٥٦٥٥ - عَن أبي مُوسَى الأشْعَرِيّ -﵁- عَن النَّبِي -ﷺ- قَالَ إِن لِلْمُؤمنِ فِي الْجنَّة لخيمة من لؤلؤة وَاحِدَة مجوفة طولهَا فِي السَّمَاء سِتُّونَ ميلًا لِلْمُؤمنِ فِيهَا أهلون يطوف عَلَيْهِم الْمُؤمن فَلَا يرى بَعضهم بَعْضًا رواه البخاري (^١) واللفظ له ومسلم (^٢) والترمذي (^٣) إِلَّا أَنه قَالَ عرضهَا سِتُّونَ ميلًا وَهُوَ رِوَايَة لَهما.
قوله رحمه الله تعالى: "عن أبي موسى" أبو موسى اسمه عبد الله بن قيس تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "إن للؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا" الحديث، تقدم الكلام على الجنة واشتقاقها، وأما الخيمة فبيت من بيوت الأعراب معروفة، وهي من خيّم بالمكان إذا أقام فيه، والخيمة اشتقاقها من الخيم بكسر الخاء وهو الأصل، خيم كتمر وتمر ثم جمعوا الخِيَم على خيام كلكب وكلاب، والخيام جمع الجمع، كذا قاله الدَّمِيري (^٤) والواحدي والأزهري وابن الأعرابي. قالوا: والمتخذ من ثياب أو شعر أو صوف، لا
_________________
(١) صحيح البخاري (٤٨٧٩).
(٢) صحيح مسلم (٢٤) (٢٨٣٨).
(٣) الترمذي (٢٥٢٨ م)، وقال: هذا حديث صحيح.
(٤) انظر: النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٤١٣).
[ ١٤ / ٧٤٨ ]
يقال له خيمة إلا على وجه التجوز. وقال سيبويه: الخيام جمع كثرة، وخيمات جمع قلة. وقال ابن سيدة: الخيمات والخيام جمع خيمة. وقال ابن عطية وابن حبان: الخيام جمع خيمة، وتكون من الخشب والثياب، وخيام الجنة اللؤلؤ لحديث أبي موسى هذا، وفي الحديث: الشهيد في خيمة الله تحت أستارها تطل رحمة الله ورضوانه وأمنه، وهذه الخيام غير الغرف والقصور بل هي خيام في البساتين وعلى شواطئ الأنهار، قاله في حادي الأرواح (^١).
"فائدة": الفسطاط أيضا هو بيت من شعر وفيه ست لغات فسطاط وفستاط بالضم والكسر فيهما، وفسطاط أيضا كذلك، قاله الكرماني (^٢).
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "مجوفة"، هكذا هو في عامة النسخ. مجوفة، بالفاء، أي خالية الداخل غير مصمتة. قال القاضي عياض، وفي رواية السمرقندي: مجوبة، بالباء الموحدة، وهي المثقوبة، والمعنى واحد. قال: ورويناه في كتاب الْخطابِيّ (^٣): مجوَّبه، أي قطع داخلها بالمثقب، فتفرغ وخلا، من قولهم جبت الشيء إذا قطعته، والمِجْوَبُ آلة من حديد يقطع بها الآدم قطعًا مستديرًا، فالمجوبة من جوب بناؤه للمبالغة، انتهى. قاله عياض (^٤).
_________________
(١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٢١٠).
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٨/ ٦٠).
(٣) غريب الحديث للخطابي (١/ ٤٩٦).
(٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٦٣).
[ ١٤ / ٧٤٩ ]
قوله -ﷺ-: "طولها في السماء ستون ميلا" أي من حيث الارتفاع والعلو إلى جهة السماء. (^١) [قال عرضها ستون ميلا] (^٢) والميل اسم لمسافة معلومة متسعة لا يكاد بصر الرجل يحلق آخره وهو أربعة آلاف خطوة كل خطوة ثلاثة أقدام وهو ستة آلاف ذراع كل ذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضات معتدلات كل أصبع ست شعيرات معترضات معتدلات كل شعيرة ست شعرات من شعر البرذون وتقدم الكلام على ذلك في مواضع مختصرا ومبسوطا والله أعلم. قوله -ﷺ-: للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا. المراد بقوله: أهلون في اللغة أهل البيت. وقوله: فلا يرى بعضهم بعضا أي من سعة الخيمة وكبرها.
٥٦٥٦ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود -﵁- قَالَ لكل مُسلم خيرة وَلكُل خيرة خيمة وَلكُل خيمة أَرْبَعَة أَبْوَاب يدْخل عَلَيْهَا من كلل بَاب تحفة وهدية وكرامة لم تكن قبل ذَلِك لا مرحات وَلا دفرات وَلا سخرات وَلا طماحات حور عين كأنهن بيض مَكْنُون رواه ابن أبي الدنيا (^٣) من رواية جابر الجعفي موقوفا.
قوله: "وعن عبد الله بن مسعود" تقدم. قوله -ﷺ-: "لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة" الحديث، الخيرة بفتح الخاء المعمة وإسكان الياء واحدة الخيرات وهي الحور الحسان الخيرات الأخلاق، قاله ابن النحاس في كتاب الجهاد.
_________________
(١) هذان اللوحان ٢٧٢ و٢٧٣ بين المعقوفين سقطا من الأصل وأثبتا من النسخة الهندية.
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) أبن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣١٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٩٦).
[ ١٤ / ٧٥٠ ]
قوله: "ولكل خيرة خيمة" تقدم الكلام على الخيمة واشتقاقها. قوله -ﷺ-: "ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليها من كل باب تحفة وهدية وكرامة لم تكن قبل ذلك" الحديث، والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه والطرف محاسنة وملاطفة وقد تفتح الحاء والجمع التحف ثم يستعمل في غير الفاكهة من الألطاف والنعم.
قال الأزهري: أصل تحفة وُحْفَة فأبدلت الواو تاء [فتكون] على هذا من حرف الواو، اهـ، قاله ابن الأثير (^١) ومنه قوله في الحديث: فما تحفتهم؟ يعني أهل الجنة. قال: زيادة كبد الحوت هو من هذا. أي ما الذي يهدى إليهم يحضون به ويلاطفون ففي الصحيحن أنه -ﷺ- أخبر أن أول طعام يأكله أهل الجنة إذا دخلوا زيادة كبد الحوت وفي لفظ زيادة كبد النون والنون هو الحوت. وفي الصحيح (^٢) أن غداءهم على إثر ذلك أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها وأن شرابهم من عين تسمى سلسبيلا وسيأتي الكلام على ذلك قريبا مبسوطا [إن شاء الله تعالى] والله أعلم. قوله -ﷺ-: "إلا مرجات ولا ذفرات ولا سخرات ولا طماحات". قوله: "ولا مرجات" هو من المرج وهو الخلط ويطلق أيضا على الفساد ومعناه لم يكن عندهن فساد ومنه قوله في الحديث: كيف أنت إذا [مرِج] الدين أي فسد. قوله: "ولا ذفرات" هو من الذفر بالذال المعجمة المفتوحة ويقع على الطيب والكريه
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٨٢).
(٢) صحيح مسلم (٣٤ - (٣١٥).
[ ١٤ / ٧٥١ ]
ويفرق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به ومنه في صفة الحوض وطينه مسك أذفر أي طيب الريح. قوله: "ولا سخرات" هو من السخرية وهي الاستهزاء. قوله: ["ولا طمِحات"، هو من طمح بصري إلى الشيء [وعلا] (^١) [أي امتد] ومعناه لا ترفعن أبصارهن إلى غير أزواجهن.
قوله -ﷺ-: "حور عين كأنهن بيض مكنون" الحديث، الحور جمع حوراء وهي المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء شديدة سواد العين وقال زيد بن أسلم الحوراء التي يحار فيها الطرف وعين حسان الأعين. قال مجاهد الحوراء التي يحار فيها الطرف من رقة الجلد وصفاء اللون. قال الحسن: الحوراء شديدة بياض العين شديدة سوادها. [و] قال مقاتل العين حسان الأعين، ومن محاسن المرأة اتساع عينها في طول وضيق العين في المرأة من العيوب، [و] قيل غير ذلك [وسيأتي] لذلك زيادة على ما ذكر والله أعلم. وسيأتي أيضًا الكلام على قوله [تعالى]: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ (^٢) أو لؤلؤ مكنون قريبًا.
٥٦٥٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس -﵄- ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ (^٣) قَالَ الْخَيْمَة من درة مجوفة طولهَا فَرسَخ وَلها ألف بَاب من ذهب حولهَا سرادق دوره خَمْسُونَ فرسخا يدْخل عَلَيْهِ من كل بَاب مِنْهَا ملك بهدية من عِنْد الله عز
_________________
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) سورة الصافات، الآية: ٤٩.
(٣) سورة الرحمن، الآية: ٧٢.
[ ١٤ / ٧٥٢ ]
وَجل رواه ابن أبي الدنيا (^١) موقوفا وفي رواية له (^٢) وللبيهقي (^٣) الْخَيْمَة درة مجوفة فَرسَخ فِي فَرسَخ لَهَا أَرْبَعَة آلاف مصراع من ذهب وَإسْنَاد هَذِه أصح قوله: "وعن ابن عباس -﵄-" تقدم [الكلام عليه رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وبنيه وذويه]. قوله: "حور مقصورات في الخيام" أي محبوسات في الخيام.
لطيفة: قال بعضهم: لما ركن أبكارا وعادة الأبكار أن تكون مقصورة في خدرها أي محبوسة حتى يأخذها بعلها أنشأ الله ﷾ الحور وقصورهن في خدور الخيام حتى يجمع بينهن وبين أوليائه في الجنة. قاله في حادي الأرواح (^٤).
قوله: "خيمة من درة مجوفة" ويروى مجوبة ويروى مجبّاة وكله بمعنى قالوا هو اللؤلؤ المجوف الواسع وتقدم الكلام على ذلك في أول [الباب].
"طولها فرسخ وعرضها فرسخ"، أما الفرسخ فهو ثلاثة أميال والميل هو ثلث فرسخ وكل بريد اثنا عشر ميلا وتقدم الكلام على الميل في الباب.
قوله: "حولها سرادق ودورة خمسون فرسخًا" السرادق بضم السين واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف "هو القطن""
_________________
(١) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٢٩) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٩٧).
(٢) ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٣٢٥).
(٣) البيهقي في البعث والنشور (٣٩٣)، وابن جرير الطبري في التفسير (٢٢/ ٢٧١).
(٤) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراخ (ص: ٢١٠).
[ ١٤ / ٧٥٣ ]
فهو سرادق، قاله الكرماني (^١).
قوله في رواية البيهقي لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، المصراع جانب الباب وتقدم الكلام عليه قريبا.
٥٦٥٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو -﵄-. قالَ قَالَ رَسُول الله -ﷺ- إِن فِي الْجنَّة غرفا يرى ظَاهرهَا من بَاطِنهَا وباطنها من ظَاهرهَا فَقَالَ أَبُو مَالك الأشْعَرِيّ لمن هِيَ يَا رَسُول الله قَالَ لمن أطاب الْكَلام وَأطْعم الطَّعَام وَبَات قَائِما وَالنَّاس نيام رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (^٢) وَرَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي مَالك الأشْعَرِيّ إِلَّا أَنه قَالَ أعدهَا الله لمن أطْعم الطَّعَام وَأفْشى السَّلَام وَصلى بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام (^٣).
٥٦٥٩ - وَرُوِيَ عَن عمرَان بن حُصَيْن وَأبي هُرَيْرَة -﵁- قَالا سُئِلَ رَسُول الله -ﷺ- عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ (^٤) قَالَ قصر فِي
_________________
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٨/ ٦٠).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٣ (٦٦١٥)، والطبرانى في الكبير (١٤/ ٨٠ رقم ١٤٦٨٧)، والحاكم (١/ ٨٠ و٣٢١). ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٥٤)، وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناده حسن، واللفظ له، وفي رواية أحمد: فقال أبو موسى الأشعري". وقال الألبانى: حسن صحيح صحيح الترغيب (٦١٧) و(٩٤٦) و(٢٦٩٢) و(٣٧١٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٩٠٥)، وابن خزيمة (٢١٣٧)، وابن حبان (٥٠٩). وصححه الألبانى في صحيح الترغيب (٩٤٧) و(٣٧١٨). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(٤) سورة الصف، الآية: ١٢.
[ ١٤ / ٧٥٤ ]
الْجنَّة من لؤلؤة فِيهَا سَبْعُونَ دَارا من ياقوتة حَمْرَاء فِي كل دَار سَبْعُونَ بَيْتا من زمردة خضراء فِي كل بَيت سَبْعُونَ سريرا على كل سَرِير سَبْعُونَ فراشا من كل لون على كل فرَاش امْرَأَة فِي كل بَيت سَبْعُونَ مائدة على كل مائدة سَبْعُونَ لونا من طَعَام فِي كل بَيت سَبْعُونَ وصيفا ووصيفة يعْطى لِلْمُؤمنِ من الْقُوَّة مَا يَأْتِي على ذَلِك كُله فِي غَدَاة وَاحِدَة. رواه الطبراني (^١) والبيهقي (^٢) بنحوه.
قوله: "عن عمران بن حصين وأبي هريرة" تقدم الكلام عليهما -﵄-. قوله: "قالا سئل رسول الله -ﷺ- عن قوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قال قصر في الجنة من لؤلؤة بيضاء" الحديث.
قال الحافظ شرف الدين الدمياطي رحمه الله تعالى: قلت: ففي هذا
_________________
(١) الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ١٦٠/ ٣٥٣)، والمعجم الأوسط (٤٨٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٢٠) رواه الطبراني، وفيه جسر بن فرقد، وهو ضعيف. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٧٠٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٩٨): موضوع.
(٢) البيهقي في البعث والنشور (٢٥٥) والحسين المروزي في زيادات الزهد والرقائق لابن المبارك (١٥٧٧)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (١٧٧)، والبزار= البحر الزخار (٣٥٦٣)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٦٠٩)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٧٧) وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه عن النبي -ﷺ- بهذا اللفظ إلا عمران بن حصين وأبا هريرة، ولا نعلم لهما طريقا يروى عنهما إلا هذا الطريق، وجسر بن فرقد لين الحديث وقد روى عنه أهل العلم وحدثوا عنه والحسن فلا يصح سماعه من أبي هريرة من رواية الثقات، عن الحسن.
[ ١٤ / ٧٥٥ ]
القصر الشريف تسعون وأربعمائة بيت من زمردة خضراء ومن الأسرة ثمانية وعشرون ألف سرير وستمائة وثلاثون سريرا، ومن الوصائف كذلك ومن الموائد كذلك ومن الفرش ألف ألف فراش وأربعة آلاف فراش ومائة فراش ومن النساء مثل ذلك ومن ألوان الطعام مثل ذلك فسبحان من لا يحصى فضله ولا ينفد عطاؤه. قاله في [كتابه] المتجر الرابح في العمل الصالح.
[ ١٤ / ٧٥٦ ]