عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكَر" خرَّجه البخاري ومسلم.
١ هذا الحديث هو أوَّلُ الأحاديث الثمانية التي زادها الحافظ ابن رجب ﵀، فأكمل العدة خمسين على ما جمعه الإمام النووي ﵀ في الأحاديث الأربعين، ويُلاحظ أنَّ الحافظ ابن رجب عند ذكر الذين رووا الأحاديث من الأئمة يُعبّر ب"خرَّجه"، ويُعبِّر أيضًا ب"رواه"، وأمَّا النووي فكان تعبيره ب"رواه"، ولا فرق بين التعبيرين؛ لأنَّ معناهما واحد.
٢ هذا الحديث أصلٌ في قسمة المواريث، والمراد بالفرائض الفرائض المقدَّرة في كتاب الله، وهي ستة، وهي: الثلثان، والثلث، والسدس، والنصف، والربع، والثمن، ويُقال فيها اختصارًا: الثلثان، والنصف، ونصفهما، ونصف نصفهما، أو يُقال: الثمن، والسدس، وضعفهما، وضعف ضعفهما، أو يُقال: الثلث، والربع، وضعف كلٍّ، ونصفه، والمراد الفروض المقدَّرة وما جاء معها في القرآن من الإرث بغير تقدير، في حال اجتماع الأولاد والإخوة لغير أم، ففي حال اجتماع الأولاد إذا كانوا ذكورًا وإناثًا فللذَّكَر مثل حظِّ الأنثيين، وإن كانوا إناثًا لا ذكور معهنَّ، فللثنتين فأكثر الثلثان، وللبنت الواحدة النصف، هذا إذا كنَّ في درجة واحدة، كالبنات وبنات الأبناء، فإن كنَّ في درجتين وكان البنات ثنتين فأكثر لم يكن لبنات الابن شيء؛ لاستيعاب البنات الثلثين،
[ ١٣٨ ]
وإن كانت البنت واحدة فلها النصف، ولابنة الابن أو بناته السدس تكملة الثلثين؛ لثبوت السنة في ذلك عن رسول الله ﷺ، رواه البخاري (٦٧٣٦)، أمَّا إذا كان الأولاد ذكورًا خُلَّصًا، سواء كانوا أبناء أو أبناء بنين عند فقد الأبناء، فإنَّ الواحدَ منهم يحوز الميراث كلَّه، والجمع يقتسمونه بينهم بالسوية، ويُقال أيضًا في ميراث الإخوة الأشقاء والإخوة لأب ما قيل في ميراث الأولاد من تقديم الإخوة الأشقَّاء على الإخوة لأب، فيقتسم الذكور الخُلَّص الميراث بالسوية، فإن كانوا ذكورًا وإناثًا فللذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، والواحدة منهنَّ لها النصف، والاثنتان فأكثر لهما الثلثان، ويكون ميراث الإخوة لأب مثل ميراث الإخوة الأشقاء عند فقدهم، وإذا وُجد أخت شقيقة أخذت النصف، وللأخوات لأب معها السدس تكملة الثلثين، سواء كنَّ واحدة أو أكثر، وأمَّا الأبوان فلكلِّ واحد منهما السدس إذا كان للميت ولد، وإن كان الولد إناثًا فإنَّ الأبَ يأخذ الباقي تعصيبًا، وإذا لم يكن للميت ولد فإنَّ الأمَّ تأخذ الثلث، والباقي للأب، إلاَّ أنَّه في هذه الحالة إذا كان مع الأبوين أحد الزوجين فإنَّ الأمَّ تأخذ ثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزوجين، ويُقال لهاتين المسألتين العُمريتان؛ لقضاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بذلك.
وإذا كان للميت إخوة، سواء كانوا أشقَّاء أو لأب أو لأم، فإنَّ ميراث الأم يكون السدس، والجد أبو الأب يرث ميراث الأب عند فقده، والجدَّة عند فقد الأم ترث السدس، سواء كانت الجدة من قبل الأم أو من قبل الأب، وعند اجتماع الجدَّات الوارثات يشتركن في السُدُس، وأمَّا الإخوة لأم فميراث الواحد منهم السُدس إذا لم يكن
[ ١٣٩ ]
للميت فرع وارث أو أصل من الذكور وارث، وإن كانوا أكثر من واحد، سواء كانوا ذكورًا خلَّصًا، أو إناثًا خلَّصًا، أو ذكورًا وإناثًا، اشتركوا في الثلث بالسوية، لا فرق في ذلك بين ذكورهم وإناثهم، وأمَّا ميراث الزوجين، فالزوج يرث النصف إذا لم يكن للميت فرع وارث، فإن وُجد كان له الربع، والزوجة ترث الربع إذا لم يكن للميت فرع وارث، فإن وُجد كان لها الثمن، وإن كنَّ أكثر من زوجة اشتركن في الربع أو الثمن.
قد ذكر الله ﷿ في كتابه العزيز قسمة المواريث في ثلاث آيات: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآية، وهي في ميراث عَمودَي النسب، أصول الميت وفروعه، والآية الثانية قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآية، وهي في ميراث الزوجين والإخوة لأم، والآية الثالثة قوله تعالى في آخر آية من سورة النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الآية، وهي في ميراث الإخوة الأشقاء والإخوة لأب.
٣ مِمَّا تقدَّم يتبيَّن أنَّ الأبناءَ وأبناءَ الأبناء وإن نزلوا إذا كان معهم إناث اشتركوا في الميراث: للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، وكذلك الإخوة الأشقاء والإخوة لأب تشترك معهم أخواتهم: للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، وأمَّا أبناء الإخوة لأم فليس لهم نصيب في الميراث، وأمَّا أبناء الإخوة الأشقاء والإخوة لأب وكذلك الأعمام وإن علوا أو أبناء الأعمام وإن نزلوا، فإنَّ ذكورَهم يستقلُّون بالميراث عن أخواتهم؛ لأنَّ الإناث منهم لا يُفرض لهنَّ عند الانفراد، فكذلك لا ميراث لهنَّ عند الاجتماع، ويختصُّ
[ ١٤٠ ]
الذكور منهم بالميراث؛ لقوله ﷺ: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر".
وإذا كان للميت بنت أو بنات وأخت شقيقة أو شقيقات وله أيضًا إخوة لأب، فإنَّ الإخوة لأب لا يرثون؛ وترث الشقيقة أو الشقيقات ما زاد على فرض البنات تعصيبًا مع الغير؛ لثبوت السنَّة بذلك عن رسول الله ﷺ، رواه البخاري (٦٧٤١)، و(٦٧٤٢)، فيكون ذلك مستثنى من حديث: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر"؛ لأنَّ الشقيقات أقربُ إلى الميت من الإخوة لأب.
٤ فائدة ذِكر الذَّكر بعد الرجل في قوله: "فلأولى رجل ذكر" أنَّ الرَّجل هو الذي يكون كبيرًا وفيه نجدة وقوة، فأضيف إليه لفظ"ذكر" لبيان أنَّ الميراث منوطٌ بالذكورة لا بالرجولة والقوة، فيتساوى في ذلك مَن يكون كبيرًا جدًّا ومن يكون صغيرًا جدًّا.
٥ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ كمال الشريعة واشتمالها على قواعد كليَّة عامة، كما جاء في هذا الحديث.
٢ تقديم من يرث بالفرض فيُعطى ميراثه، وما بقي يكون لِمَن يرث بغير تقدير.
٣ بناء على هذا الحديث يكون الراجح في مسألة الجد والإخوة اختصاص الجدِّ بالميراث دون الإخوة؛ لأنَّه أصل، والإخوة يرثون كلالة، والجدُّ مثل الأب، فيستقلُّ بالميراث دونهم، وأيضًا يكون الراجح تقديم الإخوة لأم على الإخوة الأشقاء في مسألة المشرَّكة؛ لأنَّ الإخوة لأم
[ ١٤١ ]
يرثون بالفرض، والأشقاء يرثون بالتعصيب، وصاحب الفرض يُعطَى فرضه، ويأخذ الذين يرثون بالتعصيب ما بقي إن بقي بعد الفروض شيء، وإلاَّ سقطوا.
[ ١٤٢ ]