعلي ثوبان معصفران، فقال: " [أأمك] أمرتك بهذا" قلت: أغسلهما؟ قال: "بل احرقهما" وفي راوية علي أن رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٣٦٣ رقم ٨٨٧٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ٤١٣). وقال الطبراني: لم يرو هذين الحديثين عن ابن ثوبان إلا أسد بن موسى. قال العراقي في تخريج الإحياء (١٩٢٧): أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٦: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٣٧٦). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.
(٢) أخرجه ابن حبان (٥٩٦٨)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٢٥٦ رقم ٥٧٨٠) و(١٢/ ٥١٧ رقم ٩٨١٩). وقال الألباني: حسن صحيح "الصحيحة" (٣٣٩)، "صحيح الترغيب" (٢٠٦٦).
[ ٩ / ١٩٤ ]
نهى عن لبس القسي و[والمعصفر].
واختلف العلماء -﵃- في الثياب المعصفرة وهي المصبوغة بالعصفر فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك لكنه قال غيرها أفضل منها، وفي رواية عنه أنه أجاز لباسها في البيوت وأفنية الدور وكرهه في المحافل والأسواق ونحوها وقال أحمد وجماعة من العلماء: هو مكروه كراهية تنزويه وحملوا النهي الي ورد على هذا لأنه ثبت أن النبي -ﷺ- لبس حلة حمراه ففيه دليل على استحباب لبس الأحمر وقد اختار البيهقي تحريم المعصفر قال: وقد صحت الأحاديث فيه وقد قال الشافعي: إذا صح الحديث خلاف قولي فاعملوا بالحديث ودعوا قولي، وفي رواية فهو مذهبي وقد صح الحدي وقال الخطابي (^١): النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسخ فأما ما صبغ غزله ثم نسج فليس بداخل في النهي والله أعلم، وحمل بعض العلماء النهي هنا على المحرم بالحج أو العمرة ليكون موافقا لحديث ابن عمر نهى المحرم أن يلبس ثوبا مسه ورس أو زعفران وقد أتقن البيهقي [المسألة في] كتابه معرفة السنن نهي الشافعي الرجل عن المزعفر وأباح له المعصفر قال الشافعي: وإنما رخصت في المعصفر لأني لم أجد أحدا يحكي عن النبي -ﷺ- النهي عنه إلا ما قال علي -﵁-: نهاني ولا أقول نهاكم، قال البيهقي: وقد جاءت أحاديث تدل على
_________________
(١) معالم السنن (٤/ ١٩٣).
[ ٩ / ١٩٥ ]
النهي على العموم ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي هذا الذي ذكره مسلم ثم أحاديث ثم قال: فلو بلغت هذه الأحاديث الشافعي لقال بها إن شاء الله (^١)، قال البيهقي: قال الشافعي: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر قال: وأمره إذا تزعفر أن يغسله، قال البيهقي: فتبع السنة في المزعفر فمتابعتها في المعصفر أولى به، قال: وقد كره المعصفر بعض السلف، وبه قال أبو عبد الله الحليمي من أصحابنا ورخص فيه جماعة والسنة أولى بالاتباع والله أعلم (^٢).
قال ابن عبد البر (^٣): كان النبي -ﷺ- يحب من الألوان الخضرة ويكره الحمرة ويقول هي زينة الشيطان وقال مالك الأشتر لعلي: أي الألوان أحسن؟ قال: الخضرة لأنها (لون) (^٤) ثياب أهل الجنة وروي البيهقي في الشعب وابن عدي في الكامل عن عبد الله بن محمد بن مسلم فذكره إلى أن قال عن رافع بن زيد الثقفي عن النبي -ﷺ- أنه قال: الشيطان يحب الحمرة فإياكم والحمرة وكل ثوب ذو شهرة وبهذا السند إلى أنس قال: كنا نتحدث أن أحب الألوان إلى (رسول) (^٥) الله -ﷺ- الخضرة (١)، أ. هـ.
_________________
(١) معرفة السنن (٢/ ٤٥١ - ٤٥٤).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٤٥٥).
(٣) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٨٥٦) ونقله في الآداب الشرعية (٣/ ٥٢٨) لابن مفلح.
(٤) سقطت من الأصل ومثبتة في الآداب الشرعية لابن مفلح في الموضع السابق.
(٥) كذا هو وفي الكامل أحب الألوان إلى الله.
[ ٩ / ١٩٦ ]
فروع: ذكرها في مختصر الكفاية: يباح لبس الكتان والصوف والوبر والشعر ونحوها وإن كثرت قيمتها لأن نفاستها بالصنعة وكان لا يبعد تخريج وجه في تحريم ما نفاسته بصنعته كما قيل بمثله في الأواني ولكن المذاهب نقل ولا يكره لبس الناعم منه بل في التتمة والبحر أن لبس الخشن مكروه لا لغرض شرعي مع الاستغناء عنه لأنه تعذيب النفس وسواء غير المطبوع والمصبوغ وسواء الأحمر والأخضر والأسود وسواء نسج قبل الصبغ أو بعده هذا ظاهر كلام الأصحاب، وفي تعليق القاضي حسين: إن صبغ بعده لمنع الوسخ جاز أو للزينة لم يجز للرجل لأنه لباس النساء وفي
_________________
(١) = (١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٥٣ رقم ٧٧٠٨)، وابن عدى في الكامل (٤/ ٣٤٦) ومن طريقه البيهقي في الشعب (٨/ ٣٤٠ - ٣٤٣ رقم ٥٩١٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٦٧٠) عن رافع بن يزيد. وقال ابن عدى: ولأبي بكر غير ما ذكرت حديث صالح، وعامة ما يرويه عَمَّن يرويه لا يتابَع عليه، على أنه قد حدث عنه الثقات من الناس، وعامة ما يحدث به قد شورك فيه، ويحتمل ما يرويه، وفي حديثه ما لا يحتمل ولا يتابع عليه. وقال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٣٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٧١٨). وأما حديث أنس: أخرجه ابن عدى في الكامل (٤/ ٣٤٦) بلفظ أحب الألوان إلى الله. وأخرجه البزار (٧٢٣٤)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٩ - ٤٠ رقم ٥٧٣١) و(٨/ ٨١ رقم ٨٠٢٧) والشاميين (٢٥٩٩)، وابن عدى (٤/ ٤٢٠)، والبيهقي في الشعب (٨/ ٣٤٢ رقم ٥٩١٦). قال البزار: لا نعلم أحدا رواه عن قتادة عن أنس إلا سويد أبو حاتم. قال الهيثمي في المجمع ٥/ ١٢٩: رواه البزار، والطبراني في الأوسط، ورجال الطبراني ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٠٥٤).
[ ٩ / ١٩٧ ]
الصحيحين أنه -ﷺ- لبس حلة حمراء (^١)، وفي الصحيحين أيضا: "إن أعجب اللباس إليه -ﷺ- الحبرة" (^٢) قيل: وهي شملة فيها بياض وحمرة وروي الترمذي وأبو داود أنه -ﷺ- لبس بردين أخضرين (^٣)، وروي مسلم أنه -ﷺ- دخل مكة عام الفتح وعليه عمامة سوداء ولبسها على المنبر أيضا (^٤)، ومن ثم كان شعار بني العباس في الخطبة لبس الأسود، وأما الأصفر فقد نهى رسول الله -ﷺ- أن يتزعفر الرجل (^٥)، هذا دليل لمذهب الشافعي وموافقيه في تحريم لبس الثوب المزعفر على الرجل، أ. هـ وأما ما ورد عن ابن عمر أنه كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلء ثيابه من الصفرة ويقول: رأيته -ﷺ- يصبغ بها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته، ورواه أبو داود والنسائي (^٦)، وفي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٧٦) و(٣٥٥١) و(٥٨٤٨) و(٥٩٠١)، ومسلم (٩١ و٩٢ - ٢٣٣٧) عن البراء.
(٢) أخرجه البخاري (٥٨١٢) و(٥٨١٣)، ومسلم (٣٢ و٣٣ - ٢٠٧٩) عن أنس.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٠٦٥) و(٤٢٠٦)، والترمذي (٢٨١٢)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٣٣٧ (١٥٨٨) و٨/ ٢٢٥ (٥٣٦٣) عن أبى رمثة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن إياد، وأبو رمثة التيمي اسمه: حبيب بن حيان، ويقال اسمه: رفاعة بن يثربي. وقال الألباني: صحيح مختصر الشمائل (٣٦).
(٤) أخرجه مسلم (٤٥١ - ١٣٥٨) عن جابر بلفظ "أن النبي -ﷺ- دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء". ومسلم (٤٥٢ و٤٥٣ - ١٣٥٩) عن عمرو بن حريث بلفظ: "أن رسول الله -ﷺ- خطب الناس وعليه عمامة سوداء".
(٥) أخرجه البخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٧٧ - ٢١٠١) عن أنس.
(٦) أخرجه أبو داود (٤٠٦٤)، والنسائي في الكبرى (٩٣٠٥) والمجتبى ٨/ ٤٨ (٥١٢٩) عن ابن عمر. وقال الألباني صحيح الإسناد.
[ ٩ / ١٩٨ ]
الصحيحين عن ابن عمر قال: وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله -ﷺ- يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها (^١) فقيل: أراد خضاب لحيته بالصفرة وقيل أراد لبس ثياب صفرة. وبالجملة فالمزعفر حرام على الرجال صرح به في النساء ونقل البيهقي وغيره عن الشافعي أنه نهى الرجل عن الزعفران وأباح له المعصفر وتقدم ذلك في غير كلام مختصر الكفاية، قال البيهقي: والصواب منع المعفر وبه قال الحليمي للأحاديث الصحيحة ولو بلغت الشافعي لقال بها ومذهبه اتباع الحديث أ. هـ.
٣١٣٦ - وَعَن أبي أُمَامَة -﵁- قَالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- أريت أَنِّي دخلت الْجنَّة فَإِذا أعالي أهل الْجنَّة فُقَرَاء الْمُهَاجِرين وذراري الْمُؤمنِينَ وَإِذا لَيْسَ فِيهَا أحد أقل من الْأَغْنِيَاء وَالنِّسَاء فَقيل لي أما الْأَغْنِيَاء فَإِنَّهُم على الْبَاب يحاسبون ويمحصون وَأما النِّسَاء فألهاهن الأحمران الذَّهَب وَالْحَرِير الحَدِيت رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حيّان وَغَيره من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن زيد عَن الْقَاسِم عَنهُ (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦٦) و(٥٨٥١)، ومسلم (٢٥ - ١١٨٧) عن ابن عمر.
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٢٥٩ (٢٢٦٦٢)، وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (٦/ ٣٥٥)، وهناد في الزهد (١/ ٢٣٠)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٣٦ رقم ٧٩٢٣)، والبيهقي في الزهد الكبير (٤٤٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٦/ ١٢٠)، والديلمي من طريق أبى الشيخ كما في الغرائب الملتقطة (١٦٦٨). قال الهيثمي في المجمع ٩/ ٥٩ و١٠/ ٣٦٢: رواه أحمد والطبراني بنحوه باختصار، وفيهما مطرح بن زياد وعلي بن يزيد الألهاني، وكلاهما مجمع على ضعفه، ومما يدلك على ضعف هذا: أن عبد الرحمن بن عوف أحد =
[ ٩ / ١٩٩ ]
قوله: وعن أبي أمامة -﵁- تقدم الكلام عليه.
قوله -ﷺ-: "أريت أني دخلت الجنة فإذا أعالي أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المؤمنين وإذا ليس فيها أحد أقل من الأغنياء والنساء فقيل لي أما الأغنياء فإنهم على الباب يحاسبون ويمحصون" أي: يخلص بعضهم من بعض ومنه تمحيص الذنوب وهو إزالتها قاله في النهاية (^١) وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الزهد إن شاء الله تعالى.
قوله: من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد [قال الدارقطني: عبيد الله بن زحر، عن علي بن زيد نسخة باطلة].
٣١٣٧ - وَتقدم حَدِيث أبي أُمَامَة -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ يبيت قوم من هَذِه الْأمة على طعم وَشرب وَلَهو وَلعب فيصبحون وَقد مسخوا قردة وَخَنَازِير وليصيبنهم خسف وَقذف حَتَّى يصبح النَّاس فَيَقُولُونَ خسف اللَّيْلَة ببني فلَان وَخسف اللَّيْلَة بدار فلَان وليرسلن عَلَيْهِم حِجَارَة من السَّمَاء كَمَا أرْسلت على قوم لوط على قبائل فِيهَا وعَلى دور ولترسلن عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم الَّتِي أهلكت عادا على قبائل فِيهَا وعَلى دور بشربهم الْخمر ولبسهم الْحَرِير واتخاذهم الْقَيْنَات وأكلهم الرِّبَا وَقَطِيعَة الرَّحِم وخصلة نَسِيَهَا
_________________
(١) = أصحاب بدر والحديبية، وأحد العشرة، وهم أفضل الصحابة. والحمد لله. وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف؟ لضعف مطرح بن يزيد، ضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني وغيرهم. وضعفه جدا في الضعيفة (٥٣٤٦) وضعيف الترغيب (١٢٥٥) و(١٨٥٤).
(٢) النهاية (٤/ ٣٠٢).
[ ٩ / ٢٠٠ ]
جَعْفَر رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ (^١).
قوله -ﷺ- في حديث أبي أمامة -﵁-: "يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير" الحديث، وعن مجاهد أنه قال: المسخ بمعنى الختم والطبع على القلب لا مسخ الصور والله أعلم.
واختلف في القردة والخنازير، قال أبو الليث السمرقندي (^٢): اختلف الناس في الخلق الذين مسخهم الله تعالى (قال بعضهم: إن القردة والخنازير من نسل قوم قد مسخهم الله، وكذلك الفأرة والدعموص وغيرهما من الأشياء التي جاءت فيها الآثار أنهم مسخوا، وقال عامة) (^٣) أهل العلم هذا لا يصح بل كانت القردة وغيرها قد خلقوا قبل ذلك والذي مسخهم الله تعالى ليس لهم فرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام، روى المسور بن الأحنف قال: قيل
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (١٢٢٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦، وأحمد في المسند ٥/ ٢٥٩ (٢٢٦٦١) وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٥/ ٣٢٩ (٢٣٢٣٧ و٢٣٢٣٨ و٢٣٢٣٩ و٢٣٢٤٠)، وابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (٣)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٧١)، والحاكم ٤/ ٥١٥، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٦ رقم ٧٩٩٧)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٤٢٠ - ٤٢١ رقم ٥٢٢٦)، والشجري في الأمالى (٢/ ٣٧١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قال البوصيري في إتحاف الخيرة ٨/ ٩١: رواه أبو داود الطيالسي واللفظ له وأبو يعلى الموصلي وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند ومدار أسانيدهم على عاصم بن عمرو البجلي، وهو ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٠: رواه عبد الله، وروى الطبراني منه حديث أبي أمامة فقط، وفرقد ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٠٦).
(٢) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.
(٣) بستان العارفين (ص ٣٩٦).
[ ٩ / ٢٠١ ]
لعبد الله بن مسعود: أرأيت (القردة والخنازير من نسل القردة والخنازير التي كانت قبلها؟ قال عبد الله:) (^١) لم يمسخ الله أمة فيجعل الله لها نسلا ولكنها من نسل قردة وخنازير قد كانت قبل ذلك. انتهى.
قوله -ﷺ-: "وليصيبنهم خسف" قال في التنقيح على المصابيح (^٢): والخسف يكون في الأرض انتهى.
تتمة: قد كان سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله تعالى يقول: كان الخسف لمن قبلنا بالإعدام ولكرامة هذه الأمة على الله تعالى ولشفاعة نبينا محمدﷺ- فينا رفع الله عنا خسف الظاهر لأنه ﵊ طلب من الله تعالى أن لا يخسف بأمته كما فعل بمن مضى فأسعفه الله تعالى فيما طلب في الظاهر أتبع ذلك الستر، وأما خسف الباطن فلم يرفعه على ما ورد وذلك موجود ظاهر لا يرتاب أحد فيه ولا يشك ألا ترى إلى الخنزير وحالته وما هو فيه من التنجيس والتقذير فتنظر إلى شراب الخمر هل تجد بينهما فرقا إلا في الصورة الظاهرة والمعاني قد جمعت بينهما وكذلك أيضا إذا نظرت إلى الثعبان تجده ناعما أملس مليح المنظر فإذ قربته قتلك بسمه وأنت ترى كثيرا من أهل الوقت كذلك فتنظر في أحدهم ترى العبارة العذبة والكلام الطيب وكأنه أعظم الناس في المحبة فإذا اطمأننت إليه أو ركنت إلى جانبه أو رغبت عنه أهلكك بحسب حاله وحالك إما في مالك أو في عرضك أو دينك، وذلك سمه فأنى فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما، ألا ترى
_________________
(١) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.
(٢) كشف المناهج والتناقيح (٢/ ٣١١).
[ ٩ / ٢٠٢ ]
إلى السبع وحالته وإيذائه ورعبه للناس وخوفهم منه إذا سمعوا بحسه فضلا عن رؤيته بل من الناس من لا يستطيع رؤيته إلا ويهلك وهو مطبوع على الضرر الكلي ألا ترى إلى حاله إذ قد يكون شبعانا ريانا ومع ذلك إذا رأى آدميا أو ماشيته لم يملك نفسه إلا أن ينقض عليه يعبث به ويقتله ثم يمضي ويتركه على ذلك الحال لا حاجة له به لشبعه فتنظر إلى هؤلاء الظلمة وما وسع عليهم في دنياهم لم تبق له أمنية إلا وهي حاصلة فضلا عن الضرورات ثم فضلت الأموال عندهم ليس لهم حاجة يربرون على بعضها بالربا وعلى بعضها في المحرمات وفي البنيان والإسراف ثم مع ما بأيديهم من كثرة الأموال لا يقدر أحد منهم في الغالب أن يترك للضعيف المسكين درهما يكتسب فيه لنفسه وعياله بل يضربون على الشيء اليسير الضرب المؤلم ويؤذون على ذلك بالحبس والغرامة وغير ذلك مما عندهم من أنواع العذاب والرعب للمساكين وكثير من الضعفاء المساكين لا يستطيعون رؤيتهم لشدة سطوتهم فأي فرق بينهم وبين السبع إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما، ألا ترى إلى الكلاب وحالتها وإيذائها وتسليطها على رعب المساكين مرة برؤيتها ومرة بصوتها ومرة بتقطيعها الثياب وإيذائها في البدن وقد يؤول من قامت عليه من الآدميين صبيا صغيرا أو كبيرا أو ضعيفا إلى الإعدام البتة، وقد يكون فيها من هو كلب فيهلك من قرب منه مرة واحدة وقد وقع [] (^١) مشهور متعارف فانظر إلى هؤلاء الحرس الجبابرة في إرعابهم المسلمين وتسلطهم عليه بالأذية العظيمة في الدين والبدن والمال
_________________
(١) بياض في الأصل.
[ ٩ / ٢٠٣ ]
والروح والرعب الحاصل عند رويتهم للصبيان الصغار والكبار الضعفاء المساكين فأي فرق بينهم وبين الكلاب إلا في الصورة الظاهرة والمعاني الجامعة بينهما ألا ترى إلى العقرب وحالتها وإيذائها وكثرة تعقدها وسمها وأنها ليس لها صدر فانظر إلى بعضهم تجده كذلك ضيق الصدر منعقد الوجه لا يستطيع []، (^١) وجهه وضيق صدره فإن قربته وأنت لا تتحفظ على نفسك منه حصل لك منه الأذية العظمى أو في مالك أو بدنك أو عرضك وذلك سمه فأي فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما أ. هـ كلامه وهذا كثير لا يمكن حصره ولا عده وإنما ذكر ﵀ هذا تمثيلا لمن له لب فينظر إلى كيفية الخسف الواقع لكل إنسان بحسب حاله وحال ذنبه فإنا لله وإنا إليه راجعون على خسف القلوب وترك الاستحياء من عمل الذنوب قاله صاحب تهذيب النفوس في كتابه.
قوله -ﷺ-: "وخسف وقذف" تقدم الكلام على الخسف، والكلام الآن على القذف، قال في التنقيح: والقذف يريد به الريح الشديدة الباردة أو قذف الأرض الموتى بعد الدفن أو رمي أهلها بالحجارة (^٢).
قوله: "ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا على قبائل فيها وعلى دور" الريح العقيم ما ليس فيه نفع وخير [وهي: التي لا تلقح شجرا ولا تنشر سحابا ولا رحمة فيها ولا بركة أ. هـ قاله الثعلبي في تفسيره (^٣)] يعني: كل ما جاء
_________________
(١) بياض في الأصل.
(٢) كشف المناهج والتناقيح (٤/ ٤٨٦).
(٣) تفسير الثعلبي (٩/ ١١٨).
[ ٩ / ٢٠٤ ]
في القرآن من الريح بلفظ المفرد فهو عذاب وكل ما كان بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ (^١) فهو رحمة، وروي [ابن عباس عن] رسول الله -ﷺ- أنه قال: "ما أرسل الله ريحا إلا بمكيال ولا قطرة من المطر إلا بمكيال إلا يوم عاد ويوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ: بريح صرصر عاتية" وقال الله تعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ (^٢) أي: بطغيانهم يعني الفاعلة (^٣)، وعاد: قبيلة وهم قوم هود ﵇ وقصة عاد مشهورة مذكورة في التفاسير وفيه الإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها والله أعلم.
قوله: "بشربهم الخمر ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات وأكلهم الربا وقطيعة الرحم" سيأتي الكلام على شرب الخمر في بابه وكذلك قطيعة الرحم والربا.
٣١٣٨ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن غنم الْأَشْعَرِيّ قَالَ حَدثنِي أَبُو عَامر وَأَبُو مَالك الْأَشْعَرِيّ وَالله يَمِين أُخْرَى مَا كَذبَنِي أَنه سمع رَسُول الله -ﷺ- يَقُول لَيَكُونن من أمتِي أَقوام يسْتَحلُّونَ الْخمر وَالْحَرِير وَذكر كلَاما قَالَ يمسخ مِنْهُم قردة وَخَنَازِير إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظ لَهُ (^٤).
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٥٧.
(٢) سورة الحاقة، الآية: ٥.
(٣) قال الثعلبى: هى نعت مجازه بفعلتهم الطاغية (المصدر السابق).
(٤) أخرجه البخاري (٥٥٩٠)، وأبو داود (٣٦٨٨) و(٤٠٣٩)، وابن ماجه (٤٠٢٠)، وابن حبان (٦٧٥٤) و(٦٧٥٨)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٨٢ رقم ٣٤١٧) والشاميين (٥٨٨)، والبيهقي في الصغير (٤/ ١٧٦ رقم ٣٣٥٣) والكبرى (٣/ ٣٨٦ رقم ٦١٠٠) =
[ ٩ / ٢٠٥ ]
قوله: وعن عبد الرحمن بن غنم (^١)، وهو: عبد الرحمن بن غنم بن كريب بن هانئ بن ربيعة بن عامر بن عدي بن وائل بن ناجية، فذكره إلى أن قال: ابن الأشعري، الشامي، ذكره ابن يونس وابن مندة وآخرون في الصحابة وأنكر ابن أبي حاتم وآخرون صحبته وقالوا: تابعي مخضرم وكان مسلما في عهد رسول الله -ﷺ- ولم يره وقالوا: الأولون قدم على رسول الله -ﷺ- في السفينة مع أبي موسى الأشعري وأصحابه، كان يسقط فلسطين وقدم دمشق ودقم مصر مع مروان بن الحكم سنة خمس وستين روى عن النبي -ﷺ- مرسلا وسمع عمر بن الخطاب وعليا ومعاذا وأبا الدرداء وأبا ذر وأبا مالك الأشعري وغيرهم ويعرف بصاحب معاذ لكثرة لزومه له وكان عبد الرحمن أفقه أهل الشام، [بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام يفقه الناس وأبوه [غنم بن سعد ممن قدم مع أبي موسى الأشعري من الأشعريين على رسول الله (-ﷺ-)] وصحب رسول الله (-ﷺ-) وقتل في بعض المغازي بعد رسول الله (-ﷺ-)] وعليه تفقه عامة التابعين بالشام وكان له جلالة وقدر، قال ابن سعد: طعن هو ومعاذ بن جبل وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة في يوم واحد، توفي -﵁- سمة ثمان وسبعين ومناقبه كثيرة مشهورة.
_________________
(١) = و(١٠/ ٣٧٣ رقم ٢٠٩٨٨). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٠٦٧) والصحيحة (٩٠ و٩١).
(٢) ترجمته: الطبقات الكبرى ٧/ ٤٤١، تاريخ ابن يونس ١/ ٣١١، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٣٠٢، تهذيب الكمال ١٧/ ترجمة ٣٩٢٨. وما نقله الشارح هو من تهذيب الأسماء واللغات للنووى.
[ ٩ / ٢٠٦ ]
قوله: حدثني أبو عامر وأبو مالك الأشعري، وفي رواية: حدثني أبو مالك الأشعري ولم يشك أبو مالك ويكنى أبا مالك الأشعري وروي عنه جابر بن عبد الله وعبد الرحمن بن غنم، واختلف في اسم أبي عامر فقيل الحارث وقيل عبيد وقيل عمرو وقيل كعب بن عاصم، روى عن رسول الله قال الحافظ عبد الحق: ولم يخرج البخاري عن أبي مالك الأشعري شيئا في صحيحه فإن أراد بذلك أن البخاري ما خرج له بالجزم فنعم وإلا فقد خرج له على الشك وفي هذا من الفوائد أن البخاري رواه عن شيخه هشام بن عمار فقال فيه قال هشام ولم يقل حدثنا فزعم أبو محمد بن حزم أنه منقطع لم يسمعه منه.
قوله: فإنه سمعه منه إلا أنه أخذه عنه حال المذاكرة لا حال التحديث وهذه عادة البخاري مبالغة في الاحتياط وقد وصله الإسماعيلي في صحيحه وأبو نعيم في المستخرج وأبو داود في [سننه بأسانيد] صحيحة لا مطعن فيها.
قوله: والله يمين أخرى ما كذبني أنه سمع رسول الله يقول: "ليكونن من أمتي أقوام" فقوله: والله يمين أخرى أيضا تأكيد لحلف على صحة الخبر وفي هذا الحديث من أعلام النبوة الإخبار بهذه الأمور التي وقعت كما قال -ﷺ-، وفيه: أنهم داخلون مع ذلك في مسمى الأمة لكن قوله: "يستحلون "يخرجهم فإن من استحل ما حرمه الله مما أجمعوا عليه وعلم من الدين بالضرورة كفر اللهم إلا أن يكون معناه يستحلونه بالتأويل الباطل كما قال في الخمر يسمونها بغير اسمها فإن من يجعل النبيذ خمر أيطلق عليه الخمرية فيحمل
[ ٩ / ٢٠٧ ]
على الشبهة وفيه التصريح بتحريم الحرير ردا على من خالف وحمله على الكراهة وهو قول نقله ابن العربي في أحكامه وغيرها من جملة تسعة أقوال ثم انعقد الإجماع على خلافه.
وأما قوله: "الحر والحرير" بالكسر وبالمهملتين وبتخفيف الراء فرج المرأة أي الزنا وأصل حرح بكسر الحاء وسكون الراء وجمع أحراح ومنهم من شدد الراء وليس بجيد فعلى التخفيف يكون في حرح لا في حرر وذكره أبو موسى في حرف الحاء والراء والصواب الحر بالحاء والراء والتخفيف قال الحربي: التخفيف [] (^١).
والمشهور الخز بالخاء والزاي المعجمتين، وكذا قال ابن الجوزي وهو ضرب من ثياب الإبريسم معروف.
قوله: وكذا (جاء في كتابي البخاري وأبي داود ولعله حديث آخر كما ذكره أبو موسى وهو حافظ عارف بما روى وشرح فلا يتهم) في النهاية عن المديني (^٢) قال ابن بطال (^٣): وأما الحر فهو الفرج وليس كما تأوله من صحفه فقال: الخز من أجل مقارنته للحرير فاستحل التصحيف بالمقارنة مع أنه ليس في الخز تحريم فإن لحمته صوف ففيه خلاف والأصح جوازه لحديث أبي داود في ذلك ما لم يزد الحرير عليه وزنا وقد جاء في الحر
_________________
(١) بياض في الأصل.
(٢) النهاية (١/ ٣٦٦).
(٣) شرح الصحيح (٦/ ٥١).
[ ٩ / ٢٠٨ ]
التحريم ومعنى يستحلون الحر أي يستحلون المنهي عنه.
خاتمة: قال الحسن في الثياب ينسجها المجوس لم ير بها بأسا وقال ابن بطال (^١): اختلف العلماء في الصلاة في ثياب الكفار فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالصلاة فيما نسجوه وكره مالك الصلاة فيما لبسوه، وقال: إن صلى فيه يعيد في القوت وأجاز ذلك الكوفيون والثوري والشافعي وقالوا: لا بأس بلبساها وإن لم تغستل حتى يتبين فيها النجاسة إلا أن أبا حنيفة قال: أما السروايل والإزار فأكره أن يلبسها المسلم إلا بعد الغسيل، أ. هـ.
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٢٥ - ٢٦).
[ ٩ / ٢٠٩ ]